ﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗ

قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين [ الأنعام : آية ٥٧ ].
قل إني على بينة من ربي لما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار : إنه لا يعبد معبوداتهم، ولا يتبع أهواءهم، وأنه لو فعل ذلك كان ضالا غير مهتد، أمره أن يقول لهم : إنه على بينة من أمره قل إني على بينة البينة : هي البيان والدليل القاطع، الذي لا يترك في الحق لبسا. وأصله صفة مشبهة من ( بان يبين )، إذا ظهر، فهو ( بين ). وإنما أنثت ( البينة ) لأنها كأنها تضمن معنى الحجة الواضحة التي يعضدها الدليل القاطع، الذي لا يترك في الحق لبسا على بينة أي : بيان، وبرهان، وعلم، ويقين من ربي، وليس لي في الحق شك معه، وهذا معروف في كلام العرب، كل أمر واضح لا يترك في الحق لبسا يسمونه :( بينة ) ؛ ولأجل هذا أطلقت ( البينات ) على معجزات الرسل جاءتهم رسلهم بالبينات [ الأعراف : آية ١٠١ ] أي : بالمعجزات ؛ لأنها لا تترك في الحق لبسا. وهذا معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر :
أبينة تبغون بعد اعترافه *** وقول سويد : قد كفيتكم بشرا
يعني : هذا أمر واضح في البيان، لا يحتاج معه إلى ما يبين الحقيقة.
وقوله : وكذبتم به ذكر الضمير مع أن ( البينة ) مؤنثة لفظا نظرا إلى المعنى ؛ لأن ( البينة ) معناها البيان والبرهان واليقين وكذبتم به أي : ذلك البرهان واليقين الذي أنا عليه، المعبر عنه بالبينة، وهذا هو الظاهر، خلافا لمن قال : إن الضمير عائد إلى الله، أي : كذبتم بالله ( جل وعلا ) أنه المعبود وحده جل وعلا.
ما عندي ما تستعجلون به كان الكفار يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : هذا الذي تهددنا به من عذاب الله، إن كنت صادقا، إن كنت نبيا فعجله علينا الآن. كما بين الله ذلك عنهم في آيات من كتابه، كقوله : وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب [ ص : آية ١٦ ] والقط في لغة العرب : أصله كتاب الجائزة الذي يكتبه الملك. فالملك إذا أراد أن يجيز الوفود كتب لكل رئيس جائزة معينة في صك، وذلك الصك يسمى :( القط ). وعليه فقولهم : عجل لنا قطنا معناه : عجل لنا نصيبنا من ملك السماوات والأرض الذي تقول إنه نصيبنا منه، وهو العذاب في الدنيا والآخرة، كما قال الشاعر، وهو نابغة ذبيان :
ولا الملك النعمان حين لقيته*** على ملكه يعطي القطوط ويأفق
ومعنى ( يأفق ) أي : يفضل في العطاء بعضهم على بعض وإذا قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم [ الأنفال : آية ٣٢ ] ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه [ هود : آية ٨ ] أي شيء يحبس العذاب ويؤخره، ولم لا تعجله ؟ والله يقول : يستعجلونك بالعذاب [ العنكبوت : آية ٤٥ ] يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها [ الشورى : آية ١٨ ] ونحو ذلك من الآيات الدالة على استعجالهم العذاب، وقالوا له : إن كنت نبيا حقا فعجل لنا العذاب الذي تهددنا به، فأمره الله أن يقول لهم ما عندي ما تستعجلون به ( ما ) وهو الاسم المبهم الموصول واقعة على العذاب، والمعنى : ليس بيدي العذاب الذي تطلبون استعجاله عليكم عجل لنا قطنا [ ص : آية ١٦ ] ليس بيدي، وإنما هو بيد الله.
إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين قرأ هذا الحرف قارىء أهل المدينة، وقارىء أهل مكة – أعني : نافعا، وابن كثير – وقرأ معهما عاصم من الكوفيين، هؤلاء الثلاثة من القراء السبعة – أعني : نافعا، وابن كثير، وعاصما – قرؤوا : يقص الحق بضم القاف، وصاد مهملة مضمومة. وقرأ باقي السبعة – وهم : أبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي قرؤوا : يقض الحق بسكون القاف والضاد المكسورة.
وعلى قراءة الحرميين وعاصم – أعني : نافعا، وابن كثير، وعاصم – فمعنى : يقص الحق أي : يتلو علينا في كتابه الحق الواضح، الذي لا لبس فيه، كما قال تعالى : نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرءان [ يوسف : آية ٣ ] وعلى هذا فإعراب ( الحق ) واضح ؛ لأنها مفعول به ل ( يقص ).
وأما على قراءة البصري والشامي والاثنين من الكوفيين يقص الحق ففي إعراب ( الحق ) إشكال، وبم نصبت ؟ وفي إعرابه للعلماء ثلاثة أوجه :
أحدهما : أنه نعت لمصدر محذوف، أي : ما ناب عن المطلق. والمعنى : يقضي القضاء الحق، الذي لا جور فيه، ولا حيف.
الثاني : أنه منصوب بنزع الخافض. أي : يقضي بالحق، فحذف حرف الجر فنصب الاسم. ومما يدل على هذا قوله : والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء [ غافر : آية ٢٠ ].
الوجه الثالث : أن ( يقضي ) معناه : يصنع. أي : يصنع الحق ؛ لأن كل أعماله التي يعملها، من تشريع، وإثابة، وعقاب كله حق واقع موقعه منه ( جل وعلا ). والعرب تطلق ( القضاء ) وتريد ( الصنع ) وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي :
قضاهما : يعني صنعهما.
وقوله : إن الحكم إلا لله ( إن ) هي النافية، والألف واللام في ( الحكم ) هي للاستغراق، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب ؛ لأن سبب نزول الآية في الحكم الكوني القدري، حيث قالوا له : عجل لنا العذاب، وأنزل علينا الآيات. فأخبرهم الله أن ذلك الحكم الكوني القدري من تعجيل العذاب وإنزال الآيات إنما هو لله وحده، هو الذي بيده ذلك، وعموم الآية يقتضي أن الحكم من حيث هو : هو لله ( جل وعلا ) وحده، كذلك الحكم الشرعي له وحده. ويدل على دخول الحكم الشرعي : أنه قال في الآية : وهو خير الفاصلين لأن ( الفاصلين ) جمع ( الفاصل )، وهو الذي يفصل الخصوم، وينصف بينها، ويحقق الحق بينها. ولا شك أن الحكم من حيث هو حكم سواء كان شرعيا أو قدريا فإنه لله وحده، فالأحكام القدرية له، لا يقع تحريك ولا تسكين، ولا خير ولا شر، ولا شيء كائن ما كان إلا بحكمه ( جل وعلا ) وقدرته ومشيئته. وكذلك الأحكام الشرعية، لا تشريع لأحد، ولا تحليل لأحد إلا له ( جل وعلا ) وحده، فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، والدين ما شرعه الله ؛ لأنه من المعلوم أنه لا تشريع إلا للسلطة العليا، والسلطة الحاكمة على السماوات والأرض هي التي لها الأمر والنهي والتشريع. فالتشريع لرب العالمين فالحكم لله العلي الكبير [ غافر : آية ١٢ ] إن الحكم إلا لله [ الأنعام : آية ٥٧ ] ولا يشرك في حكمه أحدا [ الكهف : آية ٢٦ ] فالحاكم هو الله، والتشريع تشريع الله، والنبي صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله شرعه لخلقه، والمشرع هو الخالق جل وعلا.
ويفهم من هذا أن من زين له الشيطان أن يكون مشرعا يحلل ويحرم، ويضع النظم والقوانين ليحكمها في دماء الناس وأموال الناس وأعراضهم وعقولهم : أن هذا متمرد على نظام السماء، يحاول أن يجعل لنفسه خصوصية خالق السماوات والأرض، عتوا وتمردا على الله، فهو كافر، وقد دل القرآن العظيم في آيات كثيرة أن من يتبع نظما وقوانين وضعية شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مدعيا أن تشريع خالق السماوات والأرض لا يصلح لتنظيم العالم، ولا يساير التطور، فمن يرى هذا، ويرى نظام إبليس هو الذي يقوم بمصالح البشر، ونظام خالق السماوات والأرض – الذي خلق هذا الكون وهو أعلم بمصالحه – أنه لا يساير التطور، ولا ينظم علاقات الدنيا على الوجه الذي ينبغي : فهذا لا شك بين أهل العلم في أنه كافر كفرا بواحا مخرجا عن دين الإسلام، والآيات القرآنية الدالة على هذا كثيرة جدا من ذلك ما بيناه مرارا : أن إبليس عليه لعنة الله، لما جاء تلامذته وإخوانه من أهل مكة، وأراد أن يهيىء لهم وحي الشياطين ليجادلوا به النبي صلى الله عليه وسلم، قال لهم : سلوا محمدا عن الشاة تصبح ميتة، من هو الذي قتلها ؟ فلما أخبرهم أن الله هو الذي قتلها، قالوا له من وحي الشيطان : ما ذبحتموه بأيديكم – يعنون المذكاة – تقولون : حلال، وطاهر، وطيب، مستلذ، وما ذبحه الله بيده الكريمة – يعنون الميتة، أن الله قتلها – تقولون : هو حرام، ميتة، مستقذر، فأنتم إذا أحسن من الله ! ! وأنزل الله في وحي الشياطين جوابا لنبيه عنه قوله : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه [ الأنعام : آية ١٢١ ] يعني الميتة، وإن زعم أولياء الشياطين أنها ذبيحة الله، ثم قال : وإنه لفسق أي : وإن أكل الميتة لفسق، وخروج عن طاعة الله، ثم قال – وهو محل شاهد – وإن أطعتموهم إنكم لمشركون وإن أطعتموهم في تحليل الميتة إنكم لمشركون.
اعلم أن تحليل الميتة وتحريمها ليس عقيدة من العقائد، ولا أصلا من الأصول، وإنما هو فرع من الفروع. مضغة لحم شرع الله على لسان نبيه تحريمها ؛ لأنها ماتت ولم يذكر عليها اسم الله، وشرع إبليس على لسان أوليائه تحليلها، فهذا نظام إبليس، وهو تحليل الميتة، وهذا نظام خالق السماوات والأرض الذي شرعه على لسان نبيه. الله يقول : هذه ماتت حتف أنفها، ولم تذك ولم يذكر اسم الله عليها. والشيطان يشرع بفلسفته ويقول : هذه ذبيحة الله، وما ذبح الله أطهر وأحل مما ذبحتموه بأيديكم، والله يقول بالمقارنة بين تشريع الشيطان وتشريع الله : وإن أطعتموهم إنكم لمشركون إن أطعتموهم في تحليل الميتة الذي هو تشريع إبليس، تاركين تحليل وتشريع الله – وهو تحريمها – إنكم لمشركون.
وهذه الآية الكريمة من سورة الأنعام هي عند علماء العربية مثال لحذف اللام الموطئة للقسم. قالوا : والقرينة على لام القسم : أنه لو كان الشرط وحده ليس معه قسم لاقترنت الجملة بالفاء، لقال : " وإن أطعتموهم فإنكم لمشركون " فلما لم تقترن بالفاء علمنا أن عدم اقترانها بالفاء لأنها جواب القسم المقدر المحذوفة لامه، لقرينه عدم الفاء ؛ ولأن الشرط إذا جاء معه القسم – يكون القسم قبله – ويكون الجواب والقسم، ويحذف جواب الشرط، كما هو معروف في علم النحو.
وإذا تقرر هذا، فقد أقسم الله – كما قلنا – في هذه الآية الكريمة على أن
من أطاع الشيطان واتبع تحليله مخالفا لتشريع الله أنه مشرك، وهذا الشرك شرك ربوبية ؛ لأن التشريع، والأمر، والنهي للرب الخالق، فالشيطان أراد أن يشارك الله في السلطة العليا، والأمر والنهي، فمن اتبعه فكأنه جعله ربا، وهذا الشرك في قوله : إنكم لمشركون هو شرك أكبر مخرج عن ملة الإسلام، وسيوبخ الله مرتكبه على رؤوس الأشهاد، كما بينه الله في سورة يس في قوله : ألم أعهد إليكم يا بني ءادم أن لا تعبدوا الشيطان [ يس : آية ٦٠ ] عبادتهم للشيطان التي عهد الله إليهم في دار الدنيا النهي عنها ليس معناها أنهم يسجدون للشيطان، ولا يركعون له، ولا يصومون، ولا يصلون له، وإنما هو اتباعهم تشاريعه ونظمه، تاركين تشريع الله ونظامه ؛ ولذا قال : ألم أعهد إليكم يا بني ءادم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني واتبعوا تشريعي هذا صراط مستقيم [ يس : الآيتان ٦٠، ٦١ ] ثم بين ( جل وعلا ) كثرة من اتبع نظام الشيطان واختار تشريعه ودينه عن تشريع الله، وبين مصيرهم، قال : ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون [ يس : آية ٦٢ ] أليست عندكم عقول تعلمون أن التشريع هو تشريع الله الذي خلقكم فتمتثلوا أوامره، وتجتنبوا نواهيه، وتتركوا تشريع ا

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير