ويقول الحق من بعد ذلك :
إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون( ٩٥ ) .
بعد ما تكلم الحق عن التوحيد والنبوات، ومن كانوا يعاكسون ويعارضون ويناوئون تلك النبوات ويكذبونها وقالوا فيها الإفك أراد الله أن يلفت خلقه إلى ما أعده لهم استبقاء لحياتهم، وكيف سخر لهم كل الكون بما فيه... جمادا ونباتا وحيوانا، وكأنه سبحانه يوضح : إن كنت لا ترى أن الخالق يستحق عبادتك فانظر إلى ما أنعم عليك به من النعم، مادام العبد المخلوق له كل نعم الخالق الأعلى فلماذا لا يسمع كلمته سبحانه ؟ أيها المخلوق أنت تتربى على مائدة الرحمن وهو خالقك فانظر وتأمل واعرف.
إن الله فالق الحب والنوى وساعة تسمع لفظ الجلالة : أي علم واجب الوجود وهو الله، فعليك أن تأخذ لفظ الجلالة بكل ما يدل عليه من صفات الجلال وصفات الجمال ما عرفته وما لم تعرفه ؛ لأنه سبحانه خلق الكون كله وهو قيوم عليه، وهذا الخلق وتلك القيومية فعل يقتضي صفات متعددة تقتضي قدرة، وحكمة، وعلما واسعا ورحمة، وبسطا وقبضا وغير ذلك، وبدلا من أن يأتي لك بصفات القدرة، وصفات الجمال ويذكرها ويعددها لك يقول سبحانه عن نفسه :( الله ) ؛ لأنه الاسم الجامع لكل صفاته. ونحن نقول في بدء كل عمل : بسم الله، وفي ذلك إيجاز لما يحتاج إليه أي عمل، لأن أي عمل يحتاج إلى قدرة، فتقول : باسم القادر، ويحتاج إلى علم فتقول :( باسم العليم ) ويحتاج إلى حكمة فتقول :( باسم الحكيم ) ويحتاج عزة فتقول :( باسم العزيز ) وقد يحتاج إلى قهر عدوك لأنك قد تدخل معه في حرب فتقول :( باسم القاهر ) إذن كل عملا يحتاج إلى حشد من صفات الكمال والجلال يخدم الفعل، فبدلا من أن نقول باسم القادر وباسم العليم وباسم القابض، يوفر عليك سبحانه كل ذلك فتقول : بسم الله ؛ لأن اسم الجلالة وهو ( الله ) هو الجامع لكل صفات الكمال.
إن الله فالق الحب والنوى ، فالق أي شاقق، جاعل الحب والنوى كل منهما فلقتين. ( والحب ) ما لا نواة له مثل الشعير والقمح والأرز. وهناك ما له نوى مثل البلح والخوخ، وتجد في قلب النواة شيئا آخر. وهناك نوع آخر له بذور مثل البطيخ، وفي بذرة تجد فيها شيئا، فيوضح لك الحق سبحانه وتعالى : إن عظمتي تتجلى في أنني أخلق الحب وأخلق النوى، وهناك حبوب مفلوقة جاهزة، مثل حبة الفول مثلا وحبة العدس.
وأنت إذا ما نظرت إلى هذه العملية وجدت شيئا عجبا ! !
فحين تأتي لنواة البلح أو حبة الشعير، وتضعها في الأرض في بيئة استخراجها، وبقليل من الرطوبة، تجد الفلقتين قد خرج منهما نبتة تكاد النواة أن تنفلق ليخرج منوها الزبان الضعيف بين الفلقتين ويتكون ما يسمى بالجذير. وهكذا تجد سر الحياة يأتي من الفلقتين، إن نزعت هذا الجذير تنتهي الحياة. ولذلك وجدنا من يتعجب حين اقتحم أعشاش النمل ووجد في العش قطعا صغيرة مفتتة بيضاء بجانب العش، واكتشفوا أن هذه هي زبانات الحب الذي يدخله النمل للعش، فلو أن النمل أدخل الحبوب كاملة فقد تأتي لفحة من رطوبة فتكبر هذه الحبة، وتنمو وتصير شجرة تفتك بالعش، فمن الذي هدى النمل إلى أن تفعل هكذا ؟ إنه الله. ونجد النمل يفلق حبة نبات ( الكزبرة ) إلى أربع قطع لأنه لو قطعها إلى اثنتين قد تنبت، من الذي علمه ؟ إنه سبحانه :
الذي خلق فسوى ( ٢ ) والذي قدر فهدى ( ٣ ) ( سورة الأعلى ).
والعجيب أنك حين ترى النبتة الضعيفة ساعة أن تخرج إلى الحياة وهي التي ستكون من بعد ذلك جذرا إنها هشة وضعيفة إن أمسكتها بيدك تسحقها، لكنها تخترق قلب الأرض الصلبة التي لو ضربتها بسكين لانكسرت السكين، لكن الجذير الضعيف يدخل في قلب الصخر والأرض، فأي قوة أعطته ذلك ؟ أي قوة تخرق له الأرض ؟ وهل الجذير هو الذي خرق الأرض أو خرقت له ؟ لقد خرق الحق الأرض للبذرة لتستخرج منها غذاء للزرع، إنها قدرة الحق سبحانه فالق الحب الذي ادخر في فلقتين اثنتين قوتا للنبات إذا مسته رطوبة تتغذى عليها الزريعة إلى أن تربي الجذور، ويستمد النبات غذاءه من الفلقتين إلى أن يثبت ويتمكن في الأرض ثم تتحول الفلقتان إلى ورقتين خضراوين.
ويتابع الحق سبحانه : يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي وحين تأمل العلماء هذا القول وأردوا أن يوضحوا لنا ما الحي ؟ وما الميت ؟ فات الجميع أن يعرفوا ما هي الحياة ؟ الحياة هي قيام الموجود بما يؤدي به مهمته، فحياة الإنسان فيها حركة وحس وجرى، ثم هناك حياة ثانية في الحيوان، وحياة ثالثة في النبات، وحياة ذات طابع مختلف في الجماد. مثلما علمونا في المدارس حين كان المدرس يمسك بقضيب ممغنط ليجذب برادة الحديد، حتى الحديد الصلب فيه لون معين من حياة. وكلنا رأينا في المدارس الأنبوبة الزجاجية التي وضعوا فيها برادة الحديد وكيف تتأثر بقضيب المغناطيس. وتعتدل وتصير في مستوى واحد، وهكذا نعرف أن الحياة هي الطاقة الموجودة في كل كائن ليؤدي مهمته حتى الأحجار تختلف فيها أشكال الحياة، فهناك حجر يأخذ شكل الرخام، وآخر يأخذ شكل المرمر، وكل لون من الأحجار له شكل من أشكال الحياة.
ونقرأ في القرآن :
ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ( من الآية ٤٢ سورة الأنفال )
وجاء الحق بمقابل الهلاك وهو الحياة ؛ فالهلاك ضد الحياة والحياة ضد الهلاك، ويقول سبحانه في آية أخرى :
كل شيء هالك إلا وجهه ( من الآية ٨٨ سورة القصص )
إذن ما دام كل شيء هالكا، فكل شيء فيه حياة، والخطأ أن تظن أن كل حياة تتشابه في الحس والحركة مع الإنسان، لا، إن الحياة في كل شيء بحسبه، إلى أن تقوم القيامة، فكل شيء حي له حياة تناسبه، وحين نسمع :
وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ( من الآية ٤٤ سورة الإسراء )
نقول : نعم كل من يسبح بحمده يقول قولا، وإياك أن تقول إنه تسبيح دلالة ؛ لأن بعضهم يقول : إن هذا تسبيح دلالة على الخالق، ونقول : لو أن الذي يقصده الله تسبيح دلالة على خالق لما قال : ولكن لا تفقهون تسبيحهم .
إذن : فلا أحد منا يفهم لغة التسبيح، وعرفنا من قبل حين سمع سليمان عليه السلام قول النملة وتبسم لها ضاحكا، كذلك ما سمعه من الهدهد، وكذلك تسخير الجبال لتسبح مع داود عليه السلام.
إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون ( ٩٥ ) ( سورة الأنعام )
إن كل كلمة لها دلالتها ومعناها. فكلمة العلم تدلنا على إحاطة علمه بكل شيء في الوجود، وكلمة الحكمة تدلنا على أن كل شيء منه يصدر عن حكمة. وكلمة الرزاق تدلنا على أن كل مرزوق في الوجود إنما أخذ من فيضه وخيره، وهكذا إلى ما لا نهاية لكماله من صفات ذاته. وكلمة ( الله ) تدل على كل صفات الجلال والجمال والكمال، فإذا قال :( الله ) فهذا الاسم : يشمل القادر، العالم، الحكيم، القدير، وكل صفات الحق ما علمت منها وما لم تعلم، مادامت ذاته سبحانه وتعالى متصفة بكل صفات الكمال، فالواجب أن يكون كل فعل يصدر عن ذاته المتصفة بالكمال له مطلق القدرة والجمال والكمال.
إذن فحين يقول الحق ذلك فإنما يلفتنا إلى أن كل شيء كائن في الوجود إنما هو من خلق الله، وأن له حياة تناسب مهمته ؛ فالإنسان له حياة تناسب مهمته. والحيوان له حياة تناسب مهمته. والنبات له حياة تناسب مهمته. والجماد له حياة تناسب مهمته. وإذا نظرت إلى الأشياء كلها بهذا المعنى وجدت أن كل موجود فيه حياة، ولكن الحياة الكاملة بكل مقوماته وجدت في الأعلى من المخلوقات وهو الإنسان، والله سبحانه وتعالى خلق في الإنسان الحياة حسا وحركة، ثم أعطاه حياة أخرى هي التي تصعد حياة وتجعل لحياته قيمة ؛ لأن حياتنا التي نعيشها إنما يتمتع بها المؤمن والكافر، وقصارى ما فيها أن تعطيها الحس والحركة قدر عمرنا في الحياة، ولكن حياة الإيمان بما يبعثه الله لنا من منهج على يد الرسول. تعطينا حياة أوسع، وأخلد، وأرغد، وهذه هي الحياة الحقة، ولذلك يقول الحق سبحانه :
وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون ( من الآية ٦٤ سورة العنكبوت )
وهذه هي الحياة الحقيقية وقول الحق : إن الله فالق الحب والنوى هو المقدمة الأولى للحياة، ثم تكلم عن الحياة وأنه يخرج حيا من ميت، وهو هنا قد خاطبنا على مقدار أوليات علمنا بالأشياء ؛ فالشيء إذا لم يكن له حس وحركة نعتبره ميتا لكن لو نظرت إلى الحقيقة لوجدت كل شيء في الوجود له حياة. ومصداق ذلك قوله جلت قدرته : وكل شيء هالك إلا وجهه .
وما دام كل شيء هالكا فكل شيء قبل أن يهلك كان فيه حياة.
والله سبحانه لقائل :
قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ( ٢٦ ) تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب ( ٢٧ ) ( آل عمران ).
ولماذا جاء في هذه الآية ب ( تخرج ) وجاء في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قوله : ومخرج الميت من الحي ؟ إن الذين بحثوا هذا البحث نظروا سطحية في المقابلة الجزئية في الآية، هي : يخرج الحي من الميت وقال : ومخرج الميت من الحي ونسوا أنه سبحانه قال : إنه يخرج الحي من الميت ؛ لبيان أن الله فالق الحب والنوى ليخرج الحي من الميت أي أن الله فلق وشق الحب والنوى لأجل أن يخرج الحي من الميت.
ثم قال : ومخرج الميت من الحي هو مقابل لفالق فلا تأخذها مقابلة للجزئية في الآية ؛ ولأن الاسم يدل على الثبوت، والفعل يدل على الحدوث ؛ فالحق سبحانه وتعالى له صفة في ذاته، وصفة في متعلقات هذه الذات ؛ فهو سبحانه وتعالى رازق، قبل أن يكون له مخلوق يرزقه. هو رزاق، وبعد ما خلق من يرزقه هو رازق، لأنه هو الخالق، والخالق صفة للذات وإن لم يوجد المتعلق، وهو سبحانه المحيي قبل أن يوجد من يحييه ؛ لأن صفته في ذاته أن يحيي، ومميت قبل أن يميت من يريد أن يميته ؛ لأن الصفة موجودة في ذاته.
سبحانه فالق الحب والنوى أي قبل أن يوجد الحب والنوى الذي يفلقه، ومخرج الحي من الميت هو صفة ثابتة في ذاته قبل أن يوجد متعلقها. وله صفة – أيضا – بعد أن يوجد المتعلق، فإن أراد الصفة قبل أن يوجد المتعلق جاء بالاسم :( فالق ومخرج ). وإن كان يريد الصفة بعد أن توجد، يقول :( يخرج )، ( يخرج ).
ويذيل الحق الآية : ذلكم الله فأنى تؤفكون ( من الآية ٩٥ سورة الأنعام ).
و( ذا ) اسم إشارة لما تقدم، وهو سبحانه فالق الحب والنوى ومن يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي وهو الله. والكاف في قوله :( ذلكم ) لمن يخاطبهم وهو نحن، أما اللام من ( ذلكم ) فهي للبعد والميم للجمع. فحين يريد الحق أن يخاطب رسوله، يقول :
ذلك الكتاب لا ريب فيه ( من الآية ٢ سورة البقرة )
ولكنه يخاطبنا فيقول :( ذلكم ) إشارة إلى قول الحق سبحانه وتعالى : الله، وفالق، ومخرج، والخطاب لجمهرة المخاطبين بالقرآن. فإذا كان الله بهذه الصفات فكيف ينصرفون عن الإيمان به وتوحيده ؟ وذكر لنا أول مقوم من مقومات الحياة وهو النبات وهو ما نأكله، فإذا كان الحق سبحانه وتعالى هو الذي خلق الحب وخلق النوى ليخرج الحي من الميت وهو مخرج الميت من الحي فهو أولى بأن
تفسير الشعراوي
الشعراوي