تفسير سورة سورة التوبة
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (ت 437 هـ)
الناشر
دار المنارة
الطبعة
1
المحقق
أحمد حسن فرحات
قوله تعالى: ﴿بَراءةٌ مِن اللهِ وَرَسُولِه﴾، إلى قوله: ﴿أرْبَعَةَ أَشْهُر﴾:
هذه الآية ناسخةٌ للعهود البعيدة الأجل التي كانت للمشركين.
قال ابنُ عباس: كان لقومٍ من المشركين على النبي - صلى الله عليه وسلم - عهود إلى أوقات، فأمر اللهُ - جلَّ ذكرُه - نبيّه صلى الله عليه وسلم - أن يُؤَجِّلَهُم أربعةَ أَشهُرٍ يتصرفون فيها، وإن كانت عهودُهم إلى أكثر من أربعةِ أشهر، وذلك من بعد يوم النحر إلى عشر من ربيع الثاني؛ لأن عليَّاً رضي الله عنه نادى بسورة براءة في بوم النحر، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده. قال: وكان قومٌ لا عهودَ لهم فأجلوا خمسين يوماً - (عشرين) يوماً من ذي الحجة والمحرم -.
وقال مجاهد والسُّدِّي: هم قوم كان لهم عهد إلى أكثر من أربعة أشهر، وقوم (كان عهدُهم) إلى أربعة أشهر، فردَّ الجميعَ إلى أربعة أشهر، ونسخ ما زاد على أربعة أشهرٍ، ونسخَ أمانَهم إلى البيت وطوافهم به عُراة.
وقال الزهري: الأربعةُ أشهر: أولها: شوال. إلى آخر المحرم.
وقيل: إنما نَبْذُ العهد إلى قومٍ نقضوا عهداً كان بينهُم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأُجِّلوا أربعةَ أشهر، فأما من لم ينقض العهدَ، فيبقى على عهدِه بدليل قوله: ﴿فَمَا استَقَامُوا لَكُمْ فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧]. قال: ومن لم يكن له عهدٌ أُجِّلَ خمسينَ يوماً من (يومِ) النَّحر الذي نادي فيه عليٌّ - رضي الله عنه - ببراءة.
قال أبو محمد: وكان حقُّ هذا ألاّ يُدْخَل في الناسخ والمنسوخ لأنه لم ينسخ قرآناً متلوّاً، إنما نسخَ أمراً رآه النبي - عليه السلام - وأشياءَ كانوا اعليها مما لا يرضاه الله. والقرآن كُلُّه ناسخٌ لما كانوا عليه، إلاّ ما أَقرَّهم النبي عليه. لكنا ذكرناه وأشباهَه اتباعاً لمن تقدَّمنا؛ إذ أكثرُهُم ذكرَه ونَبَّهْنا على ما(ذكرنا لتعرفَ) حقيقةَ النسخ الذي قصدنا (إلى بيانِه).
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قوله تعالى: ﴿فإِذَا انسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُم فاقْتُلُوا المُشْرِكِين﴾ الآية:
هذه الآيةُ محكمةٌ عند أكثر العماء ناسخةٌ لجميع ما أُمِرَ به المؤمنون من الصفح والعفو والغفران للمشركين، وقد ذكرنا ذلك.
وعن الحسن: أنها منسوخةٌ بقوله: ﴿فَإِمَّا منَّا بَعْدُ وإِمَّا فِداءً﴾، وقال لا يحلّ قتل أسيرٍ صبراً - وهو قول الضحاك والسُّدِّي وعطاء -.
وقال قتادةُ: هذه الآيةُ محكمةٌ ناسخةٌ لقوله: ﴿فإِمّا منَّاً بَعْدُ وإما فداء﴾، وقال: لا يجوز في الأسارى من المشركين إلا القتل، ولا يمن عليهم ولا يفادى بهم.
وقد روي عن مجاهد أنه قال: إما السَّيْفُ وإما الإِسلام في الأسارى.
وقال ابنُ زيد: الآيتان محكمتان غيرُ منسوختين ومعنى آية براءة: أنه- تعالى ذِكرُه - أمر بقتل المشركين حيثُ وجدوا، ثم قال: ﴿وخذوهم﴾: يعني أسارى للقتل أو لِلْمَنِّ أو للفداء.
والإِمام ينظر في أمور الأَسارى (في ما هو أَصلَحُ للمسلمين) من المنِّ أو القتلِ أو الفداء، وقد أتت الأخبارُ أن النبيَّ - عليه السلام - فعل هذا كُلَّه، فقتل من الأسارى النَّضْرَ بنَ الحارث وعقبة (بن أبي) معيط يوم بدر، بعد أن أخذهما أسيرين، ومنَّ على قوم، وفادى قوماً.
قال أبو محمد: وهذا أولى بالآية وأصحُ في معناها إن شاء الله.
وقيل: الآيةُ مُخَصَّصةٌ بترك قتل أهل الكتاب إذا أَعطوا الجزيةَ لأنهم مشركون (بدَلالة) قوله: ﴿اتّخَذُوا أحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أرباباً مِن دُونِ الله والمسيح ابنَ مَرْيم﴾ [التوبة: ٣١]، أي اتخذوا المسيح ربّاً، ولا شركَ أعظم من اتخاذ ربٍ من دون الله، وهي مُخَصَّصةٌ أيضاً بقوله: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عن الذين لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِن دِيَارِكُمْ﴾ [الممتحنة: ٨] - الآية -.
(وهذا على) قول من قال: (إن) الآيةَ نزلت في قوم من المشركين لم يقاتلوا المؤمنين، وهم: خزاعة، وبنو عبد الحارث بنُ عبد مناف كان بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - عهد فأمر الله المؤمنين أن يوفوا لهم بعهودهم - وهو قول الحسن - وسنذكر ذلك في موضعه - إنشاء الله -.
وقد قال ابنُ حبيب: إن قوله: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجدتموهم وخذوهم واحصر وهم﴾ [التوبة: ٥] - الآية - منسوخٌ ومستثنى منها بقوله: ﴿فَإن تابوا وأقاموا الصَّلاَةَ وآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سبيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقال بعد ذلك: ﴿فإخوانكم في الدِّين﴾ [التوبة: ١١].
قال أبو محمد: ولا يجوز في هذا نسخٌ؛ لأنها أحكامٌ لأصنافٍ من الكفار حَكَم الله على قومٍ بالقتل إذا أَقاموا على كُفْرِهم، وحكَم لقومٍ بأنهم إذا آمنوا وتابوا أَلاَّ يُعْرَضَ لَهم وأخبر بالرَّحمةِ والمغفرة لهم وحكم لمن استجار بالنبي - عليه السلام - وأَتاه أن يُجِيرَه ويُبْلِغَه إلى موضع يأْمَنُ فيه، فلا استثناء في هذا؛ إذ لا حرفَ (فيه) للاستثناء، ولا نسخ فيه، إنما كُلُّ آيةٍ في حُكْمٍ منفردٍ وفي صنفٍ غيرِ الصِّنْفِ الآخر، فَذِكْرُ النَّسخِ في هذا وَهْمٌ (وغَلَط) ظاهر، وعلينا أن نَتَبَيَّنَ الحق والصواب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قوله تعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بعد عامهم هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].
قال جماعةٌ: هذه الآيةُ نَسَخَت ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - صالَحهُم عليه منأن لا يُمْنَعَ أَحدٌ من البيتِ والمسجدِ الحرام والحرَم، (بقوله) ﴿بَعْدَ عامهم هذا﴾ يعني: بقيةَ سنة تِسع، فَمُنِعوا مِن الدُّخولِ بعد سنة تسع، وكان قد صالحهم على أن يَدخلوا ولا يُمْنَعوا.
ومذهبُ مالكٍ أن يُمْنَعَ المشركون كُلُّهُم وأهلُ الكتاب من دخول الحرم ومن دخول كل مسجد - وهو قول عمر بن عبد العزيز وقتادة -.
ومذهبُ الشافعي أن يُمنعوا من الحرَم، ولا يُمنَعوا من سائر المساجد.
وأجاز أبو حنيفة وأصحابه دخول أهل الكتاب خاصة الحرَمَ وسائر المساجد، ويمنعُ ذلكَ كُلَّه غيرَ أهل الكتاب.
قال أبو محمد: وهذه الآية كالتي قبلها كان حَقُّها ألاَّ تُذكَرَ في الناسخ والمنسوخ؛ لأنها لم تنسخ قرآناً.
قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الذِينَ لا يُؤمِنونَ باللهِ ولاَ بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾الآية:
هذه الآيةُ ناسخةٌ للعفْوِ عن المشركين مِن أهل الكتاب وغيرهم.
وقيل: هي ناسخةٌ لقولِه: ﴿وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٣٦] فأَمَر بقتل المشركين خاصةً دون أهل الكتاب، ثم أمرَ بقتال المشركين من أهل الكتاب وغيرِهم، فنسخت تخصيصَ الأمر بالقتال للمشركين(وغيرِهم). وهذا القولُ غيرُ صواب لأنه يلزم منه تركُ قتالِ المشركين.
ولكنْ إِنَّما نسخَت مفهومَ الخطاب في قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ﴾لأَنَّه فُهِمَ منه تركُ قتالِ أهل الكتاب لِتَخصيصِه المشركين، ثم نسخَ ذلك قولُه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ باللهِ ولاَ بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قوله:﴿مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فأباح قتالَ أهل الكتاب المفهوم في الآية الأولى ترك قتالهم حتى يعطوا الجزيةَ، فكُلُّ كتابيٍّ مشركٌ، وليس كُلُّ مشركٍ كتابياً. فالمرادُ بقوله: ﴿وقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٣٦] يعني: الذين ليسوا مِن أهل الكتاب.
وقيل: هو تبيين أَنَّ المرادَ بقوله: ﴿وقَاتِلُوا المُشْرِكِين﴾: يريدُ غير أهل الكتاب، وقولُه: ﴿قَاتِلُوا الّذِينَ لاَ يُؤمِنُونَ بالله﴾ - الآية - (مرادٌ به)أَهلُ الكتاب، لقوله تعالى: ﴿مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ﴾، فالآيتان محكمتان إحداهما مُبَيِّنةٌ للأخرى.
وقد قيل: إنَّ قولَه: ﴿وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] ناسخ لقوله: ﴿وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾، وهذا إِنَّما يجوز إذا جعلتَ "كافةً" حالاً من الضمير في قوله ﴿قاتِلُوا﴾ فأَمَّا إن جعلته حالاً من المشركين، فلا يحسن فيه هذا، لأن قتالهم كُلَّهُم لازمٌ واجب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قوله تعالى: ﴿والّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ الآية:
عمَّ الله في هذه الآية، فأمر (بإِنفاق الأموالِ) في سبيل الله، وتواعَد مَنْ كَنَزَها ولم يُنْفِقْها (في سبيل الله) (بعذابٍ أليم).
فَرُوِيَ عن عُمَرَ بن عبد العزيز وعراك بن مالك أنهما قالا: هي منسوخة بقوله - عزَّ وجَلَّ -: ﴿خُذْ مِن أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] - الآية - فلم يُوجِب إنفاق الأموال كُلِّها، وأمر أن يُؤْخَذَ منها صدقةٌ وهي الزكاة، فكُلُّ مال لا تؤدى زكاته فهو كَنْزٌ. قال عُمَر بنُ عبد العزيز وعراك بن مالك: مَن أَعطى صدقَته فليس مالُه بكنز. وروي عن ابن شهاب مثل قول عمر في الآية.
ومن الواجب حمل قوله: ﴿ولاَ يُنفِقُونَهَا﴾، على معنى: (ولا)ينفقونَ الواجبَ عليهم منها، قال: هي محكمةٌ مخصوصةٌ في الزكاة.
قوله تعالى: ﴿إلاّ تنفروا يُعَذِّبْكُم عَذَاباً ألِيماً﴾ [التوبة: ٣٩].
قال ابن عباس: نسخها ﴿ومَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافةً﴾ [التوبة: ١٢٢].
وقال الحسنُ وعِكرمة: وهذا على الأُصولِ لا يَحْسُنُ نسخُه؛ لأنه خبر فيه معنى الوعيد، والمعنى: إذا احتيجَ إليهِم نفروا كُلُّهُم، فالرواية عنهم بذلك لا تَصِحُّ. فهي محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ، ومعناها: إلاَّ تنفروا إذا احتيج إليكم يُعَذِّبْكُم.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قوله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافاً وثِقَالاً﴾:
عمَّ الله بالأمر بالنفير الجميعَ، ثم نسخَ ذلك بقوله: ﴿ومَا كان المؤمنون لِيَنفِرُوا كَافةً﴾ [التوبة: ١٢٢] - وهذا القولُ مرويٌّ عن ابن عباس -.
قال عكرمة: أول آية نزلت من براءة: ﴿انفِروا خِفافاً وثِقالاً﴾. ونسخها بقوله: ﴿وما كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافةً﴾ - الآية -.
قال ابنُ زيدٍ: الخفيفُ: الذي لا عيالَ له ولا ضَيْعَة. والثقيل: الذي له عيال وضيعة، ودليل ذلك قوله: ﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شغلتنا أموالنا وأَهْلُونَا﴾ [الفتح: ١١].
وقيل معناه: انفروا شباباً وشيوخاً.
وقيل معناها: انفروا ركباناً ومشاةً.
وقيل معناه: انفروا نشاطاً وكسالى، وفيه أقوال غيرُ هذا.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
قوله تعالى: ﴿عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ الآيات الثلاث:
قال ابنُ عباس: نسخَ هذه الآيات الثلاث (قولُه تعالى): ﴿فإذا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذِن لِمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢].
وقال الحسنُ وعكرمةُ: إنّ قولَه: ﴿لاَ يَسْتَأذِنُكَ الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخِر﴾ [التوبة: ٤٤]. نسخه قولُه: ﴿فَإِذَا استَأذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأنِهِمْ فَأْذَن لمن شئت مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢].
وعن ابن عباس أنه قال: الثَّلاثُ الآيات محكمات، وإنما هو تعييرٌ وتوبيخ للمنافقين حين استأذنوا النبي - عليه السلام - في القعود عن الجهاد بغيرِ عُذْر، وعذَرَ اللهُ المؤمنين فقال: ﴿فَإِذَا اسْتَأذَنُوكَ لبعض شأنهم فَأْذَن لِمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾.
قال أبو محمد: وهذا قولٌ حَسَنٌ، فلا ينسخُ جوازَ الاستئذان للمؤمنين منعُ الاستئذان للمنافقين، لأن استئذان المنافقين لغير عذر كان، واستئذان المؤمنين لعذر، (فهما) استئذانان مختلفان، لا ينسخ أهدهما الآخر، وهو الصَّواب إن شاء الله.
وأيضاً، فإن استئذانَ المنافقين، إنما كان في أَن يتخلفوا عن الخروج مع رسول الله إلى الجهاد، واستئذانَ المؤمنين إنما هو في أمر يعرِض لهم فيحال قتالهم والمكافحة للمشركين، وقد رُوِيَ أن المؤمنين إنَّما استأذنوا النبي - صلى الله عليه وسلم - لبعض حوائجَ يقضونها ويرجِعون، وهم يحفرون الخندق حول المدينة.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَراءِ والمَسَاكِين﴾ الآية:
بيَّن اللهُ - جلَّ ذِكرُه - في هذه الآية (أَنَّى توضعُ) الصَّدَقاتُ من الزكوات وغيرِها.
فقيل: إنها نَسَخَتْ كُلَّ صدقةٍ في القرآن - وهو قولُ عِكرمةَ وغيرِه ورواها بن وهب عن خالد بن عمران عن القاسم وسالم -.
والذي يوجبه النظر أنها مبيِّنةٌ للمواضع التي توضع فيها الصدقاتُ غير ناسخة للصَّدقات، إنما النَّاسخُ لِلصَّدَقات المأمورِ بها في كل القرآن فرض الزكاة بإجماع.
وهذا من النسخ الذي نحن مخيرونَ في فعل المنسوخ وتركِه، وفعله أفضل وأعظمُ أجراً عند الله.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قولُه تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أو لاَ تَسْتَغْفِر لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] الآية:
قال جماعةٌ من العلماء: هذا تخييرٌ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الاستغفار لهم وتركه، وهي منسوخةٌ بقوله: ﴿ولاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَداً وَلاَ تقم على قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] وقيل: نسخه قولُه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أمْ لم تستغفر لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦].
وعن ابن عباس أنه قال: لما نزل على النبي - عليه السلام - ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُم﴾ قال النبي: لأزيدنَّ على السبعين فنسخ ذلك قولُه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيهِم أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُم﴾.
ورُوِيَ أَنَّ عبدَ الله بنَ أُبي بنَ سَلول المنافق لما مات جاء ولده فرغب إلى النبي في الصَّلاةِ عليه، وفي أن يُغْطِيَه قميصَه لِيُكَفِّنَه فيه، فأَعطاه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قميصَه وأَتى للصَّلاة عليه، فلما ذهبَ لِيُصَلِّيَ عليه أخذ به عُمَرُ وقال قد نهاك الله (أن) تُصَلِّيَ على المنافقين، فقال: إنما (خَيَّرني) بين الاستغفارِ وتركِه، فَصَلَّى عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -فأنزلَ اللهُ: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَداً﴾ - الآية، فترك النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة عليهم.
وقد رُوِيَ أن النبي لم يُصَلِّ على المنافق المذكور.
وقال جماعةٌ - وهو الصَّوابُ إن شاء الله -: إنّ الآيةَ غيرُ منسوخةٍ، إنما نزلت بلفظ التهدُّدِ والوعيد (في أنهم) لا يغفرُ اللهُ لَهم، وإن استغفر لهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فلم يُبِح الله تعالى لنبيّه عليه السلام الاستغفارَ لهم(بهذا اللفظ، بل أَيأَسَهُ مِن قَبول الاستغفار لهم فلا نَسْخَ) فيه لجواز الاستغفار لهم.
وقولُه: ﴿ولاَ تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِه﴾ ناسخٌ لما رُوِيَ أن النبيَّ - عليه السلام - قامَ على قبر عبدِ الله بن أُبَيِّ بن سلول المنافق، وصلَّى عليه إذْ رَغِبَ إليه في ذلك (عبدُ الله ابنه)، وكان ابنُه من خيّار المؤمنين.
قال أبو محمد: وحقّ هذا أَلاَّ يُذْكَرَ في الناسخ والمنسوخ لأنه لم ينسخ قرآناً، إلاَّ أن يقول قائلٌ: هو ناسخٌ لما فُهِمَ من قوله: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أحدٍ مِنْهُم﴾، وذلك أنه فهم منه أنه صلَّى عليهم، فقيل له: لا تُصَلِّ(على أَحدٍ مِنهُم)، فَنُهِيَ عن أَن يعودَ إلى مثل فِعْلِه، فإن حُمِلَ على هذا حَسُن أن يُدْخَل في الناسخ والمنسوخ على أنه قرآن نسخَ مثلَه.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الأَعرابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً﴾ الآية:
وقوله تعالى: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً﴾.
قال ابنُ حبيب: نسخَ ذلك بالآية التي تحتَها، وهي قولُه: ﴿ومن الأعراب مَن يُؤْمِنُ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٩٩] - الآية -.
قال أَبو محمد: وهذا خبرٌ لا يُنْسَخُ ولا معنى للنسخ فيه، لأن الله أعلمنا أَنَّ الأعرابَ أصنافٌ، وبيَّن ذلك فقال: (مِنْهُم) مَنْ يَتَّخِذُ ما ينفق مغرما، ومنهم صِنْفٌ يُؤْمِن بالله واليوم الآخر.
وأخبر عنهم أنهم أَشدُّ كفراً ونفاقاً، وهو لفظ عام معناه الخصوص فيقوم بأَعيانهم دلَّ على أنه مخصوص قولُه: ﴿ومِنَ الأعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخِر﴾ [التوبة: ٩٩]، إلى ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٩]. فَمِنْ للتبعيض، فلا نسخ يحسن في هذا لا في المعنى ولا في اللفظ.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قوله تعالى: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾.
قال بعضُ المؤلِّفين لناسخ القرآن ومنسوخِه: هذا منسوخٌ بقوله:﴿ولاَ تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أبَداً﴾ وهو غلطٌ لأن الصَّلاتين مختلفتان لا تنسخ إحداهُما الأخرى.
وقوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: إِنَّما هو أمرٌ بالدُّعاء للمؤمنين الذين (تابوا من تَخَلُّفِهم) عن رسول الله في غزوة تبوك، كأبي لُبابةَ وأصحابه، وأصل الصلاة: الدعاءُ لم يُرِدْ به الصَّلاة على الموتى، ألا ترى إلى قوله: ﴿إن صلاتك سَكَنٌ لَهُم﴾[التوبة: ١٠٣]، أي: إن دعواتِكَ يا محمدُ تسكُنُ إليها قلوبهم.
وقوله: ﴿ولاَ تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أبَداً﴾، إنما هو نهيٌ عن(الصلاة على موتى) المنافقين، فالآيتان مختلفتان في المعنى مختلفتان فيمن نزلتا فيه، فلا تنسخُ إِحداهُما الأُخرى، إلا إن حملت الصلاة على الموتى على أنها دعاءٌ فيحتمل المعنى ذلك فيجوزُ النَّسْخُ على ما ذكرنا.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قولُه تعالى: ﴿مَا كَانَ لأَِهْلِ المَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِنَ الأعْرَابِ أن يتخلفوا عِن رَسُولِ الله﴾.
قال ابنُ زيد: نَسَخَها ﴿وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافةً﴾ [التوبة: ١٢٢] - وقاله زيد بنُ أَسلم -.
وقيل: الآيةُ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ لأنها أَمرٌ للمؤمنين أن ينفروا مع النبي إذا احتاج إليهم واسْتَنْفَرَهُم، ولا يَسَعُ أحداً التَّخَلُّفُ عنه.
والآيةُ الأُخرى نزلت في السَّرايا يبعثُ سريةً وتخلفُ (أخرى ليتفقهوا) في الدين.
وهذا مذهبُ ابنِ عباس والضَّحَّاك وقتادة، وهو الصواب - إن شاء الله -لأن حملَ الآيتين على فائدتين وحكمين أَوْلى من حَمْلِهِما على فائدة واحدة.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
تم عرض جميع الآيات
23 مقطع من التفسير