ﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘ

ويقول الحق من بعد ذلك :
قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين ( ٧١ ) .
هذه الآية تبدأ بسؤال عن عبادة الأصنام أو غيرها، ما الذي صنعته تلك الأصنام أو غيرها لمن عبدها ؟ وماذا صنعت لمن لم يعبدها ؟. وهذا أول منطق في بطلان ألوهية غير الله، فمن عبد الشمس مثلا ماذا أعطته الشمس ؟ ومن كفر بها كيف عاقبته الشمس ؟. إنها تشرق لمن عبدها ولمن لم يعبدها. والصنم الذي عبدوه، ماذا صنع لهم ؟ لا شيء. وهذا الصنم لم ينزل عقابا على من لم يعبده، بل إن الذي انتفع هو من لم يعبد الأصنام ؛ لأنه أعمل فكره ليبحث عن خالق لهذا الكون.
وهكذا نجد النفع والضر إنما يأتيان من الإله الحق : ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله والإنسان دائما حين يسير فهو يقطع خطوة إلى الأمام فيقصر المسافة أمامه، أما من يرد على عقبه فهو من يرجع هذه الخطوة التي خطاها.
وهذا حديث المؤمنين الذين يرفضون أن يعودوا إلى عبادة غير الله لأنهم آمنوا وساروا في طريق الهدى، وليس من المنطق أن يرتدوا على أعقابهم وأن ينقلبوا خاسرين.
كالذي استهوته الشياطين في الأرض كلمة ( شيطان ) مقصود بها عاصي الجن. والجن جنس مقابل للإنس، ومادام في الإنس طائعون وعاصون فكذلك في الجن طائعون وعاصون.
والحق قال :
قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا ( ١ ) يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ( ٢ ) ( سورة الجن ).
إذن فمن الجن من هو مؤمن. ومن الجن من هو عاص. والعاصي من الجن يسمى شيطانا. وإياك أن تنكر أيها المسلم وجود الشيطان لأنك لا تراه، لأن الشيطان من المخلوقات التي ذكرها الله من عالم الغيب، وحجة وجودها هو تصديقك لمن قال عنها، وهناك فرق منطقي وفلسفي بين وجود الشيء وبين إدراك وجود الشيء. والذي يتعب الناس أنهم يريدون أن يوحدوا ويربطوا بين وجود شيء وإدراكه. وهنا فارق بين أن يوجد أو يدرك ؛ ذلك أن هناك ما يكون موجودا ولكنه لا يدرك.
قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله ( من الآية ٧١ سورة الأنعام ).
جاء هذا التصور في صورة استفهام. إن الحق طلب من رسوله أن يقوله، فكأن الصورة : أن قوما هداهم الله إلى الحق فدعوا إلى أن يعبدوا غير الله ويدعوا مالا ينفع ولا يضر، فيردوا على أعقابهم، أي بعد الهداية، وهذه هي صورة الحيرة والتردد ؛ لأنهم كانوا على هدى، ثم دعوا إلى أن يعبدوا من دون الله مالا ينفع ولا يضر. وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يعطينا صورة لهذه الحيرة، ولهذا التردد، فقال : كالذي استهوته الشياطين .
و ( استهوته ) من مادة ( استفعل ) وتأتي دائما للطلب ؛ كقولنا ( استفهم ). أي طلب الفهم، و ( استخرج ). أي طلب الإخراج للشيء، ( فاستهوته ) طلبت هويه. أي جعلته يتقبل ما تريد واستولت عليه دون أن يكون لديه أي دليل أو حجة على صحة ما تدعوه إليه بأن صار عجينة تشكله الشياطين كما تشاء، وترد مادة ( الهاء والواو والياء ) لمعان، إن مدت ؛ فهي الهواء الذي نتنفسه، وما به أصل الحياة، وإن قصرت ؛ فإنها هي الهوى وهو ميل النفس إلى شيء، أو تكون هويا أي سقوطا.
إذن فالمادة تأتي إما للهواء إن كانت ممدودة، وإن كانت بالقصر فهي من الهوى أو من الهوي ؛ كأن تقول :( هوى، يهوي، هويا ) أي سقط من علو إلى أسفل، وهوى، ويهوي، هوى. أي أحب، وهكذا نعرف أن ( استهوته ) أي طلبت هويه أو هواه أي ميل نفسه إلى اتباع الهوى، وحين تستهوي الشياطين الإنسان فهي تريد أن تجتذبه إلى ناحية هواه، وتوقظ الهوى في النفس، وبذلك تدعوه ليهوى. والحق يقول :
ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ( ٣١ ) ( سورة الحج ).
وحين يخر عبد من السماء، إما أن تتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق، وحين تأتي إلى الهوى والهوي فاعلم أن الهوى يجذبك إلى ما يضرك، ولذلك لا تسلم منه إلا أن يكون هواك تبعا لما جاء به الحق، ولكن إن اتبعت هواك فلا بد أن يؤدي بك إلى الهوي :
كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران ( من الآية ٧١ سورة الأنعام ).
وما هي الحيرة ؟ هي التردد بين أمر ومقابله. وعرفنا من قبل أن الحيرة في هذه الآية جاءت لمن اهتدى وسار خطوة للمنهج ثم رد على أعقابه ورجع، ولكن له أصحاب يدعونه إلى الهدى، فهو بين شيطان يستهويه، وأصحاب يدعونه للمنهج ؛ لذلك يكون حيران : بين هاوية ونجاة، والشيء الذي يهوى لا استقرار له، وحين نرى – على سبيل المثال – حجرا يهوى للأرض نجده يدور، ولا اتجاه له. وهذه صورة معبرة، ويأتي له القول الفصل : قل إن هدى الله هو الهدى ( من الآية ٧١ سورة الأنعام ).
فمن يتبع إذن ؟ إنه يتبع الذين يدعونه إلى منهج الحق سبحانه وتعالى ؛ لأن الهدى هو المنهج والطريق الموصل للغاية، والصنعة لا تضع غاية لنفسها، بل الذي يضع الغاية هو من صنعها، وسبق أن قلت : إن التلفيزيون لا يقول لنا غايته، ولا يعرف كيف يصون نفسه، بل يضع ذلك من صنعه، وكذلك الإنسان عليه أن يأخذ غايته ممن خلقه، والذي يفسد الدنيا أن الله خلق، لكن الناس أرادوا أن يضعوا لأنفسهم قانون الصيانة، لذلك نقول : إن علينا أن نأخذ قانون الصيانة ممن خلقنا، وهدى الله هو هدى الحق.
وجاءت ( الهدى ) هنا لتعطينا يقينا إيمانيا في إله واحد، وحين توجد عقيدتنا في إله واحد، لا تختلف أهواؤنا أبدا ؛ لأنه هو الذي يضع لنا القانون، وساعة يضع لنا القانون ويكون كل منا خاضعا لقانونه، لا يذل أحد منا لأحد آخر ؛ فأنا وأنت عبيد لإله واحد، ولا غضاضة عليك ولا غضاضة علي. وحين يريد البشر أن يسير الناس على أفكارهم فإن صاحب الفكر يريد أن يذل الآخرين له ويأخذهم على منهجه وعلى مبدئه، وهو في الحقيقة ليس أفضل منهم، ولذلك تجد الهداية الحقة حين نخضع جميعا لإله واحد، ويتساند المجتمع ويتعاضد ولا يتعاند، ويتوجه الهوى إلى محبة منهج الله.
ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ( من الآية ٧١ سورة المؤمنون }
ولهذا جاء الدين ؛ لأن الشرع لا يقرر شيئا ضد الإنسان.
ونذكر جميعا قصة ملكة سبأ وسيدنا سليمان عليه السلام حينما قالت : وأسلمت مع سليمان . ولم تقل : أسلمت لسليمان بل أسلمت مع سليمان لله، فلا غضاضة أن تكون قد أسلمت فهي ليست تابعة لسليمان، بل تابعة لرب سليمان، إذن حين يأتي التشريع من أعلى، لا غضاضة لأحد في أن يؤمن، ولا يظن واحد أنه تبع لآخر بل كلنا عبيد الله. وحين نكون جميعا عبيدا لواحد نكون جميعا سادة.
ويتمثل الهدى في الإيمان بإله واحد، ونأخذ هذا الإيمان بأدلتنا العقلية. إننا ندخل عليه من باب العقل، ونسلم أمرنا له ؛ لأنه هو أعلم بما يصلحنا.
وأمرنا لنسلم لرب العالمين ( من الآية ٧١ سورة الأنعام )

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير