٢٦٧- قال الشافعي : قال الله تبارك وتعالى : إِنَّمَا اَلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ الآية. فبين الله عز وجل لمن الصدقات، ثم وكَّدَها وشددها فقال : فَرِيضَةً مِّنَ اَللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فقسم كل ما أخذ من مسلم، على قسم الله عز وجل، وهي سهمان ثمانية لا يصرف منهم سهم، ولا شيء منه عن أهله ما كان من أهله أحد يستحقه. ولا تخرج صدقت قوم منهم عن بلدهم وفي بلدهم من يستحقها.
أخبرنا وكيع١، عن زكريا بن إسحاق٢، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي٣، عن أبي معبد٤، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل حين بعثه :
« فإن أجابوك فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم »٥.
أخبرنا يحيى بن حسان الثقة من أصحابنا، عن الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، عن شريك بن أبي نمر٦، عن أنس بن مالك : أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : نشدتك الله آلله أمرك أن تأخذ الصدقة من أغنيائنا فتردها على فقرائنا ؟ قال :« نعم »٧.
قال الشافعي : والفقراء ههنا كل من لزمه اسم حاجة ممن سمى الله تعالى من الأصناف الثمانية، وذلك أن كلهم إنما يعطى بموضع الحاجة لا بالاسم.
فلو أن ابن السبيل كان غنيا لم يعط، وإنما يعطى ابن السبيل المحتاج إلى السلاح في وقته الذي يعطى فيه. فإن لم يوجد من أهل الصدقات الذين يوجد منهم أحد من أهل السهمان الذين سمى الله عز وجل، ردت حصة من لم يوجد على من وجد، كأن وجد فيهم فقراء، ومساكين، وغارمون، ولم يوجد غيرهم، فقسم الثمانية الأسهم على ثلاثة أسهم، وبيان هذا في أسفل الكتاب٨.
فأهل السهمان يجمعهم أنهم أهل حاجة إلى مالهم منها كلهم، وأسباب حاجاتهم مختلفة، وكذلك أسباب استحقاقهم بمعَانٍ مختلفة، يجمعها الحَاجَةُ، ويفرق بينها صفاتها. ( الأم : ٢/٨٣. ون الأم : ٢/٧١ و ٤/١٢٦ و ٧/٢٣. ومختصر المزني ص : ١٥٥. وأحكام الشافعي : ١/١٦٠-١٦١. )
٢ - زكريا بن إسحاق. عن: عطاء، وأبي الزبير. وعنه: روح، وعبد الرزاق. ثقة. الكاشف: ١/٢٧٦. ون التهذيب: ٣/١٥٥. وقال في التقريب: ثقة رمي بالقدر..
٣ - يحيى بن عبد الله بن محمد بن صيفي، ويقال: يحيى بن محمد. عن أبي معبد، وعكرمة. وعنه: ابن جريج، وعبد الله بن المؤمل. ثقة. الكاشف: ٣/٢٤٧. ون التهذيب: ٩/٢٥٨. وقال في التقريب: ثقة..
٤ - نافذ، أبو معبد. عن: مولاه ابن عباس. وعنه: أبو الزبير، وسليمان الحول. مات سنة: ١٠٤. الكاشف: ٣/١٨٠. ون التهذيب: ٨/٤٦٤. وقال في التقريب: ثقة..
٥ - أخرجه البخاري في الزكاة (٣٠) باب: وجوب الزكاة (١)(ر١٣٣١) وفي باب: لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة
(٤٠)(ر١٣٨٩). وفي باب: أخذالصدقة من الأغنياء (٦٢)(ر١٤٢٥). وفي المغازي (٦٧) باب: بعث أبي موسى ومعاذ بن جبل
(٥٧)(ر٤٠٩٠). وفي أول التوحيد (١٠٠)(ر٦٩٣٧).
وأخرجه مسلم في الإيمان (١) باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (٧)(ر١٩). وأخرجه أصحاب السنن..
٦ - شريك بن عبد الله بن أبي نمر المدني. عن: أنس، وابن المسيب. وعنه: مالك، وأنس ابن عياض. قال ابن معين: لا بأس به. وقال النسائي: ليس بالقوي. الكاشف: ٢/١٠. ون التهذيب: ٣/٦٢٦. وقال في التقريب: صدوق يخطئ. وتعقبه صاحب التحرير
٢/١١٤ فقال: بل صدوق حسن الحديث، فقد وثقه أبو داود، وابن سعد، والعجلي، وقال ابن معين والنسائي: ليس به بأس، وقال ابن الجارود: ليس به بأس وليس بالقوي، وكان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه، وقال ابن عدي: وشريك رجل مشهور من أهل المدينة، حدث عنه مالك، وغير مالك من الثقات، وحديثه إذا روى عنه ثقة فلا بأس بروايته إلا أن يروي عنه ضعيف. قلنا: وإنما أنزل إلى مرتبة «صدوق» بسبب خطئه في حديث المعراج، قال المؤلف في مقدمة «الفتح»: احتج به الجماعة، إلا أن في روايته عن أنس لحديث الإسراء مواضع شاذة. قلنا: مجموع هذه المواضع تزيد على عشرة ذكرها في «الفتح»..
٧ - أخرجه البخاري مطولا في العلم (٣) باب: ما جاء في العلم (٦)(ر٦٣).
وأخرجه مسلم في الإيمان (١) باب: السؤال عن أركان الإسلام (٣)(ر١٢). وأخرجه أصحاب السنن..
٨ - قوله: وبيان هذا في أسفل الكتاب، كذا في جميع النسخ التي بيدنا، وليس لهذا البيان أثر في شيء منها، فلعله كان في أصل الأم الذي كتبه الربيع أو كتب من نسخته. كتبه مصححه..
تفسير الشافعي
الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي