قوله : وَمِنْ آبَائِهِمْ وذرياتهم وإخوانهم أي هدينا، و«من » للتبعيض، أي هدينا بعض آبائهم وذرياتهم وأزواجهم واجتبيناهم معطوف على فضلنا. والاجتباء : الاصطفاء أو التخليص أو الاختيار، مشتق من جبيت الماء في الحوض جمعته، فالاجتباء : ضم الذي تجتبيه إلى خاصيتك. قال الكسائي : جبيت الماء في الحوض جباً مقصورة، والجابية الحوض، قال الشاعر :
كجابية الشيخ العراقي تفهق ***. . .
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله : واجتبيناهم قال : أخلصناهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله : وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ قال : يريد هؤلاء الذين هديناهم وفعلنا بهم. وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد قال : الحكم : اللب. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء يعني أهل مكة. يقول : إن يكفروا بالقرآن فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بكافرين يعني أهل المدينة والأنصار. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله : فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً قال : هم الأنبياء الثمانية عشر الذين قال الله فيهم فَبِهُدَاهُمُ اقتده . قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهداهم وكان يسجد في ص، ولفظ ابن أبي حاتم عن مجاهد : سألت ابن عباس عن السجدة التي في ص، فقال هذه الآية، وقال : أمر نبيكم أن يقتدي بداود عليه السلام. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله : قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً قال : قل لهم يا محمد : لا أسألكم على ما أدعوكم إليه عرضاً من عروض الدنيا.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني