ﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙ

٢٤٢- ليس لأحد أن يعطي من زكاة ماله لغير من سمى الله تعالى في كتابه في قوله- عز وجل- : إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله ، وقد سقط منها حق المؤلفة قلوبهم، لأن الله تعالى قد أغنى الإسلام وأهله عن أن يتألف عليه اليوم أحد، ولو اضطر الإمام في وقت من الأوقات، أن يتألف كافرا يرجى نفعه وتخشى شوكته، جاز أن يعطى من أموال الصدقات، ويسقط " العاملون " لمن فرقها عن نفسه.
وأما " الفقراء والمساكين " فليس في الفرق بينهما نص، ومذهبه١ يدل على أنهما عنده سواء بمعنى واحد ؛ وهم الذين يملك أحدهم ما لا يكفيه، ولا يقوم بمؤونته. وقيل : الفقير أشد حالا من المسكين، وقيل : المسكين أشد فقرا٢.
و " العاملون عليها " السعاة على الصدقات وجباتها، يدفع إليهم منها أجرة معلومة. قدر عملهم، ولا يستأجرون بجزء منها، للجهالة بقدره.
وفي الرقاب : معناه في عتق الرقاب، فيجوز للإمام أن يشتري رقابا من مال الصدقة، ويكون ولاؤهم لجماعة المسلمين، وإن اشتراهم صاحب الزكاة وأعتقهم، جاز له، هذا تحصيل مذهب مالك. وقد روي عن مالك من رواية المدنيين وزياد عنه، أنه يعان منه المكاتب٣ في أخذ كتابته بما له، وعلى هذا أكثر العلماء في تأويل قول الله عز وجل : وفي الرقاب .
وأما الغارمون فهم الذين عليهم من الدين مثل ما بأيديهم من المال، أو أكثر، وهم ممن قد أدان في واجب، أو مباح، فإن كان كذلك جاز أن يعطوا من الصدقة ما يقضون به ديونهم أو بعضها، فإن لم يكن لهم أموال فهم فقراء غارمون يستحقون الأخذ بالوصفين جميعا إلا أنهم ليسوا عندنا بذوي سهمين ؛ لأن الصدقات عندنا ليست مقسومة سهاما ثمانية وغيرها، وإنما المعنى في الآية إعلام من تجوز له الصدقة، فمن وضعها في صنف من الأصناف التي ذكر الله- عز وجل- أجزأه.
وأما قوله- عز وجل- : وفي سبيل الله ، فهم الغزاة وموضع الرباط، يعطون ما ينفقون في غزوهم، كانوا أغنياء أو فقراء. وهو قول أكثر العلماء، وهو تحصيل مذهب مالك- رحمه الله-، وقال ابن عمر : هم الحجاج والعمار.
وابن السبيل ، كل من قطع به في سبيل بر أو سبيل سياحة، وسواء كان غنيا أو فقيرا ببلده، إذا قطع به بغير بلده دفع إليه من الصدقة ما يكفيه ويبلغه ويحل ذلك إليه، وليس عليه صرفه في وجوه الصدقة إذا عاد إلى بلده.
فهذه وجوه الصدقات المفروضات : وهي الزكاة، لا تعطى إلا لهؤلاء، ولا يجوز العدول عن جميعهم، وهم سبعة أصناف لسقوط المؤلفة، فإن فرقها صاحبها فستة أصناف، فإن قسمها عليهم، وسوى بينهم فيها كان حسنا، جائز أن يفضل منها صنف على صنف كما يجوز تفضيل شخص من الفقراء على شخص، وإن وضعها في صنف واحد غير العاملين عليها أجزاء. ( الكافي : ١١٣-١١٥. وانظر س : ٩/١٩٦-٢٢٣ )

١ - أي : الإمام مالك..
٢ - قال ابن العربي: وأما الفقراء والمساكين، فالصحيح أنهم صنفان: ولا نبالي بما قال الناس فيهما، وهاأنا ذا أريحكم منه بعون الله؛ فإن قال قائل بأن الفقير من له شيء، والمسكين من لا شيء له، أو بعكسه، فإن من لا شيء له هو المقدم على من له شيء. فهذا المعنى ساقط لا فائدة فيه.
وأما إن قلنا: إن الفقير هو الذي لا يسأل، والمسكين هو الذي يسأل، فالذي لا يسأل أولى؛ لأن السائل أقرب إلى التفطن والغنى، والعلم به ممن لا يسأل، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا خلاف أن الزمن مقدم على الصحيح وأن المحتاج مقدم على سائر الناس، وأن المسلم مقدم على الكتابي. وقد سقط اعتبار الهجرة والتقرب بذهاب زمانهما، فلا معنى للاحتجاج على ذلك كله، والحمد لله الذي من بالمعرفة وكفانا المؤنة. أحكام القرآن: ٢/٩٧١..

٣ - الكتابة شراء العبد نفسه من سيده، بمال يكسبه العبد، فالسيد كالبائع والعبد كالمشتري وهو المكاتب. انظر القوانين الفقهية: ٣٢٦..

جهود ابن عبد البر في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير