ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ

يقول الله جل وعلا : إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون [ الأنعام : ٩٥ ].
بين الله ( جل وعلا ) في هذه الآيات عجائب صنعه الدالة على أنه المعبود وحده، القادر على كل شيء. وهذه مع أنها آيات، فهي نعم عظام، فهو يذكر الخلق بنعمه العظام، وآياته العظام.
وقوله : إن الله فالق الحب والنوى [ الأنعام : آية ٩٥ ] الفلق في لغة العرب معناه : الشق. وفي هذه الآية ثلاثة أوجه معروفة من التفسير :
أشهرها وعليه الجمهور، وهو ظاهر القرآن العظيم الذي دل عليه بعض القرائن أن معنى قوله : إن الله فالق الحب والنوى إن الله ( جل وعلا ) فالق الحب، يفلق حب القمح – مثلا – إذا بذر في الأرض يفلقه ويشقه عن سنبلة فيها مئات الحب، ويفلق النواة.
والنوى جمع نواة، وقيل : هو اسم جمع للنواة، كنوى التمر وغيره، فكل ثمر في داخله عجم يسمى : نوى. فإن الإنسان يبذر النواة في الأرض – نواة النخلة مثلا، وهي صلبة قاسية فيشقها الله، ويخرج منها هذه النخلة، هذه الشجرة العظيمة، ذات الخوص، وذات العيدان، وينبت من تلك النخلة تمرا أيضا، فالذي يشق الحبة إذا بذرت في الأرض، ويخرج منها سنبلة، ويشق النواة، ويخرج منها نخلة، أو شجرة أخرى – إذا كانت نواة غير نواة النخل – من يفعل هذه الأفعال التي تشاهدونها فهو العظيم القادر على كل شيء، وهو الرب وحده، المعبود وحده ( جل وعلا )، فعلى هذا الوجه الذي عليه جمهور المفسرين يذكرنا الله بعظمته، وكمال قدرته، حيث ينبت السنبلة من الحبة، والنخلة من النواة، فمن يفعل هذا فهو عظيم قادر على كل شيء، وكأنه يشير إلى أن ذلك السنبل الذي يفلق عنه الحبة هو معيشتنا التي لا نستغني عنها، فكما أنه من باهر آياته فهو من نعمه العظمى علينا، وقد أوجب الله على كل إنسان منا أن ينظر في هذا ؛ لأن الله قال بصيغة أمر تقتضي الوجوب، في سورة عبس قال : فلينظر الإنسان إلى طعامه [ عبس : آية ٢٤ ] فأوجب على الإنسان بصيغة الأمر النظر إلى طعامه، ومعناه : كأنه يقول : أيها الإنسان انظر إلى طعامك، انظر إلى الخبز الذي تأكله، من هو الذي خلق الماء الذي أنبته الله بسببه ؟ أيقدر أحد غيره على أن يخلق الماء ؟ ! لا، هب أن الماء خلق، من يقدر على إنزاله على هذا الأسلوب العجيب رشاشا يسقي الأرض من غير أن يضر بأحد، لا يقدر على هذا إلا الله ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يعني المطر يخرج من خلاله [ النور : آية ٤٣ ] من فتوق السحاب ومخارجه رشاشا ؛ لأنه لو نزل مجتمعا لأهلك ما سقط عليه. هب أن الماء خلق، وأنه أنزل إلى الأرض على هذا الأسلوب الغريب العجيب حتى شربت الأرض ورويت، من هو الذي يقدر على شق الحبة عن السنبلة أولا، ثم على شق الأرض وإخراج مسمار النبات منها ؟ هب أن مسمار النبات خلق ؟ من هو الذي يقدر أن يخرج منه السنبلة ؟ هب أن السنبلة خرجت، من هو الذي يقدر على تنمية حبها، ونقله من طور إلى طور، حتى يصير صالحا مدركا، صالحا للأكل ؟ انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذالكم لأيات لقوم يؤمنون [ الأنعام : آية ٩٩ ] هذا ذكره الله بقوله : فلينظر الإنسان إلى طعامه إنا صببنا الماء صبا . وفي القراءة الأخرى : أنا صببنا الماء صبا [ عبس : الآيتان ٢٤، ٢٥ ] يعني : فسقينا به الأرض، ثم شققنا الأرض عن النبات شقا بعد أن شققنا الحبة عن السنبلة، كما قال هنا : إن الله فالق الحب والنوى هذه غرائب صنع الله وعجائبه يبينها لخلقه، ويذكرهم بنعمته ليعلموا عظمة من خلقهم ( جل وعلا ) فيعبدوه وينيبوا إليه.
هذا معنى قوله : إن الله فالق الحب يعني : فالق الحب عن السنبل، وفالق النوى عن الشجر، كالنخل مثلا. هذا من غرائب صنعه وعجائب قدرته، ومن نعمه العظمى عليكم، حيث أنبت لكم الحبوب والثمار لتأكلوا منها.
وهذا معنى قوله : إن الله فالق الحب والنوى هذا التفسير هو الذي عليه جمهور المفسرين، وهو المعروف عن علماء السلف والخلف، وفي الآية قولان آخران :
أحدهما : أن معنى كونه فالق الحب والنوى : أن حبة القمح مثلا فيها شبه شق في بعض جوانبها، والنواة فيها شق في جانبها، أنه هو الذي جعل ذلك الشق في الحب، وجعله في النوى ليري الناس كمال قدرته.
الوجه الثاني : هو ما ذكره بعض أهل العلم : أن الفلق والفطر والخلق كلها مترادفة. فمعنى : فالق الحب والنوى أي : خالق الحب والنوى وغير ذلك.
والأول هو أشهرها.
وقوله : يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي فقوله : يخرج الحي من الميت كالتفسير لقوله : فالق الحب والنوى لأن الحبة اليابسة كأنها ميتة، وكل شيء ينمو ويتزايد تسميه العرب حيا ؛ ولذا يسمون النبات حيا ؛ لأنه ينمو، ويسمون اليابس منه – الذي لا ينمو – يسمونه ميتا. ومن هنا كانوا يقولون للأرض الجدبة القاحلة : ميتة ؛ لأن نباتها يابس لا ينمو، فإذا نبت فيها النبات الأخضر النامي سموها : حية. كما قال تعالى : وءاية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره [ يس : الآيات ٣٣ ٣٥ ]. ولذا قال : يخرج الحي من الميت الحي هنا : هو السنبل الأخضر النامي، والنخل الأخضر النامي يخرجه الله من ذلك الميت اليابس الذي لا ينمو، وهو الحب اليابس، أو النوى اليابس، وكذلك يخرج الله النطفة – وهي ميتة – يخرجها من الحي الذي هو الإنسان، والبيضة من الدجاجة. فقوله : يخرج الحي من الميت أي يخرج النامي من النبات والحيوانات من الميت وهو بذر النبات اليابس الذي لا ينمو بذاته، وكذلك ما يخرج من الإنسان، كالنطفة فإنها لا تنمو بنفسها إلا أن الله ( جل وعلا ) يخرج منها الحي، كما قال : ومخرج الميت من الحي المعنى : أن الله ( جل وعلا ) يخرج الحي النامي كالنخلة، والسنبلة من الحبة، والنوى، ويخرج الإنسان من النطفة، والدجاجة من البيضة مثلا، كما أنه يخرج الميت من الحي، يخرج أيضا ذلك الزرع الميت من الحي الذي هو النبات، ويخرج الثمر من الشجر الذي هو النامي، كما يخرج أيضا النطفة والبيضة من الحي الذي هو الإنسان والدجاجة.
هذا معنى قوله : يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي وهذا هو الذي عليه جمهور المفسرين، خلافا لمن قال : إنه يخرج الكافر من المؤمن، والمؤمن من الكافر، وما جرى مجرى ذلك. القول الأول هو المشهور.
وفي هذه الآية الكريمة سؤال عربي : وهو أن يقول طالب العلم : قال يخرج الحي من الميت بصيغة المضارع، وعطف عليه قوله : ومخرج الميت من الحي بصيغة اسم الفاعل، فما النكتة العربية في عطف اسم الفاعل هنا على المضارع ؟ ولم لا يعطف عليه مضارعا آخر ؟ كما فعل في سورة آل عمران حيث قال : تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي [ آل عمران : آية ٢٧ ].
عن هذا السؤال للعلماء وجهان :
أحدهما : أن قوله : ومخرج معطوف على اسم الفاعل، وعليه فالمعنى : إن الله فالق الحب والنوى، ومخرج الميت من الحي. فهو اسم فاعل معطوف على اسم فاعل ؛ لأن قوله : يخرج الحي من الميت كأنه تفسير لقوله : فالق الحب والنوى فجاء باسم الفاعل في فالق الحب والنوى وفسره بأن معناه : يخرج الحي من الميت. أي : يخرج النخلة التي هي نامية حية من النواة التي هي ميتة، والسنبلة التي هي نامية حية من الحبة التي هي ميتة. وإذا كان قوله : يخرج الحي من الميت كالتفسير لقوله : فالق الحب والنوى يكون قوله : ومخرج عطفا على فالق فهو اسم فاعل معطوف على اسم فاعل. وعلى هذا فالتقدير : إن الله فالق الحب والنوى. أي : مخرج الحي من الميت، ومخرج الميت من الحي.
الوجه الثاني : هو أن عطف اسم الفاعل على الفعل، وعطف الفاعل على الاسم المشتق، كلها أساليب معروفة في القرآن وفي لغة العرب. ومن أمثلة عطف الفعل على اسم الفاعل : قوله جل وعلا : أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن [ الملك : آية ١٩ ] لم يقل : وقابضات، وقوله : والعاديات ضبحا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا فأثرن به نقعا [ العاديات : الآيات ١ ٤ ] ولم يقل : فالمثيرات. وكذلك عكسه، وهو : عطف الاسم على الفعل – اسم الفاعل على الفعل – أمر معروف موجود في كلام العرب، ومنه قول الراجز :

بات يغشيها بعضب باتر يقصد في أسوقها وجائر
فقوله : " جائر " معطوف على " يقصد " بمعنى : قاصد وجائر. وهذا أسلوب معروف في كلام العرب.
ومخرج الميت من الحي ثم إن الله لما نبهنا على عظمته وكمال قدرته، وأنك أيها الإنسان تشاهدك تبذر حبة في الأرض، فيخرجها لك سنبلة خضراء فيها مئات الحب، وتبذر نواة في الأرض فيخرج لك منها نخلة ذات أغصان، وذات خوص وجريد، وذات ثمر، وهذا من أبدع صنعه ( جل وعلا )، دال على أنه الرب وحده. قال بعد هذه الآيات : فأنى تؤفكون أين تصرفون عن النظر في هذا ؟ كيف تشاهدون غرائب صنعه وعجائبها الدالة على كمال قدرته، وتسوون به غيره، وتعبدون معه ما لا ينفع ولا يضر ؟ أين تصرفون ؟ وأين تذهب عقولكم عن أفعال ربكم العظيمة الدالة على أنه المعبود وحده ؟
و تؤفكون مضارع مبني للمفعول، من ( أفكه يأفكه ) إذا قلبه، العرب تقول : " أفك الأمر يأفكه " إذا قلبه، ومنه قيل لقرى قوم لوط :( المؤتفكات ) لأن جبريل أفكها، أي : قلبها فجعل عاليها سافلها، ومن هنا قيل للكذب : إفك ؛ لأن الإفك أسوأ الكذب ؛ لأنه صرف للكلام عن وجهه الحقيقي إلى وجهه الباطل. فمعنى : فأنى تؤفكون أين تصرفون وتقلبون عن هذه البراهين والآيات العظيمة الدالة على عظمة ربكم وجلاله، وأنه المعبود وحده جل وعلا.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير