وكذلك الكاف زائدة كما في قوله تعالى ليس كمثله شيء (١) والمشار إليه ضلال رؤساء قريش واسم الإشارة منصوب المصدرية بقوله تعالى فتنا يعني أضللنا ذلك الضلال بعضهم أي بعض الناس يعني كفار قريش ببعض أي ببعضهم يعني فقراء المؤمنين حيث امتنعوا من الإسلام بسببهم، قال : التفتازاني شاع هذا التركيب في معنى فتنا بعضهم ببعض ذلك الفتن ولا يراد به مثل ذلك الفتن، ويقال معناه مثل ذلك الفتنة التي فتنا رؤساء قريش فتنا بعض الناس ببعض في الأمم السابقة حيث قال : قوم نوح ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي (٢)وقال : نوح : وما أنا بطارد الذين آمنوا (٣) وقال البيضاوي : معناه مثل ذلك الفتن وهو اختلاف الناس في أمور الدنيا بالفقر والغناء فتنا يعني ابتلينا بعضهم ببعض في أمر الدين فقدمنا هؤلاء الضعفاء على أشراف قريش بالسبق إلى الإيمان ليقولوا أي الأغنياء واللام للعاقبة أهؤلاء الفقراء من أي أنعم الله عليهم بالهداية والتوفيق لما يسعدهم من بيننا دوننا إنكار لتخصيص الفقراء بإصابة الحق والسبق إلى الخير وحاصله لو كان خيرا ما سبقونا إليه أليس الله بأعلم بالشاكرين يعني بالذين هم مستعدون للشكر فيوفقهم له وبمن ليس في استعداده قبول الإيمان والشكر فيخذله، وهذه الآية تدل عل أن الاستعداد يسبق الوجود كما قال : المجدد رضي الله عنه أن تعينات المؤمنين ظلال اسم الله تعالى الهادي تعينات الكفار ظلال اسم الله تعالى المضل فلا يمكن لأحد من الفريقين أن يصدر منه إلا ما خلق منه وخلق لأجله، وجاز أن يكون معنى قول الكفار هؤلاء الفقراء الأراذل من الله عليهم بتخصيص صحبة نبيه صلى الله عليه وسلم دوننا فقال : الله تعالى أليس الله بأعلم بالشاكرين فإن الشاكرين هم الأحقاء بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم دون الأغنياء، قال : البغوي : قال : سلمان وخباب بن الأرت فينا نزلت هذه الآية جاء الأقرع ابن حابس التيميمي وعيينة بن حصين الفزاري وغيرهم من المؤلفة فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في ناس من ضعفاء المؤمنين فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوا وقالوا يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس ونفيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم وكان عليهم جباب صوف لم يكن عليهم غيرها لجالسناك وأخذنا عنك، فقال : النبي صلى الله عليه وسلم :( ما أنا بطارد المؤمنين ) فقالوا : فإنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف العرب فضلنا فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن يرانا العرب مع هؤلاء الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت، قال : نعم، قالوا اكتب لنا عليك بذلك كتابا قال : فدعا بالصحيفة ودعا عليا ليكتب، قال : ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبرئيل بقوله تعالى ولا تطرد الذين إلى قوله بالشاكرين فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده ثم دعانا فأتيناه وهو يقول سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله عز وجل واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداوة والعشي يريدون وجهه فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد وندنوا منه حتى كادت ركبتنا تمس ركبته فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيه قمنا وتركنا حتى يقوم وقال : لنا( الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر مع قوم من أمتي معكم المحيى والممات ) وقال : الكلبي :" قالوا له : اجعل لنا يوما ولهم يوما قال : لا أفعل قالوا : فاجعل المجلس واحدا فأقبل علينا وول ظهرك عليهم فأنزل الله تعالى هذه الآية، وروى ما ذكر البغوي : عن سلمان وخباب وابن جرير وابن حاتم وغيرهما عن خباب وزاد وإثم ذكر الله تعالى الأقرع وصاحبه فقال : وكذلك فتنا بعضهم ببعض الآية، قال : ابن كثير هذا غريب فإن الآية مكية والأقرع وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر، وروى البغوي : بسنده عن أبي سعيد الخدري جلست في نفر من المهاجرين وإن بعضهم ليستتر ببعض من العري وقارئ يقرأ علينا إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام علينا فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سكن القارئ فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ما كنتم تصنعون ؟ قلنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قارئ يقرأ علينا فكنا نسمع إلى كتاب الله تعالى فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الحمد لله الذي جعل أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم ) ثم جلس وسطنا ليعدل نفسه فينا ثم قال : بيده هكذا فتحلقوا وبرزت وجوههم له قال : فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف منهم أحد غيري فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أبشروا يا معاشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة يدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم، وذلك مقدار خمسمائة سنة )
٢ سورة هود، الآية: ٢٧..
٣ سورة هود، الآية: ٢٩..
التفسير المظهري
المظهري