ثم أمر نبيه –عليه الصلاة والسلام- بالتبرؤ من الشرك مطلقا، تشريعيا، فقال :
قُلْ أَنَدْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِيا إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ
قلت : ونُردُّ : عطف على ندعو والهمزة للإنكار، والرد على العقب : الرجوع إلى وراء، لعلَّةٍ في المشي، واستعير للمعاني، و كالذي استهوته : الكاف في موضع نصب على الحال من الضمير في نُردّ أي : كيف نرجع مشبهين بمن استهوته الشياطين، أو نعت لمصدر محذوف، أي : ردًا كرد الذي. . . الخ. واستهوى : استفعل، من هَوَى في الأرض إذا ذهب، وقال الفارسي : استهوى بمعنى أهوى، مثل استزل بمعنى أزل، و حيران : حال من مفعول استهوى.
يقول الحقّ جلّ جلاله : قل لهم يا محمد أندعو من دون الله أي : نعبد ما لا ينفعنا ولا يضرنا من الأصنام الجامدة، ونُرد على أعقابنا أي : نرجع إلى الشرك بعد إذ هدانا الله وأنقذنا، ورزقنا الإسلام، وهذا على الصحابة. وأما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يتقدم له شرك ؛ لعصمته، أي : كيف نرد على أعقابنا ردًا كالذي استهوته الشياطين ، أي : أضلته مَرَدَةُ الجن عن الطريق المستقيم، فذهب في الأرض حيران ؛ متحيرًا ضالاً عن الطريق، له أصحاب أي : رفقة يدعونه إلى الهدى أي : إلى الطريق المستقيم، يقولون له : ائتنا وكن معنا لئلا تتلف. وهو مثال لمن ترك الإسلام وضل عنه.
قل لهم : إن هدى الله ، وهو الإسلام، هو الهدى وحده، وما عداه ضلال. و قد أمرنا لنسلم لرب العالمين نكون على الجادة من الهدى.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي