٧١ - قوله تعالى: قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا الآية أَنَدْعُو] (١) هاهنا يجوز أن يكون معناه: نطلب النجاح كالعبد إذا دعا الله تعالى بطلب نجاح حاجته (٢). ويجوز أن يكون معناه: نعبد وهو الذي عليه المفسرون (٣).
قال ابن عباس: (يقول: أنعبد مِنْ دُونِ اللَّهِ ما ليس عنده لنا منفعة، وإن عصينا لم يكن عنده لنا مضرة) (٤)، قال أهل المعاني: (المعنى: ما لا يملك لنا نفعًا ولا ضرًا؛ لأنه جماد لا يقدرعلى فعل شيء أصلًا) (٥)،
وقوله تعالى: وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ قال الكلبي: (أي: نرد وراءنا إلى الشرك بالله) (٦)، قال أبو إسحاق: (ويقال لكل من أدبر: رجع إلى خلف، ورجع على عقبيه) (٧).
(٢) قال ابن عطية ٥/ ٢٤١، في الآية: (الدعاء يعم العبادة وغيرها لأن من جعل شيئًا موضع دعائه فإياه يعبد وعليه يتكل).
(٣) انظر: الطبري ٧/ ٢٣٥، والسمرقندي ١/ ٤٩٣، والبغوي ٣/ ١٥٦.
(٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ٦٣، وفي "تنوير المقباس" ٢/ ٣٠ نحوه، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" ٣/ ٦٦ بدون نسبة.
(٥) انظر: "تفسير الطبري" ٧/ ٢٣٦، و"معاني النحاس" ٢/ ٤٤٥، و"تفسير ابن عطية" ٥/ ٢٤١.
(٦) "تنوير المقباس" ٢/ ٣٠، وذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ٦٣.
(٧) "معاني القرآن" ٢/ ٢٦٢، والنص فيه: (أي: نرجع إلى الكفر، ويقال لكل من أدبر: قد رجع إلى خلف، ورجع القَهْقَرى) اهـ.
وانظر: "مجاز القرآن" ١/ ١٩٦، و"غريب القرآن" لليزيدي ص ١٣٨، و"تفسير الطبري" ٧/ ٢٣٥ - ٢٣٦، و"معاني النحاس" ٢/ ٤٤٥، و"تفسير ابن عطية" ٥/ ٢٤١.
وقوله تعالى: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ اختلف أهل اللغة في معنى (١) اسْتَهْوَتْهُ فقال الزجاج: (أي: كالذي زينت له الشياطين هواه) (٢)، فعلى هذا معنى الاستهواء: الدعاء إلى الأمر بالهوى من هوى النفس. وقال أبو عبيدة (٣): (اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ استمالته).
وقال الليث (٤): (يقال للمستهام الذي يستهيمه الجن: استهوته الشياطين، فهو حيران هائم).
وقال غيره: (اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ بمعنى استغوته ودعته إلى الضلال واستتبعته (٥)، فهوى، أي: أسرع، والعرب تقول: استهوى فلان فلانًا، واستغواه، إذا دعاه إلى الغي، وهو من قولهم: هوى يهوي إلى الشيء إذا أراده وأسرع إليه (٦)، ومنه قوله تعالى: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [إبراهيم: ٣٧] أي: تنزع إليهم وتقعدهم) (٧).
(٢) "معاني القرآن" ٢/ ٢٦٢، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" ٢/ ٤٤٦.
(٣) ذكره أبو علي في "الحجة" ٣/ ٣٢٥، وهو قول اليزيدي في "غريب القرآن" ص ١٣٨، وقال أبو عبيدة في "المجاز" ١/ ١٩٦: (هو الحيران الذي يشبه له الشياطين فيتبعها حتى يهوى في الأرض فيضل) اهـ.
(٤) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٨١٤، وانظر: "العين" ٤/ ١٠٥ (هوى).
(٥) في (ش): (فاستتبعته).
(٦) انظر: "تفسير القرطبي" ٧/ ١٨.
(٧) هذا قول الطبري في "تفسيره" ١٣/ ٢٣٤، وفي "تفسير غريب القرآن" ص ٢٣٧ قال: (هوت به وذهبت).
قال أبو علي الفارسي: (أرى قولهم: استهواه كذا، إنما هو من قولهم: هوى من حالق (١) إذا تردى منه، ويشبه به الذي يزل عن الطريق المستقيم كما أن زل إنما هو من العثار في المكان، ثم يشبه به المخطئ في طريقته، وتقول: أزله غيره، كما قال تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ [البقرة: ٣٦]، وكذلك هوى هو وأهواه غيره، وتقول (٢): أهويته واستهويته، قال تعالى: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى [النجم: ٥٣]، كما تقول: أزله واستزله؛ قال تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ [البقرة: ٣٦]، وقال: إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ [آل عمران: ١٥٥]، فكما أن استزله بمنزلة أزله، كذلك استهواه بمنزلة أهواه، كما أن استجاب بمنزلة أجاب) (٣). فأكثر أهل (٤) اللغة على أن: استهوى من هوى يهوى، وعلى هذا يدل (٥) كلام ابن عباس؛ لأنه قال: (كالذي استفزته (٦) الغيلان (٧) في الهامة) (٨).
(٢) في (ش): (ويقول).
(٣) "الحجة" لأبي علي ٣/ ٣٢٥ - ٣٢٦ بتصرف يسير. وقال ابن عطية ٥/ ٢٤٢، وأبو حيان في "البحر" ٤/ ١٥٧: (ذهب أبو علي إلى أنه بمعنى: أهوى من هوى يهوي إذا سقط من علو، أي: ألقته الشياطين في هوة) ا. هـ. بتصرف.
(٤) انظر: "الجمهرة" ٢/ ٩٩٨، و"اللسان" ٨/ ٤٧٢٨ (هوى) والمراجع السابقة.
(٥) في (أ): (وعلى هذا كلام ابن عباس: يدل).
(٦) في (ش): (استغوته).
(٧) غيلان: جمع غول بالضم، وهو شيطان يأكل الناس، وسحرة الجن، والداهية. انظر: القاموس ص ١٠٤٠ (غول).
(٨) ذكره الثعلبي ١٧٩ ب بلفظ: (استفزته)، والبغوي ٣/ ١٥٦. بلفظ: (استهوته)، والسيوطي في "الدر" ٣/ ٤٠ بلفظ (أضلته) وفي "تنوير المقباس" ٢/ ٣١ بلفظ (استزلته).
وانفرد أبو إسحاق بقوله (١).
وقوله تعالى حَيْرَانَ، قال الأصمعي (٢): (يقال: حار يحَار حيرة وحيرًا) (٣)، وزاد الفراء: (حيرانًا وحيرورة) (٤).
ومعنى الحيرة (٥): هي التردد في الأمر لا يهتدي إلى مخرج منه ولا يتوجه له طريق، ومنه يقال: الماء يتحيّر في الغيمِ أي: يتردد، وتحيّرت الروضة بالماء إذا امتلأت فتردد فيها الماء.
ومنه قول لبيدٍ (٦):
وقال أبو حيان في "البحر" ٤/ ١٥٥: (جعله الزمخشري من الهوى، وهو الميل والمودة، أي: أمالته الشياطين عن الطريق الواضح إلى المهمه القفر) ا. هـ. بتصرف، وانظر: "الكشاف" ٢/ ٢٨، والقرطبي ٧/ ١٨.
(٢) "تهذيب اللغة" ١/ ٦٩٥ (حار).
(٣) في (ش): (يحار، حيرة وحيرة)، ولعل حيرة الثانية تحريف عن: وحيرًا.
(٤) ذكره الرازي ١٣/ ٣٠، والمصدر: حيرورة، ذكره القرطبي ٧/ ١٨، والشوكاني ٢/ ١٨٨، وفي "البحر" ٤/ ١٤٤ قال: (حارَ يحَارُ حَيْرَة وحَيْرًا وحيرانًا وحيرورة) ا. هـ. والنص عن الفراء لعله من كتاب المصادر المفقود.
(٥) انظر: "العين" ٣/ ٢٨٨، و"الصحاح" ٢/ ٦٤٠، و"مقاييس اللغة" ٢/ ٢٣، و"المفردات" ص ٢٦٣، و"عمدة الحفاظ" ص ١٤٥ (حير).
(٦) "ديوانه"ص ١٥٣، و"تهذيب اللغة" ١/ ٦٩٨، و"اللسان" ٢/ ١٠٦٧ (حار)، وتحيرت: امتلأت وأقام فيها الماء ولم يشرب، والدبار: جمع دبرة، وهي الساقية ومجاري الماء في المزرعة، والزلف: جمع زلفة، وهي مصانع الماء، والقِتْبُ -بالكسر-: السانية وأدواتها، والمحزوم: المربوط بالحزام. انظر: "اللسان" ٦/ ٣٥٢٤ (قتب).
| حَتى تَحَيَّرَتِ الدَّبَارُ كأنَّها | زَلَفٌ وألْقَى قِتُبها المَحْزُومُ (١) |
قال ابن عباس: (هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها وللدعاة الذين يدعون إلى الله، كمثل رجل تائه ضال عن الطريق له أصحاب يدعونه إلى الطريق: هلم يا فلان إلى الطريق، فإن أتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه في هلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الطريق اهتدى. يقول: مثل من يعبد هذه الآلهة مثل من دعاه الغيلان في المفازة باسمه واسم أبيه فيتبعها، ويرى أنه في شيء، فيصبح وقد ألقته في هلكة أو في مضلة من الأرض يهلك فيها عطشًا، فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله) (٢).
وقال مجاهد (٣): (هذا مثل من ضل بعد الهدى)، وقال ابن عباس في رواية عطاء: (يعني بهذه الآية: عبد الرحمن (٤) بن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-،
(٢) أخرجه الطبري ٧/ ٢٣٦، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣١٢ بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" ٣/ ٢٥٩.
(٣) "تفسير مجاهد" ١/ ٢١٨، وأخرج الطبري ٧/ ٢٣٦، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٢ من طرق جيدة نحوه، وذكره السيوطي في "الدر" ٣/ ٤١.
(٤) عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان بن عامر التيمي القرشي أبو محمد صحابي جليل، أكبر ولد الصديق، وشقيق عائشة رضي الله عنهما، أسلم قبيل الفتح، وكان فارسًا من أشجع قريش وأرماهم بسهم، شهد اليمامة والفتوح. وتوفي سنة ٥٣ هـ أو بعدها.
انظر: "التاريخ الكبير" للبخاري ٥/ ٢٤٢، و"الاستيعاب" ٢/ ٣٨٢، و"تهذيب الأسماء واللغات" ١/ ٢٩٤، و"سير أعلام النبلاء" ٢/ ٤٧١، و"الإصابة" ٢/ ٤٠٧، و"تهذيب التهذيب" ٢/ ٥٢٥.
كان يدعو أباه إلى الكفر وأبوه يدعوه إلى الإِسلام) (١) فقوله: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ يريد: عبد الرحمن بن أبي بكر، قال الكلبي: (استفزّته الشياطين فعمل بالمعاصي حَيْرَانَ: ضال عن الهدى لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا يعني أبويه وأصحاب محمد - ﷺ -) (٢).
وقوله تعالى: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى هذا جواب لعبد الرحمن حين دعا أباه إلى دين آبائه، قال ابن عباس في رواية عطاء: (وأبو بكر يقول: أَتبع ديني، ويخبره أن دين الله الهدى الذي هو عليه) (٣).
قال أهل المعاني: (الآية من أولها إلى قوله اَئتِنَا إنكار على من دعا إلى الضلال وعبادة الأصنام، من آمن بالله وسلك طريق الهدى، وتشبيه حاله لو أجاب داعي الضلال بتشبيه حال التائه بسلوكه غير المحجة).
وقوله بعد هذا: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى رد على من دعا إلى عبادة الأصنام، وكأنه بمنزلة: لا تفعل (٤) ذلك؛ لأن هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى
انظر: "تفسير مقاتل" ١/ ٥٦٨، و"معاني الزجاج" ٢/ ٢٦٢، والثعلبي ١٧٩ ب، و"الكشاف" ٢/ ٢٩، والرازي ١٣/ ٣٠، وضعف هذا القول ابن عطية ٥/ ٢٤٤، وأبو حيان في "البحر" ٤/ ١٥٧ لما في "صحيح البخاري" (٤٨٢٧) كتاب: التفسير، تفسير سورة الأحقاف عن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن إلا أن الله أنزل عُذري) ا. هـ. وانظر: شرحه في "فتح الباري" ٨/ ٥٧٦.
(٢) "تنوير المقباس" ٢/ ٣١، وفي "معاني الفراء" ١/ ٣٣٩، قال: (كان أبو بكر الصديق وامرأته يدعوان عبد الرحمن ابنهما إلى الإسلام فهو قوله: إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا أي: أطعنا) اهـ.
(٣) سبق تخريجه في الفقرة السابقة.
(٤) في (ش): (يفعل).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي