ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠ

وهذا الظُّلمُ معناه: النقصان، أي: ينقص ثوابك بطردهم لو طردتهم، والظلم بمعنى: النقص معروف في اللغة (١) يقال: ظلم حقه، وهو كثير في القرآن -وقد ذكرنا ذلك-. وقال ابن زيد (٢): (فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (لهم بطردهم)، وهذا قول حسن) أي: إنهم لم يستحقوا منك الطرد فإذا طردتهم فقد ظلمتهم (٣).
٥٣ - قوله تعالى: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ الآية، قال المفسرون (٤): (أي: وكما ابتلينا قبلك الغني بالفقير كما ذكرنا في قصة نوح وكما قال في قوم صالح: قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ (٥) اسْتُضعِفُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [الأعراف: ٧٦]، ابتلينا أيضًا هؤلاء بعضهم ببعضٍ، كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً) [الفرقان: ٢٠]، وهذا معنى قول ابن عباس (٦) في رواية عطاء.

(١) الظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة وإما بعدول عن وقه أو مكانه. والظلم: الميل عن القصد ومجاوزة الحق.
انظر: "العين" ٨/ ١٦٢، و"الجمهرة" ٢/ ٩٣٤، و"تهذيب اللغة" ٣/ ٢٢٤٨، و"الصحاح" ٥/ ١٩٧٧، و"مقاييس اللغة" ٣/ ٤٦٨، و"المجمل" ٢/ ٦٠١، و"المفردات" ص ٥٣٧، و"اللسان" ٥/ ٢٧٥٦ (ظلم).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٩٩ بسند جيد.
(٣) انظر: "تفسير الرازي" ١٢/ ٢٣٧.
(٤) انظر: "تفسير الطبري" ٧/ ٢٠٦، والسمرقندي ١/ ٤٨٧، والماوردي ٢/ ١١٨، وأخرجه الطبري بسند جيد عن قتادة.
(٥) هكذا جاء سياق الآية ولعله وهم، فليس فيها: للذين استضعفوا.
(٦) أخرج الطبري ٧/ ٢٠٦، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٩٩ بسند جيد عنه قال: (جعل بعضهم أغنياء وبعضم فقراء، فقال الآغنياء للفقراء: أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أي: هداهم الله، وإنما قالوا ذلك استهزاء وسخرية) ا. هـ. وانظر: "الدر المنثور" ٣/ ٢٦، ومعاني الفتنة في "تأويل مشكل القرآن" ص ٤٧٢ - ٤٧٤.

صفحة رقم 171

وقال الكلبي: (ابتلينا الشريف بالوضيع، وابتلى هؤلاء الرؤساء من قريش بالموالي، فإذا نظر الشريف إلى الوضيع قد آمن قبله حمي (١) آنفًا أن يسلم، ويقول: سبقني هذا بالإسلام فلا يسلم) (٢). قال أهل المعاني: (وإنما قال: فَتَنّا وهو تعالى لا يحتاج إلى الاختبار؛ لأنه عاملهم معامله المختبر) (٣).
وقوله تعالى لِيَقُولُوا هذه اللام تسمى لام العاقبة (٤)، كأن المعنى: فعلنا هذا ليؤول أمرهم إلى هذا القول (٥).

(١) حمى بفتح الحاء وكسر الميم من الشيء حَمِيَّة، ورجل حمي الأنف، أي: أنف أن يضام، وفلان ذو حمية أي: غضب وأنَفَة: انظر: "اللسان" ٢/ ١٠١٤ (حمى)، وأَنِف بفتح الهمزة والنون: استنكف وكره، ويقال: هو أنف بسكون النون للعضو أي: اشتد غضبه وغيظه من طريق الكناية، والمراد هنا أخذته الحِميَة من الغيرة والغضب. انظر: "اللسان" ١/ ١٥٢ (أنف).
(٢) ذكره الثعلبي في "الكشف" ص ١٧٨/ أ، والواحدي في "الوسيط" ١/ ٤٧، وابن الجوزي ٣/ ٤٧، وفي "تنوير المقباس" ٢/ ٢٣ (نحوه).
(٣) انظر: "المفردات" ص ٦٢٣ (فتن)، و"بدائع التفسير لابن القيم" ٢/ ١٥٠.
(٤) أي: لبيان عاقبة الشيء ومآله، ويسميها الكوفيون لام الصيرورة، وبعضهم يسميها لام العلة؛ لأنها مستعارة لما يشبه التعليل، قال ابن هشام في "المغني" ١/ ٢١٤: (ومن معاني اللام الصيرورة وتسمى لام العاقبة ولام المآل. وأنكر البصريون ومن تابعهم لام العاقبة) ا. هـ. وانظر: "اللامات للزجاج" ص ١١٩، و"معاني الحروف للرماني" ص ٥٦، و"الصاحبي" ص ١٥٢، و"اللامات للهروي" ص ١٨٢، و"رصف المباني" ص ٣٠١.
(٥) قال السمين في "الدر" ٤/ ٦٤٧: (الأظهر -وعليه، أكثر المعربين والمفسرين- أنها لام كي، والتقدير: ومثل ذلك الفتون فتنا ليقولوا هذه المقالة ابتلاءً وامتحانًا. وقيل: إنها لام الصيرورة، أي: العاقبة، ويكون ما بعدها صادرا على سبيل الاستخفاف) ا. هـ ملخصًا، وانظر: "إعراب النحاس" ١/ ٥٤٩، و"المشكل" ١/ ٢٥٣، و"التبيان" ١/ ٣٣٥، و"الفريد" ٢/ ١٥٤، ورجح كونها لام العاقبة ابن عطية ٥/ ٢١١.

صفحة رقم 172

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية