ﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘ ﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢ ﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀ

محاربة الشّرك
إن من أهم أصول شريعة الإسلام وشرائع الأنبياء السابقين القضاء على الشّرك وتصفية معاقله وإنهاء وجوده وآثاره بين الناس لأن عقيدة الشّرك صفة بدائية غير حضارية، تسيء إلى الإنسان وتقديره، وتجعله يرتع في مخازي الخرافات والأباطيل، وتكون سببا لتدميره وتعذيبه عذابا شديدا في الدار الآخرة.
قال الله تعالى مبيّنا مخازي الشّرك وضلالات المشركين:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٧١ الى ٧٣]
قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)
«١» «٢» [الأنعام: ٦/ ٧١- ٧٣].
هذه حملة شديدة من الجدال والنقاش واللوم على الشّرك والمشركين، قال السّدّي مبيّنا سبب النزول: قال المشركون للمسلمين: اتّبعوا سبيلنا، واتركوا دين محمد، فأنزل الله عزّ وجلّ: قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا.. الآيات.
والمعنى: قل أيها النّبي في احتجاجك على المشركين: أنطيع رأيكم في أن نعبد من دون الله ما لا قدرة له على نفعنا ولا على ضرّنا لأنها أصنام صماء جمادات لا حياة فيها ولا حركة، ثم نردّ على أعقابنا إلى إلى الشّرك والكفر، بعد أن أنقذنا الله منه،

(١) أوقعته في الأهواء والضلال.
(٢) القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل.

صفحة رقم 568

وهدانا للإسلام دين المجد والحضارة، والرّقي واحترام العقل والكرامة الإنسانية، فيكون مثلنا مثل الذي استهوته الشياطين في الأرض، وذهبت بعقله، وأصبح حيران تائها، لا يدري كيف يسير؟ والحال أن له أصحابا مخلصين، على الجادّة المستقيمة، يدعونه إلى طريق الهدى، قائلين له: ائْتِنا أي بادر إلى اتّباع طريقتنا، فهي حقّ وخير ورشد.
وبعبارة أخرى: أيصلح أن يكون بعد الهدى أن نعبد الأصنام، فيكون ذلك منا ارتدادا على العقب، فيكون كرجل على طريق واضح، فاستهوته عنه الشياطين، فخرج عنه إلى دعوتهم، فيكون حائرا؟
ادع أيها الرسول أولئك المشركين لدين الحق، وقل لهم: إن هدى الله في قرآنه هو الهدى، وطريق الإسلام هو الحق، وهو الصراط المستقيم، لا ما تدعون إليه من أهوائكم، فليس ذلك بهدي، بل هو في نفسه كفر وضلال. وقل لهم: وأمرنا بأن نسلم لله ربّ العالمين، أي نخلص له العبادة وحده لا شريك له، فأسلمنا.
وأمرنا أيضا بإقامة الصلاة: وهي الإتيان بها على الوجه الأكمل، الذي شرعت من أجله: وهو تزكية النفس بمناجاة الله، والنّهي أو المنع عن الفحشاء والمنكر.
وأمرنا كذلك بتقوى الله، أي اتّقاء ما يترتّب على مخالفة دين الله وشرعه، فنكون مأمورين بأمور ثلاثة: هي الإخلاص لله دون إشراك، وإقامة الصلاة وعبادة الله وحده دون غيره، والتقوى في جميع الأحوال سرّا وعلنا. والسبب في هذه الأوامر الثلاثة إعداد النفوس للمستقبل، والخلود الأبدي في الآخرة، لأن الله يحاسبنا، وهو الذي إليه تحشرون، أي تجمعون يوم القيامة، فيحاسب الخلائق على أعمالهم، ويجازيهم عليها.
والله الذي نعبده هو خالق السماوات والأرض ومالكهما ومدبرهما بالحق

صفحة رقم 569

والعدل والحكمة، والخلق معناه: الابتداع والإخراج من العدم إلى الوجود، ومعنى الخلق بالحق: أنه لم يخلق السماوات والأرض باطلا من غير معنى، بل لمعان مفيدة ولحقائق بيّنة، منها الاستدلال بها على وجود الصانع الخالق ونزول الأرزاق وغير ذلك.
واذكر أيها الرسول الخلق والإعادة يوم يقول الله للشيء يوم القيامة: كُنْ فَيَكُونُ ويوم ينفخ في الصور، فيصعق كل من في السماوات والأرض، ويهلك كل مخلوق حتى الملك الذي نفخ فيه. وقول الله هو الحق، أي قضاؤه هو الحق، والله سبحانه صاحب الملك، المطلق في الدنيا والآخرة. ومن صفات الله تعالى أنه عالم الغيب والشهادة، أي ما غاب عنّا، وعالم المحسوسات الذي نراه، وهو سبحانه الحكيم في خلقه، فلا يفعل ولا يشرع لعباده إلا ما فيه الخير والحكمة والمصلحة، وهو الخبير بأحوالهم، المطّلع على سرائرهم ونيّاتهم وضمائرهم. وإذا كان الله هو المتّصف بهذه الصفات، فهو الأحقّ بالعبادة، فلا يصحّ لعاقل أن يدعو أو يعبد غير الله تعالى، لذا قال سبحانه: فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً [الجنّ: ٧٢/ ١٨]، بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ [الأنعام: ٦/ ٤١].
مجادلة إبراهيم الخليل لأبيه
لقد تحمّل الأنبياء والرّسل عليهم الصلاة والسّلام عناء كبيرا وجهدا عظيما من أجل ترك الناس عبادة الأصنام والأوثان من قديم الزمان، وكان لسيّدنا إبراهيم الخليل عليه السّلام قدرة بارعة على جدال الوثنيين، ومنهم أبوه آزر، الذي تلطّف في مجادلته، وحاول إقناعه بكل الوسائل، فلم يستجب آزر لدعوة التوحيد، بل هدّد إبراهيم عليه السّلام بالقتل رجما بالحجارة إن لم يكف عن دعوته، قال الله تعالى:

صفحة رقم 570

التفسير الوسيط

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر - دمشق
سنة النشر 1422
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية