تفسير المفردات : الصور في اللغة : القرن وقد ثقب الناس قرون الوعول والظباء وغيرها فجعلوا منها أبواقا ينفخون فيها لها صوت شديد يدعى به الناس إلى الاجتماع ويعزفون بها كغيرها من آلات الطرب، وقد جاء في سفر الأيام الأول من كتب العهد العتيق : فكان جميع بني إسرائيل يصعدون تابوت عهد الرب بهتاف وبصوت الأصوات والأبواق والصنوج ويصوتون بالرباب والعيدان.
آيها خمس وستون ومائة، نزلت بعد الحجر
وهي مكية إلا الآيات ٢٠، ٢٣، ٩١، ٩٣، ١١٤، ١٤١، ١٥١، ١٥٢، ١٥٣، وقد روى كثير من المحدثين عن غير واحد من الصحابة والتابعين أن هذه السورة نزلت جملة واحدة.
مناسبة هذه السورة لما قبلها :
الناظر إلى ترتيب السورة كلها في المصحف يرى أنه قد روعي في ترتيبها الطول والتوسط والقصر في الجملة، ليكون ذلك أعون على التلاوة وأسهل في الحفظ، فالناس يبدؤون بقراءته من أوله فيكون الانتقال من السبع الطوال إلى المئين فالمثاني فالمفصل أنفى للملل وأدعى إلى النشاط، ويبدؤون بحفظه من آخره لأن ذلك أسهل على الأطفال ولأنه قد روعي التناسب في معاني السور مع التناسب في مقدار الطول والقصر.
ووجه مناسبتها لآخر سورة المائدة من وجوه عدة :
( ١ ) إن معظم سورة المائدة في محاجة أهل الكتاب، ومعظم سورة الأنعام.
( ٢ ) إن سورة الأنعام قد ذكرت فيها أحكام الأطعمة المحرمة والذبائح بالإجمال، وذكرت في المائدة بالتفصيل وهي قد نزلت أخيرا.
( ٣ ) إن هذه افتتحت بالحمد وتلك اختتمت بفصل القضاء وبينهما تلازم كما قال : وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين [ الزمر : ٧٥ ].
الإيضاح : وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق أي وهو الذي خلقهما خلقا متلبسا بالحق، وهو أنه وفق سننه المطردة المشتملة على الحكم البالغة الدالة على وجوده ووحدانيته وقدرته البالغة، ولم يخلقهما باطلا ولا عبثا فهو لا يترك الناس سدى، بل يجزي كل نفس بما كسبت.
ونحو الآية قوله في سورة آل عمران : ربنا ما خلقت هذا باطلا [ آل عمران : ١٩١ ] وقوله : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين٣٨ ما خلقناهما إلا بالحق [ الدخان : ٣٨ ٣٩ ].
ويوم يقول كن فيكون قوله الحق أي وقوله هو الحق الذي لا شك فيه يوم يقول للشيء كن فيكون وهو وقت إيجاد العالم وتكوينه، فلا مرد لأمره ولا تخلف لقضائه وحكمه، ومن كان أمره التكويني مطاعا يكن أمره التكليفي كذلك واجب الطاعة بلا حرج في النفس ولا ضيق منه، فالخلق حق والأمر حق ألا له الخلق والأمر [ الأعراف : ٥٤ ].
وله الملك يوم ينفخ في الصور أي وله الملك يوم الحشر يوم يبعث من في القبور وينفخ في الصور، والأمر حينئذ له وحده، ولا تملك نفس لنفس شيئا من خير أو شر، أو نفع أو ضر، فكيف يرضى لنفسه من يعرف هذه الحقائق أن يدعو سواه، ويتخذ له إلها غير الله، ويرد على عقبيه، ويرجع إلى أسوإ حاليه.
روي عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الصور فقال :( هو قرن ينفخ فيه ) وروي عن ابن مسعود أنه قال :( الصور كهيئة القرن ينفخ فيه ).
عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير قال الحسن : الشهادة : ما قد رأيتم خلقه، والغيب : ما غاب عنكم مما لم تروه، وقال ابن عباس : الغيب والشهادة : السر والعلانية.
والمعنى : إن الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق، والذي قوله الحق تكوينا وتكليفا، والذي له الملك وحده يوم يحشر الخلائق هو عالم الغيب والشهادة، وهو الحكيم الذي يضع الأشياء مواضعها، وهو الخبير بدقائقها وخفاياها، ولا يشذ عن علمه شيء منها، فلا ينبغي لعاقل أن يدعو غيره معه كما قال : فلا تدعوا مع الله أحدا [ الجن : ١٨ ] وقال : بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء [ الأنعام : ٤١ ].
تفسير المراغي
المراغي