وقوله تعالى: فَالِقُ الإصباح : كقوله: «فالق الحب» فيما تقدم. والجمهور على كسر الهمزة وهو المصدر، يقال: أصبح يصبح إصباحاً، وقال الليث والزجاج: إن الصبح والصباح والإِصباح واحد، وهما أول النهار، وكذا الفراء. وقيل: الإِصباح ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وقيل: هو إضاءة الفجر، نُقل ذلك عن مجاهد، والظاهر أن الإِصباح في الأصل مصدر سُمِّي به الصبح وكذا الإِمساء، قال امرؤ القيس:
صفحة رقم 58
| ٢٠٠٥ - ألا أيها الليلُ الطويلُ ألا انْجَلِ | بصبحٍ وما الإِصباح منك بأمثلِ |
| ٢٠٠٦ - أفنى رياحاً وبني رياحِ | تناسخُ الأمساءِ والأصباح |
| ٢٠٠٧ -................. | ولا ذاكرَ اللهَ إلا قليلا |
والثلاثة المذكورون بعكسه. قال الزمخشري: «فإن قلت: فما معنى فَلَق الصبح، والظلمة هي التي تنفلق عن الصبح كما قال:
قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يُراد: فالق ظلمة الإِصباح، يعني أنه على حذف مضاف. والثاني: أن يراد فالق الإِصباح الذي هو عمود الفجر عن بياض النهار وإسفاره، وقالوا: انشق عمود الفجر وانصدع، وسَمَّوا الفجرَ فَلَقاً بمعنى مفلوق، قال الطائيُ:٢٠٠٨ -............... تَفَرِّيَ ليلٍ عن بياض نهار
وقرئ: فالق وجاعل بالنصب على المدح». انتهى. وأنشد غيره:٢٠٠٩ - وأزرقُ الفجر يبدو قبل أبيضه ................
| ٢٠١٠ - فانشقَّ عنها عمودُ الفَجْرِ جافلةً | عَدْوَ النَّحوص تخافُ القانِصَ اللَّحِما |
ما بعده فإن بعده أفعالاً ماضية نحو: جَعَلَ لَكُمُ النجوم [الأنعام: ٩٧] وَهُوَ الذي أَنشَأَكُم [الأنعام: ٩٨] إلى آخر الآيات، ويكون «سكناً» : إما مفعولاً ثانياً على أن الجعل بمعنى التصيير، وإمَّا حالاً على أنه بمعنى الخلق، وتكون الحال مقدرة.
وأمَّا قراءة غيرهم فجاعل يحتمل أن يكون بمعنى المضيِّ، وهو الظاهر، ويؤيده قراءة الكوفيين، والماضي عند البصريين لا يعمل إلا مع أل خلافاً لبعضهم في منَعِ إعمال المعرَّف بها، وللكسائي في إعماله مطلقاً، وإذا تقرر ذلك ف «سَكَناً» منصوب بفعل مضمر عند البصريين، وعلى مقتضى مذهب الكسائي ينصبه به. وقد زعم أبو سعيد السيرافي أن اسم الفاعل المتعدي إلى اثنين يجوز أن يعمل في الثاني وإن كان ماضياً، قال: «لأنه لَمَّا أضيف إلى الأول تعذَّرت إضافته للثاني فتعيَّن نصبُه له». وقال بعضهم: «لأنه بالإِضافة أشبه المعرف بأل فعمل مطلقاً» فعلى هذا «سكناً» منصوب به أيضاً، وأما إذا قلنا إنه بمعنى الحال والاستقبال فنصبُه به. و «سَكَنٌ» فَعَل بمعنى مفعول كالقبض بمعنى مقبوض.
قوله: والشمس والقمر حُسْبَاناً الجمهور بنصب «الشمس» و «القمر» وهي واضحة على قراءة الكوفيين أي: بعطف هذين المنصوبين على المنصوبين ب «جعل»، و «حُسْباناً» فيه الوجهان في «سكناً» من المفعول الثاني والحال، وأمَّا على قراءة الجماعة فإن اعتقدنا كونه ماضياً فلا بد من إضمار فعلٍ ينصبُهما أي: وجعل الشمس، وإن قلنا إنه غير ماض فمذهب سيبويه أيضاً أن النصب بإضمار فعل، تقول: «هذا ضاربُ زيدٍ الآن أو غداً أو عمراً» بنصب عمرو، وبفعل مقدر لا على موضع المجرور باسم الفاعل، وعلى رأي
غيره يكون النصبُ على محل المجرور، وينشدون قوله: /
| ٢٠١١ - هل أنت باعثُ دينارٍ لحاجتنا | أو عبدَ رَبٍّ أخاعَوْن بن مِخْراقِ |
قال الشيخ:» أمَّا قوله إنما هو دالٌّ على فعل مستمر في الأزمنة، يعني فيكون عاملاً ويكون للمجرور إذ ذاك بعده موضع فيعطف عليه «الشمس والقمر». قال: «وهذا ليس بصحيح، إذا كان لا يتقيد بزمن خاص، وإنما هو للاستمرار، فلا يجوز له أن يعمل، ولا لمجروره مَحَلٌّ، وقد نَصُّوا على ذلك وأنشدوا على ذلك:
| ٢٠١٢ - أَلْقَيْتَ كاسبهم في قَعْرِ مُظْلِمَةٍ | .............. |
يعمل فلا يجوز العطف على محل مجروره، بل مذهبُ سيبويه في الذي بمعنى الحال والاستقبال أن لا يجوز العطف على محل مجروره، بل النصبُ بفعل مقدر، لو قلت: هذا ضارب زيدٍ وعمراً لم يكن نصب «عمراً» على المحلّ على الصحيح وهو مذهب سيبويه؛ لأن شرط العطف على الموضع مفقود وهو أن يكون للموضع مُحْرِزٌ لا يتغير، وهذا موضحٌ في علم النحو «.
قلت: وقد ذكر الزمخشري في أول الفاتحة في مالك يَوْمِ الدين [الفاتحة: ٤] أنه لمَّا لم يُقْصد به زمانٌ صارت إضافته محضةً فلذلك وقع صفةً للمعارف، فمِنْ لازم قوله إنه يتعرَّف بالإِضافة أن لا يعمل، لأن العامل في نية الانفصال عن الإِضافة، ومتى كان في نية الانفصال كان نكرة، ومتى كان نكرة فلا يقع صفة للمعرفة. وهذا حسن حيث يَرُدُّ عليه بقوله، وقد تقدم تحقيق هذا في الفاتحة.
وقرأ أبو حيوة: وَالشَّمْسِ والقَمَرِ جراً نسقاً على اللفظ. وقرئ شاذاً والشَّمْسُ والقَمَرُ رفعاً على الابتداء، وكان مِنْ حقه أن يقرأ «حسبانٌ» رفعاً على الخبر، وإنما قرأه نصباً، فالخبر حينئذ محذوف تقديره: مجعولان حُسْباناً أو مخلوقان حُسْباناً. فإن قلت: لا يمكن في هذه القراءة رفع «حسبان» حتى نُلْزِمَ القارئ بذلك؛ لأن الشمس والقمر ليسا نفس الحسبان. فالجواب: أنهما في قراءة النصب: إمَّا مفعولان أولان و «حسْباناً» ثانٍ، وإمَّا صاحبا حال وحسباناً حال، والمفعول الثاني هو الأول، والحال لا بد وأن تكون صادقة على ذي الحال، فمهما كان الجواب لكم كان لنا والجواب ظاهر مما تقدم.
والحُسبان فيه قولان، أحدهما: أنه جمع، فقيل: جمع حِساب كرِكاب ورُكبان وشِهاب وشُهبان، وهذا قول أبي عبيد والأخفش وأبي الهيثم والمبرد. وقال أبو البقاء: «هو جمع حُسْبانة» وهو غلط؛ لأن الحُسْبانة القطعة من النار، وليس المراد ذلك قطعاً. وقيل: بل هو مصدر كالرُّجْحان والنُّقْصان والخُسْران، وأما الحساب فهو اسمٌ لا مصدرٌ، وهذا قول ابن السكيت. وقال الزمخشري: «والحُسْبان بالضم مصدرُ حَسَبت يعني بالفتح كما أن الحِسبان بالكسر يعني مصدر حَسِبْتُ بالكسر، ونظيره الكُفران والشُّكْران» وقيل: بل الحُسبان والحِساب مصدران وهو قول أحمد بن يحيى.
وأنشد أبو عبيد عن أبي زيد في مجيء الحسبان مصدراً قوله:
| ٢٠١٣ - على الله حُسْباني إذا النفسُ أشرفَتْ | على طمعٍ أو خاف شيئاً ضميرُها |
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط