قوله تعالى : إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم
قال البخاري : حدثنا معاذ بن فضالة، حدثنا هشام، عن يحيى، عن هلال بن أبي ميمونة، حدثنا عطاء بن يسار أنه سمع أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله فقال :( إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها ). فقال رجل : يا رسول الله، أو يأتي الخير بالشر ؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم. فقيل له : ما شأنكم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم ولا يكلمك ؟ فرأينا أنه ينزل عليه. قال : فمسح عنه الرحضاء فقال :( أين السائل ؟ ) – وكأنه حمده – فقال :( إنه لا يأتي الخير بالشر، وإن مما ينبت الربيع يقتل أو يلم، إلا آكلة الخضراء، أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ورتعت. وإن هذا المال خضرة حلوة، فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل – أو كما قال النبي ( وإنه من يأخذه بغير حق كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون شهيدا عليه يوم القيامة ).
[ الصحيح ٣/٣٨٣ – ٣٨٤ – ح ١٤٦٥ – ك الزكاة، ب الصدقة على اليتامى ]، أخرجه مسلم في [ الصحيح ٢/٧٢٨ – ٧٢٩ ح ١٠٥٢ – ك الزكاة، ب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا ].
قال أبو داود : حدثنا عباد بن موسى الأنباري الختلي، ثنا إبراهيم – يعني ابن سعد – قال : أخبرني أبي، عن ريحان بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي ).
[ السنن ١١٨/٢ ح ١٦٣٤ – ك الزكاة، ب من يعطي من الصدقة ؟... ]، وأخرجه الترمذي [ السنن ٣/٣٣ ح ٦٥٢ – ك الزكاة، ب ما جاء من لا تحل له الصدقة ] من طريق : أبي داود الطيالسي وعبد الرزاق. وأحمد [ المسند ح ٢٠٣٦ ] من طريق وكيع، كلهم عن سفيان الثوري، عن سعد بن إبراهيم، عن ريحان بن يزيد به. قال الترمذي : حديث حسن، وأخرجه الحاكم من طريق إبراهيم بن سعد
به وسكت عليه هو والذهبي [ المستدرك ١/٤٠٧ ] وقال الألباني : صحيح [ صحيح الترمذي ح ٥٢٧ – وصحيح الجامع ح ٧١٢٨ ]، وصححه أيضا محقق المسند.
قال أبو داود : حدثنا مسدد، ثنا عيسى بن يونس، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، قال : أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فينا البصر وخفضه، فرآنا جلدين، فقال :( إن شئتما أعطيتكما ولاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب ).
[ السنن ٢/١١٨ ح ١٦٣٣ – ك الزكاة، ب من يعطى من الصدقة ؟.. ]، وأخرجه النسائي [ السنن ٥/٩٩ – ١٠٠ – ك الزكاة، ب مسألة القوي المكتسب ]، وأحمد [ المسند ٤/٢٢٤ ] كلاهما من طريق يحيى بن سعيد، عن هشام بن عروة به. قال ابن كثير : إسناد جيد قوي [ التفسير ٤/١٠٦ ]. قال ابن عبد الهادي في التنقيح [ ٢/١٥٢٢ ] وهو حديث إٍسناده صحيح، ورواته ثقات، قال الإمام أحمد : ما أجوده من حديث، هو أحسنها إسنادا وصححه الألباني أيضا في [ الإرواء ٣/٣٨١ ح ٨٧٦ ].
انظر حديث مسلم عن أبي هريرة المتقدم عند الآية ( ٢٧٣ ) من سورة البقرة.
قال الطبري بعد أن ساق عدة أقوال في المسكين : وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال : " الفقير " هو ذو الفقر والحاجة، ومع حاجته يتعفف عن مسألة الناس والتذلل لهم، في هذا الموضع و " المسكين " هو المحتاج المتذلل للناس بمسألتهم.
قال مسلم : حدثني عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي، حدثنا جويرية، عن مالك، عن الزهري ؛ أن عبد الله بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حدثه أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث حدثه قال : اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب فقالا : والله لو بعثنا هذين الغلامين ( قالا لي وللفضل بن عباس ) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلماه، فأمرهما على هذه الصدقات، فأديا ما يؤدي الناس، وأصابا مما يصيب الناس. قال : فبينما هما في ذلك جاء علي بن أبي طالب، فوقف عليهما، فذكرا له ذلك. فقال علي بن أبي طالب : لا تفعلا. فوالله ما هو بفاعل. فانتحاه ربيعة بن الحارث فقال : والله ما تصنع هذا إلا نفاسة منك علينا، فو الله لقد نلت صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فما نفسناه عليك. قال علي : أرسلوهما، فانطلقا. واضطجع علي. قال : فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر سبقناه إلى الحجرة، فقمنا عندها، حتى جاء فأخذ بآذاننا، ثم قال :( أخرجا ما تصرران ) ثم دخل ودخلنا عليه، وهو يومئذ عند زينب بنت جحش قال : فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا فقال : يا رسول الله أنت أبر الناس، وأوصل الناس، وقد بلغنا النكاح، فجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات، فنؤدي إليك كما يؤدي الناس، ونصيب كما يصيبون. قال : فسكت طويلا حتى أردنا إليك نكلمه، قال : وجعلت زينب تلمع علينا من وراء الحجاب أن لا تكلماه. قال : ثم قال :( الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس، ادعوا لي محمية " وكان على الخمس " ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب ). قال : فجاءاه. فقال لمحمية :( أنكح هذا الغلام ابنتك ) " للفضل بن عباس " فأنكحه. وقال لنوفل بن الحارث :( أنكح هذا الغلام ابنتك ) " لي " فأنكحني. وقال لمحمية :( أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا ).
قال الزهري : ولم يسمه لي.
[ الصحيح ٢/٧٥٢ – ٧٥٣ ح ١٠٧٢ – ك الزكاة، ب استعمال آل النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة ].
أخرج عبد الرزاق عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : لعامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه منها فأهدى منها لغني ).
[ المصنف : ٤/١٠٩، ح ٧١٥١ ] ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد في مسنده [ ٣/٥٦ ]، وأبو داود [ ك الزكاة، ب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني، ح ٣٦٣٦ ]، وابن ماجة [ ك الزكاة، ب من تحل له الصدقة، ح ١٨٤١ ]، وابن الجارود في [ المنتقى ح ٣٦٥ ]، وابن خزيمة في [ صحيحه ح ٢٣٧٤ ]، والحاكم في المستدرك [ ١/٤٠٧ – ٤٠٨ ]، وغيرهم، وقال الحاكم :[ هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه لإرسال مالك بن أنس إياه عن زيد بن أسلم ]، وأقره الذهبي على تصحيحه على شرطهما. قال الحافظ : وصححه جماعة [ التلخيص الحبير ٣/١١١ ]، وصححه الألباني في إرواء الغليل [ ٣/٣٧٧، رقم ٨٧٠ ].
قال أبو داود : حدثنا محمد بن إبراهيم الأسباطي، ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع ابن خديج، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( العامل على الصدقة بالحق كالغازي في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته ).
[ السنن ٣/١٣٢ ح ٢٩٣٦ – ك الخراج والإمارة والفيء، ب في السعاية على الصدقة ]، وأخرجه الترمذي [ السنن ٣/٢٨ ح ٦٤٥ – ك الزكاة، ب ما جاء في العامل على الصدقة بالحق ]، من طريق أحمد بن خالد. وابن ماجة [ السنن ١/٥٧٨ ح ١٨٠٩ – ك الزكاة، ب ما جاء في عمال الصدقة ] من طريق : عبدة بن سليمان، ومحمد بن فضيل، ويونس بن بكير، وأحمد [ المسند ٤/١٤٣ ] من طريق يعقوب عن أبيه، كلهم عن ابن إسحاق به. قال الترمذي : حسن صحيح، وصرح ابن إسحاق بالتحديث عند أحمد وأخرجه ابن خزيمة [ ٤/٥١ ح ٢٣٣٤ ] والحاكم في المستدرك [ ١/٤٠٦ ] كلاهما من طريق أحمد بن خالد الوهبي به، وقال حديث صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي. وقال الألباني : صحيح [ صحيح ابن ماجة ح ٣٩٩٦ ].
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة : والعاملين عليها قال : جباتها، الذين يجمعونها ويسعون فيها.
قال البخاري : حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :( إني أعطي قريشا أتألفهم، لأنهم حديث عهد بجاهلية ).
[ الصحيح ٦/٢٨٨ ح ٣١٤٦ – ك فرض الخمس، ب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم ]. وأخرجه مسلم في [ الصحيح ٢/٧٣٥ ح ١٣٣ [ ١٠٥٩ ] – ك الزكاة، ب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام ].
قال البخاري : حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن أبيه، عن أبي نعم، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشيء، فقسمه بين أربعة وقال :( أتألفهم ). فقال رجل : ما عدلت، فقال :( يخرج من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين ).
[ الصحيح ٨/١٨١ ح ٤٦٦٧ – ك التفسير – سورة التوبة، ب الآية ]، وأخرجه مسلم مطولا من طريق عبد الرحمن بن أبي أنعم عن أبي سعيد [ السعيد ٢/٧٤١٠ ح ١٠٦٤ – ك الزكاة، ب ذكر الخوارج وصفاتهم ].
قال مسلم : وحدثني أبو الطاهر، أحمد بن عمرو بن سرح، أخبرنا عبد الله ابن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب قال : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح، فتح مكة، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من المسلمين، فاقتتلوا بحني، فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم، ثم مائة، ثم مائة.
قال ابن شهاب : حدثني سعيد بن المسيب ؛ أن صفوان قال : والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي.
[ الصحيح ٤/١٨٠٦ ح ٢٣١٣ – ك الفضائل، ب ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط فقال : لا ].
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة : وأما المؤلفة قلوبهم فأناس من الأعراب ومن غيرهم، كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يتألفهم بالعطية كيما يؤمنوا.
انظر حديث الترمذي عن أبي هريرة الآتي عند الآية ( ٣٢ ) من سورة النور.
قال الطبري : حدثني أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا معقل ابن عبيد الله قال، سألت الزهري عن قوله : وفي الرقاب قال : المكاتبون.
وانظر سورة البقرة آية ( ١٧٧ ) لبيان الرقاب.
قوله تعالى : والغارمين
قال مسلم : حدثنا يحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد، كلاهما عن حماد بن زيد، قال يحيى، أخبرنا حماد بن زيد عن هارون بن رياب، حدثني كنانة بن نعيم العدوي عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال : تحملت حمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها، فقال :( أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها ). قال : ثم قال :( يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة : رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش ( أو قال سداد من عيش )، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه : لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش ( أو قال سدادا من عيش ) فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا ).
[ الصحيح ٢/٧٢٢ ح ١٠٩ ] ك الزكاة، ب من تحل له المسألة ].
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة : أما الغارمون فقوم غرقتهم الديون في غير إملاق، ولا تبذير ولا فساد.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة : وابن السبيل الضيف، جعل له فيها حق.
وانظر سورة البقرة آية ( ١٧٧ ) لبيان ابن السبيل.
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين