تفسير المفردات : البينة : كل ما يتبين به الحق من الحجج العقلية أو الآيات الحسية، ومن ذلك تسمية الشهادة بينة. والقصص : ذكر الخبر أو تتبع الأثر، والفصل : القضاء والحكم.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه فيما سلف أنه يفصل الآيات ليظهر الحق وليستبين سبيل المجرمين، ذكر هنا أنه نهى عن سلوك سبيلهم هو عبادة غير الله، وأن هذه العبادة إنما هي بمحض الهوى والتقليد، لا سبيل الحجة والبرهان، فهي جمادات وأحجار ينحتونها بأيديهم ويركبونها ثم يعبدونها.
ثم أمره أن يقول لهم : إني على هدى من ربي فيما أتبعه. قل إني على بينة من ربي . الإيضاح : قل إني على بينة من ربي أي قل لهم أيها الرسول إني فيما أخالفكم فيه على بينة من ربي أي على بيان قد تبينته، وبرهان قد وضح لي من ربي بالوحي والعقل، إذ القرآن بينة مشتملة على ضروب كثيرة من البينات العقلية والكونية التي يعجز الرسول عن الإتيان بمثلها.
وكذبتم به أي والحال أنكم كذبتم به أي بالقرآن الذي هو بينتي من ربي، ومن عجيب أمركم أنكم تكذبون ببينة البينات، ثم تطمعون أن أتبعكم على ضلال من أمركم لا بينة لكم عليه إلا محض التقليد، والتقليد براءة من الاستدلال، ورضا بجهل الآباء والأجداد.
وفي هذا حجة دامغة، وبينة ناصعة على ما قبله، من نفي عبادته صلى الله عليه وسلم للذين يدعونهم من دون الله.
وبعد أن بين تكذيبهم به قفى عليه برد شبهة تخطر حينئذ بالبال، وهي أن الله أنذرهم عذابا يحل بهم إذا أصروا على عنادهم وكفرهم، ووعد بأن ينصر رسوله عليهم وقد استعجلوا النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فكان عدم وقوعه شبهة لهم على صدق القرآن، إذ هم يجهلون سنة الله في شؤون الإنسان، فأمر الله نبيه أن يقول لهم :
ما عندي ما تستعجلون به أي ما الذي تستعجلون به من نقم الله وعذابه بيدي ولا أنا على ذلك بقادر، ولم أقل لكم إن الله فوض أمره إلي حتى تطالبوني به، وتعدون عدم إيقاعه عليهم حجة على تكذيبه.
ثم أكد ما سبق بقوله :
إن الحكم إلا لله أي ما الحكم في هذا وفي غيره من التصرف في شؤون الأمم إلا لله وحده، وله في ذلك سنن حكيمة تجري عليها أفعاله وأحكامه، فلا يتقدم شيء منها عن ميقاته ولا يتأخر : وكل شيء عنده بمقدار [ الرعد : ٨ ].
ثم بين سبحانه أن كل ما قصه على رسوله فهو حق لا شبهة فيه فقال :
يقص الحق وهو خير الفاصلين أي يقص على رسوله القصص الحق في وعده ووعيده وجميع أخباره، وهو خير الحاكمين في كل أمر، فهو لا يقع في حكمه وقضائه حيف إلى أحد ولا جور وهو النافذ حكمه في كل شيء، والمحيط علمه بكل شيء.
تفسير المراغي
المراغي