يقول الله جل وعلا : وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين [ الأنعام : آية ٥٣ ].
قوله : كذلك أي : وكذلك الفتون المتقدم الذي فتن الله فيه أغنياء العرب ورؤساءهم فتنهم بضعفاء المسلمين حيث احتقروهم، وأبوا أن يجالسوا النبي صلى الله عليه وسلم وهم معه في المجلس، وقالوا له : اطردهم عنا، فإنا لا نرضى أن نجلس معهم. حتى أنزل الله في ذلك ما أنزل.
وكذلك أي : كما فتن هؤلاء الأغنياء بهؤلاء الفقراء، كذلك فتنا بعضهم ببعض، فالله يفتن بعض الناس ببعض، يفتن الغني بالفقير، والفقير بالغني.
وقد قدمنا مرارا أن الفتنة أطلقت في القرآن ثلاثة إطلاقات، وبعضهم يقول : أربعة إطلاقات، أما الإطلاقات الثلاث الذي لم يخالف فيها أحد :
فمنها إطلاق الفتنة على ( الاختبار )، وهو أشهرها في القرآن.
ومنها إطلاق الفتنة على ( الإحراق بالنار ) ؛ لأن العرب تقول : فتنت الذهب، إذا سبكته في النار وأذبته، أي : ليتبين أخالص هو أم زائف. ومن إطلاق الفتنة على مطلق الوضع في النار قوله تعالى : يوم هم على النار يفتنون [ الذاريات : آية ١٣ ] أي : يحرقون بالنار – والعياذ بالله – وقوله تعالى : إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات [ البروج : آية ١٠ ] أي : أحرقوهم بنار الأخدود على أصح التفسيرين.
وكذلك تطلق الفتنة على نتيجة الاختبار إن كانت سيئة خاصة، كالمعاصي والكفر، فإن الكفار والعصاة اختبرهم الله بالأوامر والنواهي، فكانت نتيجة الاختبار فيهم غير محمودة حيث كفروا وعصوا ؛ ولذا يطلق اسم ( الفتنة ) على الكفر والمعاصي، ومنه قوله تعالى : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة [ البقرة : آية ١٩٣ ] أي : حتى لا يبقى شرك. وهذا أصح التفسيرين، والدليل على صحة هذا التفسير : قوله صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ". فغاية " حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله " في هذا الحديث الصحيح يفسر الغاية في قوله : حتى لا تكون فتنة أي : لا يبقى أحد إلا وهو يشهد أن لا إله إلا الله على أظهر التفسيرين، وخير ما يفسر به القرآن بعد القرآن : السنة الصحيحة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم [ النحل : آية ٤٤ ] فالسنة بيان للقرآن.
الرابع : إطلاق الفتنة بمعنى ( الحجة )، كما قاله بعض العلماء في قوله المتقدم : ثم لم تكن فتنتهم [ الأنعام : آية ٢٣ ] أي : حجتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين على القول بذلك.
والمراد بالفتنة في هذه الآية التي نحن بصددها : الاختبار والابتلاء. أي : فتنا بعضهم ببعض أي : اختبرنا وابتلينا بعضهم ببعض. فالأغنياء يبتلون بالفقراء، والفقراء يبتلون بالأغنياء، وقد بين الله في سورة لقمان : أن هذا الابتلاء يحتاج إلى صبر، وأن لله فيه حكمة كما قال : وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا [ الفرقان : آية ٢٠ ] غالبا الأغنياء يبتلون ويفتنون بما يعطيه الله للفقراء من الدين والإيمان بالله ( جل وعلا )، والفقراء غالبا يبتلون بما يعطيه الله للأغنياء من الدنيا، فيقول الفقراء : كيف أعطي هؤلاء الغنى والدنيا، ونحن خير منهم ولم نعطها ؟ ويحسدونهم على غناهم، كما أن الأغنياء يقولون : كيف يكون هؤلاء الفقراء على حق ودين ويكونون أفضل منا ونحن خير منهم ؟
وهذا النوع من الابتلاء هو المقصود هنا. أي : جعلنا فقراء المسلمين ابتلاء وامتحانا لأغنياء الكفار، حيث قالوا : هؤلاء الضعفاء كيف يعبأ الله بهم وهم لا جاه لهم ولا مكانة ؟ والله لا يعبأ الله بهم، ولو كان ما هم عليه فيه خير لكنا سابقين إليه ؛ لأنا أفضل منهم وأولى منهم بكل خير.
كما قال تعالى عن الكفار في هذا الموضوع : لو كان خيرا ما سبقونا إليه [ الأحقاف : آية ١١ ] وكما قال : وإذا تتلى عليهم ءاياتنا قال الذين كفروا للذين ءامنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا [ مريم : آية ٧٣ ] أينا أحسن مجالس وأكثر غنى و أثاثا ؟ يعنون : أنا أفضل منكم، ولو لم نكن أفضل عند الله منكم في الآخرة لما فضلنا عليكم في الدنيا ! ! يقيسون الدنيا على الآخرة، ويحتقرون المسلمين، ويحلفون أن هؤلاء الضعفاء لا يرحمهم الله، ولا يعبأ بهم لسقوط مكانتهم فيما يظنون. كما يأتي في الأعراف في قوله : أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون [ الأعراف : آية ٤٩ ] وكانوا إذا رأوهم يحتقرونهم، ويسخرون منهم، ويغمز بعضهم بعضا فيقولون : هؤلاء الضعفاء الفقراء، والأعبد الموالي الذين لا يعبأ بهم أحد، هم الذين يقول محمد صلى الله عليه وسلم : إن لهم عند الله المكانة العظيمة، وأنهم خير منا، كما قال الله تعالى : وإذا مروا بهم يتغامزون [ المطفيفين : آية ٣٠ ] أي : يغمز بعضهم بعضا احتقارا لضعفاء المؤمنين، كانوا يسخرون منهم في دار الدنيا، ويتغامزون عليهم، ثم إنه يوم القيامة يكون أولئك الضعفاء في أعلى عليين، ويسخرون في ذلك الوقت من الذين كانوا يسخرون منهم، كما في قوله : زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين ءامنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة [ البقرة : آية ٢١٢ ] وقد نص الله تبارك وتعالى في السورة الكريمة – سورة الصافات – على أن أهل الجنة يمكنهم أن ينظروا أهل النار، وقد يتكلمون مع بعضهم، كما جاء في قصة ذلك الرجل المقصوص خبره في الصافات، وذلك كما بينه المفسرون : أنه كان رجلان شريكين في تجارة كثيرة، ثم اقتسما، وأخذ كل منهما نصيبه، وأحدهما مؤمن، والثاني كافر، وكان المؤمن ينصح الكافر للدين، والكافر يرشد المؤمن إلى الكفر وإنكار البعث – والعياذ بالله – فتزوج الشريك الكافر امرأة حسنة جميلة، وأعطاها مالا طائلا، فقال شريكه المؤمن : اللهم إن فلانا تزوج امرأة جميلة، وأعطاها كذا وكذا، وإني أخطب إليك من نساء الجنة بمثل المهر الذي تزوج به، وتصدق بقدر ذلك المهر. ثم إن فلانا – الكافر – اشترى بساتين وضياعا، فقال أيضا صاحبه : اللهم إن فلانا اشترى كذا وكذا بكذا، وإني أشتري منك في الجنة بذلك الثمن، فتصدق بالثمن على الفقراء والمساكين. حتى افتقر ذلك المؤمن، وجاء لشريكه الكافر يطلب أن يكون عنده أجيرا، فامتنع أن يشغله، ولامه ووبخه، فدخل ذلك المؤمن الجنة وذلك الكافر النار، وكان ذلك المؤمن يتحدث [ مع ] جلسائه [ في ] الجنة، وقال لهم : كان لي في الدنيا صديق صاحب من أمره كيت وكيت، فاطلعوا معي لنرى حاله وما هو عليه في النار، فأخبروه أنهم لا يعرفونه معرفة سابقة، ولا حاجة لهم فيه، وأنه هو إن شاء يطلع لينظر إليه، فاطلع فرآه في النار، وقال له ذلك الكلام الذي ذكره الله في الصافات، أشار الله إلى هذه القصة بقوله في أهل الجنة : وعندهم قاصرات الطرف عين كأنهن بيض مكنون فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول أءنك لمن المصدقين إنكارا للبعث أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون إنا لمجازون ؟ لا يكون ذلك. إنكارا منه للبعث قال هل أنتم مطلعون يعني : مطلعون معي في النار لنشرف على حاله فاطلع فرءاه في سواء الجحيم قال تالله إن كدت لتردين ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين [ الصافات : الآيات ٤٨ ٥٧ ].
ومعنى قوله ( حل وعلا ) هنا : فتنا بعضهم ببعض أي : جعلنا بعضهم فتنة لبعض، كما جعل الله فقراء المسلمين الضعفاء، الذين ليس لهم مال ولا جاه في ذلك الوقت، كبلال، وعمار، وصهيب، وما جرى مجرى ذلك من الفقراء، الذين ليسوا أصلا من قريش، ولا مال عندهم، فتن الله بهم أولئك الأغنياء. كأن الله ( جل وعلا ) قال : إنه من حكمته أن يفتنهم بهم ليقولوا هذا القول محتقرين لهؤلاء، ليسوا عارفين بحقيقة الأمر فتنا بعضهم ببعض لأجل أن يقولوا. أي : أن يقول أولئك الأغنياء محتقرين لأولئك الفقراء إنكارا : أهؤلاء يعنون : أهؤلاء المساكين الفقراء الذين لا يعبأ بهم، من الله عليهم فأعطاهم المنة العظمى، وهي التوفيق والإيمان لما يرضي الله جل وعلا، والفضل برضا الله ( جل وعلا ) عنهم، إنكارا لهم أن الله يمن على الضعفاء في زعمهم أنهم أحق بذلك منهم، وأن الذي هم عليه لو كان حقا لكان أولئك الأغنياء سابقين إليه. كما قال عنهم : لو كان خيرا ما سبقونا إليه [ الأحقاف : آية ١١ ] وقال الواحد منهم : ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى [ فصلت : آية ٥٠ ] ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا [ الكهف : آية ٣٦ ] لأوتين مالا وولدا [ مريم : آية ٧٧ ] هذا كله جهل منهم، يظنون أن الله ما أعطاهم الغنى والجاه في الدنيا إلا لأنهم يستحقون ذلك، وأن لهم مكانة عند الله وشرفا استحقوا به ذلك، والله ( جل وعلا ) كذبهم مرارا في هذه المقالة الكاذبة، قال : وما أموالكم ولا أولادكم يعني : التي تفتخرون بها في الدنيا وتقيسون عليها الآخرة بالتي تقربكم عندنا زلفى [ سبأ : آية ٣٧ ] وقال : أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون [ المؤمنون : الآيتان ٥٥ ٥٦ ] وبين أن ذلك استدراج من الله، كما قال : سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين [ الأعراف : الآيتان ١٨٢ ١٨٣ ] ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين [ آل عمران : آية ١٧٨ ] ولذا قال هنا : ليقولوا محتقرين ضعفاء المسلمين أهؤلاء الضعفاء الذين لا مكانة لهم، ولا مال، ولا جاه من الله عليهم أي : أعطاهم المنة العظمى برضاه، ودينه، وهداه من بيننا أي : لم يعطنا نحن ذلك ؟ كما قال قوم صالح عنه : أبشرا منا واحد نتبعه [ القمر : آية ٢٤ ] إلى أن قالوا : أءلقي الذكر عليه من بيننا [ القمر : آية ٢٥ ] أجاءه الوحي من الله من بيننا، ولم يكن أفضلنا ولا أغنانا ؟ هذا لا يمكن أبدا ! ! كما قال كفار مكة : وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم [ الزخرف : آية ٣١ ] صاحب مال وجاه ؛ لأن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يكن عنده الغنى، وقد رد الله عليهم بقوله : أهم يقسمون رحمت ربك [ الزخرف : آية ٣٢ ] لا وكلا ؛ ولذا قال هنا : ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا واللام هنا ( لام كي )، وهي للتعليل، والله يبتلي الخلق ليقع منهم ما يشاء الله من خير وشر، وله في ذلك حكمة، وبين أنه يبتلي لينجح بعض الناس في ذلك الامتحان، ويسقط بعضهم في ذلك الامتحان، أوضح ذلك في سورة المدثر، حيث قال ( جل وعلا ) – لأنه لما جاء في القرآن أن خزنة جهنم تسعة عشر ملكا، كان هذا فتنة للكفار، حيث قالوا : كيف ونحن الآلاف المؤلفة يقهرنا تسعة عشر شخصا ؟ فقال لهم واحد منهم كان قويا : أنا أكفيكم منهم كذا وكذا – قدر سبعة عشرة – وأنتم تقتلون الباقي فنحتل الجنة، وندخلها قهرا ! ! ولذا قال الله : عليها تسعة عشر ثم قال : وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ثم بين نتيجة هذه الفتنة، وهذا الاختبار، وصرح بأن قوما ناجحون فيه، وقوما بعكس ذلك. قال :{ ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين ءامنوا إيما
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير