تفسير سورة سورة لقمان

الشنقيطي - أضواء البيان

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الشنقيطي - أضواء البيان (ت 1393 هـ)

آية رقم ٣
قوله تعالى : هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ .
قد قدّمنا الآيات الموضحة لقوله : هُدًى وَرَحْمَةً لّلْمُحْسِنِينَ ، في أوّل سورة «البقرة »، في الكلام على قوله تعالى : الم * ذالِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ [ البقرة : ١-٢ ].
قوله تعالى : وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ في أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ .
ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكافر إذا تتلى عليه آيات اللَّه، وهي هذا القرآن العظيم : وَلَّى مُسْتَكْبِراً ، أي : متكبّرًا عن قبولها، كأنه لم يسمعها كَأَنَّ في أُذُنَيْهِ وَقْراً ، أي : صممًا وثقلاً مانعاً له من سماعها، ثم أمر نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يبشّره بالعذاب الأليم.
وقد أوضح جلَّ وعلا هذا المعنى في آيات كثيرة ؛ كقوله تعالى : وَيْلٌ لّكُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ * مّن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يُغْنِى عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً وَلاَ مَا اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [ الجاثية : ٧-١٠ ]، وقد قال تعالى هنا : كَأَنَّ في أُذُنَيْهِ وَقْراً ، على سبيل التشبيه، وصرّح في غير هذا الموضع أنه جعل في أذنيه الوقر بالفعل في قوله : إنّا جعلنا في قلوبهم أكنّة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا [ الكهف : ٥٧ ]. والظاهر أن الوقر المذكور على سبيل التشبيه الوقر الحسّي ؛ لأن الوقر المعنوي يشبه الوقر الحسّي والوقر المجعول على آذانهم بالفعل، هو الوقر المعنوي المانع من سماع الحقّ فقط، دون سماع غيره، والعلم عند اللَّه تعالى.
قوله تعالى : خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا .
قد قدّمنا إيضاحه بالآيات القرآنيّة في أوّل سورة «الرعد »، في الكلام على قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا [ الرعد : ٢ ] الآية.
قوله تعالى : هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ .
قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة «الرعد »، في الكلام على قوله تعالى : أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ [ الرعد : ١٦ ] الآية، وفي أوّل سورة «الفرقان ».
قوله تعالى : وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَىَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ .
دلّت هذه الآية الكريمة على أن الشّرك ظلم عظيم.
وقد بيَّن تعالى ذلك في آيات أُخر ؛ كقوله تعالى : وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مّنَ الظَّالِمِينَ [ يونس : ١٠٦ ]، وقوله تعالى : وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ البقرة : ٢٥٤ ]، وقد ثبت في الصحيح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه فسّر الظلم في قوله تعالى : الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [ الأنعام : ٨٢ ]، بأنه الشرك، وبيَّن ذلك بقوله هنا : إِنَّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ، وقد أوضحنا هذا سابقًا.
قوله تعالى : وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ .
معناه : لا تتكبّر على الناس، ففي الآية نهي عن التكبّر على الناس، والصعر : الميل، والمتكبّر يميل وجهه عن الناس، متكبّرًا عليهم، معرضًا عنهم، والصعر : الميل، وأصله : داء يصيب البعير يلوي منه عنقه، ويطلق على المتكبّر يلوي عنقه ويميل خدّه عن الناس تكبّرًا عليهم، ومنه قول عمرو بن حني التغلبي :
وكنّا إذا الجبار صعّر خدّه أقمنا له من ميله فتقوّما

وقول أبي طالب :
وكنّا قديمًا لا نقرّ ظلامة إذا ما ثنوا صعر الرءُوس نقيمها
ومن إطلاق الصعر على الميل، قول النمر بن تولب العلكيّ :
إنا أتيناك وقد طال السفر نقود خيلاً ضمّرًا فيها صعر
وإذا علمت أن معنى قوله : وَلاَ تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ، لا تتكبّر عليهم.
فاعلم أنّا قدّمنا في سورة «الأعراف »، في الكلام على قوله تعالى : فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [ الأعراف : ١٣ ]، الآيات القرآنية الدالَّة على التحذير من الكبر المبيّنة لكثرة عواقبه السيّئة، وأوضحنا ذلك مع بعض الآيات الدالَّة على حسن التواضع، وثناء اللَّه على المتواضعين.
قوله تعالى : وَلاَ تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحاً [ ١٨ ].
قد قدّمنا إيضاحه وتفسير الآية في سورة «بني إسرائيل »، في الكلام على قوله تعالى : وَلاَ تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً [ الإسراء : ٣٧ ].
قوله تعالى : وَاقْصِدْ في مَشْيِكَ .
قد قدّمنا الآيات الموضحة له في مواضع ؛ كقوله : وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْناً [ الفرقان : ٦٣ ] الآية، وقوله تعالى : وَلاَ تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا [ لقمان : ١٨ ].
وكذلك قوله تعالى : أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ .
قدّمنا الآيات الموضحة له أيضًا في أوّل سورة «الحجّ »، في الكلام على قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [ الحج : ٤ ].
قوله تعالى : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ .
قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة «بني إسرائيل »، في الكلام على قوله تعالى : إِنَّ هَذَا القرآن يِهْدِى لِلَّتِي هي أَقْوَمُ [ الإسراء : ٩ ].
قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّمَا في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ .
قد قدّمنا إيضاحه في سورة «الكهف »، في الكلام على قوله تعالى : قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لّكَلِمَاتِ رَبّى لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبّى [ الكهف : ١٠٩ ] الآية.
قوله تعالى : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ .
قد قدّمنا إيضاحه في أوّل سورة «البقرة »، في الكلام على قوله تعالى : كَذالِكَ يُحْىِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ [ البقرة : ٧٣ ] الآية.
قوله تعالى : وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ .
قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة «بني إسرائيل »، في الكلام على قوله تعالى : وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ في الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ [ الإسراء : ٦٧ ]الآية، وفي «الأنعام »، في الكلام على قوله تعالى : قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ [ الأنعام : ٤٠-٤١ ] الآية، وفي غير ذلك.
قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا في الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ .
قد قدّمنا في سورة «الأنعام »، أن هذه الخمسة المذكورة في خاتمة سورة «لقمان »، أنها هي مفاتح الغيب المذكورة في قوله تعالى : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ [ الأنعام : ٥٩ ]، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم أوضح ذلك بالسنّة الصحيحة.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

13 مقطع من التفسير