تفسير سورة سورة الصف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (ت 437 هـ)
الناشر
دار المنارة
الطبعة
1
المحقق
أحمد حسن فرحات
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قولُه تعالى: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عِنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّين﴾الآية:
قال قتادة: هي منسوخةٌ بقولِه تعالى: ﴿اقتُلُوا المُشْرِكِينَ حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥]، فعمَّ جميعَهُم.
وقيل: (هي منسوخةٌ بقوله) ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ باللهِ﴾.
(إلى) قوله تعالى: ﴿حَتَى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾.
وقال ابن زيد: نَسَخَها قولُه: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤمِنُونَ باللهِ واليَوْمِ الآخر يوادون من حَادَّ اللهَ ورَسُولَه﴾ [المجادلة: ٢٢] - الآية -.
وقال مجاهد: هي محكمةٌ غَيْرُ منسوخةٍ، لَكِنَّها مخصوصةٌ يراد بها الَّذين لَم يُقاتِلوا المؤمنين وآمنوا وأقاموا بمكَّةَ ولم يُهاجروا.
وقال الحسنُ: هِيَ محكمةٌ غَيْرُ مخصوصةٍ نَزَلَت في قوم بينَهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - عهدٌ، وهم خُزاعة وبنو عبد الحارث بن عبد مناف: أمر الله المسلمين أَنْ يُوَفُّوا لهم بالعهد وأَنْ يَبَرُّوهم.
وَمِمَّا يَدُلُّ على أنها مُحْكَمةٌ أَنَّ قولَه تعالى: ﴿اقْتُلوا المُشْرِكينَ حيث وجدتموهم﴾ ليس بعامٍّ في كُلِّ مُشْرِكٍ لأَنَّ أهلَ الكتابِ مِنَ المشركين قبلَ أَن يُعْطوا الجزيةَ؛ إذ قد وصَفَهُم الله بصفات المشركين في قوله تعالى:﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤمِنُونَ باللهِ ولاَ باليَوْمِ الآخِرِ﴾[التوبة: ٢٩] - الآية - فقال فيها: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وقال عنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أرباب امن دُونِ اللهِ والمَسِيحَ ابنَ مَرْيَم﴾ [التوبة: ٣١]، أي واتخذوا المسيحَ بنَ مريم ربّاً ولا شرك أَعظَم من اتخاذ رَبٍّ دون الله، فإذا كانت الآيةُ في قتل المشركين حيث وجدوا غيرَ عامّة جاز خروجُ هذه الآية منها أيضاً، فقوله: ﴿اقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُمُوهُم﴾ [التوبة: ٥] مُخَصَّصٌ ومُبَيَّنٌ بقولِه: ﴿حَتَّى يعطوا الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون﴾ في أهل الكتاب؛ إِذْ هُم من المشركين ومخصص أيضاً ومُبَيَّنٌ بقوله: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَن الذينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّين﴾ [الممتحنة: ٨] - الآية - فهي إذاً محكمةٌ مخصوصةٌ في قوم آمنوا ولم يُهاجروا، أو في قوم لَهم عهدٌ على ما ذكرنا، وهي أيضاً مُخَصَّصَةٌ بآية براءة فهي غيرُ منسوخة.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
قولُه تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا جَاءكُمُ المؤمِنَاتُ مهاجرات فامتحنوهن﴾.
قال قوم: هذا ناسخٌ لما كان النّبيّ - عليه السلام - كَتَبَ للمشركين؛ إذ هادنهم على أَنْ يَرُدَّ عليهم مَنْ جاءَ إليه من عندهم مُسْلِماً، وكان النبيُّ - عليه السلام - فعلَ ذلك بالحديبية مع أَهل مكة؛ إذ صَدُّوه عن البيت، فعاقدهم على أن من جاء إليه مِن عندهم مُسْلِماً ردَّهُ إليهم، فلما ختمَ الكتاب (الذي فيه العهد) جاءته سبيعة بنتُ الحارث مُسْلِمَةً وجاء زوجُها وقال يا محمد: رُدَّها عليّ، فإن ذلك في شرطنا عليك، وهذه طينةُ كتابنا لم تَجِفّ، فنزلت: ﴿فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكُفَّار﴾، فنسخ ما عقَدَ لهم، فلم يردها إليه وأعطاه مهرَهُ الذي كانَ دفعَ إليها.
وهذا وشبهُه يَدُلُّ على أن القرآنَ يَنْسَخُ السُّنَّةَ.
(ثم نسخَ اللهُ هذا) الحكمَ في ردِّ المهر لأن السَّبَبَ الذي أَوجَبَه قد زال فَنُسِخَ بزوال العِلَّةِ فلا يُرَدُّ إليهم مهرٌ ولا غيرُه.
ولا يجوزُ أن نهادِنَهُم على أن مَنْ جاء مِنْ عَندِهُم مُسْلِماً رددناه إليهم.
وقد قال ابنُ الماجشون في الرسول يأتينا برسالةٍ من عندِ المشركين، وبيننا وبينهُم عهدٌ، فيُسْلِم، أنه لا يُرَدُّ إِليهِم لأَنَّهُم يقتُلونه.
وعن ابن القاسم أنه يُرَدُّ إِليهِم.
قولُه تعالى: ﴿وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِر﴾ [الممتحنة: ١٠]:
قيل هو عامٌّ في كُلِّ كافرةٍ. لَكِنَّهُ مُخَصَّصٌ بإباحةِ إِمساكِ الكتابياتِ زوجاتٍ، فالآيةُ في الكوافر غيرِ الكتابيَّات.
وقيل: هو منسوخٌ بإباحةِ إمساكِ الكتابيَّةِ زوجةً، فَنُسِخَ بقوله: ﴿والمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، والأَوَّلُ أَولى وأَحسَن، فيكون الحكم فيمَن كانت له امرأةٌ بِمكَّةَ مِمَّن هاجرَ مُسْلِماً إلى المدينةِ وهي كافرة بمكة فإنَّ العصمةَ منقطعةٌ بينهما، فإن كانت كتابيةً (فإن العصمةَ تبقى بينهما).
قولُه تعالى: ﴿واسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ، وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠]:
هذا حكمٌ أَمَرَ الله [به المؤمنينَ] في وقتِ المهادنةِ، فلما زالت تلكَ المهادنةُ زال هذا الحكمُ وبقي رسمُه مَتْلُوَّاً، فهو منسوخٌ بزوالِ العِلَّة التي من أجلها وجبَ الحكم.
قولُه تعالى: ﴿وإِن فَاتَكُمْ شَيءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الكُفَّارِ﴾ الآية:
أَمر اللهُ المؤمنينَ أن يَدْفعوا لمن ذهَبَتْ زوجتُه من المسلمين إلى المشركين ما دفع إليها مِمَّا يغنمون من أموال الكفار، وهذا حُكْمٌ حكم به الله وأمر به في وقت المهادنة، فلما زالت زالَ الحُكْمُ وبَقِيَ الرسم متلوا منسوخاً حُكْمُه بزوال العِلَّة. ويجوزُ أن يكونَ منسوخاً بقوله: ﴿واعلموا أنما غَنِمْتُم مِن شيءٍ فأَنَّ لِلِّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] - الآية - فبين ما يصنع في الغنيمة، ولا شيءَ فيها لمن ذهبت زوجتُه إلى الكفار، ولا يجوزُ اليومَ أن نهادِنَ المشركين على شيء من هذه الشروط، إنما هو السيفُ أو الإِيمانُ، أوالصُّلْحُ على غير شرطٍ لا يجوزُ في الدين.
فأما الهدنةُ مع أهل الكتابِ والمجوسِ فجائزةٌ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أَهلِ الكتاب".
وقد قيل إن قوله: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُم﴾ [التوبة: ٥] ناسخ للهدنة بيننا وبين مشركي العرب.
ولمَّا قال في أهل الكتاب: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩]، جازت الهدنةُ بيننا وبينَهُم، وجَرَت المجوسُ مَجراهم بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "سُنُّوا بهم سنة أَهلِ الكتاب".
فَنَسَخَت آيةُ السَّيْفِ (إِعطاءَ المشركين) صَدُقاتِ مَنْ جاءنا من نسائهم مُسْلِمَةً، ونَسَخَ زوالَ زمانِ الهدنة وآيةُ الأنفال إعطاءَ المسلمين مهور نسائهم اللواتي رجَعْنَ إلى الكفار [من الغنيمةِ أو من الفيءِ، وهو قوله: ﴿وإِن فَاتَكُمْ شَيءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الكُفَّارِ﴾] فعاقبتُم: أي أصبتم عقبى (بمعنى): غنيمة أو فيء، فآتوا الذينَ ذَهَبَتْ أزواجُهُم مِثْلَ ما أنفقوا.
وقد قيل: إنَّ المحنةَ المذكورةَ في آخر السُّورَةِ منسوخةٌ أيضاً بذهاب زمان الهدنة.
وقيل: هيَ مُحْكَمَةٌ، وإذا (تباعدت) الدَّارُ واحتيج إلى المحنة كان ذلك إلى الإِمام.
وقد قالَ ابنُ زيدٍ: نسَخَتْ هذه الأحكامَ التي في هذه السورة براءة إذ أَمَر اللهُ تعالى نبيَّه (أَنْ يَنْبذَ إلى) كل ذي عهد (عهدَه)، (ويقتلوا حيث وُجدوا) (وقاله قتادةُ، وأُمِرَ بقتال) أهل الكتاب حتَّى يُعْطوا الجزيةَ(عن يدٍ) - الآية -.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
تم عرض جميع الآيات
6 مقطع من التفسير