الآية ٧٣ وقوله تعالى : وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق قيل : قوله : بالحق أي خلق السماوات والأرض بالحق لم يخلقها باطلا كقوله سبحانه : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا [ ص : ٢٧ ] قيل : لم يخلقهما باطلا، ولكن خلقهما بالحق.
وهو يحتمل وجوها :
[ أحدها ]١ : قيل : خلقهما للعاقبة لأن كل أمر لا عاقبة له، هو باطل، ليس بحق ؛ فإنما خلق السماوات والأرض وما بينهما للعاقبة، وذلك لأمر عظيم كقوله تعالى : ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين [ المطففين : ٥ و ٦ ].
وقيل٢ : قوله تعالى : بالحق أي خلقهما ليمتحن فيهما ولمحنة سكانهما، لم يخلقهما لغير شيء.
وقيل٣ : بالحق أي خلقهما بالحكمة ؛ من نظر فيهما، وتدبر لدلالة٤ على أن لهما خالقا ومدبرا أو لدلالة٥ على أن مدبرهما ومنشئهما واحد، فإذا كان كذلك فكان خلقهما بالحق بالحكمة والعلم.
وقوله تعالى : ويوم يقول كن فيكون [ فيه وجوه :
أحدها :]٦ قد ذكرنا أن قوله : كن هو أوجز كلام في لسان العرب ؛ يعبر به، فيفهم٧ منه، لا أن كان من الله كاف أو نون، لكنه ذكره٨ والله أعلم، ليعلموا أن ليس على الله في الإحياء والإنشاء بعد الموت مؤنة كما لم يكن على الخلق في التكلم ب كن مؤنة، ولا يصعب عليهم ذلك. فعلى ذلك ليس على الله في البعث بعد الموت مؤنة ولا صعوبة.
والثاني : ذكر هذا لسرعة نفاذ البعث كقوله تعالى : ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة أخبر أن خلقهم٩ وبعثكم ليس إلا كخلق نفس واحدة وبعث نفس واحدة، وكقوله تعالى : وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب [ النحل : ٧٧ ] يخبر لسعة نفاذ١٠ الساعة وبعثهم ؛ وذلك أن الرجل قد يلمح البصر، وهو لا يشعر به. فعلى ذلك القيامة، قد تقوم، وهم لا يشعرون.
والثالث : يذكر هذا، والله أعلم، أن البعث بعد الموت [ هو إحياء ]١١، والإحياء إعادة، وإعادة الشيء عندهم أهون من ابتداء إنشاء. وعلى ذلك يخرج قوله تعالى : وهو أهون عليه [ الروم : ٢٧ ] أي هو أهون عليه عندهم.
وقوله تعالى : قوله الحق يحتمل قوله الحق أي البعث بعد الموت حق على ما أخبر، ويحتمل قوله الحق أي ذلك القول منه حق، يكون كما ذكر.
وقوله تعالى : وله الملك ملك ذلك اليوم كقوله تعالى : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار [ غافر : ١٦ ]. وكقوله تعالى : الملك يومئذ لله [ الحج : ٥٦ ] ذكر هذا، والله أعلم، لما [ لا ينازعه ]١٢ أحد في ملك ذلك اليوم، وقد نازعه الجبابرة في الملك في الدنيا، وإن لم يكن لهم ملك ولا ألوهية١٣.
ويحتمل قوله تعالى : وله الملك أي ملك جميع الملوك له في الحقيقة كقوله تعالى : قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء [ آل عمران : ٢٦ ].
وقوله تعالى : يوم ينفخ في الصور قال بعضهم : النفخ هو الروح، والروح من الريح، والروح إنما يدخل [ كقوله تعالى ]١٤ : فنفخنا فيه من روحنا [ التحريم : ١٢ ] وقال بعضهم : لا يكون هناك/١٥٢-أ/ في الحقيقة نفخ، ولكن يذكره١٥ لسرعة نفاذ الساعة ؛ لأن الرجل قد يتنفس، وهو لا يشعر به، فذكر هذا لسرعة نفاذ الساعة، لأنه ليس شيء أسرع جريانا ونفاذا من الريح. وقال بعضهم : هو على حقيقة النفخ، وهو ما ذكرنا.
وقوله تعالى : عالم الغيب أي يعلم ما يغيب الخلق بعضهم عن بعض والشهادة ما يشهد بعضهم بعضا. ويحتمل عالم الغيب أي يعلم ما يكون، إذا كان كيف كان ؟ أو يعلم وقت كونه والشهادة ما كان، وشوهد. يخبر أنه لا يغيب عنه شيء، ولا يغرب منه وهو الحكيم في خلق السماوات والأرض وخلق ما فيها. وهو الحكيم في بعثهم. والحكيم هو واضع الشيء موضعه. الخبير بكل شيء.
٢ - هذا هو الوجه الثاني..
٣ - هذا هو الوجه الثالث..
٤ من م في الأصل: له لاه..
٥ - من م، في الأصل: له لاه..
٦ - ساقطة من الأصل وم..
٧ - من م، في الأصل: فيهم..
٨ - في الأصل وم: ذكر..
٩ - في الأصل وم: قولهم..
١٠ - من م، في الأصل: فنفاذ.
١١ - ساقطة من الأصل وم..
١٢ -من م، في الأصل: يتنازعه..
١٣ - من م، في الأصل: ألوهيته..
١٤ - ساقطة من الأصل وم..
١٥ - في الأصل وم: يذكر..
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم