ﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳ

فالق الإصباح وجعل الليل سكنا قرأ هذا الحرف القراء السبعة ما عدا الكوفيين : وجاعل الليل سكنا وقرأه الكوفيون – حمزة والكسائي وعاصم : وجعل الليل سكنا بصيغة الفعل الماضي.
وإعراب فالق الإصباح فيه للعلماء ثلاثة أوجه لا يكذب بعضها بعضا :
أحدها : أنه خبر مبتدأ محذوف. أي : هو ( جل وعلا ) فالق الإصباح.
الثاني : أنه نعت للرب في قوله : ذلكم الله ، الله فالق الإصباح. فهو نعت لاسم الجلالة.
وقال بعض العلماء : هو خبر آخر لقوله : إن إن الله فالق الحب والنوى ، فالق الإصباح والخبر يتعدد للمبتدإ، وإذا دخلت ( إن ) على مبتدإ متعدد الخبر : تعددت الأخبار لها، والمعنى كله على هذه الأعاريب الثلاثة معنى واحد.
ومعنى : فالق الإصباح الإصباح : أصله مصدر ( أصبح يصبح إصباحا )، إذا جاء ضوء النهار من بعد ظلام الليل.
وعامة القراء السبعة قرؤوا : فالق الإصباح بكسر الهمزة. مصدر ( أصبح، يصبح، إصباحا ). وهو مصدر سمي به، [ والعرب ] ( في هذا الموضع انقطاع في التسجيل. وما بين المعقوفين زيادة يتم بها المعنى ) تقول للصبح : إصباحا، وهو معروف في كلام العرب، ومنه قول امرىء القيس :
ألا أيها الليل الطويل ألا انجل*** بصبح وما الإصباح فيك بأمثل
فبين أنه يقصد بالإصباح : الصبح، فأصله مصدر ( أصبح، يصبح، إصباحا ).
وهناك قراءة شاذة قرأ بها الحسن وغيره :( فالق الأصباح وجاعل الليل ) القراءة :( الأصباح ) بفتح الهمزة جمع ( صبح )، والعرب تقول : " أصباح، وأمساء ". جمع ( صبح ومساء ). و " إصباح وإمساء "، مصدر ( أصبح، وأمسى ) وهو كلام معروف في كلام العرب، ومنه قول الراجز :
أربى رباحا وبني رباح *** تناسخ الأمساء والأصباح
ويروى :
...................... *** تناسخ الإمساء والإصباح
وعلى قراءة الجمهور : فالق الإصباح معناها : مبدي ضوء الصبح بعد ظلام الليل.
وفي هذا المعنى سؤال معروف، لطالب العلم أن يقول : الله ذكر هنا أن الإصباح هو الذي يفلقه الله. والذي يفلق في الحقيقة : الظلام، هو الذي يفلق ويشق عن نور الصباح، أما كون نور الصباح هو الذي يفلق ويشق فهذا فيه إشكال، فيه سؤال معروف للعلماء.
وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة :
منها قول بعضهم : الكلام على حذف مضاف : فالق ظلمة الإصباح. وأنه حذف المضاف إليه، ولا يخلو من بعد ؛ لأن هذا المضاف لم تحتف به قرينة.
وقال بعض العلماء : فالق الإصباح لأن الإصباح يبدأ شعاع الصبح أولا وتحته ظلام، ولم يسفر إسفارا تاما يكشف الظلام كشفا كليا، ثم ينصدع ذلك الإصباح انصداعا كليا عن ضوء النهار كما ينبغي، وهذا معروف ومنه قول أبي تمام :
وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه*** وأول الغيث قطر ثم ينسكب
فعلى هذا القول : أن الإصباح يبدو أولا وهو مختلط بغلس الظلام، ثم إن الله يشق ذلك الإصباح الذي بدأت أوائله مختلطة بالظلام شقا واضحا عن وضح النهار، وهذا هو المعروف، أن الظلام سواء كان ظلاما دامسا، أو ظلاما مختلطا ببعض ضوء الصبح، هو الذي يشق عن الصباح كما هو معروف، ومنه قول أبي نواس :
تردت به ثم انفرى عن أديمها *** تفري ليل عن ضياء نهار
هذا هو المعروف، وهم إما يقدرون مضافا فيقولون : فالق ظلمة الإصباح. أي : شاقها بضوء الصبح، أو فالق الإصباح . أي : أوائل الإصباح المختلطة بغلس الظلام، فالقها وشاقها عن النور، نور النهار الحقيقي.
وقوله : وجاعل الليل سكنا على قراءة : وجاعل الليل سكنا فلا إشكال، اسم فاعل معطوف على اسم فاعل. وعلى قراءة : وجعل الليل سكنا هو مما كنا نقول : إن الاسم إذا كان مشتقا – كاسم الفاعل هنا – يعطف عليه الفعل، ويعطف هو على الفعل، كما قال في الخلاصة :
واعطف على اسم شبه فعل فعلا*** وعكسا استعمل تجده سهلا
ومثاله في القرآن : أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن [ الملك : آية ١٩ ] وقوله جل وعلا : والعاديات ضبحا – إلى قوله – فأثرن به نفعا [ العاديات : الآيات ١ ٤ ] كما قال هنا : فالق الإصباح وجعل الليل سكنا .
أحدهما : أنه جعله سكنا أي : شيئا يسكن الناس فيه ؛ لأن الناس في النهار يكدحون في أعمالهم، ثم يروحون في تعب، فيجدون ظلام الليل مناسبا للهدوء والراحة. وعلى هذا فهو من السكون الذي هو ضد الحركة. يسكنون فيه وينامون لينقطع عنهم تعب الكد بالنهار، كما في قوله : وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا [ الفرقان : آية ٤٧ ] من ( السبت ) بمعنى القطع. يعني : يقطع عنهم تعب الكد في النهار، ومما يدل على هذا : أن الله في سورة القصص لما بين أن الليل والنهار آيتان من آيات الله العظام، بين أيضا أنهما نعمتان من نعم الله العظام، وجعل السكنى في الليل من ذلك الإنعام حيث قال : قل أرءيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه يعني في الليل ولتبتغوا من فضله [ القصص : الآيات ٧١ ٧٣ ] من طلب حوائجكم وأرزاقكم بالنهار، وهذه الآية تبين أن السكن هنا : أي محلا تسكنون فيه ملائما للسكنى ؛ لأن الليل ظرف مناسب للسكنى.
وعلى هذا : وجعل الليل سكنا جعله ساجيا مظلما مناسبا للسكنى، كما قال : والليل إذا سجى [ الضحى : آية ٢ ] أي : إذا صار ساجيا مظلما، صالحا للسكنى، ملائما للهدوء، وعدم الحركة.
وقال بعض العلماء : السكن في لغة العرب : هو كل ما ترتاح إليه وتحبه فتسكن إليه ؛ ولذا قيل لامرأة الرجل :( سكنه ) لأنه يأوي إليها، وكل شيء أويت إليه وارتحت إليه فهو سكن لك. والمعنى : شيء يستريحون إليه، ويأوون إليه، لمناسبته للراحة والهدوء. وهذا معنى قوله : وجعل الليل سكنا وجاعل الليل سكنا .
والشمس والقمر حسبانا الحسبان هنا : هو من ( الحساب ) على أشهر التفسيرات.
قال بعض العلماء : هو جمع حساب، كشهاب وشهبان، وحساب وحسبان.
وقال بعض العلماء : هو مصدر ( حسب ) بفتح السين، ( يحسب ) [ بكسرها ] ( في الأصل :( بفتحها ). وهو سبق لسان )، ( حسابا وحسابة وحسبانا )، إذا عد الشيء، والمعنى : جعل الشمس والقمر حسبانا يعني : خلقهما بحسبان، يحسب حركتها وسيرهما بأسلوب متقن لا يتغير في السنة ؛ لتعلموا بذلك الحساب عدد السنين والأشهر والأيام. وهذه من نتائج الشمس والقمر التي ذكرها الله ( جل وعلا ) ؛ لأنهم يعرفون بها الشهور والأيام والأعوام، فيعرفون من ذلك شهر الصوم، وشهر الحج، ويعرفون عدد النساء، وآجال الديون، وما جرى مجرى ذلك، هذه من فوائد الشمس والقمر التي أكثر الله ( جل وعلا ) من ذكرها.
ومعلوم أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم – كما قدمناه في هذه الدروس في سورة البقرة أنهم تاقت نفوسهم إلى هيئة القمر، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم لم يزل يكبر حتى يستدير بدرا ؟ وهذا سؤال عن هيئة القمر، والنبي صلى الله عليه وسلم أرسل ليبين للناس كل ما لهم فيه فائدة، ما يحتاجون إلى بيانه من آيات الله، وغرائبه، وعجائب صنعه، فأنزل الله جوابا لسؤالهم : يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج [ البقرة : آية ١٨٩ ] فبين أنها مواقيت، وهذه المواقيت إنما كانت مواقيت لأنها بحساب معين مقدر نظمه العزيز العليم ( جل وعلا ). ومشارق الشمس ومغاربها معروفة في كل يوم من السنة، وكذلك منازل القمر معروفة، وفي هذه المشارق والمغارب – التي تشرق منها الشمس وتغرب، ومنازل القمر – يعرف الناس بها عدد السنين، والشهور، والحساب، ويعرفون شهر صومهم، وشهر حجهم، وعدد نسائهم، وآجال ديونهم، وما جرى مجرى ذلك. أما غير ذلك، فقد بين القرآن أنه مما ليس لهم فيه جدوى ولا فائدة. ومعلوم أن القرآن العظيم بين للناس كل ما يحتاجون إليه، والنبي صلى الله عليه وسلم بين كل ما يحتاج إليه. ونحن نقول هذا، ونقول : إن الله ( جل وعلا ) لم يجعل لخلقه في القمر أشياء غير ما هو مشاهد من عدد السنين والحساب، ومما جعل الله في الشمس والقمر بمجاري عادته وقدرته من المنافع للنباتات، والثمار، والمعادن، وغير ذلك.
نحن نتكلم على هذا القرآن ولا نرضى لأحد أن يؤوله بغير تأويله، ولا أن يعطفه على آراء الكفرة الفجرة، في الوقت الذي نعلم فيه أن دين الإسلام يأمر بالتقدم في جميع ميادين الحياة. دين الإسلام يأمر المجتمع بالتقدم في جميع ميادين الحياة. والإخلاد إلى الأرض، والتواكل والكسل : مخالفة للأمر السماوي الذي يأمر به خالق السماوات والأرض ؛ لأن الله يقول : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة [ الأنفال : آية ٦٠ ] فهذا أمر. فالمتوكل المخلد إلى العجز والاستسلام، ولم يعد ما يستطاع من قوة، فهو مخالف لأمر الله في قوله : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة وبهذا يعلم أن التقدم، والكفاح، والإعداد للقوة : كل هذا أوامر القرآن العظيم، ونظام السماء، وأن العاجز المتكاسل المخلد إلى الأرض مخالف لأوامر الله، والله يقول : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم [ النور : آية ٦٣ ] وعلى كل حال فلا شك أن دين الإسلام، وهذا القرآن العظيم، ينظم للإنسان جميع ميادين الحياة في دينه، ودنياه، هذا هو الحق. ودين الإسلام دين تقدم، ودين كفاح في الميادين، ودين قوة، وإذا قرأتم آيات من كتاب الله عرفتم ذلك واضحا، إذا قرأتم مثلا آيتين من سورة النساء يقول الله فيهما : وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم [ النساء : آية ١٠٢ ] هذا وقت التحام الكفاح المسلح، والمفروض أن الرجال تنزل رؤوسهم عن أعناقهم، والقرآن في هذا الوقت الضنك الحرج، ترونه ينظم الخطة العسكرية على أحسن الوجوه، وأبدعها، وأحصنها من العدو، في الوقت الذي يأمر فيه بالاتصال ( الأصل : على الاتصال ) بخالق الكون، والتأدب بالآداب الروحية السماوية، التي هي الصلاة في الجماعة، هكذا أوامر القرآن، الاتصال بالله، وتربية الأرواح وتهذيبها على ضوء النور السماوي، مع القوة الجسمية المادية في جميع مظاهرها مهما تطورت، وتسمعون الله يقول في سورة الأنفال : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون [ الأنفال : آية ٤٥ ] قوله : إذا لقيتم فئة يعني : إذا التقى الصفان وقت التحام الكفاح المسلح، وقوله : فاثبتوا هذا تعليم عسكري سماوي عظيم، معناه : الصمود في الخطوط الأمامية من خطوط النار، عند التقاء الصفين، وفي هذا الوقت يقول الله جل وعلا : واذكروا الله كثيرا وهذا مما يدل أن دين الإسلام دين كفاح، ودين قوة، ودين عظمة وتقدم في الميدان، ودين تربية الأرواح على ضوء تعاليم خالق هذا الكون، والاتصال بخالق هذا الكون ( جل وعلا ) ؛ لأن الإنسان المسكين إذا فقد حظه من ربه خسر كل شيء، وماله في الحياة فائدة.
فعلينا جميعا معاشر المسلمين أن نعلم أ

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير