ﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙ

*إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( التوبة : ٦٠ ).
تفسير المفردات :
الصدقة : هي الزكاة الواجبة على النقد والأنعام والزرع والتجارة. والفقير : من له مال قليل دون النصاب- أقل من اثني عشر جنيها. والمسكين : من لا شيء له فيحتاج للمسألة لقُوتِه وكسوته. والعامل عليها : هو الذي يولّيه السلطان أو نائبه العمل على جمعها من الأغنياء. والمؤلفة قلوبهم : هم الذين يراد استمالة قلوبهم إلى الإسلام أو التثبيت فيه. وفي الرقاب : أي وللإنفاق في إعانة الأرقاء لفكاكهم من الرق. والغارمين : أي الذين عليهم غرامة من المال تعذر عليهم أداؤها. وفي سبيل الله : أي وفي الطريق الموصل إلى مرضاة الله ومثوبته، والمراد بهم : كل من سعى في طاعة الله وسبل الخيرات كالغُزاة والحجاج الذين انقطعت بهم السبل ولا مورد لهم من المال وطلبة العلم الفقراء. وابن السبيل : هو المسافر الذي بَعُد عن بلده ولا يتيسر له إحضار شيء من ماله فهو غني في بلده، فقير في سفره. فريضة من الله : أي فرض الله ذلك فريضة ليس لأحد فيها رأي.
الإيضاح :
مصارف الزكاة والأشخاص الذين تُعْطَى لهم أصناف ثمانية.
إنما الصدقات للفقراء أي إنما تعطى زكاة النقد أو النَّعَم أو التجارة أو الزرع للفقراء الذين يحتاجون إلى مواساة الأغنياء لعدم وجود ما يكفيهم من المال بحسب حالهم.
والمساكين وهو أسوأ حالا من الفقراء لقوله تعالى : أو مسكينا ذا متربة ( البلد : ١٦ ) أي ألصق جلده بالتراب في حفرة استتر بها مكان الإزار، وبطنه به ولشدة الجوع وذلك منتهى الضر والشدة.
والعاملين عليها وهم الذين يبعثهم السلطان لجبايتها أو حفظها، فيشمل الجُباة- المحصِّلين- وخزنة المال- مديري الخزائن- وهم يأخذون منها عُمالتهم على عملهم لا على فقرهم.
روى أحمد والشيخان أن ابن السعدي المالكي قال : استعملني عمر على الصدقة، فلما فرغت منها وأديتها إليه أمر لي بعُمالة، فقلت إنما عملت لله، فقال : خذ ما أُعطيت فإني عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعمّلني- أعطاني العُمالة- فقلت مثل قولك، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا أعطيت من غير أن تسأل فكُل وتصدّق ).
والمؤلفة قلوبهم وهم قوم يراد استمالتهم إلى الإسلام، أو تثبتهم فيه، أو كفّ شرهم عن المسلمين، أو رجاء نفعهم في الدفاع عنهم أو نصرهم على عدوّ لهم، وهم أصناف ثلاثة :
صنف من الكفار يرجى إيمانهم بتأليف قلوبهم كصفوان بن أمية الذي وهب له النبي صلى الله عليه وسلم الأمان يوم فتح مكة وأمهله أربعة أشهر لينظر في أمره وأعطاه إبلا محمّلة فقال : هذا عطاء من لا يخشى الفقر، وروي أنه قال : والله لقد أعطاني وهو أبغض الناس إليّ، فما زال يعطيني حتى إنه لأحبّ الناس إليّ، وقد حسن إسلامه.
صنف أسلم على ضعف، ويرجى بإعطائه تثبيته وقوة إيمانه ومناصحته في الجهاد كالذين أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم العطايا الوافرة من غنائم وهوازن، وهم بعض الطلقاء من أهل مكة الذين أسلموا وكان منهم المنافق ومنهم ضعيف الإيمان، وقد ثبت أكثرهم بعد ذلك وحسن إسلامهم.
صنف من المسلمين في الثغور وحدود بلاد الأعداء يُعْطَوْن لما يرجى من دفاعهم عمن وراءهم من المسلمين إذا هاجمهم العدو.
ويرى أبو حنيفة أن سهم هؤلاء قد انقطع بإعزاز الله بالإسلام، واحتج بأن مشركا جاء يلتمس من عمر مالا فلم يعطه وقال : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ( الكهف : ٢٩ ) وبأنه لم ينقل أن عثمان وعليا أعطيا أحدا من هذا النوع.
وفي الرقاب أي وللإنفاق في فك الرقاب بإعانة المكاتبين من الأرقاء في فك رقابهم من الرق، أو لشراء العبيد وإعتاقهم، وهذا من أكبر الإصلاح البشري الذي هو المقصود من رحمة الإسلام وعدله.
روى أحمد والبخاري عن البراء بن عازب قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : دلني على عمل يقربني من الجنة ويبعدني من النار، فقال :( أعتق النّسمة وفكّ الرقبة )، فقال يا رسول الله أو ليس واحدا ؟ قال :( لا : عتق الرقبة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين بثمنها ).
والغارمين وهم الذين عليهم ديون ركبتهم وتعذر عليهم أداؤها. وقد كان العرب إذا وقعت بينهم فتنة اقتضت غرامة في دية أو غيرها قام أحدهم فتبرع بالتزام ذلك والقيام به حتى ترتفع تلك الفتنة الثائرة، وكانوا إذا علموا أن واحدا منهم التزم غرامة أو تحمل حَمَالة بادروا إلى معونته على أدائها وإن لم يسأل، وكانوا يعدون سؤال المساعدة على ذلك فخرا لا ذلا.
فعن قَبِيصة بن مخارق الهلالي قال : تحملت حَمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها، فقال :( أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها )، ثم قال :( يا قبيصة : إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة : رجل تحمّل حمالة فحلت له المسالة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب سدادا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من أهل الحجا من قومه : لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، فما سواها من المسألة يا قبيصة فسُحْت يأكلها صاحبها سحتا ) رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود.
وفي سبيل الله وسبيل الله هو الطريق الموصل إلى مرضاته ومثوبته، والمراد به الغزاة والمرابطون للجهاد، وروي عن الإمام أحمد أنه جعل الحج من سبيل الله ويدخل في ذلك جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الجسور والحصون وعمارة المساجد ونحو ذلك.
والحق أن المراد بسبيل الله مصالح المسلمين العامة التي بها قِوام أمر الدين والدولة دون الأفراد كتأمين طرق الحج وتوفير الماء والغذاء وأسباب الصحة للحجاج وإن لم يوجد مَصْرِف آخر، وليس منها حج الأفراد لأنه واجب على المستطيع فحسب.
وابن السبيل وهو المنقطع عن بلده في سفر لا يتيسر له فيه شيء من ماله إن كان له مال، فهو غني في بلده، فقير في سفره، فيعْطى لفقره العارض ما يستعين به على العودة إلى بلده.
وفي ذلك عناية بالسياحة وتشجيع عليها على شرط أن يكون سفره في غير معصية، ويكون هذا من أسباب التعاون على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان.
وسهولة طرق الوصول في العصر الحاضر ونقل الأخبار في الزمن القليل جعلت نقل المال من بلد إلى آخر ميسورا بلا كلفة، فيسهل على الغني أن يجلب ماله في أي وقت أراد، وإلى أي مكان طلب.
فريضة من الله أي إنما الصدقات لمن ذكر من أصناف المحتاجين، وفيما ذكر من مصالح الأمة فريضة من الله لهم أوجبها عليكم.
والله عليم حكيم أي والله عليم بأحوال الناس ومقدار حاجتهم، حكيم فيما يشْرعه لهم تطهيرا لأنفسهم وتزكية لها، وشكرا لخالقهم على ما أنعم به عليهم كما قال : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ( التوبة : ١٠٣ ).

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير