إنما١ الصدقات للفقراء ، أي : الزكاة لهؤلاء لا لغيرهم٢ والفقير المستضعف الذي لا يسأل، وعند الشافعي رضي الله عنه : من لا مال له ولا كسب يقع موقعا من حاجته أو المحتاج٣ المريض أو فقراء المهاجرين٤، والمساكين ، المستضعف الذي يطوف٥ ويسأل وعند الشافعي رضي الله عنه من له مال أو كسب لكن لا يكفيه أو المحتاج الصحيح والفقراء من أهل الكتاب، والعاملين عاليها ، الساعين في تحصيل الصدقات غنيا أو فقيرا، والمؤلفة قلوبهم ، وهم أقسام منهم من يعطي ليحسن إسلامه ويثبت قلبه، ومنهم من يعطى رجاء إسلامه، ومنهم من يعطي لإسلام نظرائهم وأمثالهم، ومنهم من يعطي ليأخذ الزكاة ممن يليه أو ليدفع عن حوزة المسلمين الضرر من أطراف البلاد، قال كثير من العلماء : سهمهم الآن بعد أن أعز الله تعالى الإسلام ساقط، وقال قوم : باق إلى الأبد، وفي الرقاب ، أي : للصرف في فك الرقاب بإعانة المكاتب أو باشتراء الرقاب للعتق، والعدول عن اللام إشارة إلى أن الاستحقاق للجهة لا للرقاب، والغارمين ، المديونيين إن صرفه في غير معصية وحينئذ لو صرفه في مصالحه فيعطى إذا لم يكن له ما يفيء بالدين ولو صرفه في المعروف وإصلاح ذات البين فيعطى وإن كان غنيا، وفي سبيل الله ، هم الغزاة٦ الذين لا لهم في الديوان وإن كانوا أغنياء قال بعضهم : والحجاج أيضا، وابن السبيل ، المسافر المنقطع عن ماله وإن كان له مال في بلده، فريضة من الله ، أي : فرض لهم الزكاة فريضة٧، والله عليم حكيم ، يضع الأمور في مواضعها ثم اعلم أن أكثر السلف على أنه لا يجب استيعاب الأصناف الثمانية بل يجوز٨ الدفع إلى واحد منها وقال بعضهم يجب.
٢ أخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن عدى بن الخيار قال: أخبرني رجلان أنهما أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة فسألاه منها فرفع فينا البصر وخفضه فرآنا جلدين فقال: "إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب" (صحيح، أخرجه أبو داود (١٦٣٣)، والنسائي ٥/٩٩ وغيرهما]، قال البغوي: اختلفوا في حد الغني الذي يمنع أخذ الصدقة، فقال الأكثرون: حده أن يكون عنده ما يكفيه وعياله وهو قول مالك والشافعي، وقال أصحاب الرأي: حده أن يملك مائتي درهم وقال قوم: من ملك خمسين درهما لا تحل له الصدقة لما روينا عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -: من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة مسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح، قيل يا رسول الله: وما يغنيه؟ قال: خمسون درهما أو قيمتها من الذهب [صحيح، أخرجه أحمد وإسحاق وأصحاب السنن، وانظر صحيح الجامع (٦٢٧٦)] وهو قول الزهري وابن المبارك وأحمد وإسحاق وقالوا لا يجوز للرجل أن يعطي الرجل من الزكاة أكثر من خمسين درهما..
٣ قاله قتادة..
٤ قاله إبراهيم النخعي..
٥ كذا قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة والزهري/١٢..
٦ قيل إن اللفظ عام فلا يجوز قصره على نوع خاص ويدخل فيه جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الجسور والحصون وعمارة المساجد وغير ذلك والأول الأولى لإجماع الجمهور عليه/١٢..
٧ يعني نصب فريضة على أنه مصدر فعل محذوف وجاز أن يكون مصدرا مؤكدا لنفسه فإن قوله "الصدقات للفقراء" دال على فرضيتها/١ منه..
٨ وعليه الأئمة الثلاثة وبعض الشافعية، ويمكن حمل الآية على المذهبين فعلى الأول تكون من قبيل إنما الخلافة للعلوية والعباسية وغيرهم من أصناف قريش على التفضيل، وعلى الثاني تكون من قبيل إنما المال لزيد ولعمرو ولبكر/منه، لكن قال المصنف في الوجيز بعد نقل القول الأول: وفيه بحث؛ لأن الخليفة لا يتعدد/١٢..
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين