إنَّمَا الصدقات للْفُقَرَاء والمساكين الخ يعني أن الذي ينبغي أن يقسم مال الله عليه من اتصف باحدى هذه الصفات دون غيره إذ القصد الصلاح والمنافقون ليس فيهم سوى الفساد فلا يستحقونه وفي ذلك حسم لأطماعهم الفارغة ورد لمقالتهم الباطلة، والمراد من الصدقات الزكوات فيخرج غيرها من التطوع، والفقير على ما روي عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه من له أدنى شيء وهو ما دون النصاب أو قدر نصاب غير نام وهو مستغرق في الحاجة، والمسكين من لا شيء له فيحتاج للمسألة لقوته وما يوراى بدنه ويحل له ذلك بخلاف الأول حيث لا تحل له المسألة فإنها لا تحل لمن يملك قوت يومه بعد ستر بدنه، وعند بعضهم لا تحل لمن كان كسوباً أو يملك خمسين درهما. فقد أخرج أبو داود. والترمذي والنسائي عن ابن مسعود قال :«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سألنا وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح قيل : يا رسول الله وما يغنيه ؟ قال : خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب » وإلى هذا ذهب الثوري. وابن المبارك. وأحمد واسحق، وقيل : من ملك أربعين درهماً حرم عليه السؤال لما أخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال :«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف » وكان الأوقية في ذلك الزمان أربعين درهماً. ويجوز صرف الزكاة لمن لا تحل له المسألة بعد كونه فقيراً، ولا يخرجه عن الفقر ملك نصب كثيرة غير نامية إذا كانت مستغرقة للحاجة، ولذا قالوا : يجوز للعالم وإن كانت له كتب تساوي نصباً كثيرة إذا كان محتاجاً إليها للتدريس ونحوه أخذ الزكاة بخلاف العامي وعلى هذا جميع آلات المحترفين.
وعلى ما نقل عن الإمام يكون المسكين أسوأ حالاً من الفقير، واستدل بقوله تعالى : أوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَة [ البلد : ١٦ ] الخ يعني أن الذي ينبغي أن يقسم مال الله عليه من اتصف باحدى هذه الصفات دون غيره إذ القصد الصلاح والمنافقون ليس فيهم سوى الفساد فلا يستحقونه وفي ذلك حسم لأطماعهم الفارغة ورد لمقالتهم الباطلة، والمراد من الصدقات الزكوات فيخرج غيرها من التطوع، والفقير على ما روي عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه من له أدنى شيء وهو ما دون النصاب أو قدر نصاب غير نام وهو مستغرق في الحاجة، والمسكين من لا شيء له فيحتاج للمسألة لقوته وما يوراى بدنه ويحل له ذلك بخلاف الأول حيث لا تحل له المسألة فإنها لا تحل لمن يملك قوت يومه بعد ستر بدنه، وعند بعضهم لا تحل لمن كان كسوباً أو يملك خمسين درهما.
فقد أخرج أبو داود. والترمذي والنسائي عن ابن مسعود قال :«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سألنا وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح قيل : يا رسول الله وما يغنيه ؟ قال : خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب » وإلى هذا ذهب الثوري. وابن المبارك. وأحمد واسحق، وقيل : من ملك أربعين درهماً حرم عليه السؤال لما أخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال :«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف » وكان الأوقية في ذلك الزمان أربعين درهماً. ويجوز صرف الزكاة لمن لا تحل له المسألة بعد كونه فقيراً، ولا يخرجه عن الفقر ملك نصب كثيرة غير نامية إذا كانت مستغرقة للحاجة، ولذا قالوا : يجوز للعالم وإن كانت له كتب تساوي نصباً كثيرة إذا كان محتاجاً إليها للتدريس ونحوه أخذ الزكاة بخلاف العامي وعلى هذا جميع آلات المحترفين.
وعلى ما نقل عن الإمام يكون المسكين أسوأ حالاً من الفقير، واستدل بقوله تعالى : أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ [ البلد : ٦١ ] أي ألصق جلده بالتراب في حفرة استتر بها مكان الإزار وألصق بطنه به لفرط الجوع فإنه يدل على غاية الضرر والشدة ولم يوصف الفقير بذلك، وبأن الأصمعي. وأبا عمرو بن العلاء وغيرهما من أهل اللغة فسروا المسكين بمن لا شيء له، والفقير بمن له بلغة من العيش. وأجيب بأن تمام الاستدلال بالآية موقوف على أن الصفة كاشفة وهو خلاف الظاهر، وأن النقل عن بعض أهل اللغة معارض بالنقل عن البعض الآخر. وقال الشافعي عليه الرحمة : الفقير من لا مال له ولا كسب يقع موقعاً من حاجته، والمسكين من له مال أو كسب لا يكفيه، فالفقير عنده أسوأ حالاً من المسكين، واستدل له بقوله تعالى : وَأَمَّا * السفينة فَكَانَتْ لمساكين [ الكهف : ٧٩ ] فأثبت للمسكين سفينة، وبما رواه الترمذي عن أنس. وابن ماجه. والحاكم عن أبي سعيد قالا :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين " مع ما رواه أبو داود عن أبي بكرة أنه عليه الصلاة والسلام كان يدعو بقوله :" اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر " وخبر «الفقر فخري » كذب لا أصل له. وبأن الله تعالى قدم الفقير في الآية ولو لم تكن حاجته أشد لما بدأ به، وبأن الفقير بمعنى المفقور أي مكسور الفقار أي عظام الصلب فكان أسوأ. وأجيب عن الأول بأن السفينة لم تكن ملكاً لهم بل هم أجراء فيها أو كانت عارية معهم أو قيل لهم مساكين ترحماً كما في الحديث " مساكين أهل النار "
وقوله :
| مساكين أهل الحب حتى قبورهم | عليها تراب الذل بين المقابر |
والثاني هو الذي يسعى في القبائل ليأخذ صدقة المواشي في أماكنها، ويعطي العامل ما يكفيه وأعوانه بالوسط مدة ذهابهم وإيابهم ما دام المال باقياً إلا إذا استغرقت كفايته الزكاة فلا يزاد على النصف لأن التصنيف عين الإنصاف.
وعن الشافعي أنه يعطي الثمن لأن القسمة تقتضيه وفيه نظر، وقيد بالوسط لا يجوز أن يتبع شهوته في المأكل والمشرب والملبس لكونه إسرافاً محضاً، وعلى الإمام أن يبعث من يرضي بالوسط من غير إسراف ولا تقتير، وببقاء المال لأنه لو أخذ الصدقة وضاعت من يده بطلت عمالته ولا يعطي من بين المال شيئاً وما يأخذه صدقة، ومن هنا قالوا : لا تحل العمالة لهاشمي لشرفه، وإنما حلت للغني مع حرمة الصدقة عليه لأنه فرغ نفسه لهذا العمل فيحتاج إلى الكفاية، والغنى لا يمنع من تناولها عند الحاجة كابن السبيل كذا في البدائع، والتحقيق أن في ذلك شبهاً بالاجرة وشبهاً بالصدقة، فبالاعتبار الأول حلت للغنى ولذا لا يعطى لو أداها صاحب المال إلى الإمام، وبالاعتبار الثاني لا تحل للهاشمي. وفي النهاية رجل من بني هاشم استعمل على الصدقة فأجرى له منها رزق فإنه لا ينبغى له أن يأخذ من ذلك، وإن عمل فيها ورزق من غيرها فلا بأس به، وهو يفيد صحة توليته وأن أخذه منها مكروه لإحرام، وصرح في الغاية بعدم صحة كون العامل هاشمياً أو عبداً أو كافراً، ومنه يعلم حرمة تولية اليهود على بعض الأعمال وقد تقدمت نبذة من الكلام على ذلك والمؤلفة قُلُوبُهُمْ وهم كانوا ثلاثة أصناف. صنف كان يؤلفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلموا. وصنف أسلموا لكن على ضعف كعيينة بن حصن.
والأقرع بن حابس. والعباس بن مرداس السلمي فكان عليه الصلاة والسلام يعطيهم لتقوى نيتهم في الإسلام. وصنف كانوا يعطون لدفع شرهم عن المؤمنين، وعد منهم من يؤلف قلبه بإعطاء شيء من الصدقات على قتال الكفار ومانعي الكاة. وفي الهداية أن هذا الصنف من الأصناف الثمانية قد سقط وانعقد إجماع الصحابة على ذلك في خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه. روي أن عيينة والأقرع جاءا يطلبان أرضاً من أبي بكر فكتب بذلك خطاً فمزقه عمر رضي الله تعالى عنه وقال : هذا شيء يعطيكموه رسول الله صلى الله عليه وسلم تأليفاً لكم فأما اليوم فقد أغز الله تعالى الإسلام وأغني عنكم فإن ثبتم على الإسلام وإلا فبيننا وبينكم السيف. فرجعوا إلى أبي بكر فقالوا : أنت الخليفة أم عمر ؟ بذلت لنا الخط ومزقه عمر، فقال رضي الله تعالى عنه : هو إن شاء ووافقه، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع احتمال أن فيه مفسدة كارتداد بعض منهم وإثارة ثائرة. واختلف كلام القوم في وجه سقوطه بعد النبي صلى الله عليه وسلم بعد ثبوته بالكتاب إلى حين وفاته بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام فمنهم من ارتكب جواز نسخ ما ثبت بالكتاب بالإجماع بناء على أن الإجماع حجة قطعية كالكتاب وليس بصحيح من المذهب ؛ ومنهم من قال : هو من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علته كانتهاء جواز الصوم بانتهاء وقته وهو النهار. ورد بأن الحكم في البقاء لا يحتاج إلى علة كما في الرمل والاضطباع في الطواف فانتهاؤها لا يستلزم انتهاءه وفيه بحث. وقال علاء الدين عبد العزيز : والأحسن أن يقال : هذا تقرير لما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من حيث المعنى، وذلك أن المقصود بالدفع إليهم كان إعزاز الإسلام لضعفه في ذلك الوقت لغلبة أهل الكفر وكان الإعزاز بالدفع، ولما تبدلت الحال بغلبة أهل الإسلام صار الإعزاز في المنع، وكان الإعطاء في ذلك الزمان والمنع في هذا الزمان بمنزلة الآلة لإعزاز الدين والإعزاز هو المقصود وهو باق على حاله فلم يكن ذلك نسخاً، كالمتيمم وجب عليه استعمال التراب للتطهير لأنه آلة متعينة لحصول التطهير عند عدم المار فإذا تبدلت حاله فوجد الماء سقط الأول ووجب استعمال الماء لأنه صار متعيناً لحصول المقصود لا يكون هذا نسخاً للأول فكذا هذا وهو نظير إيجاب الدية على العاقلة فإنها كانت واجبة على العشيرة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وبعده على أهل الديوان لأن الإيجاب على العاقلة بسبب النصرة والاستنصار في زمنه صلى الله عليه وسلم كان بالعشيرة وبعده عليه الصلاة والسلام بأهل الديوان، فإيجابها عليهم لم يكن نسخاً بل كان تقريراً للمعنى الذي وجبت الدية لأجله وهو الاستنصار ا ه.
واستحسنه في النهاية.
وتعقبه ابن الهمام بأن هذا لا ينفي النسخ لأن إباحة الدفع إليهم حكم شرعي كان ثابتاً وقد ارتفع، وقال بعض المحققين : إن ذلك نسخ ولا يقال : نسخ الكتاب بالإجماع لا يجوز على الصحيح لأن الناسخ دليل الإجماع لا هو بناء على أنه لا إجماع إلا عن مستند فإن ظهر وإلا وجب الحكم بأنه ثابت، على أن الآية التي أشار إليها عمر رضي الله تعالى عنه وهي قوله سبحانه : وَقُلِ الحق مِن رَّبّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ [ الكهف : ٢٩ ] يصلح لذلك وفيه نظر، فإنه إنما
روح المعاني
أبو المعالي محمود شكري بن عبد الله بن محمد بن أبي الثناء الألوسي
علي عبد البارى عطية