وكذلك فتنا بعضهم ببعض أي : ومثل ذلك الاختبار، وهو اختلاف أحوال الناس في أمر الدنيا، فتنا بعضهم ببعض أي : ابتلينا بعضهم ببعض في أمر الدين، فقدّمنا هؤلاء الضعفاء على أشراف قريش ؛ بالسبق إلى الإيمان ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أي : أهؤلاء من أنعم الله عليهم بالهداية والتوفيق دوننا، ونحن الأكابر والرؤساء، وهم المساكين والضعفاء، فنحن أحق منهم به إن كان حقًا، وهذا إنكار منهم لأن يخص هؤلاء من بينهم بإصابة الحق والسبق إلى الخير، كقولهم لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَآ [ الأحقاف : ١١ ]. واللام في ليقولوا : للعاقبة. قال تعالى في الرد عليهم : أليس الله بأعلم بالشاكرين أي : بمن يقع منهم الإيمان والشكر فيوفقهم، وبمن لا يقع منه فيخذُله.
وبالله التوفيق.
إلى آخر كلامه. مَا لذّةُ العَيشِ إلاّ صُحبَةُ الفُقَرا هُم السّلاَطين والسَّادَاتُ والأُمَرا فَاصْحَبْهُمُو وتأدَّب في مَجَالِسِهِم وخلِّ حظَّكَ مَهمَا خلَّفُوكَ ورَا
فلا يحصل كمال التربية والتهذيب إلا بصحبتهم، ولا تصفوا المعاني إلا بمجالستهم والمذاكرة معهم، والمراد من دخل منهم بلاد المعاني، وحصَّل مقام الفناء في الذات، فالجلوس مع هؤلاء ساعة تعدل عبادة الثقلين سِنين، ومن شأن شيوخ التربية : العطف على الفقراء والمساكين وتقريبهم، ولا يطردون أحدًا منهم ولو عمل ما عمل، اقتداء بما أمر به نبيهم صلى الله عليه وسلم. بل شأنهم الإقبال على من أقبل إليهم، عصاة كانوا أو طائعين وإقبالهم على العصاة المذنبين أكثر، جبرًا لكسرهم، وتألفًا لهم، وسوقًا لهم إلى الله بملاطفة الإحسان. وبالله التوفيق.
الإشارة : في صحبة الفقراء خيرٌ كثير وسرٌ كبير، وخصوصًا أهل الصفاء والوفاء منهم، وفي ذلك يقول الشيخ أبو مدين رضي الله عنه :
| مَا لذّةُ العَيشِ إلاّ صُحبَةُ الفُقَرا | هُم السّلاَطين والسَّادَاتُ والأُمَرا |
| فَاصْحَبْهُمُو وتأدَّب في مَجَالِسِهِم | وخلِّ حظَّكَ مَهمَا خلَّفُوكَ ورَا |
فلا يحصل كمال التربية والتهذيب إلا بصحبتهم، ولا تصفوا المعاني إلا بمجالستهم والمذاكرة معهم، والمراد من دخل منهم بلاد المعاني، وحصَّل مقام الفناء في الذات، فالجلوس مع هؤلاء ساعة تعدل عبادة الثقلين سِنين، ومن شأن شيوخ التربية : العطف على الفقراء والمساكين وتقريبهم، ولا يطردون أحدًا منهم ولو عمل ما عمل، اقتداء بما أمر به نبيهم صلى الله عليه وسلم. بل شأنهم الإقبال على من أقبل إليهم، عصاة كانوا أو طائعين وإقبالهم على العصاة المذنبين أكثر، جبرًا لكسرهم، وتألفًا لهم، وسوقًا لهم إلى الله بملاطفة الإحسان. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي