ﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙ

قَوْله تَعَالَى: إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين الْآيَة، الْفَقِير فِي اللُّغَة: هُوَ الْمُحْتَاج الَّذِي كسرت الْحَاجة فقار ظَهره، والمسكين: الَّذِي ضعفت نَفسه عَن الْحَرَكَة فِي طلب الْقُوَّة فسكنت، وَأما الْكَلَام فَفِي الْفَقِير والمسكين نفى الْآيَة أَقْوَال كَثِيرَة.
أَحدهَا: رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَالْحسن وَمُجاهد وَالزهْرِيّ أَنهم قَالُوا: الْفَقِير: الَّذِي لَا يسْأَل، وَقَالَ بَعضهم على خلاف ذَلِك.
وَالثَّانِي: قَول قَتَادَة، وَهُوَ أَن الْفَقِير الَّذِي بِهِ زمانة وَلَا شَيْء لَهُ، والمسكين: الَّذِي لَا شَيْء لَهُ وَلَيْسَ بِهِ زمانة، وَقَالَ بَعضهم على مَا قَالَه قَتَادَة.
وَالثَّالِث: أَن الْفُقَرَاء هم الْمُهَاجِرُونَ، وَالْمَسَاكِين هم الْأَعْرَاب، وَهَذَا قَول إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ.
وَالرَّابِع: أَن الْفُقَرَاء هم الْمُسلمُونَ المحتاجون، وَالْمَسَاكِين هم أهل الْحَاجة من أهل الذِّمَّة.
وَفِيه قَول خَامِس: أَن الْفَقِير والمسكين وَاحِد. وَاخْتلفُوا أَيهمَا أحْوج، فمذهب الشَّافِعِي - رَحمَه الله - أَن الْفَقِير أحْوج من الْمِسْكِين، وَاسْتدلَّ بقوله تَعَالَى: أما السَّفِينَة فَكَانَت لمساكين فسماهم مَسَاكِين مَعَ أَن لَهُم سفينة. وَزعم الْأَصْمَعِي وَجَمَاعَة من أهل اللُّغَة أَن الْمِسْكِين أحْوج من الْفَقِير، وأنشدوا:

(أما الْفَقِير الَّذِي كَانَت حلوبته وفْق الْعِيَال فَلم تتْرك لَهُ [سبد] )
قَالَ يُونُس النَّحْوِيّ: قلت لأعرابي: أفقير أَنْت؟ قَالَ: بل مِسْكين - يَعْنِي: أدون من الْفَقِير.

صفحة رقم 320

والغارمين وَفِي سَبِيل الله وَابْن السَّبِيل فَرِيضَة من الله وَالله عليم حَكِيم (٦٠)
قَوْله تَعَالَى: والعاملين عَلَيْهَا يَعْنِي: السَّعَادَة، وَلَهُم سهم من الصَّدقَات مَعْلُوم.
وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ: أَن لَهُم بِقدر أجر الْمثل.
وَقَوله: والمؤلفة قُلُوبهم قَالَ أهل الْعلم: الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم صنفان: مُسلمُونَ، ومشركون، وكل صنف على صنفين: أما الْمُسلمُونَ قوم كَانَ إِيمَانهم ضَعِيفا مثل: أبي سُفْيَان بن حَرْب، وعيينة بن حصن الفزارى، والأقرع بن حَابِس، وعباس بن مرداس وأمثالهم، كَانَ رَسُول الله يعطيهم ليتألفوا على الْإِيمَان فيقوي إِيمَانهم، وصنف كَانَ إِيمَانهم قَوِيا مثل: عدي بن حَاتِم، والزبرقان بن بدر وَغَيرهمَا، كَانَ يعطيهم ليتألف عشيرتهم.
وَأما الْمُشْركُونَ فصنفان: صنف كَانَ يدفعهم ليدفع أذاهم عَن الْمُسلمين، مثل عَامر ابْن الطُّفَيْل وَغَيره، وصنف كَانَ يعطيهم ليؤمنوا ويميلوا إِلَيْهِ مثل صَفْوَان بن أُميَّة بن خلف، وَمَالك بن عَوْف النصري وَغَيرهمَا.
وَاخْتلفُوا أَن سهم الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم هَل بَقِي بعد النَّبِي؟
قَالَ الشّعبِيّ وَجَمَاعَة: قد سقط. وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْعلم. وَقَالَ الزُّهْرِيّ: هُوَ بَاقٍ. وَقد حكى عَن الشَّافِعِي كلا الْقَوْلَيْنِ، وَالصَّحِيح هُوَ الأول.
وَقَوله: وَفِي الرّقاب فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَنهم المكاتبون. وَهَذَا قَول الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة وَغَيرهمَا.
وَقَالَ مَالك: يشترى بذلك السهْم رِقَاب فيعتقون. الصَّحِيح هُوَ الأول.
قَوْله: والغارمين قَالَ مُجَاهِد: هَؤُلَاءِ قوم أحرقت النَّار دُورهمْ، وأذهب السَّيْل أَمْوَالهم فادانوا لنفقاتهم. وَقَالَ غَيره: هُوَ كل من لحقه غرم بِسَبَب لَا مَعْصِيّة فِيهِ.

صفحة رقم 321

وَمِنْهُم الَّذين يُؤْذونَ النَّبِي وَيَقُولُونَ هُوَ أذن قل أذن خير لكم يُؤمن بِاللَّه ويؤمن للْمُؤْمِنين وَرَحْمَة للَّذين آمنُوا مِنْكُم وَالَّذين يُؤْذونَ رَسُول الله لَهُم عَذَاب أَلِيم (٦١) يحلفُونَ بِاللَّه لكم ليرضوكم وَالله وَرَسُوله أَحَق أَن يرضوه إِن كَانُوا مُؤمنين
وَقَوله: وَفِي سَبِيل الله هَؤُلَاءِ الْغُزَاة وَالْحجاج، وَقَوله: فِي سَبِيل الله : فِي طَاعَة الله وَابْن السَّبِيل فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَنه الَّذِي قطع عَلَيْهِ الطَّرِيق فَبَقيَ فَقِيرا لَا مَال لَهُ. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْفُقَهَاء أَنه الَّذِي بعد عَن مَاله؛ فَيصْرف إِلَيْهِ سهم من الصَّدقَات وَإِن صَار غَنِيا فِي بَلَده.
وَحكى ابْن الْأَنْبَارِي قولا ثَالِثا: أَن ابْن السَّبِيل هُوَ الضَّيْف.
قَوْله تَعَالَى: فَرِيضَة من الله أَي: افْترض الله ذَلِك فَرِيضَة وَالله عليم حَكِيم عليم بِمَا يصلح خلقه، حَكِيم فِيمَا دبره.

صفحة رقم 322

تفسير السمعاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي

تحقيق

ياسر بن إبراهيم

الناشر دار الوطن، الرياض - السعودية
سنة النشر 1418 - 1997
الطبعة الأولى، 1418ه- 1997م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية