ﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳ

تفسير المفردات : الإصباح : الصبح، يقال أصبح الرجل : دخل في وقت الصباح، والسكن : السكون، وما يسكن فيه من مكان كالبيت وزمان كالليل، وما يسكن الإنسان ويطمئن إليه استئناسا به من زوج أو حبيب، والحساب بالكسر والحسبان بالضم : استعمال العدد في الأشياء والأوقات.
المعنى الجملي : بعد أن أثبت سبحانه أمر التوحيد، ثم أردفه بتقرير أمر النبوة والبعث وذكر مسائل لها ملابسات لهذه الأصول، عاد هنا وفصّل طائفة من آيات التكوين تدل أوضح الدلالة على وحدانيته تعالى وقدرته، وعلمه وحكمته، وبيان سننه في خلقه وحكمه في الإحياء والإماتة والأحياء والأموات، وتقديره وتدبيره لأمر النيرات في السماوات، وإبداعه في شؤون النبات.
الإيضاح : فالق الإصباح فلق الصبح : هو فلق الليل وشقها بعمود الصبح الذي يبدو في جهة مطلع الشمس من الأفق مستطيلا، ولا يعتد به حتى تنقشع الظلمة عنه من أمامه وعن جانبيه حتى تزول.
وجعل الليل سكنا أي جعله يستريح فيه المتعب من العمل بالنهار ويسكن فيه، والسكون يعم سكون الجسم وسكون النفس بهدوء الخواطر والأفكار.
والليل وقت السكون، لأنه لا يتيسر فيه من الحركة وأنواع الأعمال ما يتيسر في النهار، لما خص به الليل من الإظلام والنهار من الإبصار.
وأكثر الأحياء من الإنسان والحيوان تترك العمل والسعي في الليل وتأوي إلى مساكنها للراحة التي لا تتم ولا تكمل إلا بالنوم الذي تسكن فيه الجوارح والخواطر ببطلان حركتها الإرادية، كما تسكن به الأعضاء سكونا نسبيا، فتقل نبضات القلب. ويقل إفراز خلايا الجسم للسوائل والعصارات التي تفرزها، ويبطئ التنفس ويقل ضغط الدم في الشرايين، ولاسيما أول النوم ويضعف الشعور حتى يكاد يكون مفقودا، ويستريح الجهاز العصبي لتستريح جميع الأعضاء.
والشمس والقمر حسبانا أي والشمس والقمر يجريان بحساب وعدد، لبلوغ أمدها ونهاية آجالهما، ويدوران لمصالح الخلق التي جعلا لها، فطلوعهما وغروبهما وما يظهر من تحولاتهما واختلاف مظاهرهما كل ذلك يجري بحساب كما قال : الشمس والقمر بحسبان [ الرحمن : ٥ ] وقال : هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب [ يونس : ٥ ] وقد جمع الله في هذه الآية ثلاث آيات سماوية، كما جمع فيها قبلها ثلاث آيات أرضية :
فالآية الأولى : فلق الصبح والتذكير به للتأمل في صنع الله بإفاضة النور الذي هو مظهر جمال الوجود، ومبدأ زمن تقلب الأحياء في القيام والقعود، ومضيّهم إلى ما يسروا له من الأعمال، وما لله في ذلك من حكم وأسرار.
والآية الثانية : جعل الليل سكنا، وذلك نعمة من الله ليستريح الجسم، وتسكن النفس، وتهدأ من تعب العمل بالنهار، قال تعالى ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون [ القصص : ٧٣ ].
والآية الثالثة : جعل الشمس والقمر حسبانا، وذلك فضل من الله عظيم، فإن حاجة الناس إلى معرفة حساب الأوقات لعباداتهم ومعاملاتهم وتواريخهم لا تخفى على أحد منهم.
وعلماء الفلك متفقون على أن للأرض حركتين، حركة تتم في أربع وعشرين ساعة وعليها مدار حساب الأيام، وحركة تتم في سنة، وبها يكون اختلاف الفصول، وعليها مدار حساب السنة الشمسية.
ذلك تقدير العزيز العليم أي هذا الفعل العالي الشأن، البعيد المدى في الإبداع والإتقان هو تقدير الخالق الغالب على أمره في تنظيم ملكه، بما اقتضاه واسع علمه، وعظيم قدرته وحكمته، ليس فيه جزاف ولا اختلاف : إنا كل شيء خلقناه بقدر [ القمر : ٤٩ ].

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير