إنما الصدقت للفقراء والمسكين والعملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغرمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ( ٦٠ ) [ التوبة : آية ٦٠ ].
لما كان من المنافقين طائفة يلمزون رسول الله صلى الله عليه وسلم في قسم الصدقات ويفترون عليه أنه لم يعدل في قسمها بين الله لهم أن الله تولى قسمتها وبينها وهو صلى الله عليه وسلم منفذا لما أوضحه الله ( جل وعلا ) فقال : إنما الصدقت المراد بالصدقت هنا : زكوات المال الواجبة، فالله ( جل وعلا ) بين في هذه الآية من سورة براءة مصارف زكاة المال التي هي إحدى دعائم الإسلام الخمس، جعلها ثمانية، وهي الفقراء، والمساكين، والعاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمون، وفي سبيل الله، وابن السبيل، هي ثمانية، و( إنما ) : أداة حصر وإثبات، يعني : لا يثبت استحقاق الزكاة لشيء غير واحد من هذه المصارف الثمانية بإجماع العلماء.
إنما الصدقت للفقراء الفقراء : جمع فقير، والفعيل إذا كان وصفا ينقاس جمعه جمع كثرة على ( فعلاء ) على العادة ما لم يكن معتل اللام أو مضعفا. وهذا معروف (١)، كل ( فعيل ) في القرآن وفي كلام العرب بمعنى ( فاعل ) لم يكن معتل اللام ولا مضعفا ينقاس تكسيره جمع كثرة على ( فعلاء ) ككريم وكرماء، وأديب وأدباء، وشريف وشرفاء، وعليم وعلماء، وفقير وفقراء. أما إذا كان معتل اللام أو مضعفا فالقياس أن يكسر على ( أفعلاء ) فمثال معتل اللام : كتقي وأتقياء، وسخي وأسخياء، ونبي وأنبياء. وكذلك المضعف : كحبيب وأحباء، وشديد وأشداء. كما هو معلوم في محله. فالفقراء جمع فقير، وهو جمع على القياس. والمساكين : جمع مسكين كذلك.
واختلف العلماء في الفقير والمسكين أيهما أحوج وأسوأ حالا (٢) ؟ ! والقاعدة المقررة عند علماء التفسير كما قالها غير واحد من المتأخرين ويكادون يطبقون عليها : أن الفقير والمسكين إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. ومعنى هذا الكلام : أنهما إذا افترقا بأن جاء في آية من كتاب الله أو حديث من سنة رسول الله اسم الفقير وحده، أو المسكين وحده، شملهما معا ؛ دخل الفقير في المسكين، والمسكين في الفقير ؛ لأن كونهما محتاجين يشمل كلا منهما وإن كان أحدهما أشد فقرا من الآخر، وإن اجتمعا كما نص عليهما موجودين كقوله هنا : للفقراء والمسكين فقد اجتمعا، فيلزم إذا اجتمعا أن يفترقا، فيكون للفقير معنى خاص به، وللمسكين معنى خاص به. والحاصل أنه إذا ذكر الفقير وحده أو المسكين وحده دخل الفقير في المسكين والمسكين في الفقير، وإذا ذكرا معا في محل واحد كهذه الآية وكمن أوصى للفقراء والمساكين كان لكل منهما معنى يخصه.
والعلماء مختلفون في الفقير والمسكين أبهما أسوأ حالا ؟ فذهب جماعة من فقهاء الأمصار وأهل اللغة إلى أن الفقير أسوأ حالا من المسكين، وهذا مذهب الشافعي ( رحمه الله )، ورواية قوية عن أحمد ( رحمه الله )، وبه قال جماعة من السلف، أن الفقير أحوج من المسكين. وقالت طائفة : إن المسكين أحوج من الفقير، وهو مذهب مالك وأصحابه، ومذهب أبي حنيفة ( رحمه الله ). وكل منهما يوجه قوله، أما مالك فقال : إن المسكين أحوج من الفقير لأن الله قال : أو مسكينا ذا متربة ( ١٦ ) [ البلد : آية ١٦ ] فوصف المسكين بأنه لاصق بالتراب لا شيء عنده، والعرب تطلق الفقير على من عنده شيء لا يغنيه، فعنده بلغة ولكنها لا تغنيه، قال : ويدل لذلك قول راعي نمير وهو عربي قح (٣) :
أما الفقير الذي كانت حلوبته رفق العيال فلم يترك له سبد
فسماه فقيرا وعنده حلوبة قدر عياله. وأما الذين قالوا الفقير أحوج فإنهم قالوا : إن الفقير مشتق من فقرات الظهر ؛ لأن الفاقة كأنها فقرت ظهره، أي : قصمته. قالوا : المسكين : الله قال في سفينة الخضر وموسى : فكانت لمسكين يعملون في البحر [ الكهف : آية ٨٩ ] فسمى أهلها مساكين مع أن عندهم سفينة عاملة في البحر بالإيجار، فدل على أن الفقير أسوأ حالا. وهذا خلاف بين أهل اللغة والعلماء معروف، جماعة يقولون : الفقير أسوأ حالا، وجماعة يعكسون. وهذا معنى قوله : إنما الصدقت للفقراء والمساكين والعملين عليها [ التوبة : آية ٦٠ ] معناه : أن السهم الثاني يعطى للعاملين عليها، وهم الذين يتعبون في تحصيل الزكاة، كالجباة الذين يرسلهم الإمام ليجمعوا الزكاة من أقطار الناس ويأتون بها ويذهبون بها ليفرقونها. فالعاملون عليها كالجباة للزكاة من خارج، والمفرقين لها على الناس، فهؤلاء لهم سهم في الزكوات وهو قدر أجرتهم. وأظهر الأقوال أنه لا يتقدر فيه شيء معين إلا بقدر أجرتهم، وكل ما يعطى أحد من هؤلاء فيه خلاف كثير (٤)، وأظهرها أنه كله يوكل إلى اجتهاد الإمام، ونصيب العاملين عليها يكون بقدر أجرة مثلهم بحسب ما عانوه من التعب، يعطون على قدر ذلك، سواء كانوا فقراء أو أغنياء. وهذا معنى قوله : والعملين عليها .
والسهم الثالث للمؤلفة قلوبهم، والمؤلفة قلوبهم المراد بهم قوم كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم عندهم إيمان إلا أن إيمانهم ليس بقوي ولهم مكانة وشوكة إذا حسن إسلامهم اعتز بهم الإسلام والمسلمون وقويت شوكة المسلمين، أو ناس لهم شرف إذا كانوا في الإسلام تابعهم غيرهم، فالمراد أنه يكون رجالا دخلوا في الإسلام لهم مكانة وقوة وفائدة للإسلام فيهم، وإيمانهم ليس بقوي، فتجبر خواطرهم وتؤلف قلوبهم بالمال ليستحسنوا الإيمان ويتمكن الإسلام من قلوبهم فتكون في ذلك المصلحة العامة للإسلام والمسلمين، ومعلوم أن المؤلفة قلوبهم يقسمهم كتب الفروع إلى أقسام متعددة (٥) وقصدنا هنا أن نذكر ما يكون مصرفا للزكاة، وهو الإنسان الذي بكون في إسلامه خير للمؤمنين، والظاهر أنه لا بد أن يكون مسلما ؛ لأن الزكاة لا تدفع للكافر وهي قربة لا يستحقها إلا المسلمون، فمن قال : إنها تدفع للكافر ليسلم فالظاهر أنه خلاف الظاهر.
واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في زمنه نصيب المؤلفة قلوبهم، وألغى عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) نصيب المؤلفة قلوبهم، ولم يكن بعد ذلك معروفا في صدقات المسلمين وزكواتهم (٦). وهذه الفقرة دخل منها كثير من الذين ينتصرون للقوانين بشيطنة وخيفة وراء الستار، ويزعمون أن الشرع يتغير بتغير الأوضاع، قالوا : لأن النبي دفع نصيب المؤلفة قلوبهم وعمر لما رأى المصلحة لا تحتاج إلى ذلك لم يدفعه لهم ؛ ليتصلوا بذلك إلى أن الشرع تابع للمصالح، وأنه قابل للتغيير في كل وقت وزمان تبع المصالح والتطورات الراهنة، وهذا باطل ؛ لأن الشرع أنزله الحكيم الخبير العظيم الجليل العالم بكل ما كان وما يكون، فجعله شرعا خالدا إلى يوم القيامة، مسايرا لجميع التطورات، تمكن مجابهته لكل الأحداث مهما كانت، ولا إشكال في إلغاء عمر لنصيب المؤلفة قلوبهم ؛ لأن هذه الأصناف الثمانية لا يعطى منها إلا شيء موجود فإذا عدم الشيء فإنما لم يجعل له سهم لعدمه، فالإنسان إذا قطعت يده مثلا والله يقول في الوضوء : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم [ المائدة : آية ٦ ] لا نقول : هذا لم يغسل يده لأن يده سقطت ! ! فالإسلام لما عز وتمكن من قلوب المسلمين وقويت شوكة الإسلام لم يبق هنالك مؤلف، فلما ذهب هذا الصنف ذهب نصيبه بذهابه، وقد أجمع العلماء أن كل ما ذهب من هذه الأصناف الثمانية يذهب نصيبه معه، إذا لم يوجد ابن السبيل فلا نصيب لابن السبيل، فكل ما ذهب منها ذهب نصيبه معه، فعدم إعطاء عمر نصيب المؤلفة نظرا لعدم وجود المؤلفة الكلية ؛ لأن الإسلام قوي وتمكنت شوكته وصار لا تأليف لأحد. وهذا معنى قوله : والمؤلفة قلوبهم .
وعلى كل حال فالتحقيق في هذه المسألة أن حكم المؤلفة قلوبهم باق إذا وجدوا وكان رجال لهم مكانتهم وقوتهم في دين الإسلام، والإسلام محتاج إليهم، والمسلمون محتاجون إليهم، فإنهم يرجع نصيبهم لتألفهم للمصلحة العامة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وجاء به القرآن العظيم، وإن كان لا تأليف هنالك، ولا حاجة ولا ضعف في الإسلام ولا ضعف في الإيمان، بل المسلون في قوة ونشاط وفي عزة وقوة ومنعة فالمؤلفة غير موجودين فيسقط نصيبهم لعدمهم، وكذلك هذه الأصناف الثمانية كل ما عدم منها سقط نصيبه معه.
واعلم أن العلماء مختلفون في هذه الأصناف الثمانية هل يجب أن تكون الزكاة موزعة بينها ثمانية أجزاء ولا يجوز أن يحرم واحد منها، أو يجوز أن تعطى الزكاة لواحد منها، أو لاثنين، أو ثلاثة دون تعميم الآخرين (٧) ؟ هذا خلاف معروف بين العلماء، فذهبت جماعة من العلماء منهم مالك وأبو حنيفة ( رحمه الله ) وجماعة كثيرة من فقهاء الأمصار إلى أنه لا يلزم تعميم هذا الأصناف، بل يجوز أن تعطى الزكاة لصنف واحد منها، وأن كل ذلك موكول إلى نظر الإمام يرى الأصلح فالأصلح فيؤثر أفقرها وأحوجها وأشدها مصلحة للعامة. هذا قول مالك وأبي حنيفة وجماعة كثير من العلماء، قالوا : والآية إنما بينت المصارف الذي لا يجوز أن تتعدى بها الزكاة إلى غيرها وصنف واحد منها يكفي. وكان بعض علماء المالكية يقول : أكبر دليل على عدم وجوب تعميم الأصناف أنا لو أعطينا الفقراء جزءا فإنا لا يقول أحد أننا نعمم جميع الفقراء، وإذا أعطينا المساكين جزءا فلا يمكننا أن نعمم جميع المساكين، فإذا كان الصنف الواحد لا يمكن تعميمه فلا يلزم تعميم الأصناف جميعها ؛ لأنا لو مشينا مع تعميم لزمنا أن نعمم نصيب الفقراء على جميع الفقراء ولا نترك فقيرا واحدا، ونصيب المساكين على جميع المساكين ولا نترك مسكينا واحدا. والحاصل أن هذا خلاف قديم اختلفت فيه أنظار العلماء، فمنهم من يقول : إن المراد ب إنما الصدقت للفقراء أنها لام التمليك، واستدلوا بحديث جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله لم يكل قسمها إلى نبي وإنما جزأها ثمانية أجزاء، قالوا : واللام للتمليك، فهي شركة بين هؤلاء الثمانية، ومن حرم واحدا من هؤلاء الثمانية فقد ضمن له نصيبه ؛ لأنه حرمه ما أعطاه الله إياه.
وقالت جماعة من العلماء : المراد بالآية : أن هذه هي المصارف الذي لا يجوز تعديها إلى غيرها، ولم يلزم تعميمها، بل يوكل إلى نظر الإمام، فما رآه الإمام أحسن للمصلحة العامة فعله للمسلمين، فلو اقتضى نظره أن يصرفها لواحد من هذه الثمانية دون غيرها لفعل. هذا ملخص كلام العلماء في هذا الموضوع.
وقوله : والغرمين الغارمون معناه : أصحاب الديون الذين يطلبون بالدين، والغارمون فيهم تفصيل (٨) : منهم من يكون غارما لمصلحة عامة للمسلمين، كالذي يجد بعض القبائل بينها شحناء وفتن وستقع بينها قتلى وبلايا ثم يتحمل الديات ويكون غارما لتلك الديات للمصلحة العامة، فمثل هذا النوع لم يختلف العلماء في أنه يعطى من زكاة المسلمين ويغرم عنه ما تحمل للمصلحة العامة للمسلمين من زكوات المسلمين ولو كان غنيا. وبعضهم يقول : لا يعطى عنه إلا إذا كان فقيرا. وأما إذا كان الإنسان تحمل الديون في خاصة نفسه، كالذي يتحمل لينفق [ على ] (٩) أهله وأولاده، وينفق في تجارته ثم يخسر، ونحو ذلك من الأمور فأكثر العلماء على أن هذا إذا كان لم يستدن في سرف، ولم يستدن في معصية، ولم يبذر المال في الم
٢ مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة الأنفال..
٣ السابق..
٤ انظر: ابن جرير (١٤/ ٣١١)، القرطبي (٨/ ١٧٧)..
٥ انظر: ابن كثير (٢/ ٣٦٥)..
٦ انظر: ابن جرير (١٤/ ٣١٥)، القرطبي (٨/ ١٨١)، ابن كثير (٢/ ٣٦٥)..
٧ انظر: ابن جرير (١٤/ ٣٢٢)، القرطبي (٨/ ١٦٧)، المغني (٤/ ١٢٧)..
٨ انظر: ابن جرير (١٤/ ٣١٧)، القرطبي (٨/ ١٨٣)، ابن كثير (٢/ ٣٦٥)..
٩ ما بين المعقوفين [ ] زيادة يقتضيها السياق..
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير