ﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙ

إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم .
٤٩٧- قال قوم : قوله تعالى : إنما الصدقات للفقراء والمساكين : الآية نص في التشريك، فالصرف إلى واحد إبطال له، وليس كذلك عندنا، بل هو عطف على قوله تعالى : ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن اعطوا منها رضوا... (١). إلى قوله إنما الصدقات للفقراء والمساكين يعني : أن طمعهم في الزكاة مع خلوهم عن شرط الاستحقاق باطل، ثم عدد شروط الاستحقاق ليبين مصرف الزكاة ومن يجوز صرف الزكاة إليه. [ المستصفى : ١/٣٩٩ ].
٤٩٨- تخيل أبو حنيفة رضي الله عنه سد الحاجة من قوله : إنما الصدقات للفقراء والمساكين ومصيره إلى جواز صرفه إلى صنف واحد، وهذا التأويل باطل بمسلكين :
أحدهما : وهو أنه تعالى ذكر الأصناف وجنسهم، ووصفهم بصفاتهم التي يتميزون بها عما عداهم، ثم أضاف المال إليهم بلام التمليك، فاقتضى ذلك توزيع المال عليهم، إذ تعريف الأصناف بصفاتهم كتعريف الأشخاص بألقابهم، ولو أضاف إلى أشخاص معنيين وجب صرفها إلى جميعهم.
هذا مع أن الصدقات مال يتكرر وجوبها على الأغنياء، جعل مناطا لحاجات الفقراء دون الكفارات التي لا تجب إلا عند ارتكاب جرائم، وليس لفظ الصدقات متناولا لأنواع حتى يتخيل توزيع الأنواع على الأجناس مع اختصاص كل نوع بكل جنس، كقولك : " الدار والفرس لزيد وعمرو " فلا حاجة إلى تخيل التوزيع.
فإن قيل : سد الخلة متخيل، وذكر الأصناف فائدته ضبط جهات الحاجة المدعى سدها.
قلنا : يبطل بقول الموصي : أوصيت ثلث مالي للفقراء والمساكين، وعد الأصناف الثمانية، يصرف إليهم، وتخيل غرض سد الحاجة ممكن، ولكن قيل : أضاف إليهم بلام التمليك، فينقض عليهم.
قالوا : قول الشاعر عليه السلام يقبل التخصيص بالقياس دون قول الموصي وأقوالنا، وعلى هذا لو خصص المعلل علته بعد الانتقاض لم يقبل منه. قلنا : المفهوم من كلام النبي عليه السلام متبع كالمفهوم من كلامنا، ولا يخصص العام منها إلا بقرينة.
إلا أن لفظ الشارع عليه السلام إذا عارضه قانون في القياس كان طرده على الظن أقرب من فهم العموم، فيكون قرينة في فهم التخصيص.
ولا قياس يقتضي الحرمان في مسألتنا.
وأقوالنا يتطرق إليها التخصيص، بدليل تخصيص لفظ الدراهم من المقر والموصي لثلثه.
فأما المعلل فإنما يتصدى ليبدي العلة، فإذا ورد عليه نقض فذلك لعدم ذكره كل العلة، وشطر العلة لا يكون علة. فقرينة حاله قضى عليه بذلك.
المسلك الثاني :
وهو الجواب عن سؤالهم، وهو أن نقول : مراعاة سد الخلات مع مراعاة جملة الجهات ممكنة، ولا يبعد أن تكون مراعاة الجهات مقصودة، فقد تعارضت الاحتمالات، فمطابقة الظاهر أولى من تركه. [ المنخول : ١٩٤ ].
٤٩٩- إن استيعاب الأصناف واجب، وعليه يدل ظاهر قوله تعالى : إنما الصدقات للفقراء والمساكين الآية. فإنه يشبه قول المريض : إنما ثلث مالي للفقراء والمساكين، وذلك يقتضي التشريك في التمليك. والعبادات يجب أن يتوقى عن الهجوم فيها على الظواهر، وقد عدم من الثمانية صنفان في أكثر البلاد : وهم المؤلفة قلوبهم والعاملون على الزكاة، ويوجد في جميع البلاد أربعة أصناف : الفقراء والمساكين والغارمون والمسافرون- أعني أبناء السبيل- وصنفان يوجدان في بعض البلاد دون البعض : وهم الغزاة والمكاتبون.
فإن وجد خمسة أصناف مثلا قسم بينهم زكاة ماله بخمسة أقسام متساوية أو متقاربة وعين لكل صنف قسم، ثم قسم كل قسم ثلاثة أسهم فما فوقه إما متساوية أو متفاوتة وليس عليه التسوية بين آحاد الصنف فإن له أن يقسمه على عشرة وعشرين فينقص نصيب كل واحد، وأما الأصناف فلا تقبل الزيادة والنقصان، فلا ينبغي أن ينقص من كل صنف عن ثلاثة إن وجد، ثم لو لم يجب إلا صاع للفطرة ووجد خمسة أصناف فعليه أن يوصله إلى خمسة عشر نفرا، ولو نقص منهم واحد مع الإمكان غرم نصيب ذلك الواحد، فإن عسر عليه ذلك لقلة الواجب فليتشارك جماعة ممن عليهم الزكاة وليخلط مال نفسه بمالهم وليجمع المستحقين وليسلم إليهم حتى يساهموا فيه، فإن ذلك لا بد منه. [ الإحياء : ١/٢٥٢ ].
٥٠٠- بيان الأصناف الثمانية :
الصنف الأول : الفقير : وهو الذي لا يملك شيئا أصلا ولا يقدر ( ح )- على كسب يليق بمروءته، أو كان يقدر على كسب ولكنه يمنعه الاشتغال به عن التفقه وهو متفقه، وإن كان يمنعه عن استغراق الوقت بالعبادات فلا يعطي سهم الفقراء، ولا يشترط الزمانة(٢) ولا التعفف عن السؤال في استحقاق هذا السهم على الجديد ( و ).
والمكفي بنفقة أبيه هل يعطي ؟ فيه وجهان، ولا يجوز للأب إعطاؤه قطعا لأنه يدفع النفقة عن نفسه والمكيفة بنفقة زوجها لا تعطي على أظهر الوجهين لأن نفقتها كالعوض.
الثاني : المسكين، وهو كل من لا يملك قدر كفايته، وإن ملك شيئا وقدر على الكسب، والفقير أشد حالا منه ( ح و م ).
الثالث : العامل على الزكاة كالساعي والكاتب والقسام والحاشر(٣) والعريف(٤)، أما القاضي فرزقه من خمس الخمس لأن عمله عام، وأجرة الكيال على المالك في أحد الوجهين.
الرابع : المؤلفة قلوبهم، ولا يجوز أن يعطى هذا السهم لكافر تألف على الإسلام، إذ لا صدقة لكافر، أما المسلم إذا كان ضعيف النية في الإسلام، فهل يتألف تقريرا له عليه بإعطاء مال ؟ فيه قولان : وكذا من له نظراء في الكفر ينتظر في إعطائه إسلامهم.
أحد القولين : أنهم لا يعطون لاستغناء الإسلام عن التألف.
الثاني : نعم، تأسيا برسوله الله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فقولان :
أحدهما أنه يعطى من المصالح، والثاني من الزكاة إذ هو المراد بالمؤلفة، وأما من يتألف على الجهاد مع الكفار أو مع مانعي الزكاة، إن كان تألفهم بمال أهون على الإمام من بعث جيش لقربهم من المقصودين بالقتال فهؤلاء يعطون قطعا، وفي محله أربعة أوجه، وقيل قولان :
أحدهما : أنه من المصالح، والثاني : من سهم المؤلفة، والثالث : من سهم سبيل الله فإنه تألف على الجهاد، والرابع ( و ) إن رأى الإمام أن يجمع بين سهم المؤلفة وسهم سبيل الله فعل.
الخامس : الرقاب، فيصرف ثمن الصدقات على المكاتبين ( م ) العاجزين عن النجوم(٥)، وطريقة الصرف إلى السيد بإذن المكاتب، والصرف إلى المكاتب بغير إذن السيد جائز أيضا، ويجوز إعطاؤه قبل حلول النجم(٦) على أظهر الوجهين، فإن أعطيناه فاستغنى عنه بتبرع السيد باعتاقه أو بتبرع غيره استرد على الصحيح ( و )، إلا إذا تلف قبل العتق فلا يغرم ( و ) وإن صرف إلى سيده فرده إلى الرق لعجزه ببقية النجوم يسترد ( و ).
السادس : الغارم، والديون ثلاثة : دين لزمه بسبب نفسه فيقضى من الصدقات بشرط أن يكون معسرا ( و )، وسبب الاستقراض مباحا، فإن كان معصية وهو مصر لا يعطى، وإن كان تائبا أعطي على أحد الوجهين. الثاني : ما لزم بسبب حمالة(٧) تبرع بها تطفئة، لثائرة فتنة فيقضي دينه، وإن كان موسر ( ح ) إلا إذا كان غنيا بالنقد ففيه وجهان.
الثالث : دين الضامن فإن كان معسرين، - أعني الأصيل والكفيل- قضي، وإن كانا موسرين أو كان المضون عنه موسرا فلا يقضي لأن فائدته ترجع إلى الأصيل، وإن كان الأصيل معسرا والكفيل موسرا فوجهان : أحدهما : نعم كالحمالة، والثاني : لا إذ صرفه إلى الأصيل ممكن وبه يحصل براءة الضامن.
السابع : سهم سبيل الله، والمراد به المتطوعة من الغزاة الذين لا يأخذون من الفيء، فأما من يأخذ من الفيء واسمه في الديوان فلا يصرف إليه الصدقة، والغازي يعطي وإن كان غنيا.
الثامن : ابن السبيل، وهو الذي شخص ( ح م ) من بلد ليسافر أو اجتاز به، يصرف إليه سهم إن كان معسرا بشرط ألا يكون السفر معصية، فهؤلاء هم المستحقون بشرط أن لا يكون الموصوف بصفة من هذه الصفات كافرا، ولا من المرتزقة ثابت الاسم في الديوان، ولا هاشميا، فالصدقة محرمة على هؤلاء، وفي الهاشمي وجهان. [ الوجيز في الفقه : ١/٣٩٢-٣٩٤ ].

١ - التوبة: ٥٨-٥٩..
٢ - الزمانة : العاهة. ن اللسان (زمن)..
٣ - الحاشر : الجامع، حشر الإبل: جمعها. ن اللسان (حشر)..
٤ - العريف: القيم والسيد لمعرفته بسياسة القوم، وهو النقيب دون الرئيس والجمع عرفاء. ن اللسان (عرف)..
٥ - النجوم : وضائف الأشياء، وكل نجم نجم، والنجم: الوقت المضروب. ن اللسان (نجم)..
٦ - النجوم : وضائف الأشياء، وكل نجم نجم، والنجم: الوقت المضروب. ن اللسان (نجم)..
٧ - الحمالة: ما يتحمل الإنسان عن غيره من دية أو غرامة مثل أن تقع حرب بين فريقين تسفك فيها الدماء، فيدخل بينهم رجل يتحمل ديات القتلى ليصلح ذات البين. ن اللسان (حمل)..

جهود الإمام الغزالي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير