(قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧)
* * *
قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ من رَّبِّي) أي دلالة ويقين وحجة وبرهان، لا على هوى؛ ومنه البينة لأنها تبين الحق وتظهره. (وَكَذَّبْتُم بِهِ) أي بالبينة لأنها في معنى البيان؛ كما قال: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكينْ فَارْزُقُوهم مِّنْهُ...). وقيل يعود على الرب، أي كذبتم بربي لأنه جرى ذكره.
وقيل: بالعذاب. وقيل: بالقرآن. وفي معنى هذه الآية والتي قبلها ما أنشده مصعب بن عبد الله بن الزبير لنفسه، وكان شاعرا محسنا رضي الله عنه:
| أأقعدُ بعد مارجفتْ عظامي | وكان الموتُ أقربُ ما يَلِينِي |
| أُجادلُ كل مُعترِضٍ خَصِيم | وأجعل دِينَه غَرَضًا لِدِينِي |
| فأتركُ ما علمتُ لرأي غيرِى | وليس الرأيُ كالعلم اليقينِ |
| وما أنا والخصومةُ وهْى شيء | يُصرَّفُ فِى الشَّمال وفِى اليَمِينِ |
| وقد سُنَّت لنا سُنَن قِوام | يَلُحْنَ بكلِّ فَجِّّ أَو وَجِين (١) |
| وكان الحقُّ ليس به خفاء | أَغَرَّ كَغُرَّةِ القَلَقِ المبينِ |
| وما عوِضٌ لنا مِنهاجُ جَهْمٍ | بمنهاج ابنِ آمنةَ الأمينِ |
| فأمَّا ما علمتُ فقدكَفَانِي | وأمَّا ما جهلتُ فجنبونِي |
________
(١) الوجين: شط الوادي.
(٢) قال الفخر الرازي " يقض " بغير ياء لأنها سقطت لالتقاء الساكنين، كما كتبوا (سندع الزبانية) (فما تغن النذر). صفحة رقم 2520
قضاء دون قَصَص، ويُقوِّي ذلك قوله قبله: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) ويقوى ذلك أيضا قراءة ابن مسعود (إن الحكم إلا لله يقضي الحق) فدخول الباء يؤكد معنى القضاء.
قال النحاس: هذا لَا يلزم، لأن معنى " يقضي " يأتي ويصنع فالمعنى: يأتي الحق، ويجوز أن يكون المعنى: يقضي القضاء الحق. قال مكيّ: وقراءة الصاد أحب إليّ؛ لاتفاق الحرميين وعاصم على ذلك، ولأنه لو كان من القضاء للزمت الباء فيه كما أتت في قراءة ابن مسعود، قال النحاس: وهذا الاحتجاج لَا يلزم؛ لأن مثل هذه الباء تحذف كثيرا.
* * *
قوله تعالى:
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة