ﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀ

عالم الغيب والشهادة : الغيب هنا بمعنى المغيب والمخفى والمستقبل، والشهادة بمعنى الحاضر والمشاهد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ( ١ ) فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( ٧١ ) وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( ٧٢ ) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ( ٢ ) وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ( ٧٣ ) [ ٧١ – ٧٣ ].
في الآيات أمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتساؤل بلهجة استنكارية عما كان يصح في العقل أن يدعو هو والمسلمون غير الله مما لا ينفعهم ولا يضرهم، وأن يرتدوا على أعقابهم ضالين بعد أن هداهم الله، وأن يصبح شأنهم كشأن الذي استهوته الشياطين في الأرض فاتبعها وتاه، ووقف موقف الحائر الذاهل الذي ضل عن الطريق الذي يحسن أن يسلكه لينجو، وله رفاق مهتدون آمنون يدعونه إليهم فلا يتبعهم.
وأمر آخر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يهتف بأن هدى الله هو الهدى الحق، وبأنه أمر ومن معه بإسلام النفس لله وإقامة الصلاة له واتقائه بصالح العمل، فهو الذي يحشر الناس إليه وهو رب العالمين، الذي خلق السماوات والأرض بالحق، والذي يحيط علمه بكل شيء من حاضر وغائب وسر وعلن وماض ومستقبل، والذي يقول الحق ويقضي به، ويكون له الملك والحكم والأمر دائما، وفي يوم القيامة أيضا والذي يتم كل ما يشاء وقت ما يشاء بما في ذلك بعث الناس بمجرد تعلق مشيئته بتمامه، وهذا ما عبر عنه بجملة وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ .
والمتبادر أن جملة الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ أسلوب آخر لما عنته آيات سورة ص [ ٢٧ – ٢٩ ] على ما سبق شرحه. ومن هذا الباب آيات الأنبياء [ ١٦ – ٣٣ ] والدخان [ ٣٨و ٣٩ ] والروم [ ٨ ].
تعليق على الآية
قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا
الآيتين التاليتين لها
لقد روى الطبري عن ابن عباس أن في الآيات مثلا ضربه الله تعالى للآلهة وعبادها والدعاة إليها ولنفسه سبحانه وتعالى لمن يدعو إليه وحده. وهذا ملموح فيها. ولقد روي عن السدي أيضا أن المشركين قالوا للمؤمنين : اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد فأنزل الله الآيات. ومقتضى الرواية أن تكون الآيات مناسبة خاصة، ومستقلة عن السياق. في حين أن المتبادر من فحواها وفحوى السياق السابق أن الاتصال قائم بينها وبين هذا السياق، وأنها جاءت معقبة عليه. والموضوع الذي تضمنته من المواضيع والصور التي ما فتئت فصول السورة تحكيها. ولا يمنع هذا أن يكون ما رواه السدي صحيحا في ذاته وأن المشركين كانوا أحيانا يقفون موقف الناصح والواعظ ويدعون النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين إلى العودة إلى دين الآباء وتقاليدهم التي انحرفوا عنها بزعمهم فاحتوت الآيات إشارة إلى ذلك، وهي تعقب على الآيات السابقة وترد عليهم وتسفه عقولهم وتنذر بمنطقهم وتقرر ما هم فيه من ضلال يمنعهم سماع دعوة الحق والهدى. وتعلن وحدة الربوبية لله تعالى وشمول علمه وقدرته وكونه وحده المستوجب للخضوع والعبادة والدعاء. ولقد حكت ذلك عنهم آية العنكبوت هذه وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون ( ١٢ ) .
والصورة طريفة من دون ريب في مجال الحجاج والنقاش حيث كان زعماء الكفار ونبهاؤهم يظهرون بمظهر القوة فيصرون على أنهم على الدين الحق ويدعون الذين يدعونهم إلى هدى الله إليهم.
ويأتي بعد هذه الآيات فصل قصصي عن الأنبياء مما جرى عليه النظم القرآني واقتضته حكمة التنزيل، بحيث يمكن أن يقال إن هذه الآيات جاءت خاتمة للفصول السابقة التي فيها حجاج ونقاش لمواقف الكفار وتعجيزاتهم، والرد عليهم وإنذارهم، وتثبيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين والتي بدأت منذ أوائل السورة. وفيها من الصور المتلاحقة ما يدل على ما كان بين جبهتي التوحيد والشرك من احتكاك، وما واجهه النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون من عناد ومكابرة وما لقيه من عناء، مضافة إلى الصور المماثلة الكثيرة التي تضمنتها السور السابقة ثم التي تضمنتها فصول السورة الآتية وكثير من السور الآتية أيضا. ولقد شرحنا النفخ بالصور في سور سبق تفسيرها فلا نرى ضرورة للإعادة في مناسبة ورود ذلك في الآيات.


التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير