تفسير سورة التوبة

فتح القدير
تفسير سورة سورة التوبة من كتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير المعروف بـفتح القدير .
لمؤلفه الشوكاني . المتوفي سنة 1250 هـ
سورة التوبة
هي مائة وثلاثون آية، وقيل مائة وسبع وعشرون آية، ولها أسماء : منها سورة التوبة، لأن فيها التوبة على المؤمنين، وتسمى الفاضحة لأنه ما زال ينزل فيها : ومنهم، ومنهم حتى كادت أن لا تدع أحداً، وتسمى البحوث لأنها تبحث عن أسرار المنافقين، وتسمى المبعثرة، والبعثرة البحث، وتسمى أيضاً بأسماء أخر كالمقشقشة، لكونها تقشقش من النفاق : أي تبرئ منه، والمخزية لكونها أخزت المنافقين، والمثيرة لكونها تثير أسرارهم، والحافرة لكونها تحفر عنها، والمنكلة لما فيها من التنكيل لهم، والمدمدمة لأنها تدمدم عليهم. وهي مدنية. قال القرطبي باتفاق. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال : نزلت براءة بعد فتح مكة. وأخرج ابن مردويه عنه قال : نزلت سورة التوبة بالمدينة. وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير نحوه. وأخرج ابن المنذر عن قتادة نحوه أيضاً. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والنسائي وابن الضريس وابن المنذر والنحاس وأبو الشيخ وابن مردويه عن البراء قال : آخر آية نزلت :﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ﴾ وآخر سورة تامة براءة. وقد اختلف العلماء في سبب سقوط البسملة من أولها على أقوال : الأول : عن المبرد وغيره : أنه كان من شأن العرب إذا كان بينهم وبين قوم عهد، فإذا أرادوا نقضه كتبوا إليهم كتاباً ولم يكتبوا فيه بسملة، فلما نزلت براءة بنقض العهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين، بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فقرأها عليهم ولم يبسمل في ذلك على ما جرت به عادة العرب. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال : سألت علي بن أبي طالب لم لا تكتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم ؟ قال : لأن بسم الله الرحمن الرحيم أمان. وبراءة نزلت بالسيف. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : قلت لعثمان بن عفان : ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطوال ما حملكم ذلك ؟ فقال عثمان : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول : ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولاً، وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتها في السبع الطوال. وأخرج أبو الشيخ عن أبي رجاء قال : سألت الحسن عن الأنفال وبراءة أسورتان أو سورة ؟ قال : سورتان. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه عن حذيفة قال : يسمون هذه السورة سورة التوبة، وهي سورة العذاب. وأخرج هؤلاء عن ابن عباس قال في هذه السورة : هي الفاضحة ما زالت تنزل، ومنهم حتى ظننا أنه لا يبقى منا أحد إلا ذكر فيها. وأخرج أبو الشيخ عن عمر نحوه. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن زيد بن أسلم أن رجلاً قال لعبد الله بن عمر سورة التوبة، فقال ابن عمر : وأيتهن سورة التوبة، ثم قال : وهل فعل بالناس الأفاعيل إلا هي ؟ ما كنا ندعوها إلا المقشقشة. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : يسمونها سورة التوبة، وإنها لسورة عذاب. وأخرج ابن المنذر عن ابن إسحاق قال : كانت براءة تسمى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده المبعثرة لما كشفت من سرائر الناس. وأخرج أبو الشيخ عن عبيد الله بن عبيد بن عمير قال : كانت براءة تسمى المنقرة نقرت عما في قلوب المشركين. وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب عن أبي عطية الهمداني قال : كتب عمر بن الخطاب : تعلموا سورة براءة وعلموا نساءكم سورة النور. ومن جملة الأقوال في حذف البسملة أنها كانت تعدل سورة البقرة أو قريباً منها، وأنه لما سقط أولها سقطت البسملة، روي هذا عن مالك بن أنس وابن عجلان. ومن جملة الأقوال في سقوط البسملة أنهم لما كتبوا المصحف في خلافة عثمان اختلف الصحابة فقال بعضهم : براءة والأنفال سورة واحدة، وقال بعضهم : هما سورتان، فتركت بينهما فرجة لقول من قال هما سورتان، وتركت بسم الله الرحمن الرحيم لقول من قال هما سورة واحدة، فرضي الفريقان. قاله خارجة وأبو عصمة وغيرهما. وقول من جعلهما سورة واحدة أظهر، لأنهما جميعاً في القتال، وتعدان جميعاً سابعة السبع الطوال.
وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا. فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ قال: سألت الحسن عن الأنفال وبراءة أَسُورَتَانِ أَوْ سُورَةٌ؟ قَالَ: سُورَتَانِ. وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ حُذَيْفَةَ قَالَ: يُسَمُّونَ هَذِهِ السُّورَةَ: سُورَةَ التَّوْبَةِ، وَهِيَ سُورَةُ الْعَذَابِ. وَأَخْرَجَ هَؤُلَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ:
هِيَ: الْفَاضِحَةُ مَا زَالَتْ تَنْزِلُ: وَمِنْهُمْ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ لَا يَبْقَى مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا ذُكِرَ فِيهَا. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ عُمَرَ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ:
سُورَةَ التَّوْبَةِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وأيتهنّ سورة التوبة قال: براءة، فقال: وَهَلْ فَعَلَ بِالنَّاسِ الْأَفَاعِيلَ إِلَّا هِيَ؟ مَا كُنَّا نَدْعُوهَا إِلَّا الْمُقَشْقِشَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: يُسَمُّونَهَا سُورَةَ التَّوْبَةِ، وَإِنَّهَا لَسُورَةُ عَذَابٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: كَانَتْ بَرَاءَةٌ تُسَمَّى فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْدَهُ الْمُبَعْثِرَةَ لِمَا كَشَفَتْ مِنْ سَرَائِرِ النَّاسِ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: كَانَتْ بَرَاءَةٌ تُسَمَّى الْمُنَقِّرَةَ، نَقَرَتْ عَمَّا فِي قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ. وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو الشَّيْخِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ الْهَمَدَانِيِّ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: تَعَلَّمُوا سُورَةَ بَرَاءَةٌ وَعَلِّمُوا نِسَاءَكُمْ سُورَةَ النُّورِ. وَمِنْ جُمْلَةِ الْأَقْوَالِ فِي حَذْفِ الْبَسْمَلَةِ أَنَّهَا كَانَتْ تَعْدُلُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، وَأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ أَوَّلُهَا سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ، رُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَابْنِ عَجْلَانِ. وَمِنْ جُمْلَةِ الْأَقْوَالِ فِي سُقُوطِ الْبَسْمَلَةِ أَنَّهُمْ لَمَّا كَتَبُوا الْمُصْحَفَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَرَاءَةٌ وَالْأَنْفَالُ: سُورَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمَا سُورَتَانِ، فَتُرِكَتْ بَيْنَهُمَا فُرْجَةٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: هُمَا سُورَتَانِ، وَتُرِكَتْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: هُمَا سُورَةٌ وَاحِدَةٌ، فَرَضِيَ الْفَرِيقَانِ. قَالَهُ خَارِجَةُ وَأَبُو عِصْمَةَ وَغَيْرُهُمَا. وَقَوْلُ مَنْ جَعَلَهُمَا سُورَةً وَاحِدَةً أَظْهَرُ، لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا فِي الْقِتَالِ، وَتُعَدَّانِ جَمِيعًا سَابِعَةَ السَّبْعِ الطِّوَالِ.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ١ الى ٣]
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢) وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣)
قَوْلُهُ: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بَرِئْتُ مِنَ الشَّيْءِ أَبْرَأُ بَرَاءَةً، وَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ: إِذَا أَزَلْتَهُ عَنْ نَفْسِكَ، وَقَطَعْتَ سَبَبَ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، وَبَرَاءَةٌ: مُرْتَفِعَةٌ عَلَى أَنَّهَا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هَذِهِ بَرَاءَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَرْتَفِعَ عَلَى الِابْتِدَاءِ لِأَنَّهَا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَالْخَبَرُ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ. وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ بَراءَةٌ بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ: اسْمَعُوا بَرَاءَةً، أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ: التزموا براءة، لأن فيها معنى الإغراء، ومِنَ فِي قَوْلِهِ مِنَ اللَّهِ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وَقَعَ صِفَةً، أَيْ: وَاصِلَةٌ مِنَ اللَّهِ ورسوله إلى الذين عاهدتم. وَالْعَهْدُ:
الْعَقْدُ الْمُوَثَّقُ بِالْيَمِينِ. وَالْخِطَابُ فِي عَاهَدْتُمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ كَانُوا عَاهِدُوا مُشْرِكِي مَكَّةَ وَغَيْرَهُمْ بِإِذْنٍ مِنَ اللَّهِ
379
وَمِنَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمَعْنَى: الإخبار بِأَنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَدْ بَرِئَا مِنْ تِلْكَ الْمُعَاهَدَةِ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ مِنَ الْكُفَّارِ مِنَ النقض، فصار النبذ إليه بِعَهْدِهِمْ وَاجِبًا عَلَى الْمُعَاهِدِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَمَعْنَى بَرَاءَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وُقُوعُ الْإِذْنِ مِنْهُ سُبْحَانَهُ بِالنَّبْذِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لِعَهْدِ الْمُشْرِكِينَ، بَعْدَ وُقُوعِ النَّقْضِ مِنْهُمْ، وَفِي ذَلِكَ مِنَ التَّفْخِيمِ لِشَأْنِ الْبَرَاءَةِ، وَالتَّهْوِيلِ لَهَا، وَالتَّسْجِيلِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِالذُّلِّ وَالْهَوَانِ مَا لَا يَخْفَى. قَوْلُهُ: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ هَذَا أَمْرٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ بِالسِّيَاحَةِ بَعْدَ الْإِخْبَارِ بِتِلْكَ الْبَرَاءَةِ، وَالسِّيَاحَةُ: السَّيْرُ، يُقَالُ: سَاحَ فُلَانٌ فِي الْأَرْضِ يَسِيحُ سِيَاحَةً وَسُيُوحًا وَسَيَحَانًا، وَمِنْهُ: سَيَحَ الْمَاءُ فِي الْأَرْضِ، وَسَيَحَ الْخَيْلُ، وَمِنْهُ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ الْعَبْدِ:
لَوْ خِفْتُ هَذَا مِنْكَ مَا نِلْتَنِي حَتَّى تَرَى خَيْلًا أَمَامِي تَسِيحُ
وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعْدَ أَنْ أَذِنَ بِالنَّبْذِ إِلَى الْمُشْرِكِينَ بِعَهْدِهِمْ، أَبَاحَ لِلْمُشْرِكِينَ الضَّرْبَ فِي الْأَرْضِ، وَالذَّهَابَ إِلَى حَيْثُ يُرِيدُونَ، وَالِاسْتِعْدَادَ لِلْحَرْبِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ الْأَشْهُرَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْأَمْرِ بِالسِّيَاحَةِ تَكْلِيفَهُمْ بِهَا. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ: إن المشركين صنفان: صنف كانت مدة عهده أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَأُمْهِلَ تَمَامَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَالْآخَرُ: كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَصَرَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لِيَرْتَادَ لِنَفْسِهِ، وَهُوَ حَرِبٌ بَعْدَ ذَلِكَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، يُقْتلُ حَيْثُ يُوجَدُ، وَابْتِدَاءُ هَذَا الْأَجَلِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، وَانْقِضَاؤُهُ إِلَى عَشْرٍ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ، فَإِنَّمَا أَجْلُهُ انْسِلَاخُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَذَلِكَ خَمْسُونَ يَوْما: عِشْرُونَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَشَهْرُ مُحَرَّمٍ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّمَا كَانَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرُ لِمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ دُونَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَمَنْ كَانَ عَهْدُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُتِمَّ لَهُ عَهْدَهُ بِقَوْلِهِ:
فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ وَرَجَّحَ هَذَا ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَحْثِ مِنَ الرِّوَايَةِ مَا يَتَّضِحُ بِهِ مَعْنَى الْآيَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ أَيِ: اعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْإِمْهَالَ لَيْسَ لِعَجْزٍ، وَلَكِنْ لِمَصْلَحَةٍ، لِيَتُوبَ مَنْ تَابَ، وَفِي ذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ التَّهْدِيدِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: افْعَلُوا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ كُلَّ مَا أَمْكَنَكُمْ مِنْ إِعْدَادِ الْآلَاتِ وَالْأَدَوَاتِ، فَإِنَّكُمْ لَا تَفُوتُونَ اللَّهَ وَهُوَ مُخْزِيكُمْ، أَيْ: مُذِلُّكُمْ وَمُهِينُكُمْ فِي الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالْعَذَابِ، وَفِي وَضْعِ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ سَبَبَ هَذَا الْإِخْزَاءِ هُوَ الْكُفْرُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ جِنْسَ الْكَافِرِينَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُخَاطَبُونَ دُخُولًا أَوَّلِيًا. قَوْلُهُ وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ارْتِفَاعُ أَذَانٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ: مُبْتَدَأُ خَبَرُهُ مَا بَعْدَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي ارْتِفَاعِ بَرَاءَةٌ، وَالْجُمْلَةُ هَذِهِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّ قَوْلَهُ وأَذانٌ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: بَرَاءَةٌ. وَاعْتُرِضَ عليه بأن الأمر لو كان كذلك لكن أذان مخبر عَنْهُ بِالْخَبَرِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ، بَلِ الْخَبَرُ عنه هُوَ إِلَى النَّاسِ وَالْأَذَانُ: بِمَعْنَى الْإِيذَانِ، وَهُوَ الْإِعْلَامُ، كَمَا أَنَّ الْأَمَانَ وَالْعَطَاءَ بِمَعْنَى: الْإِيمَانِ وَالْإِعْطَاءِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ إِلَى النَّاسِ التَّعْمِيمُ فِي هَذَا، أَيْ: أَنَّهُ إِيذَانٌ مِنَ اللَّهِ إِلَى كَافَّةِ النَّاسِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْإِخْبَارِ بِوُجُوبِ الْإِعْلَامِ لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَالْجُمْلَةُ الْأَوْلَى مُتَضَمِّنَةٌ لِلْإِخْبَارِ بِالْبَرَاءَةِ إِلَى المعاهدين
380
خاصة، ويَوْمَ الْحَجِّ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ وَأَذَانٌ، وَوَصَفَهُ بِالْأَكْبَرِ لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ فِيهِ النَّاسُ، أَوْ لِكَوْنِ مُعْظَمِ أَفْعَالِ الْحَجِّ فِيهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَعْيِينِ هَذَا الْيَوْمِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ، فَذَهَبَ جَمْعٌ مِنْهُمْ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ أَبِي أَوْفَى، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَمُجَاهِدٌ، أَنَّهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: عُمَرُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَطَاوُسٌ، أَنَّهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ مَنْ بَعَثَهُ لِإِبْلَاغِ هَذَا إِلَى الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُبْلِغَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ. قَوْلُهُ: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ قُرِئَ بِفَتْحٍ أَنَّ عَلَى تَقْدِيرِ بِأَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَحُذِفَتِ الْبَاءُ تَخْفِيفًا. وَقُرِئَ بِكَسْرِهَا، لِأَنَّ فِي الْإِيذَانِ مَعْنَى الْقَوْلِ، وَارْتِفَاعُ رَسُولُهُ عَلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَوْضِعِ اسْمِ أَنَّ، أَوْ عَلَى الضَّمِيرِ فِي بَرِيءٌ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: وَرَسُولُهُ بَرِيءٌ مِنْهُمْ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ وَرَسُولَهُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى لَفْظِ اسْمِ أَنَّ. وَقُرِئَ وَرَسُولِهِ بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لِلْقَسَمِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ، وَهِيَ قِرَاءَةٌ ضَعِيفَةٌ جِدًّا، إِذْ لَا مَعْنَى لِلْقَسَمِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَاهُنَا مَعَ مَا ثَبَتَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ وَقِيلَ إِنَّهُ مَجْرُورٌ عَلَى الْجِوَارِ.
قَوْلُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ أَيْ: مِنَ الْكُفْرِ، وَفِيهِ الْتِفَاتٌ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ، قِيلَ: وَفَائِدَةُ هَذَا الِالْتِفَاتِ زِيَادَةُ التَّهْدِيدِ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى التَّوْبَةِ الْمَفْهُومَةِ مَنْ تُبْتُمْ خَيْرٌ لَكُمْ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَيْ: أَعْرَضْتُمْ عَنِ التَّوْبَةِ، وَبَقِيتُمْ عَلَى الْكُفْرِ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ أَيْ: غَيْرُ فَائِتِينَ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ مُدْرِكُكُمْ، فَمُجَازِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ. قَوْلُهُ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ هَذَا تَهَكُّمٌ بِهِمْ، وَفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ مَا لَا يَخْفَى.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى أَهْلِ الْعَهْدِ خُزَاعَةَ وَمُدْلِجٍ وَمَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَبُوكَ حِينَ فَرَغَ مِنْهَا فَأَرَادَ الْحَجَّ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ يَحْضُرُ الْبَيْتَ مُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ عُرَاةً فَلَا أُحِبُّ أَنْ أَحُجَّ حَتَّى لَا يَكُونَ ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ أَبَا بَكْرٍ وَعَلِيًّا فَطَافَا فِي النَّاسِ بِذِي الْمَجَازِ، وَبِأَمْكِنَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَبِيعُونَ بِهَا، أَوْ بِالْمَوْسِمِ كُلِّهِ، فَآذَنُوا أَصْحَابَ الْعَهْدِ أَنْ يَأْمَنُوا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَهِيَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ الْمُنْسَلِخَاتُ الْمُتَوَالِيَاتُ عِشْرُونَ مِنْ آخَرِ ذِي الْحِجَّةِ إِلَى عَشْرٍ تَخْلُو مِنْ رَبِيعِ الْآخَرِ، ثُمَّ لَا عَهْدَ لَهُمْ، وَآذَنَ النَّاسَ كُلَّهُمْ بِالْقِتَالِ إِلَى أَنْ يَمُوتُوا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ:
لَمَّا نَزَلَتْ عشر آيات من براءة على النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا أَبَا بَكْرٍ لِيَقْرَأَهَا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ دَعَانِي فَقَالَ لِي: أَدْرِكْ أَبَا بَكْرٍ، فَحَيْثُمَا لَقِيتَهُ فَخُذِ الْكِتَابَ مِنْهُ فَاقْرَأْهُ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، فَلَحِقْتُهُ فَأَخَذْتُ الْكِتَابَ مِنْهُ، وَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ جِبْرِيلَ جَاءَنِي فَقَالَ: لَنْ يُؤَدِّيَ عَنْكَ إِلَّا أَنْتَ أَوْ رَجُلٌ مِنْكَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نحوه. وأخرج ابن مردويه من حديث سعيد بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ نَحْوَهُ أَيْضًا. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيٍّ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أهل مكة ببراءة، فَكُنَّا نُنَادِي: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ
381
الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ فَإِنَّ أَجْلَهُ وَأَمَدَهُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَحُجُّ هَذَا الْبَيْتَ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى: أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، ثُمَّ أَرْدَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فأمره أن يؤذن ببراءة فأذن علي في يوم النحر ببراءة: أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ وَأَمْرَهُ أَنْ يُنَادِيَ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ عَلِيًّا وَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، فَانْطَلَقَا فَحَجَّا، فَقَامَ عَلِيٌّ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَنَادَى: إِنِ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ، فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَلَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ فَكَانَ عَلِيٌّ يُنَادِي، فَإِذَا أَعْيَا قَامَ أَبُو بَكْرٍ يُنَادِي بِهَا. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالنَّحَّاسُ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ تُبَيْعٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيًّا بِأَيِّ شَيْءٍ بُعِثْتَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي الْحَجِّ؟ قَالَ: بُعِثْتُ بِأَرْبَعٍ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ. وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. وَلَا يَجْتَمِعُ مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا. وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَأَجَلُهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ الْآيَةَ قَالَ: حَدَّ اللَّهُ لِلَّذِينِ عَاهَدُوا رَسُولَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يسيحون فيها حيث شاؤوا، وَحَدَّ أَجْلَ مَنْ لَيْسَ لَهُ عَهْدٌ انْسِلَاخَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى انْسِلَاخِ الْمُحَرَّمِ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ أَمْرَهُ أَنْ يَضَعَ السَّيْفَ فِيمَنْ عَاهَدَ إِنْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَنَقَضَ مَا سُمِّيَ لَهُمْ مِنَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، وَأَذْهَبَ الشَّرْطَ الْأَوَّلَ: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ.
وَأَخْرَجَ النَّحَّاسُ عَنْهُ نَحْوَ هَذَا، وَقَالَ: وَلَمْ يُعَاهِدْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ هذا أحد. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالنَّحَّاسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ قَالَ: نَزَلَتْ فِي شَوَّالٍ فَهِيَ الأربعة أشهر: شوّال، وذو الْقِعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
قَالَ: هُوَ إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ فَقَالَ: «يَوْمُ النَّحْرِ». وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو الشَّيْخِ عنه نحو قَوْلِهِ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعْظَمُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ ثُمَّ يَوْمُ القرّ «١» ». وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الحيلة عن ابن عمر:
(١). هو أول يوم من أيام التشريق. [.....]
382
قوله :﴿ فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ هذا أمر منه سبحانه بالسياحة بعد الإخبار بتلك البراءة، والسياحة : السير، يقال : ساح فلان في الأرض يسيح سياحة وسيوحاً وسيحاناً، ومنه سيح الماء في الأرض وسيح الخيل، ومنه قول طرفة بن العبد :
لو خفت هذا منك ما نلتني حتى ترى خيلاً أمامي تسيح
ومعنى الآية : أن الله سبحانه بعد أن أذن بالنبذ إلى المشركين بعهدهم أباح للمشركين الضرب في الأرض والذهاب إلى حيث يريدون، والاستعداد للحرب هذه الأربعة الأشهر، وليس المراد من الأمر بالسياحة تكليفهم بها. قال محمد بن إسحاق وغيره : إن المشركين صنفان : صنف كانت مدة عهده أقلّ من أربعة أشهر، فأمهل تمام أربعة أشهر، والآخر كانت أكثر من ذلك فقصر على أربعة أشهر، ليرتاد لنفسه، وهو حرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين يقتل حيث يوجد، وابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر، وانقضاؤه إلى عشر من ربيع الآخر، فأما من لم يكن له عهد فإنما أجله انسلاح الأشهر الحرم، وذلك خمسون يوماً : عشرون من ذي الحجة وشهر محرم. وقال الكلبي : إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد دون أربعة أشهر، ومن كان عهده أكثر من ذلك فهو الذي أمر الله أن يتمّ له عهده بقوله :﴿ فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ ﴾ ورجح هذا ابن جرير، وغيره. وسيأتي في آخر البحث من الرواية ما يتضح به معنى الآية :﴿ واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله ﴾ أي : اعلموا أن هذا الإمهال ليس لعجز، ولكن لمصلحة ليتوب من تاب، وفي ذلك ضرب من التهديد، كأنه قيل : افعلوا في هذه المدّة كل ما أمكنكم من إعداد الآلات والأدوات، فإنكم لا تفوتون الله وهو مخزيكم : أي مذلكم ومهينكم في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة بالعذاب، وفي وضع الظاهر موضع المضمر، إشارة إلى أن سبب هذا الإخزاء هو : الكفر، ويجوز أن يكون المراد : جنس الكافرين، فيدخل فيه المخاطبون دخولاً أوّلياً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله :﴿ بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ مّنَ المشركين ﴾ إلى أهل العهد خزاعة ومدلج، ومن كان له عهد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك حين فرغ منها فأراد الحج، ثم قال : إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة فلا أحبّ أن أحجّ حتى لا يكون ذلك، فأرسل أبا بكر وعلياً فطافا في الناس بذي المجاز، وبأمكنتهم التي كانوا يبيعون بها، أو بالموسم كله، فآذنوا أصحاب العهد أن يأمنوا أربعة أشهر، وهي : الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات، عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر تخلو من ربيع الآخر، ثم لا عهد لهم، وآذن الناس كلهم بالقتال إلى أن يموتوا. وأخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل، في زوائد المسند، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عليّ قال : لما نزلت عشر آيات من براءة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم دعا أبا بكر ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال : لي أدرك أبا بكر، فحيثما لقيته فخذ الكتاب منه، فاقرأه على أهل مكة، فلحقته فأخذت الكتاب منه، ورجع أبو بكر وقال : يا رسول الله، نزل فيّ شيء، قال لا، ولكن جبريل جاءني فقال : لن يؤدي عنك إلا أنت، أو رجل منك. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وحسنه، وأبو الشيخ، وابن مردويه، من حديث أنس نحوه. وأخرج ابن مردويه، من حديث سعد بن أبي وقاص، نحوه أيضاً.
وأخرج أحمد، والنسائي، وابن المنذر، وابن مردويه، عن أبي هريرة، قال : كنت مع عليّ حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ببراءة، فكنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فإن أجله وأمده إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة أشهر، فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحجّ هذا البيت بعد العام مشرك. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة قال : بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى : ألا يحجّ بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم عليّ بن أبي طالب، فأمره أن يؤذن ببراءة، فأذن علي في يوم النحر ببراءة : أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
وأخرج الترمذي وحسنه، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبهيقي في الدلائل، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات، ثم أتبعه علياً وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات، فانطلقا فحجا، فقام عليّ في أيام التشريق فنادى : إن الله برئ من المشركين، ورسوله، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجنّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن ؛ فكان عليّ ينادى، فإذا أعيا قام أبو بكر ينادي بها. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وصححه، وابن المنذر، والنحاس، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن زيد بن تبيع قال : سألت علياً بأيّ شيء بعثت مع أبي بكر في الحج ؟ قال : بعثت بأربع : لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة. ولا يطوف بالبيت عريان. ولا يجتمع مؤمن وكافر بالمسجد الحرام بعد عامهم هذا. ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فعهده إلى مدّته، ومن لم يكن له عهد، فأجله أربعة أشهر.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿ بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ ﴾ الآية قال : حدّ الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر يسيحون فيها حيث شاءوا، وحدّ أجل من ليس له عهد انسلاخ الأربعة الأشهر الحرم من يوم النحر، إلى انسلاخ المحرّم خمسين ليلة. فإذا انسلخ الأشهر الحرم أمره أن يضع السيف فيمن عاهد، إن لم يدخلوا في الإسلام، ونقض ما سمي لهم من العهد والميثاق، وأذهب الشرط الأوّل ﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم عِندَ المسجد الحرام ﴾ يعني : أهل مكة. وأخرج النحاس عنه نحو هذا، وقال : ولم يعاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا أحداً. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والنحاس، عن الزهري ﴿ فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ قال : نزلت في شوّال فهي الأربعة أشهر : شوّال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله :﴿ وَأَذَانٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ ﴾ قال : هو إعلام من الله ورسوله.
وأخرج الترمذي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن عليّ قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم الحجّ الأكبر، فقال : يوم النحر. وأخرجه ابن أبي شيبة، والترمذي، وأبو الشيخ، عنه من قوله. وأخرج أبو داود، والنسائي، والحاكم وصححه، عن عبد الله بن قرط، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القرّ» وأخرج ابن مردويه، عن ابن أبي أوفى، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال :«يوم الأضحى هذا يوم الحج الأكبر» وأخرج البخاري تعليقاً، وأبو داود، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فقال :«أيّ يوم هذا ؟» قالوا : يوم النحر، قال :«هذا يوم الحجّ الأكبر» وأخرج البخاري ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن مردويه، عن أبي هريرة قال : بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى أن لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر : يوم النحر، والحج الأكبر : الحجّ ؛ وإنما قيل الأكبر : من أجل قول الناس الحجّ الأصغر، فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحجّ عام حجة الوداع التي حجّ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مشرك، وأنزل الله في العالم الذي نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين :﴿ يا أيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ ﴾ الآية.
وأخرج الطبراني، عن سمرة بن جندب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال زمن الفتح :«إن هذا عام الحج الأكبر، قال : اجتمع حجّ المسلمين وحجّ المشركين في ثلاثة أيام متتابعات، واجتمع النصارى واليهود في ثلاثة أيام متتابعات ؛ فاجتمع حجّ المسلمين والمشركين والنصارى واليهود في ستة أيام متتابعات، ولم يجتمع منذ خلق السموات والأرض كذلك قبل العام، ولا يجتمع بعد العام حتى تقوم الساعة» وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن، أنه سئل عن يوم الحج الأكبر فقال : مالكم وللحج الأكبر ؟ ذاك عام حجّ فيه أبو بكر، استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج بالناس، واجتمع فيه المسلمون والمشركون، فلذلك سمي الحج الأكبر، ووافق عيد اليهود والنصارى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن المسيب، قال : الحجّ الأكبر : اليوم الثاني من يوم النحر، ألم تر أن الإمام يخطب فيه. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن المسور بن مخرمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم عرفة :«هذا يوم الحجّ الأكبر» وأخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عمر بن الخطاب، قال : الحج الأكبر يوم عرفة. وأخرج ابن جرير، عن أبي الصهباء البكري قال : سألت عليّ بن أبي طالب عن يوم الحج الأكبر فقال : يوم عرفة. وأخرج أبو عبيدة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال : إن يوم عرفة يوم الحج الأكبر.
وأخرج ابن جرير عن الزبير نحوه.
ولا يخفاك أن الأحاديث الواردة في كون يوم النحر : هو يوم الحج الأكبر، هي ثابتة في الصحيحين، وغيرهم من طرق، فلا تقوى لمعارضتها هذه الروايات المصرّحة بأنه يوم عرفة. وأخرج ابن أبي شيبة، عن الشعبي، أنه سئل : هذا الحج الأكبر، فما الحج الأصغر ؟ قال : عمرة في رمضان. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن إسحاق، قال : سألت عبد الله بن شدّاد عن الحج الأكبر فقال : الحج الأكبر يوم النحر، والحج الأصغر : العمرة. وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد ابن مسعود، قال : سئل سفيان بن عيينة عن البشارة تكون في المكروه فقال : ألم تسمع قوله :﴿ وَبَشّرِ الذين كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾.

قوله :﴿ وَأَذَان منَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الناس يَوْمَ الحج الأكبر ﴾ ارتفاع أذان على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو على أنه مبتدأ وخبره ما بعده على ما تقدّم في ارتفاع براءة، والجملة هذه معطوفة على جملة ﴿ بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ ﴾ وقال الزجاج : إن قوله ﴿ وأذان ﴾ معطوف على قوله براءة. واعترض عليه بأن الأمر لو كان كذلك لكن ﴿ أذان ﴾ مخبر عنه بالخبر الأوّل، وهو ﴿ إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ مّنَ المشركين ﴾ وليس ذلك بصحيح. بل الخبر عنه هو ﴿ إِلَى الناس ﴾ والأذان بمعنى : الإيذان، وهو الإعلام، كما أن الأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء. ومعنى قوله :﴿ إِلَى الناس ﴾ التعميم في هذا : أي أنه إيذان من الله إلى كافة الناس غير مختص بقوم دون قوم، فهذه الجملة متضمنة للإخبار بوجوب الإعلام لجميع الناس، والجملة الأولى متضمنة للإخبار بالبراءة إلى المعاهدين خاصة، و ﴿ يَوْمَ الحج ﴾ ظرف لقوله :﴿ وأذان ﴾، ووصفه بالأكبر لأنه يجتمع فيه الناس، أو لكون معظم أفعال الحج فيه.
وقد اختلف العلماء في تعيين هذا اليوم المذكور في الآية، فذهب جمع، منهم : عليّ بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن أبي أوفى، والمغيرة بن شعبة، ومجاهد، أنه : يوم النحر. ورجحه ابن جرير. وذهب آخرون منهم : عمر، وابن عباس، وطاوس، أنه : يوم عرفة. والأوّل : أرجح ؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر من بعثه لإبلاغ هذا إلى المشركين أن يبلغهم يوم النحر. قوله :﴿ أَنَّ الله بَرِئ مّنَ المشركين وَرَسُولُهُ ﴾ قرئ بفتح أن على تقدير : بأن الله برئ من المشركين. فحذفت الباء تخفيفاً. وقرئ بكسرها ؛ لأن في الإيذان معنى القول، وارتفاع رسوله على أنه معطوف على موضع اسم أن، أو على الضمير في برئ، أو على أنه مبتدأ وخبره محذوف، والتقدير : ورسوله بريء منهم. وقرأ الحسن وغيره ﴿ ورسوله ﴾ بالنصب عطفاً على لفظ اسم ﴿ أن ﴾. وقرئ ﴿ ورسوله ﴾ بالجرّ على أن الواو للقسم، روي ذلك عن الحسن، وهي قراءة ضعيفة جداً، إذ لا معنى للقسم برسول الله صلى الله عليه وسلم هاهنا، مع ما ثبت من النهي عن الحلف بغير الله، وقيل : أنه مجرور على الجوار.
قوله :﴿ فإن تبتم ﴾ أي : من الكفر، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، قيل : وفائدة هذا الالتفات زيادة التهديد، والضمير في قوله :﴿ فَهُوَ ﴾ راجع إلى التوبة المفهومة من تبتم ﴿ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ مما أنتم فيه من الكفر ﴿ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أي : أعرضتم عن التوبة، وبقيتم على الكفر ﴿ فاعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله ﴾ أي : غير فائتين عليه، بل هو مدرككم، فمجازيكم بأعمالكم.
قوله :﴿ وَبَشّرِ الذين كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ هذا تهكم بهم، وفيه من التهديد ما لا يخفى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله :﴿ بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ مّنَ المشركين ﴾ إلى أهل العهد خزاعة ومدلج، ومن كان له عهد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك حين فرغ منها فأراد الحج، ثم قال : إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة فلا أحبّ أن أحجّ حتى لا يكون ذلك، فأرسل أبا بكر وعلياً فطافا في الناس بذي المجاز، وبأمكنتهم التي كانوا يبيعون بها، أو بالموسم كله، فآذنوا أصحاب العهد أن يأمنوا أربعة أشهر، وهي : الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات، عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر تخلو من ربيع الآخر، ثم لا عهد لهم، وآذن الناس كلهم بالقتال إلى أن يموتوا. وأخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل، في زوائد المسند، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عليّ قال : لما نزلت عشر آيات من براءة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم دعا أبا بكر ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال : لي أدرك أبا بكر، فحيثما لقيته فخذ الكتاب منه، فاقرأه على أهل مكة، فلحقته فأخذت الكتاب منه، ورجع أبو بكر وقال : يا رسول الله، نزل فيّ شيء، قال لا، ولكن جبريل جاءني فقال : لن يؤدي عنك إلا أنت، أو رجل منك. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وحسنه، وأبو الشيخ، وابن مردويه، من حديث أنس نحوه. وأخرج ابن مردويه، من حديث سعد بن أبي وقاص، نحوه أيضاً.
وأخرج أحمد، والنسائي، وابن المنذر، وابن مردويه، عن أبي هريرة، قال : كنت مع عليّ حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ببراءة، فكنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فإن أجله وأمده إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة أشهر، فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحجّ هذا البيت بعد العام مشرك. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة قال : بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى : ألا يحجّ بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم عليّ بن أبي طالب، فأمره أن يؤذن ببراءة، فأذن علي في يوم النحر ببراءة : أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
وأخرج الترمذي وحسنه، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبهيقي في الدلائل، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات، ثم أتبعه علياً وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات، فانطلقا فحجا، فقام عليّ في أيام التشريق فنادى : إن الله برئ من المشركين، ورسوله، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجنّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن ؛ فكان عليّ ينادى، فإذا أعيا قام أبو بكر ينادي بها. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وصححه، وابن المنذر، والنحاس، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن زيد بن تبيع قال : سألت علياً بأيّ شيء بعثت مع أبي بكر في الحج ؟ قال : بعثت بأربع : لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة. ولا يطوف بالبيت عريان. ولا يجتمع مؤمن وكافر بالمسجد الحرام بعد عامهم هذا. ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فعهده إلى مدّته، ومن لم يكن له عهد، فأجله أربعة أشهر.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿ بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ ﴾ الآية قال : حدّ الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر يسيحون فيها حيث شاءوا، وحدّ أجل من ليس له عهد انسلاخ الأربعة الأشهر الحرم من يوم النحر، إلى انسلاخ المحرّم خمسين ليلة. فإذا انسلخ الأشهر الحرم أمره أن يضع السيف فيمن عاهد، إن لم يدخلوا في الإسلام، ونقض ما سمي لهم من العهد والميثاق، وأذهب الشرط الأوّل ﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم عِندَ المسجد الحرام ﴾ يعني : أهل مكة. وأخرج النحاس عنه نحو هذا، وقال : ولم يعاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا أحداً. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والنحاس، عن الزهري ﴿ فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ قال : نزلت في شوّال فهي الأربعة أشهر : شوّال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله :﴿ وَأَذَانٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ ﴾ قال : هو إعلام من الله ورسوله.
وأخرج الترمذي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن عليّ قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم الحجّ الأكبر، فقال : يوم النحر. وأخرجه ابن أبي شيبة، والترمذي، وأبو الشيخ، عنه من قوله. وأخرج أبو داود، والنسائي، والحاكم وصححه، عن عبد الله بن قرط، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القرّ» وأخرج ابن مردويه، عن ابن أبي أوفى، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال :«يوم الأضحى هذا يوم الحج الأكبر» وأخرج البخاري تعليقاً، وأبو داود، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فقال :«أيّ يوم هذا ؟» قالوا : يوم النحر، قال :«هذا يوم الحجّ الأكبر» وأخرج البخاري ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن مردويه، عن أبي هريرة قال : بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى أن لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر : يوم النحر، والحج الأكبر : الحجّ ؛ وإنما قيل الأكبر : من أجل قول الناس الحجّ الأصغر، فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحجّ عام حجة الوداع التي حجّ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مشرك، وأنزل الله في العالم الذي نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين :﴿ يا أيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ ﴾ الآية.
وأخرج الطبراني، عن سمرة بن جندب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال زمن الفتح :«إن هذا عام الحج الأكبر، قال : اجتمع حجّ المسلمين وحجّ المشركين في ثلاثة أيام متتابعات، واجتمع النصارى واليهود في ثلاثة أيام متتابعات ؛ فاجتمع حجّ المسلمين والمشركين والنصارى واليهود في ستة أيام متتابعات، ولم يجتمع منذ خلق السموات والأرض كذلك قبل العام، ولا يجتمع بعد العام حتى تقوم الساعة» وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن، أنه سئل عن يوم الحج الأكبر فقال : مالكم وللحج الأكبر ؟ ذاك عام حجّ فيه أبو بكر، استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج بالناس، واجتمع فيه المسلمون والمشركون، فلذلك سمي الحج الأكبر، ووافق عيد اليهود والنصارى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن المسيب، قال : الحجّ الأكبر : اليوم الثاني من يوم النحر، ألم تر أن الإمام يخطب فيه. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن المسور بن مخرمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم عرفة :«هذا يوم الحجّ الأكبر» وأخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عمر بن الخطاب، قال : الحج الأكبر يوم عرفة. وأخرج ابن جرير، عن أبي الصهباء البكري قال : سألت عليّ بن أبي طالب عن يوم الحج الأكبر فقال : يوم عرفة. وأخرج أبو عبيدة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال : إن يوم عرفة يوم الحج الأكبر.
وأخرج ابن جرير عن الزبير نحوه.
ولا يخفاك أن الأحاديث الواردة في كون يوم النحر : هو يوم الحج الأكبر، هي ثابتة في الصحيحين، وغيرهم من طرق، فلا تقوى لمعارضتها هذه الروايات المصرّحة بأنه يوم عرفة. وأخرج ابن أبي شيبة، عن الشعبي، أنه سئل : هذا الحج الأكبر، فما الحج الأصغر ؟ قال : عمرة في رمضان. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن إسحاق، قال : سألت عبد الله بن شدّاد عن الحج الأكبر فقال : الحج الأكبر يوم النحر، والحج الأصغر : العمرة. وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد ابن مسعود، قال : سئل سفيان بن عيينة عن البشارة تكون في المكروه فقال : ألم تسمع قوله :﴿ وَبَشّرِ الذين كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾.

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي حَجَّ فَقَالَ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمُ النَّحْرِ، قَالَ: «هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ». وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِيمَنْ يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى: أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَيَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ: يَوْمُ النَّحْرِ، وَالْحَجُّ الْأَكْبَرُ: الْحَجُّ وَإِنَّمَا قِيلَ الْأَكْبَرُ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ النَّاسِ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ، فَنَبَذَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ فَلَمْ يَحُجَّ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ الَّتِي حَجَّ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُشْرِكٌ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْعَامِ الَّذِي نَبَذَ فِيهِ أبو بكر إلى المشركين يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ زَمَنَ الْفَتْحِ: «إِنَّ هَذَا عَامُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، قَالَ: اجْتَمَعَ حَجُّ الْمُسْلِمِينَ وَحَجُّ الْمُشْرِكِينَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ، وَاجْتَمَعَ النَّصَارَى وَالْيَهُودُ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ، فَاجْتَمَعَ حَجُّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالنَّصَارَى وَالْيَهُودُ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ، ولم يجتمع منذ خلق السموات وَالْأَرْضِ كَذَلِكَ قَبْلَ الْعَامِ، وَلَا يُجْتَمَعُ بَعْدَ الْعَامِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ». وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ فَقَالَ: مَا لَكُمْ وَلِلْحَجِّ الْأَكْبَرِ؟ ذَاكَ عَامٌ حَجَّ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ اسْتَخْلَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَجَّ بِالنَّاسِ، وَاجْتَمَعَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْحَجَّ الْأَكْبَرَ، وَوَافَقَ عِيدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: الْحَجُّ الْأَكْبَرُ:
الْيَوْمُ الثَّانِي مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْإِمَامَ يَخْطُبُ فِيهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَوْمُ عَرَفَةَ هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ». وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: الْحَجُّ الْأَكْبَرُ يَوْمُ عَرَفَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ الْبِكْرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنْ يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ فَقَالَ: يَوْمُ عَرَفَةَ. وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَهُ.
وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي كَوْنِ يَوْمِ النَّحْرِ هُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ هِيَ ثَابِتَةٌ فِي الصحيحين وغيرهما مِنْ طُرُقٍ، فَلَا تَقْوَى لِمُعَارَضَتِهَا هَذِهِ الرِّوَايَاتُ الْمُصَرِّحَةُ بِأَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ: هَذَا الْحَجُّ الْأَكْبَرُ، فَمَا الْحَجُّ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادٍ عَنِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ فَقَالَ: الْحَجُّ الْأَكْبَرُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَالْحَجُّ الْأَصْغَرُ: الْعُمْرَةُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سُئِلَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الْبِشَارَةِ تَكُونُ فِي الْمَكْرُوهِ، فَقَالَ: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٤ الى ٦]
إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)
383
الِاسْتِثْنَاءُ بِقَوْلِهِ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ قَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّهُ يَعُودُ إِلَى قَوْلِهِ بَراءَةٌ وَالتَّقْدِيرُ: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الْمُعَاهَدِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَّا الَّذِينَ لَمْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ مِنْهُمْ. وَقَالَ فِي الْكَشَّافِ: إِنَّهُ مُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ فَسِيحُوا وَالتَّقْدِيرُ: فَقُولُوا لَهُمْ: فَسِيحُوا إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ، فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ. قَالَ: وَالِاسْتِثْنَاءُ: بِمَعْنَى الِاسْتِدْرَاكِ، كَأَنَّهُ قِيلَ- بَعْدَ أَنْ أُمِرُوا فِي النَّاكِثِينَ-: وَلَكِنِ الَّذِينَ لَمْ يَنْكُثُوا فأتموا إليهم عهدهم ولا تجروهم مجراهم. وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قَدْ تَخَلَّلَ الْفَاصِلُ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَهُوَ وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ إِلَخْ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَجْنَبِيٍّ وَقِيلَ: إِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الْمَذْكُورِينَ قَبْلَهُ، فَيَكُونُ مُتَّصِلًا وَهُوَ ضَعِيفٌ. قَوْلُهُ: ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً أَيْ: لَمْ يَقَعْ مِنْهُمْ أَيُّ نَقْصٍ. وَإِنْ كَانَ يَسْيرًا، وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ يَنْقُضُوكُمْ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: لَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَكُمْ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ مَنْ خَاسَ بِعَهْدِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَقْضِ عَهِدِ مَنْ نَقَضَ، وَبِالْوَفَاءِ لِمَنْ لَمْ يَنْقُضْ إِلَى مُدَّتِهِ وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً الْمُظَاهَرَةُ:
الْمُعَاوَنَةُ، أَيْ: لَمْ يُعَاوِنُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا مِنْ أَعْدَائِكُمْ فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ أَيْ: أَدُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ تَامًّا غَيْرَ نَاقِصٍ إِلى مُدَّتِهِمْ التي عاهدتموهم إليها، وإن كانت أكبر مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَلَا تُعَامِلُوهُمْ مُعَامَلَةَ النَّاكِثِينَ مِنَ الْقِتَالِ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ سَابِقًا، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ أَوْ خَمْسُونَ يَوْمًا عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ.
قَوْلُهُ: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ انْسِلَاخُ الشَّهْرِ: تَكَامُلُهُ جُزْءًا فَجُزْءًا إِلَى أَنْ يَنْقَضِيَ، كَانْسِلَاخِ الْجِلْدِ عَمَّا يَحْوِيهِ. شَبَّهَ خُرُوجَ الْمُتَزَمِّنُ عَنْ زَمَانِهِ بِانْفِصَالِ الْمُتَمَكِّنِ عَنْ مَكَانِهِ، وَأَصْلُهُ الِانْسِلَاخُ الْوَاقِعُ بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَجَلْدِهِ، فَاسْتُعِيرَ لِانْقِضَاءِ الْأَشْهُرِ، يُقَالُ: سَلَخْتُ الشَّهْرَ تَسْلُخُهُ سَلْخًا وَسُلُوخًا بِمَعْنَى: خَرَجْتُ مِنْهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
إِذَا مَا سَلَخْتُ الشَّهْرَ أَهَلَلْتُ مِثْلَهُ كَفَى قَاتِلًا سِلْخِي الشُّهُورِ وَإِهْلَالِي
وَيُقَالُ: سَلَخَتِ الْمَرْأَةُ دِرْعَهَا: نَزَعَتْهُ، وَفِي التَّنْزِيلِ: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ «١».
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَعْيِينِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الْمَذْكُورَةِ هَاهُنَا، فَقِيلَ: هِيَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ الْمَعْرُوفَةُ الَّتِي هِيَ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ، وَمُحَرَّمٌ، وَرَجَبٌ: ثَلَاثَةٌ سَرْدٌ، وَوَاحِدٌ فَرْدٌ. وَمَعْنَى الْآيَةِ عَلَى هَذَا وُجُوبُ الْإِمْسَاكِ عَنْ قِتَالِ مَنْ لَا عَهْدَ لَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ. وَقَدْ وَقَعَ النِّدَاءُ وَالنَّبْذُ إِلَى الْمُشْرِكِينَ بِعَهْدِهِمْ يَوْمَ النَّحْرِ، فَكَانَ الْبَاقِي مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الَّتِي هِيَ الثَّلَاثَةُ الْمَسْرُودَةُ خَمْسِينَ يَوْمًا تَنْقَضِي بِانْقِضَاءِ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ يُوجَدُونَ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمُ الضَّحَّاكُ وَالْبَاقِرُ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بها: شهور العهد المشار إليه بِقَوْلِهِ فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ وَسُمِّيَتْ حُرُمًا لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ حَرَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِيهَا دِمَاءَ الْمُشْرِكِينَ، وَالتَّعَرُّضَ لَهُمْ، وَإِلَى هَذَا ذهب جماعة
(١). يس: ٣٧.
384
مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ وَابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ زَيْدٍ وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ. وَقِيلَ: هِيَ الْأَشْهُرُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وَحَكَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ حُكْمِ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الدَّائِرَةِ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي هَذِهِ السُّورَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَمَعْنَى حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ:
فِي أَيِّ مَكَانٍ وَجَدْتُمُوهُمْ مِنْ حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ. وَمَعْنَى خُذُوهُمْ الْأُسَرُ، فَإِنَّ الْأَخِيذَ هُوَ الْأَسِيرُ. وَمَعْنَى الْحَصْرِ: مَنْعُهُمْ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنْهُمْ، وَالْمَرْصَدُ: الْمَوْضِعُ الَّذِي يُرْقَبُ فِيهِ الْعَدُوُّ، يُقَالُ: رَصَدْتُ فُلَانًا أَرْصُدُهُ، أَيْ: رَقَبْتُهُ، أَيِ: اقْعُدُوا لَهُمْ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَرْتَقِبُونَهُمْ فِيهَا. قَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ:
وَلَقَدْ عَلِمْتُ وَمَا إِخَالُكَ عَالِمًا أَنَّ المنيّة للفتى بالمرصد
وقال عديّ:
أَعَاذِلَ إِنَّ الْجَهْلَ مِنْ لَذَّةِ الْفَتَى وَإِنَّ المنايا للنفوس بمرصد
وكل في كُلَّ مَرْصَدٍ منتصب عَلَى الظَّرْفِيَّةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الزَّجَّاجِ، وَقِيلَ: هُوَ مُنْتَصِبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ: فِي كُلِّ مَرْصَدٍ، وَخَطَّأَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ الزَّجَّاجَ فِي جَعْلِهِ ظَرْفًا. وَهَذِهِ الْآيَةُ الْمُتَضَمِّنَةُ لِلْأَمْرِ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ انْسِلَاخِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ عَامَّةٌ لِكُلِّ مُشْرِكٍ لَا يَخْرُجُ عَنْهَا إِلَّا مَنْ خَصَّتْهُ السُّنَّةُ، وَهُوَ الْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ وَالْعَاجِزُ الَّذِي لَا يُقَاتِلُ، وَكَذَلِكَ يُخَصَّصُ مِنْهَا أَهْلُ الْكِتَابِ الَّذِينَ يُعْطُونَ الْجِزْيَةَ عَلَى فَرْضِ تَنَاوُلِ لَفْظِ الْمُشْرِكِينَ لَهُمْ، وَهَذِهِ الْآيَةُ نَسَخَتْ كُلَّ آيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ الْإِعْرَاضِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، وَالصَّبْرِ عَلَى أَذَاهُمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَعَطَاءٌ وَالسُّدِّيُّ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً «١» وَأَنَّ الْأَسِيرَ لَا يُقْتَلُ صَبْرًا، بَلْ يُمَنُّ عَلَيْهِ، أَوْ يُفَادَى. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: بَلْ هِيَ نَاسِخَةٌ لِقَوْلِهِ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْأُسَارَى مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَّا الْقَتْلُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْآيَتَانِ مُحْكَمَتَانِ. قال القرطبي: وهو الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْمَنَّ وَالْقَتْلَ وَالْفِدَاءَ لَمْ تَزَلْ مِنْ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ مَنْ أَوَّلِ حَرْبٍ جَاءَ بِهِمْ، وَهُوَ يَوْمُ بَدْرٍ. قَوْلُهُ: فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ أَيْ: تَابُوا عَنِ الشِّرْكِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْقَتْلِ، وَحَقَّقُوا التَّوْبَةَ بِفِعْلِ مَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ إِقَامَةُ الصَّلَاةِ، وَهَذَا الرُّكْنُ اكْتَفَى بِهِ عَنْ ذِكْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَبْدَانِ مِنَ الْعِبَادَاتِ لِكَوْنِهِ رَأْسَهَا، وَاكْتَفَى بِالرُّكْنِ الْآخَرِ الْمَالِيِّ، وَهُوَ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ عَنْ كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَمْوَالِ مِنَ الْعِبَادَاتِ، لِأَنَّهُ أَعْظَمَهَا فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ أَيِ: اتْرُكُوهُمْ وَشَأْنَهُمْ، فَلَا تَأْسِرُوهُمْ، وَلَا تَحْصُرُوهُمْ، وَلَا تَقْتُلُوهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لَهُمْ رَحِيمٌ بِهِمْ. قَوْلُهُ: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ، يُقَالُ: اسْتَجَرْتُ فُلَانًا، أَيْ: طَلَبْتُ أَنْ يَكُونَ جَارًا أَيْ: مُحَامِيًا وَمُحَافِظًا مِنْ أَنْ يَظْلِمَنِي ظَالِمٌ، أَوْ يَتَعَرَّضَ لِي مُتَعَرِّضٌ، وَأَحَدٌ مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يُفَسِّرُهُ الْمَذْكُورُ بَعْدَهُ، أَيْ: وَإِنِ اسْتَجَارَكَ أَحَدٌ اسْتَجَارَكَ، وَكَرِهُوا الْجَمْعَ بَيْنَ الْمُفَسَّرِ وَالْمُفَسِّرِ. وَالْمَعْنَى: وَإِنِ اسْتَجَارَكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أُمِرْتَ بِقِتَالِهِمْ فَأَجِرْهُ، أَيْ: كُنْ جَارًا لَهُ مؤمنا
(١). محمد: ٤.
385
مُحَامِيًا حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ مِنْكَ وَيَتَدَبَّرُهُ حَقَّ تَدَبُّرِهِ، وَيَقِفَ عَلَى حَقِيقَةِ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ أَيْ: إِلَى الدَّارِ الَّتِي يَأْمَنُ فِيهَا بَعْدَ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ، إِنْ لَمْ يُسْلِمْ، ثُمَّ بَعْدَ أَنْ تُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ قَاتِلْهُ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ جِوَارِكَ وَرَجَعَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ إِبَاحَةِ دَمِهِ، وَوُجُوبِ قَتْلِهِ حَيْثُ يُوجَدُ، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ ذلِكَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَمْرِ بِالْإِجَارَةِ وَمَا بَعْدَهُ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ أَيْ: بِسَبَبِ فُقْدَانِهِمْ لِلْعِلْمِ النَّافِعِ الْمُمَيِّزِ، بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ: فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ قَالَ: هُمْ قُرَيْشٌ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: هُمْ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ الَّذِينَ عَاهَدَهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ بَقِيَ مِنْ مُدَّتِهِمْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَأَمَرَ نَبِيَّهُ أَنَّ يُوفِيَ بِعَهْدِهِمْ هَذَا إِلَى مُدَّتِهِمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ قَالَ: هُمْ بَنُو جَذِيمَةَ بْنِ عَامِرٍ مِنْ بني بكر ابن كِنَانَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ قَالَ: كَانَ بَقِيَ لَبَنِي مَذْحِجٍ وَخُزَاعَةَ عَهْدٌ، فَهُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَالَ: هَؤُلَاءِ بَنُو ضَمْرَةَ وَبَنُو مُدْلِجٍ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ كَانُوا حُلَفَاءَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ الْعَشِيرَةِ مِنْ بَطْنِ يَنْبُعَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوا عَهْدَكُمْ بِغَدْرٍ وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً قَالَ: لَمْ يُظَاهِرُوا عَدُوَّكُمْ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ يَقُولُ: أَجْلُهُمُ الَّذِي شَرَطْتُمْ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ يَقُولُ: الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ فَيُوفُونَ بِالْعَهْدِ. قَالَ: فَلَمْ يُعَاهِدِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ أَحَدًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ قَالَ: هِيَ الْأَرْبَعَةُ: عِشْرُونَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَصَفَرٌ، وَشَهْرُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَعَشْرٌ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ. قُلْتُ: مُرَادُ السُّدِّيِّ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْهُرَ تُسَمَّى حُرُمًا لِكَوْنِ تَأْمِينِ الْمُعَاهَدِينَ فِيهَا يَسْتَلْزِمُ تَحْرِيمَ الْقِتَالِ، لَا أَنَّهَا الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ الْمَعْرُوفَةُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الضَّحَّاكِ فِي الْآيَةِ قَالَ:
هِيَ عشر من ذي القعدة، وذو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمِ، سَبْعُونَ لَيْلَةً. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: هِيَ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهَرُ الَّتِي قَالَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَ قَوْلِ السُّدِّيِّ السَّابِقِ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي نَاسِخِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ثُمَّ نَسَخَ وَاسْتَثْنَى. فَقَالَ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ، وَقَالَ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ يَقُولُ: مَنْ جَاءَكَ وَاسْتَمَعَ مَا تَقُولُ.
وَاسْتَمَعَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ، فَهُوَ آمَنٌ حِينَ يَأْتِيكِ فَيَسْمَعُ كَلَامَ اللَّهِ حَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ مِنْ حَيْثُ جَاءَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ قَالَ: إِنْ لَمْ يُوَافِقْهُ مَا يُقَصُّ عَلَيْهِ وَيُخْبَرُ بِهِ فَأَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ، وَهَذَا لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ أَيْ كِتَابَ اللَّهِ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ إذا سمع كلام اللَّهِ وَأَقَرَّ بِهِ وَأَسْلَمَ
386
قوله :﴿ فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ انسلاخ الشهر : تكامله جزءاً فجزءاً إلى أن ينقضي كانسلاخ الجلد عما يحويه، شبه خروج المتزمن عن زمانه بانفصال المتمكن عن مكانه، وأصله الانسلاخ الواقع بين الحيوان وجلده، فاستعير لانقضاء الأشهر، يقال : سلخت الشهر تسلخه سلخاً وسلوخاً بمعنى : خرجت منه، ومنه قول الشاعر :
إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله كفى قاتلاً سلخي الشهور وإهلالي
ويقال : سلخت المرأة درعها : نزعته، وفي التنزيل :﴿ وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار ﴾.
واختلف العلماء في تعيين الأشهر الحرم المذكورة هاهنا، فقيل : هي الأشهر الحرم المعروفة التي هي : ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرّم، ورجب : ثلاثة سرد، وواحد فرد. ومعنى الآية على هذا وجوب الإمساك عن قتال من لا عهد له من المشركين في هذه الأشهر الحرم. وقد وقع النداء والنبذ إلى المشركين بعهدهم يوم النحر، فكان الباقي من الأشهر الحرم التي هي الثلاثة المسرودة، خمسين يوماً تنقضي بانقضاء شهر المحرم، فأمرهم الله بقتل المشركين حيث يوجدون، وبه قال جماعة من أهل العلم منهم الضحاك والباقر.
وروي عن ابن عباس، واختاره ابن جرير. وقيل : المراد بها : شهور العهد المشار إليها بقوله :﴿ فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ ﴾ وسميت حرماً، لأن الله سبحانه حرّم على المسلمين فيها دماء المشركين والتعرّض لهم، وإلى هذا ذهب جماعة من أهل العلم منهم : مجاهد، وابن إسحاق، وابن زيد، وعمرو بن شعيب. وقيل : هي الأشهر المذكورة في قوله :﴿ فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾. وقد روي ذلك عن ابن عباس وجماعة، ورجحه ابن كثير، وحكاه عن مجاهد، وعمرو بن شعيب، ومحمد بن إسحاق، وقتادة، والسديّ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وسيأتي بيان حكم القتال في الأشهر الحرم الدائرة في كل سنة في هذه السورة إن شاء الله. ومعنى :﴿ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ : في أيّ مكان وجدتموهم من حلّ أو حرم. ومعنى :﴿ خذوهم ﴾ : الأسر، فإن الأخيذ هو الأسير. ومعنى الحصر : منعهم من التصرّف في بلاد المسلمين إلا بإذن منهم، والمرصد : الموضع الذي يرقب فيه العدوّ، يقال : رصدت فلاناً أرصده، أي رقبته، أي اقعدوا لهم في المواضع التي ترتقبونهم فيها. قال عامر بن الطفيل :
ولقد علمت وما إخالك عالما أن المنية للفتى بالمرصد
وقال النابغة :
أعاذل إن الجهل من لذة الفتى وإن المنايا للنفوس بمرصد
وكل في ﴿ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ : منتصب على الظرفية وهو اختيار الزجاج، وقيل : هو منتصب بنزع الخافض : أي في كل مرصد، وخطأ أبو عليّ الفارسي الزجاج في جعله ظرفاً. وهذه الآية المتضمنة للأمر بقتل المشركين عند انسلاخ الأشهر الحرم عامة لكل مشرك، لا يخرج عنها إلا من خصته السنة، وهو : المرأة، والصبيّ، والعاجز الذي لا يقاتل، وكذلك يخصص منها أهل الكتاب الذين يعطون الجزية على فرض تناول لفظ المشركين لهم، وهذه الآية نسخت كل آية فيها ذكر الإعراض عن المشركين والصبر على أذاهم. وقال الضحاك وعطاء والسديّ : هي منسوخة بقوله :﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء ﴾. وأن الأسير لا يقتل صبراً بل يمن عليه أو يفادى. وقال مجاهد وقتادة : بل هي ناسخة لقوله :﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء ﴾، وأنه لا يجوز في الأسارى من المشركين إلا القتل. وقال ابن زيد : الآيتان محكمتان. قال القرطبي : وهو الصحيح ؛ لأن المنّ والقتل والفداء لم تزل من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم من أوّل حرب جاء بهم وهو يوم بدر. قوله :﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة ﴾ أي : تابوا عن الشرك الذي هو سبب القتل، وحققوا التوبة بفعل ما هو من أعظم أركان الإسلام، وهو إقامة الصلاة، وهذا الركن اكتفى به عن ذكر ما يتعلق بالأبدان من العبادات، لكونه رأسها، واكتفى بالركن الآخر المالي، وهو إيتاء الزكاة عن كل ما يتعلق بالأموال من العبادات، لأنه أعظمها ﴿ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ أي : اتركوهم وشأنهم، فلا تأسروهم، ولا تحصروهم، ولا تقتلوهم ﴿ إن الله غَفُورٌ ﴾ لهم ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ بهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم ﴾ قال : هم قريش. وأخرج أيضاً عن قتادة قال : هم مشركو قريش الذين عاهدهم نبيّ الله زمن الحديبية، وكان بقي من مدّتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر، فأمر نبيه أن يوفي بعهدهم هذا إلى مدّتهم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن محمد بن عباد بن جعفر، في قوله :﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم ﴾ قال : هم بنو جذيمة بن عامر من بني بكر بن كنانة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله :﴿ فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ ﴾ قال : كان بقي لبني مذحج وخزاعة عهد، فهو الذي قال الله :﴿ فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ ﴾. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ، في قوله :﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم مّنَ المشركين ﴾ قال : هؤلاء بنو ضمرة، وبنو مدلج، من بني كنانة كانوا حلفاء للنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة [ العُشَيْرة ] من بطن ينبع ﴿ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً ﴾ ثم لم ينقصوا عهدكم بغدر ﴿ وَلَمْ يظاهروا عَلَيْكُمْ أَحَداً ﴾ قال : لم يظاهروا عدوّكم عليكم ﴿ فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ ﴾ يقول : أجلهم الذي شرطتم لهم ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين ﴾ يقول : الذين يتقون الله فيما حرّم عليهم، فيوفون بالعهد. قال : فلم يعاهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد هؤلاء الآيات أحداً.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله :﴿ فَإِنَّهُ انسلخ الأشهر الحرم ﴾ قال : هي الأربعة : عشرون من ذي الحجة والمحرّم، وصفر، وشهر ربيع الأوّل، وعشر من ربيع الآخر. قلت : مراد السديّ أن هذه الأشهر تسمى حرماً لكون تأمين المعاهدين فيها يستلزم تحريم القتال، لا أنها الأشهر الحرم المعروفة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك، في الآية قال : هي عشر من ذي القعدة، وذو الحجة، والمحرم، سبعون ليلة. وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد قال : هي الأربعة الأشهر التي قال :﴿ فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾. وأخرج ابن المنذر، عن قتادة، نحو قول السديّ السابق. وأخرج أبو داود في ناسخه، عن ابن عباس، في قوله :﴿ فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ ثم نسخ واستثنى. فقال :﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة فَخَلُّواْ سَبِيلَهُم ﴾، وقال :﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله ﴾.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله :﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ ﴾ يقول : من جاءك واستمع ما تقول. واستمع ما أنزل إليك، فهو آمن حين يأتيك فيسمع كلام الله حتى يبلغ مأمنه من حيث جاء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله :﴿ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾ قال : إن لم يوافقه ما يقصّ عليه ويخبر به فأبلغه مأمنه، وهذا ليس بمنسوخ. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة في قوله :﴿ حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله ﴾ أي : كتاب الله. وأخرج أبو الشيخ، عن سعيد بن أبي عروبة، قال : كان الرجل يجيء إذا سمع كتاب الله، وأقرّ به، وأسلم، فذاك الذي دُعي إليه، وإن أنكر ولم يقرّ به، ردّ إلى مأمنه، ثم نسخ ذلك، فقال :﴿ وَقَاتِلُواْ المشركين كَافَّةً كَمَا يقاتلونكم كَافَّةً ﴾.

قوله :﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ ﴾، يقال : استجرت فلاناً، أي طلبت أن يكون جاراً : أي محامياً ومحافظاً من أن يظلمني ظالم، أو يتعرّض لي متعرّض. و ﴿ أحد ﴾ مرتفع بفعل مقدّر يفسره المذكور بعده : أي وإن استجارك أحد استجارك، وكرهوا الجمع بين المفسر والمفسر. والمعنى : وإن استجارك أحد من المشركين الذين أمرت بقتالهم فأجره : أي كن جاراً له مؤمناً محامياً ﴿ حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله ﴾ منك ويتدبره حق تدبره، ويقف على حقيقة ما تدعو إليه :﴿ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾ أي : إلى الدار التي يأمن فيها بعد أن يسمع كلام الله إن لم يسلم، ثم بعد أن تبلغه مأمنه قاتله فقد خرج من جوارك ورجع إلى ما كان عليه من إباحة دمه، ووجوب قتله حيث يوجد، والإشارة بقوله :﴿ ذلك ﴾ إلى ما تقدّم من الأمر بالإجارة، وما بعده ﴿ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ ﴾ أي : بسبب فقدانهم للعلم النافع المميز بين الخير والشر في الحال والمآل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم ﴾ قال : هم قريش. وأخرج أيضاً عن قتادة قال : هم مشركو قريش الذين عاهدهم نبيّ الله زمن الحديبية، وكان بقي من مدّتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر، فأمر نبيه أن يوفي بعهدهم هذا إلى مدّتهم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن محمد بن عباد بن جعفر، في قوله :﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم ﴾ قال : هم بنو جذيمة بن عامر من بني بكر بن كنانة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله :﴿ فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ ﴾ قال : كان بقي لبني مذحج وخزاعة عهد، فهو الذي قال الله :﴿ فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ ﴾. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ، في قوله :﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم مّنَ المشركين ﴾ قال : هؤلاء بنو ضمرة، وبنو مدلج، من بني كنانة كانوا حلفاء للنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة [ العُشَيْرة ] من بطن ينبع ﴿ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً ﴾ ثم لم ينقصوا عهدكم بغدر ﴿ وَلَمْ يظاهروا عَلَيْكُمْ أَحَداً ﴾ قال : لم يظاهروا عدوّكم عليكم ﴿ فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ ﴾ يقول : أجلهم الذي شرطتم لهم ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين ﴾ يقول : الذين يتقون الله فيما حرّم عليهم، فيوفون بالعهد. قال : فلم يعاهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد هؤلاء الآيات أحداً.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله :﴿ فَإِنَّهُ انسلخ الأشهر الحرم ﴾ قال : هي الأربعة : عشرون من ذي الحجة والمحرّم، وصفر، وشهر ربيع الأوّل، وعشر من ربيع الآخر. قلت : مراد السديّ أن هذه الأشهر تسمى حرماً لكون تأمين المعاهدين فيها يستلزم تحريم القتال، لا أنها الأشهر الحرم المعروفة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك، في الآية قال : هي عشر من ذي القعدة، وذو الحجة، والمحرم، سبعون ليلة. وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد قال : هي الأربعة الأشهر التي قال :﴿ فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾. وأخرج ابن المنذر، عن قتادة، نحو قول السديّ السابق. وأخرج أبو داود في ناسخه، عن ابن عباس، في قوله :﴿ فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ ثم نسخ واستثنى. فقال :﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة فَخَلُّواْ سَبِيلَهُم ﴾، وقال :﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله ﴾.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله :﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ ﴾ يقول : من جاءك واستمع ما تقول. واستمع ما أنزل إليك، فهو آمن حين يأتيك فيسمع كلام الله حتى يبلغ مأمنه من حيث جاء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله :﴿ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾ قال : إن لم يوافقه ما يقصّ عليه ويخبر به فأبلغه مأمنه، وهذا ليس بمنسوخ. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة في قوله :﴿ حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله ﴾ أي : كتاب الله. وأخرج أبو الشيخ، عن سعيد بن أبي عروبة، قال : كان الرجل يجيء إذا سمع كتاب الله، وأقرّ به، وأسلم، فذاك الذي دُعي إليه، وإن أنكر ولم يقرّ به، ردّ إلى مأمنه، ثم نسخ ذلك، فقال :﴿ وَقَاتِلُواْ المشركين كَافَّةً كَمَا يقاتلونكم كَافَّةً ﴾.

فَذَاكَ الَّذِي دُعِيَ إِلَيْهِ، وَإِنْ أَنْكَرَ وَلَمْ يقرّ به ردّ إلى مَأْمَنَهُ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٧ الى ١١]
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (٨) اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)
قَوْلُهُ: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ الِاسْتِفْهَامُ هُنَا لِلتَّعَجُّبِ الْمُتَضَمِّنِ لِلْإِنْكَارِ، وَعَهْدٌ: اسْمُ يَكُونُ. وَفِي خَبَرِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ كيف، وقدم الاستفهام والثاني للمشركين، وعِنْدَ على هذين: ظرف للعهد، أو ليكون، أَوْ صِفَةٌ لِلْعَهْدِ وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْخَبَرَ عِنْدَ اللَّهِ، وَفِي الْآيَةِ إِضْمَارٌ. وَالْمَعْنَى: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ يَأْمَنُونَ بِهِ مِنْ عَذَابِهِ وَقِيلَ: مَعْنَى الْآيَةِ: مُحَالٌ أَنْ يَثْبُتَ لِهَؤُلَاءِ عَهْدٌ، وَهُمْ أَضْدَادٌ لَكُمْ، مُضْمِرُونَ لِلْغَدْرِ، فَلَا يَطْمَعُوا فِي ذَلِكَ، وَلَا يُحَدِّثُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ، فَقَالَ: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَيْ: لَكِنَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلَمْ يَنْقَضُوا، وَلَمْ يَنْكُثُوا، فَلَا تُقَاتِلُوهُمْ، فَمَا دَامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَكُمْ عَلَى الْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ قِيلَ: هُمْ بَنُو بَكْرٍ، وَقِيلَ: بَنُو كِنَانَةَ، وَبَنُو ضَمْرَةَ، وَفِي «مَا» وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مَصْدَرِيَّةٌ زَمَانِيَّةٌ، وَالثَّانِي: أَنَّهَا شَرْطِيَّةٌ، وَفِي قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ وَالِاسْتِقَامَةَ عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِ الْمُتَّقِينَ، فَيَكُونُ تَعْلِيلًا لِلْأَمْرِ بِالِاسْتِقَامَةِ. قَوْلُهُ: كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ أَعَادَ الِاسْتِفْهَامَ التَّعَجِيبِيَّ لِلتَّأْكِيدِ وَالتَّقْرِيرِ، وَالتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَكُونُ لَهُمْ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ؟
وَالْحَالُ أَنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ بِالْغَلَبَةِ لَكُمْ لَا يَرْقُبُوا أَيْ: لَا يُرَاعُوا فِيكُمْ إِلًّا أَيْ: عَهْدًا وَلا ذِمَّةً. قَالَ فِي الصِّحَاحِ: الْإِلُّ الْعَهْدُ وَالْقَرَابَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُ حَسَّانُ:
لَعَمْرُكَ أَنَّ إِلَّكَ مِنْ قُرَيْشٍ كَإِلِّ السَّقْبِ من رأل النَّعَامِ
قَالَ الزَّجَّاجُ: الْإِلُّ عِنْدِي عَلَى مَا تُوجِبُهُ اللُّغَةُ يَدُورُ عَلَى مَعْنَى الْحِدَّةِ، وَمِنْهُ الْإِلَّةُ لِلْحَرْبَةِ، وَمِنْهُ: أُذُنٌ مُؤَلَّلَةٌ: أَيْ: مُحَدَّدَةٌ، وَمِنْهُ: قَوْلُ طَرْفَةَ بْنِ الْعَبْدِ يَصِفُ أُذُنَيْ ناقته بالحدة والانتصاب:
مؤلّلتان يعرف العتق «١» فيهما كسامعتي شاة بحومل مفرد
(١). العتق: الكرم والجمال والنجابة والشرف.
387
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْإِلُّ الْعَهْدُ، وَالذِّمَّةُ وَالنَّدِيمُ. وقال الأزهري: هُوَ اسْمٌ لِلَّهِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْأَلِيلِ، وَهُوَ الْبَرِيقُ، يُقَالُ: أَلَّ لَوْنُهُ يَؤُلُّ إِلًّا أَيْ صَفَا وَلَمَعَ، وَالذِّمَّةُ: الْعَهْدُ، وَجَمْعُهَا ذِمَمٌ، فَمَنْ فَسَّرَ الْإِلَّ بِالْعَهْدِ كَانَ التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ مَعَ اخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الذِّمَّةُ: التذمم. وقال أبو عبيد: الذِّمَّةُ: الْأَمَانُ كَمَا فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ». وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا أَنَّ الذِّمَّةَ مَا يُتَذَمَّمُ بِهِ، أَيْ: مَا يُجْتَنَبُ فِيهِ الذَّمُّ. قَوْلُهُ: يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ أَيْ: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا فِيهِ مُجَامَلَةٌ وَمُحَاسَنَةٌ لَكُمْ طَلَبًا لِمَرْضَاتِكُمْ وَتَطْيِيبَ قُلُوبِكُمْ، وَقُلُوبُهُمْ تَأْبَى ذَلِكَ وَتُخَالِفُهُ وَتَوَدُّ مَا فِيهِ مَسَاءَتُكُمْ وَمَضَرَّتُكُمْ، كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ النِّفَاقِ وَذَوُو الْوَجْهَيْنِ ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالْفِسْقِ، وَهُوَ التَّمَرُّدُ وَالتَّجَرِّي، وَالْخُرُوجُ عَنِ الْحَقِّ لِنَقْضِهِمُ الْعُهُودَ، وَعَدَمِ مُرَاعَاتِهِمْ لِلْعُقُودِ، ثُمَّ وَصَفَهُمْ بِقَوْلِهِ: اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أَيِ: اسْتَبْدَلُوا بِآيَاتِ الْقُرْآنِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا مَا فِيهِ الْأَمْرُ بِالْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ ثَمَنًا قَلِيلًا حَقِيرًا وَهُوَ مَا آثَرُوهُ مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ أَيْ: فَعَدَلُوا وَأَعْرَضُوا عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ، أَوْ صَرَفُوا غيرهم عنه. قوله: لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً قَالَ النَّحَّاسُ: لَيْسَ هَذَا تَكْرِيرًا، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ: لِجَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ، وَالثَّانِيَ: لِلْيَهُودِ خَاصَّةً، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا يَعْنِي: الْيَهُودَ، وَقِيلَ: هَذَا فِيهِ مُرَاعَاةٌ لِحُقُوقِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَفِي الْأَوَّلِ الْمُرَاعَاةُ لِحُقُوقِ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ أَيِ: الْمُجَاوَزُونَ لِلْحَلَالِ إِلَى الْحَرَامِ بِنَقْضِ الْعَهْدِ، أَوِ الْبَالِغُونَ فِي الشَّرِّ وَالتَّمَرُّدِ إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى فَإِنْ تابُوا عَنِ الشِّرْكِ وَالْتَزَمُوا أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ فَإِخْوانُكُمْ أَيْ: فَهُمْ إِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ أَيْ: فِي دِينِ الْإِسْلَامِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ أَيْ: نُبَيِّنُهَا، وَنُوَضِّحُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْأَحْكَامِ وَيَفْهَمُونَهُ، وَخَصَّ أَهْلَ الْعِلْمِ لِأَنَّهُمُ الْمُنْتَفِعُونَ بِهَا، وَالْمُرَادُ بِالْآيَاتِ: مَا مَرَّ مِنَ الْآيَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَحْوَالِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِمْ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ قَالَ: قُرَيْشٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُقَاتِلٍ قَالَ:
كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاهَدَ أُنَاسًا مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ بَنِي بَكْرٍ وَكِنَانَةَ خَاصَّةً، عَاهَدَهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَجَعَلَ مُدَّتَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ يَقُولُ: مَا وَفُّوا لَكُمْ بِالْعَهْدِ ففوا لَهُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: هُمْ بَنُو جَذِيمَةَ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ قَالَ: هُوَ يَوْمُ الْحُدَيْبِيَةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: إِلًّا وَلا ذِمَّةً قَالَ: الْإِلُّ: الْقَرَابَةُ، وَالذِّمَّةُ: الْعَهْدُ. وَأَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْإِلُّ: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عن مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا قَالَ:
أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ أَطْعَمَ حُلَفَاءَهُ وَتَرَكَ حُلَفَاءَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: فَإِنْ تابُوا الْآيَةَ يَقُولُ: إِنْ تَرَكُوا اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَشَهِدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ
388
قوله :﴿ كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ﴾ أعاد الاستفهام التعجيبي للتأكيد والتقرير، والتقدير : كيف يكون لهم عهد عند الله وعند رسوله ؟ والحال أنهم إن يظهروا عليكم بالغلبة لكم ﴿ لاَ يَرْقُبُواْ ﴾ أي : لا يراعوا فيكم ﴿ إِلا ﴾ : أي عهداً ﴿ وَلاَ ذِمَّةً ﴾. قال في الصحاح : الإلّ العهد والقرابة : ومنه قول حسان :
لعمرك أن إلك من قريش كإلّ السقب من رئل النعام
قال الزجاج : الإلّ عندي على ما توجبه اللغة يدور على معنى الحدة، ومنه الإلة للحربة، ومنه أذن مؤلفة : أي محددة، ومنه قوله طرفة بن العبد يصف أذني ناقته بالحدة والانتصاب :
مؤلتان يعرف العنق منهما. . . كسامعتي شاة بحومل مفرد
قال أبو عبيدة : الإلّ العهد، والذمة والنديم. وقال الأزهري : هو اسم لله بالعبرانية، وأصله من الأليل، وهو البريق، يقال ألّ لونه يوّلّ إلا : أي صفا ولمع، والذمة العهد، وجمعها ذمم، فمن فسر الإلّ بالعهد كان التكرير للتأكيد مع اختلاف اللفظين. وقال أبو عبيدة : الذمة : التذمم. وقال أبو عبيدة : الذمة : الأمان، كما في قوله صلى الله عليه وسلم :" ويسعى بذمتهم أدناهم " وروي عن أبي عبيدة أيضاً أن الذمة ما يتذمم به : أي ما يجتنب فيه الذمّ. قوله :﴿ يُرْضُونَكُم بأفواههم ﴾ أي : يقولون بألسنتهم ما فيه مجاملة ومحاسنة لكم، طلباً [ لمرضاتكم ] وتطييب قلوبكم، وقلوبهم تأبى ذلك وتخالفه، وتودّ ما فيه مساءتكم ومضرتكم، كما يفعله أهل النفاق وذوو الوجهين، ثم حكم عليهم بالفسق، وهو التمرّد والتجري، والخروج عن الحق لنقضهم العهود، وعدم مراعاتهم للعقود.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:
وقد أخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله :﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم عِندَ المسجد الحرام ﴾ قال : قريش. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مقاتل قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم عاهد أناساً من بني ضمرة بن بكر وكنانة خاصة، عاهدهم عند المسجد الحرام، وجعل مدتهم أربعة أشهر، وهم الذين ذكر الله ﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم عِندَ المسجد الحرام فَمَا استقاموا لَكُمْ فاستقيموا لَهُمْ ﴾ يقول : ما وفوا لكم بالعهد ففوا لهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ قال : هم بنو جذيمة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم عِندَ المسجد الحرام ﴾ قال : هو يوم الحديبية.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله :﴿ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ قال : الإلّ : القرابة، والذمة : العهد. وأخرج الفريابي، وأبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد قال : الإلّ الله عزّ وجلّ. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن عكرمة مثله.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله ﴿ اشتروا بآيات الله ثَمَنًا قَلِيلاً ﴾ قال : أبو سفيان بن حرب أطعم حلفاءه وترك حلفاء محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله :﴿ فإن تابوا ﴾ الآية يقول : إن تركوا اللات والعزّى، وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإخوانكم في الدين. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال : حرّمت هذه الآية قتال أو دماء أهل الصلاة.

ثم وصفهم بقوله :﴿ اشتروا بآيات الله ثَمَنًا قَلِيلاً ﴾ أي : استبدلوا بآيات القرآن التي من جملتها ما فيه الأمر بالوفاء بالعهود ثمناً قليلاً حقيراً، وهو ما آثروه من حطام الدنيا ﴿ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ أي : فعدلوا وأعرضوا عن سبيل الحق، أو صرفوا غيرهم عنه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:
وقد أخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله :﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم عِندَ المسجد الحرام ﴾ قال : قريش. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مقاتل قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم عاهد أناساً من بني ضمرة بن بكر وكنانة خاصة، عاهدهم عند المسجد الحرام، وجعل مدتهم أربعة أشهر، وهم الذين ذكر الله ﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم عِندَ المسجد الحرام فَمَا استقاموا لَكُمْ فاستقيموا لَهُمْ ﴾ يقول : ما وفوا لكم بالعهد ففوا لهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ قال : هم بنو جذيمة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم عِندَ المسجد الحرام ﴾ قال : هو يوم الحديبية.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله :﴿ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ قال : الإلّ : القرابة، والذمة : العهد. وأخرج الفريابي، وأبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد قال : الإلّ الله عزّ وجلّ. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن عكرمة مثله.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله ﴿ اشتروا بآيات الله ثَمَنًا قَلِيلاً ﴾ قال : أبو سفيان بن حرب أطعم حلفاءه وترك حلفاء محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله :﴿ فإن تابوا ﴾ الآية يقول : إن تركوا اللات والعزّى، وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإخوانكم في الدين. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال : حرّمت هذه الآية قتال أو دماء أهل الصلاة.

قوله :﴿ لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ قال النحاس : ليس هذا تكريراً، ولكن الأوّل : لجميع المشركين، والثاني : لليهود خاصة، والدليل على هذا ﴿ اشتروا بآيات الله ثَمَنًا قَلِيلاً ﴾ يعني : اليهود، وقيل : هذا فيه مراعاة لحقوق المؤمنين على الإطلاق، وفي الأوّل : المراعاة لحقوق طائفة من المؤمنين خاصة ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المعتدون ﴾ أي : المجاوزون للحلال إلى الحرام بنقض العهد، أو البالغون في الشرّ والتمرد إلى الغاية القصوى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:
وقد أخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله :﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم عِندَ المسجد الحرام ﴾ قال : قريش. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مقاتل قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم عاهد أناساً من بني ضمرة بن بكر وكنانة خاصة، عاهدهم عند المسجد الحرام، وجعل مدتهم أربعة أشهر، وهم الذين ذكر الله ﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم عِندَ المسجد الحرام فَمَا استقاموا لَكُمْ فاستقيموا لَهُمْ ﴾ يقول : ما وفوا لكم بالعهد ففوا لهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ قال : هم بنو جذيمة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم عِندَ المسجد الحرام ﴾ قال : هو يوم الحديبية.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله :﴿ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ قال : الإلّ : القرابة، والذمة : العهد. وأخرج الفريابي، وأبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد قال : الإلّ الله عزّ وجلّ. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن عكرمة مثله.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله ﴿ اشتروا بآيات الله ثَمَنًا قَلِيلاً ﴾ قال : أبو سفيان بن حرب أطعم حلفاءه وترك حلفاء محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله :﴿ فإن تابوا ﴾ الآية يقول : إن تركوا اللات والعزّى، وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإخوانكم في الدين. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال : حرّمت هذه الآية قتال أو دماء أهل الصلاة.

﴿ فَإِن تَابُواْ ﴾ عن الشرك والتزموا أحكام الإسلام، ﴿ فَإِخوَانُكُمْ ﴾ أي : فهم إخوانكم ﴿ فِي الدين ﴾ أي في دين الإسلام ﴿ وَنُفَصّلُ الآيات ﴾ أي : نبينها ونوضحها ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ بما فيها من الأحكام ويفهمونه، وخص أهل العلم لأنهم المنتفعون بها، والمراد بالآيات ما مرّ من الآيات المتعلقة بأحوال المشركين على اختلاف أنواعهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:
وقد أخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله :﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم عِندَ المسجد الحرام ﴾ قال : قريش. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مقاتل قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم عاهد أناساً من بني ضمرة بن بكر وكنانة خاصة، عاهدهم عند المسجد الحرام، وجعل مدتهم أربعة أشهر، وهم الذين ذكر الله ﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم عِندَ المسجد الحرام فَمَا استقاموا لَكُمْ فاستقيموا لَهُمْ ﴾ يقول : ما وفوا لكم بالعهد ففوا لهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ قال : هم بنو جذيمة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم عِندَ المسجد الحرام ﴾ قال : هو يوم الحديبية.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله :﴿ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ قال : الإلّ : القرابة، والذمة : العهد. وأخرج الفريابي، وأبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد قال : الإلّ الله عزّ وجلّ. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن عكرمة مثله.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله ﴿ اشتروا بآيات الله ثَمَنًا قَلِيلاً ﴾ قال : أبو سفيان بن حرب أطعم حلفاءه وترك حلفاء محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله :﴿ فإن تابوا ﴾ الآية يقول : إن تركوا اللات والعزّى، وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإخوانكم في الدين. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال : حرّمت هذه الآية قتال أو دماء أهل الصلاة.

اللَّهِ فَإِخْوَانَكُمْ فِي الدِّينِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَرَّمَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قِتَالَ أَوْ دِمَاءَ أَهْلِ الصَّلَاةِ.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ١٢ الى ١٦]
وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦)
قَوْلُهُ: وَإِنْ نَكَثُوا مَعْطُوفٌ عَلَى فَإِنْ تابُوا وَالنَّكْثُ: النَّقْضُ، وَأَصْلُهُ: نَقْضُ الْخَيْطِ بَعْدَ إِبْرَامِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ نَقْضٍ، وَمِنْهُ نَقْضُ الْأَيْمَانِ وَالْعُهُودِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ. وَمَعْنَى مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ أَيْ: مِنْ بَعْدِ أَنْ عَاهَدُوكُمْ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْكُفَّارَ إِنْ نَكَثُوا الْعُهُودَ الَّتِي عَاهَدُوا بِهَا الْمُسْلِمِينَ، وَوَثَّقُوا لَهُمْ بِهَا، وَضَمُّوا إِلَى ذَلِكَ الطَّعْنَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، وَالْقَدْحَ فِيهِ، فَقَدْ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ. وَأَئِمَّةُ الْكُفْرِ:
جَمَعَ إِمَامٍ، وَالْمُرَادُ صَنَادِيدُ الْمُشْرِكِينَ، وَأَهْلُ الرِّئَاسَةِ فِيهِمْ عَلَى الْعُمُومِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ أَإِمَةَ، وَأَكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ هَذَا لَحْنٌ لِأَنَّ فِيهِ الْجَمْعَ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِجَعْلِ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنٍ، أَيْ:
بَيْنَ مَخْرَجِ الْهَمْزَةِ وَالْيَاءِ، وَقُرِئَ بِإِخْلَاصِ الْيَاءِ وَهُوَ لَحْنٌ كَمَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قَوْلُهُ: إِنَّهُمْ لَا أَيْمانَ لَهُمْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِمَا قَبْلَهَا، وَالْأَيْمَانُ: جَمْعُ يَمِينٍ فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «لَا إِيمَانَ لَهُمْ» بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَالْمَعْنَى عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ: أَنَّ أَيْمَانَ الْكَافِرِينَ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الصُّورَةِ يَمِينًا، فَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَتْ بِيَمِينٍ، وَعَلَى الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّ هَؤُلَاءِ النَّاكِثِينَ لِلْأَيْمَانِ الطَّاعِنِينَ فِي الدِّينِ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، حَتَّى يَسْتَحِقُّوا الْعِصْمَةَ لِدِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَقِتَالُهُمْ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. قَوْلُهُ: لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ أَيْ: عَنْ كُفْرِهِمْ وَنَكْثِهِمْ وَطَعْنِهِمْ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ قِتَالَهُمْ يَكُونُ إِلَى الْغَايَةِ هِيَ: الِانْتِهَاءُ عَنْ ذَلِكَ.
وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ إِذَا طَعَنَ فِي الدِّينِ، لَا يُقْتَلُ حَتَّى يَنْكُثَ الْعَهْدَ، كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: نَقْضُ الْعَهْدَ، وَالثَّانِي: الطَّعْنُ فِي الدِّينِ، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا: إِلَى أَنَّهُ إِذَا طَعَنَ فِي الدِّينِ قُتِلَ، لِأَنَّهُ يَنْتَقِضُ عَهْدَهُ بِذَلِكَ، قَالُوا: وَكَذَلِكَ إِذَا حَصَلَ مِنَ الذِّمِّيِّ مُجَرَّدُ النَّكْثِ فَقَطْ مِنْ دُونِ طَعْنٍ فِي الدِّينِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ. قَوْلُهُ: أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ الْهَمْزَةُ الدَّاخِلَةُ عَلَى حَرْفِ النَّفْيِ: لِلِاسْتِفْهَامِ التَّوْبِيخِيِّ مَعَ مَا يُسْتَفَادُ مِنْهَا مِنَ التَّحْضِيضِ عَلَى الْقِتَالِ، وَالْمُبَالَغَةِ فِي تَحَقُّقِهِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ كَانَ حَالُهُ كَحَالِ هَؤُلَاءِ مِنْ نَقْضِ الْعَهْدِ، وَإِخْرَاجِ الرَّسُولِ مِنْ مَكَّةَ، وَالْبَدَاءَةِ بِالْقِتَالِ، فَهُوَ حَقِيقٌ بِأَنْ لَا يُتْرَكَ قِتَالُهُ، وَأَنْ يُوَبَّخَ مَنْ فَرَّطَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ زَادَ فِي التَّوْبِيخِ فَقَالَ: أَتَخْشَوْنَهُمْ فَإِنَّ هَذَا
389
الِاسْتِفْهَامَ لِلتَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيعِ، أَيْ: تَخْشَوْنَ أَنْ يَنَالَكُمْ مِنْهُمْ مَكْرُوهٌ فَتَتْرُكُونَ قِتَالَهُمْ لِهَذِهِ الْخَشْيَةِ، ثُمَّ بَيْنَ مَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أَيْ: هُوَ أَحَقُّ بِالْخَشْيَةِ مِنْكُمْ، فَإِنَّهُ الضَّارُّ النَّافِعُ بِالْحَقِيقَةِ، وَمِنْ خَشْيَتِكُمْ لَهُ أَنْ تُقَاتِلُوا مَنْ أَمَرَكُمْ بِقِتَالِهِ، فَإِنَّ قَضِيَّةَ الْإِيمَانِ تُوجِبُ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ، ثُمَّ زَادَ فِي تَأْكِيدِ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ فَقَالَ: قاتِلُوهُمْ وَرَتَّبَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ فَوَائِدَ: الْأُولَى: تَعْذِيبُ اللَّهِ لِلْكَفَّارِ بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ بِالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ وَالثَّانِيَةُ: إِخْزَاؤُهُمْ، قِيلَ: بِالْأَسْرِ، وَقِيلَ: بِمَا نَزَلَ بِهِمْ مِنَ الذُّلِّ وَالْهَوَانِ وَالثَّالِثَةُ: نَصْرُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وَغَلَبَتُهُمْ لَهُمْ وَالرَّابِعَةُ: أَنَّ اللَّهَ يَشْفِي بِالْقِتَالِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدِ الْقِتَالَ وَلَا حَضَرَهُ وَالْخَامِسَةُ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُذْهِبُ بِالْقِتَالِ غَيْظَ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، الَّذِي نَالَهُمْ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ مِنَ الْكُفَّارِ مِنَ الْأُمُورِ الْجَالِبَةِ لِلْغَيْظِ، وَحَرَجِ الصَّدْرِ. فَإِنْ قِيلَ: شِفَاءُ الصُّدُورِ، وَإِذْهَابُ غَيْظِ الْقُلُوبِ كِلَاهُمَا بِمَعْنًى، فَيَكُونُ تِكْرَارًا. قِيلَ فِي الْجَوَابِ: إِنَّ الْقَلْبَ أَخَصُّ مِنَ الصَّدْرِ، وَقِيلَ: إِنَّ شِفَاءَ الصَّدْرِ إِشَارَةٌ إِلَى الْوَعْدِ بِالْفَتْحِ، وَلَا رَيْبَ أن الانتظار لإنجاز الْوَعْدِ مَعَ الثِّقَةِ بِهِ فِيهِمَا شِفَاءٌ لِلصَّدْرِ، وَأَنَّ إِذْهَابَ غَيْظِ الْقُلُوبِ إِشَارَةٌ إِلَى وُقُوعِ الْفَتْحِ، وَقَدْ وَقَعَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ هَذِهِ الْأُمُورُ كُلُّهَا، ثُمَّ قَالَ: وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَهُوَ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ يَتَضَمَّنُ الْإِخْبَارَ بِمَا سَيَكُونُ، وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ الْكَافِرِينَ يَتُوبُ عَنْ كُفْرِهِ، كَمَا وَقَعَ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَإِنَّهُمْ أَسْلَمُوا، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ، وَهَذَا عَلَى قِرَاءَةِ الرَّفْعِ فِي يَتُوبُ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ، وَقُرِئَ بِنَصْبِ يَتُوبَ بِإِضْمَارِ أَنْ، وَدُخُولُ التَّوْبَةِ فِي جُمْلَةِ مَا أُجِيبَ بِهِ الْأَمْرُ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى.
قَرَأَ بِذَلِكَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَعِيسَى الثَّقَفِيُّ وَالْأَعْرَجُ، فَإِنْ قِيلَ: كيف تقع التوبة جزاء للمقاتلة؟ وأجيب بأن الْقِتَالَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لَهَا، إِذَا كَانَتْ مِنْ جِهَةِ الْكُفَّارِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ مِنْ جِهَةِ الْمُسْلِمِينَ فَوَجْهُهُ أَنَّ النَّصْرَ وَالظَّفَرَ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ يَكُونُ سَبَبًا لِخُلُوصِ النِّيَّةِ، وَالتَّوْبَةِ عَنِ الذُّنُوبِ، قَوْلُهُ: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا أَمْ هَذِهِ هِيَ الْمُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنَى بَلْ، وَالْهَمْزَةُ وَالِاسْتِفْهَامُ لِلتَّوْبِيخِ، وَحَرْفُ الْإِضْرَابِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ كَلَامٍ إِلَى آخَرَ، وَالْمَعْنَى: كَيْفَ يَقَعُ الْحُسْبَانُ مِنْكُمْ بِأَنْ تُتْرَكُوا عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: أَنْ تُتْرَكُوا فِي مَوْضِعِ مَفْعُولَيِ الْحُسْبَانَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: إِنَّهُ حُذِفَ الثَّانِي، وَالتَّقْدِيرُ: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا مِنْ غَيْرِ أَنْ تُبْتَلَوْا بِمَا يَظْهَرُ بِهِ الْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ الظُّهُورَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ، وَجُمْلَةُ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَالْمُرَادُ مِنْ نَفْيِ الْعِلْمِ نَفْيِ الْمَعْلُومِ، وَالْمَعْنَى كَيْفَ تَحْسَبُونَ أَنَّكُمْ تُتْرَكُونَ وَلَمَّا يَتَبَيَّنِ الْمُخْلِصُ مِنْكُمْ فِي جِهَادِهِ مِنْ غَيْرِ الْمُخْلِصِ، وَجُمْلَةُ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مَعْطُوفَةٌ عَلَى جَاهَدُوا دَاخِلَةٌ مَعَهُ فِي حُكْمِ النَّفْيِ، وَاقِعَةٌ فِي حَيِّزِ الصِّلَةِ، وَالْوَلِيجَةُ مِنَ الْوُلُوجِ: وَهُوَ الدُّخُولُ، وَلَجَ يَلِجُ وُلُوجًا:
إذ دَخَلَ، فَالْوَلِيجَةُ: الدَّخِيلَةُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَيْءٍ أَدْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ وليجة. قال أبان بن تغلب:
فَبِئْسَ الْوَلِيجَةُ لِلْهَارِبِي نَ وَالْمُعْتَدِينَ وَأَهْلِ الرَّيْبِ
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْوَلِيجَةُ: الْبِطَانَةُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ أَيْ: كَيْفَ تَتَّخِذُونَ دَخِيلَةً، أَوْ بِطَانَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ تُفْشُونَ إِلَيْهِمْ بِأَسْرَارِكُمْ، وَتُعْلِمُونَهُمْ أُمُورَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ أَيْ: بِجَمِيعِ أَعْمَالِكُمْ.
390
وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ قَالَ: عَهْدَهُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْآيَةِ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ وَإِنْ نَكَثُوا الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فَقَاتِلْهُمْ إِنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ قَالَ: أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَأُمِّيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَعَتَبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو جَهِلِ بْنُ هِشَامٍ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَهُمُ الَّذِينَ نَكَثُوا عَهْدَ اللَّهِ، وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ مِنْ مَكَّةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ مالك ابن أَنَسٍ مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ قَالَ: رُؤُوسُ قُرَيْشٍ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ مِنْهُمْ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُمُ الدَّيْلَمُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عن حذيفة أنهم ذكروا عنده هذه الآية فقال: مَا قُوتِلَ أَهْلُ هَذِهِ الْآيَةِ بَعْدُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْبُخَارِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: مَا بَقِيَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ، وَلَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ إِلَّا أَرْبَعَةٌ، فقال أعرابيّ: إنكم أصحاب محمد تخبروننا بأمور ولا ندري ما هي فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا ويسرقون أَعْلَاقَنَا «١»، قَالَ: أُولَئِكَ الْفُسَّاقُ، أَجَلْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا أَرْبَعَةٌ، أَحَدُهُمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَوْ شَرِبَ الْمَاءَ الْبَارِدَ لَمَا وَجَدَ بَرْدَهُ، وَالْأَوْلَى أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ رُؤَسَاءِ الْكُفَّارِ من غير تقييد بزمن معني أَوْ بِطَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ اعْتِبَارًا بِعُمُومِ اللَّفْظُ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَمِمَّا يُفِيدُ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن ابن جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أَنَّهُ كَانَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ إِلَى النَّاسِ حِينَ وَجَّهَهُمْ إِلَى الشَّامِ قَالَ: إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ قَوْمًا مُجَوَّفَةً رؤوسهم، فاضربوا مقاعد الشّيطان منهم بالسيوف، فو الله لَأَنْ أَقْتُلَ رَجُلًا مِنْهُمْ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَ سَبْعِينَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ حُذَيْفَةَ لَا أَيْمانَ لَهُمْ قَالَ: لَا عُهُودَ لَهُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَمَّارٍ مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ قَالَ: قِتَالُ قُرَيْشٍ حُلَفَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَمُّهُمْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ، زَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ عَامَ عُمْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَامِ التَّابِعِ لِلْحُدَيْبِيَةِ «٢»، نَكَثَتْ قُرَيْشٌ الْعَهْدَ، عَهْدَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَجَعَلُوا فِي أَنْفُسِهِمْ إِذَا دَخَلُوا مَكَّةَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَذَلِكَ هَمُّهُمْ بِإِخْرَاجِهِ، فَلَمْ تُتَابِعْهُمْ خُزَاعَةُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ قَالَتْ قُرَيْشٌ لِخُزَاعَةَ: عَمَّيْتُمُونَا عَنْ إِخْرَاجِهِ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ رِجَالًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ:
نَزَلَتْ فِي خُزَاعَةَ قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَهُ أَيْضًا، وَقَدْ سَاقَ الْقِصَّةَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي سِيرَتِهِ، وَأَوْرَدَ فِيهَا النَّظْمَ الَّذِي أَرْسَلَتْهُ خُزَاعَةُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلّم وأوّله:
(١). قال في القاموس: العلق: النفيس من كل شيء.
(٢). أي في العام السابع للهجرة حيث أدى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عمرة القضاء.
391
قوله :﴿ أَلاَ تقاتلون قَوْماً نَّكَثُواْ أيمانهم ﴾ الهمزة الداخلة على حرف النفي للاستفهام التوبيخي، مع ما يستفاد منها من التحضيض على القتال والمبالغة في تحققه، والمعنى : أن من كان حاله كحال هؤلاء من نقض العهد وإخراج الرسول من مكة والبداءة بالقتال، فهو حقيق بأن لا يترك قتاله، وأن يوبخ من فرط في ذلك، ثم زاد في التوبيخ فقال :﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ ﴾ فإن هذا الاستفهام للتوبيخ والتقريع : أي تخشون أن ينالهم منهم مكروه فتتركون قتالهم لهذه الخشية، ثم بين ما يجب أن يكون الأمر عليه، فقال :﴿ فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ ﴾ أي : هو أحق بالخشية منكم، فإنه الضارّ النافع بالحقيقة، ومن خشيتكم له أن تقاتلوا من أمركم بقتاله، فإن قضية الإيمان توجب ذلك عليكم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:
وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن مجاهد، في قوله :﴿ وَإِن نَّكَثُواْ أيمانهم ﴾ قال : عهدهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في الآية قال : يقول الله لنبيه وإن نكثوا العهد الذي بينك وبينهم، فقاتلهم إنهم أئمة الكفر. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله :﴿ أئمة الكفر ﴾ قال : أبو سفيان بن حرب، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هاشم، وسهيل بن عمرو، وهم الذين نكثوا عهد الله وهموا بإخراج الرسول من مكة. وأخرج ابن عساكر، عن مالك بن أنس مثله. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس ﴿ فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر ﴾ قال : رؤوس قريش. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عمر قال : أبو سفيان بن حرب منهم. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن أنهم الديلم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن حذيفة أنهم ذكروا عند هذه الآية فقالوا : ما قوتل أهل هذه الآية بعد، وأخرج ابن مردويه، عن عليّ نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري، وابن مردويه، عن حذيفة قال : ما بقي من أهل هذه الآية إلا ثلاثة، ولا من المنافقين إلا أربعة، فقال أعرابيّ : إنكم أصحاب محمد تخبروننا لا ندري فما بال هؤلاء الذين ينقرون بيوتنا ويسترقون أعلاقنا، قال : أولئك الفساق، أجل لم يبق منهم إلا أربعة. أحدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده. والأولى : أن الآية عامة في كل رؤساء الكفار من غير تقييد بزمن معين أو بطائفة معينة اعتباراً بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومما يفيد ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، أنه كان في عهد أبي بكر الصديق إلى الناس حين وجههم إلى الشام قال : إنكم ستجدون قوماً مجوفة رؤوسهم، فاضربوا مقاعد الشيطان منهم بالسيوف، فوالله لأن أقتل رجلاً منهم أحبّ إليّ من أن أقتل سبعين من غيرهم، وذلك بأن الله يقول :﴿ فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر ﴾. وأخرج أبو الشيخ عن حذيفة ﴿ لا أيمان لهم ﴾ قال : لا عهود لهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عمار مثله.
وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿ أَلاَ تقاتلون قَوْماً نكَثُواْ أيمانهم ﴾ قال : قتال قريش حلفاء النبيّ صلى الله عليه وسلم وهمهم بإخراج الرسول. زعموا أن ذلك عام عمرة النبي صلى الله عليه وسلم في العام التابع للحديبية، نكثت قريش العهد عهد الحديبية، وجعلوا في أنفسهم إذا دخلوا مكة أن يخرجوا منها ؛ فذلك همهم بإخراجه، فلم تتابعهم خزاعة على ذلك فلما خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة، قالت قريش لخزاعة : عميتمونا عن إخراجه، فقاتلوهم، فقتلوا منهم رجالاً.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة قال : نزلت في خزاعة :﴿ قاتلوهم يُعَذّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ ﴾ الآية. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ نحوه. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة، نحوه أيضاً، وقد ساق القصة ابن إسحاق في سيرته، وأورد فيها النظم الذي أرسلته خزاعة إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأوّله :
يا رب إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا
وأخرج القصة البيهقي في الدلائل. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال : الوليجة : البطانة من غير دينهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، قال : وليجة أي : خيانة.

ثم زاد في تأكيد الأمر بالقتال فقال :﴿ قاتلوهم ﴾ ورتب على هذا الأمر فوائد :
الأولى : تعذيب الله للكفار بأيدي المؤمنين بالقتل والأسر.
والثانية : إخزاؤهم، قيل : بالأسر. وقيل : بما نزل بهم من الذلّ والهوان.
والثالثة : نصر المسلمين عليهم وغلبتهم لهم.
والرابعة : أن الله يشفي بالقتال صدور قوم مؤمنين ممن لم يشهد القتال ولا حضره.
والخامسة : أنه سبحانه يذهب بالقتال غيظ قلوب المؤمنين الذي نالهم بسبب ما وقع من الكفار من الأمور الجالبة للغيظ وحرج الصدر.
فإن قيل : شفاء الصدور وإذهاب غيظ القلوب كلاهما بمعنى فيكون تكراراً. قيل في الجواب : إن القلب أخص من الصدر. وقيل : إن شفاء الصدر إشارة إلى الوعد بالفتح، ولا ريب أن الانتظار لنجاز الوعد مع الثقة به فيهما شفاء للصدر، وأن إذهاب غيظ القلوب إشارة إلى وقوع الفتح، وقد وقعت للمؤمنين ولله الحمد هذه الأمور كلها، ثم قال :﴿ وَيَتُوبُ الله على مَن يَشَاء ﴾ وهو ابتداء كلام يتضمن الإخبار بما سيكون، وهو أن بعض الكافرين يتوب عن كفره، كما وقع من بعض أهل مكة يوم الفتح، فإنهم أسلموا وحسن إسلامهم، وهذا على قراءة الرفع في ﴿ يتوب ﴾، وهي قراءة الجمهور. وقرئ بنصب ﴿ يتوب ﴾ بإضمار أن، ودخول التوبة في جملة ما أجيب به الأمر من طريق المعنى. قرأ بذلك ابن أبي إسحاق، وعيسى الثقفي، والأعرج. فإن قيل : كيف تقع التوبة جزاء للمقاتلة ؟ وأجيب بأن القتال قد يكون سبباً لها إذا كانت من جهة الكفار، وأما إذا كانت من جهة المسلمين فوجهه : أن النصر والظفر من جهة الله يكون سبباً لخلوص النية والتوبة عن الذنوب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:
وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن مجاهد، في قوله :﴿ وَإِن نَّكَثُواْ أيمانهم ﴾ قال : عهدهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في الآية قال : يقول الله لنبيه وإن نكثوا العهد الذي بينك وبينهم، فقاتلهم إنهم أئمة الكفر. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله :﴿ أئمة الكفر ﴾ قال : أبو سفيان بن حرب، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هاشم، وسهيل بن عمرو، وهم الذين نكثوا عهد الله وهموا بإخراج الرسول من مكة. وأخرج ابن عساكر، عن مالك بن أنس مثله. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس ﴿ فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر ﴾ قال : رؤوس قريش. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عمر قال : أبو سفيان بن حرب منهم. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن أنهم الديلم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن حذيفة أنهم ذكروا عند هذه الآية فقالوا : ما قوتل أهل هذه الآية بعد، وأخرج ابن مردويه، عن عليّ نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري، وابن مردويه، عن حذيفة قال : ما بقي من أهل هذه الآية إلا ثلاثة، ولا من المنافقين إلا أربعة، فقال أعرابيّ : إنكم أصحاب محمد تخبروننا لا ندري فما بال هؤلاء الذين ينقرون بيوتنا ويسترقون أعلاقنا، قال : أولئك الفساق، أجل لم يبق منهم إلا أربعة. أحدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده. والأولى : أن الآية عامة في كل رؤساء الكفار من غير تقييد بزمن معين أو بطائفة معينة اعتباراً بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومما يفيد ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، أنه كان في عهد أبي بكر الصديق إلى الناس حين وجههم إلى الشام قال : إنكم ستجدون قوماً مجوفة رؤوسهم، فاضربوا مقاعد الشيطان منهم بالسيوف، فوالله لأن أقتل رجلاً منهم أحبّ إليّ من أن أقتل سبعين من غيرهم، وذلك بأن الله يقول :﴿ فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر ﴾. وأخرج أبو الشيخ عن حذيفة ﴿ لا أيمان لهم ﴾ قال : لا عهود لهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عمار مثله.
وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿ أَلاَ تقاتلون قَوْماً نكَثُواْ أيمانهم ﴾ قال : قتال قريش حلفاء النبيّ صلى الله عليه وسلم وهمهم بإخراج الرسول. زعموا أن ذلك عام عمرة النبي صلى الله عليه وسلم في العام التابع للحديبية، نكثت قريش العهد عهد الحديبية، وجعلوا في أنفسهم إذا دخلوا مكة أن يخرجوا منها ؛ فذلك همهم بإخراجه، فلم تتابعهم خزاعة على ذلك فلما خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة، قالت قريش لخزاعة : عميتمونا عن إخراجه، فقاتلوهم، فقتلوا منهم رجالاً.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة قال : نزلت في خزاعة :﴿ قاتلوهم يُعَذّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ ﴾ الآية. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ نحوه. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة، نحوه أيضاً، وقد ساق القصة ابن إسحاق في سيرته، وأورد فيها النظم الذي أرسلته خزاعة إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأوّله :
يا رب إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا
وأخرج القصة البيهقي في الدلائل. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال : الوليجة : البطانة من غير دينهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، قال : وليجة أي : خيانة.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٤:ثم زاد في تأكيد الأمر بالقتال فقال :﴿ قاتلوهم ﴾ ورتب على هذا الأمر فوائد :
الأولى : تعذيب الله للكفار بأيدي المؤمنين بالقتل والأسر.
والثانية : إخزاؤهم، قيل : بالأسر. وقيل : بما نزل بهم من الذلّ والهوان.
والثالثة : نصر المسلمين عليهم وغلبتهم لهم.
والرابعة : أن الله يشفي بالقتال صدور قوم مؤمنين ممن لم يشهد القتال ولا حضره.
والخامسة : أنه سبحانه يذهب بالقتال غيظ قلوب المؤمنين الذي نالهم بسبب ما وقع من الكفار من الأمور الجالبة للغيظ وحرج الصدر.
فإن قيل : شفاء الصدور وإذهاب غيظ القلوب كلاهما بمعنى فيكون تكراراً. قيل في الجواب : إن القلب أخص من الصدر. وقيل : إن شفاء الصدر إشارة إلى الوعد بالفتح، ولا ريب أن الانتظار لنجاز الوعد مع الثقة به فيهما شفاء للصدر، وأن إذهاب غيظ القلوب إشارة إلى وقوع الفتح، وقد وقعت للمؤمنين ولله الحمد هذه الأمور كلها، ثم قال :﴿ وَيَتُوبُ الله على مَن يَشَاء ﴾ وهو ابتداء كلام يتضمن الإخبار بما سيكون، وهو أن بعض الكافرين يتوب عن كفره، كما وقع من بعض أهل مكة يوم الفتح، فإنهم أسلموا وحسن إسلامهم، وهذا على قراءة الرفع في ﴿ يتوب ﴾، وهي قراءة الجمهور. وقرئ بنصب ﴿ يتوب ﴾ بإضمار أن، ودخول التوبة في جملة ما أجيب به الأمر من طريق المعنى. قرأ بذلك ابن أبي إسحاق، وعيسى الثقفي، والأعرج. فإن قيل : كيف تقع التوبة جزاء للمقاتلة ؟ وأجيب بأن القتال قد يكون سبباً لها إذا كانت من جهة الكفار، وأما إذا كانت من جهة المسلمين فوجهه : أن النصر والظفر من جهة الله يكون سبباً لخلوص النية والتوبة عن الذنوب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:
وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن مجاهد، في قوله :﴿ وَإِن نَّكَثُواْ أيمانهم ﴾ قال : عهدهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في الآية قال : يقول الله لنبيه وإن نكثوا العهد الذي بينك وبينهم، فقاتلهم إنهم أئمة الكفر. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله :﴿ أئمة الكفر ﴾ قال : أبو سفيان بن حرب، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هاشم، وسهيل بن عمرو، وهم الذين نكثوا عهد الله وهموا بإخراج الرسول من مكة. وأخرج ابن عساكر، عن مالك بن أنس مثله. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس ﴿ فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر ﴾ قال : رؤوس قريش. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عمر قال : أبو سفيان بن حرب منهم. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن أنهم الديلم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن حذيفة أنهم ذكروا عند هذه الآية فقالوا : ما قوتل أهل هذه الآية بعد، وأخرج ابن مردويه، عن عليّ نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري، وابن مردويه، عن حذيفة قال : ما بقي من أهل هذه الآية إلا ثلاثة، ولا من المنافقين إلا أربعة، فقال أعرابيّ : إنكم أصحاب محمد تخبروننا لا ندري فما بال هؤلاء الذين ينقرون بيوتنا ويسترقون أعلاقنا، قال : أولئك الفساق، أجل لم يبق منهم إلا أربعة. أحدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده. والأولى : أن الآية عامة في كل رؤساء الكفار من غير تقييد بزمن معين أو بطائفة معينة اعتباراً بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومما يفيد ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، أنه كان في عهد أبي بكر الصديق إلى الناس حين وجههم إلى الشام قال : إنكم ستجدون قوماً مجوفة رؤوسهم، فاضربوا مقاعد الشيطان منهم بالسيوف، فوالله لأن أقتل رجلاً منهم أحبّ إليّ من أن أقتل سبعين من غيرهم، وذلك بأن الله يقول :﴿ فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر ﴾. وأخرج أبو الشيخ عن حذيفة ﴿ لا أيمان لهم ﴾ قال : لا عهود لهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عمار مثله.
وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿ أَلاَ تقاتلون قَوْماً نكَثُواْ أيمانهم ﴾ قال : قتال قريش حلفاء النبيّ صلى الله عليه وسلم وهمهم بإخراج الرسول. زعموا أن ذلك عام عمرة النبي صلى الله عليه وسلم في العام التابع للحديبية، نكثت قريش العهد عهد الحديبية، وجعلوا في أنفسهم إذا دخلوا مكة أن يخرجوا منها ؛ فذلك همهم بإخراجه، فلم تتابعهم خزاعة على ذلك فلما خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة، قالت قريش لخزاعة : عميتمونا عن إخراجه، فقاتلوهم، فقتلوا منهم رجالاً.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة قال : نزلت في خزاعة :﴿ قاتلوهم يُعَذّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ ﴾ الآية. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ نحوه. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة، نحوه أيضاً، وقد ساق القصة ابن إسحاق في سيرته، وأورد فيها النظم الذي أرسلته خزاعة إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأوّله :
يا رب إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا
وأخرج القصة البيهقي في الدلائل. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال : الوليجة : البطانة من غير دينهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، قال : وليجة أي : خيانة.


قوله :﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ ﴾ أم هذه هي المنقطعة التي بمعنى بل، والهمزة والاستفهام للتوبيخ، وحرف الإضراب للدلالة على الانتقال من كلام إلى آخر، والمعنى : كيف يقع الحسبان منكم بأن تتركوا على ما أنتم عليه، وقوله :﴿ أَن تُتْرَكُواْ ﴾ في موضع مفعولي الحسبان عند سيبويه. وقال المبرد : إنه حذف الثاني، والتقدير : أم حسبتم أن تتركوا من غير أن تبتلوا بما يظهر به المؤمن والمنافق، الظهور الذي يستحق به الثواب والعقاب. وجملة ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ ﴾ في محل نصب على الحال، والمراد من نفي العلم نفي المعلوم، والمعنى كيف تحسبون أنكم تتركوا، ولما يتبين المخلص منكم في جهاده من غير المخلص، وجملة :﴿ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ ﴾ معطوفة على جاهدوا داخلة معه في حكم النفي واقعة في حيز الصلة، والوليجة : من الولوج : وهو الدخول، ولج يلج ولوجاً : إذا دخل، فالوليجة : الدخيلة. قال أبو عبيدة : كل شيء أدخلته في شيء ليس منه، فهو وليجة. قال أبان بن ثعلب :
فبئس الوليجة للهاربي ن والمعتدين وأهل الريب
وقال الفراء : الوليجة : البطانة من المشركين، والمعنى واحد، أي كيف تتخذون دخيلة أو بطانة من المشركين تفشون إليهم بأسراركم، وتعلمونهم أموركم من دون الله ﴿ والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ أي : بجميع أعمالكم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:
وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن مجاهد، في قوله :﴿ وَإِن نَّكَثُواْ أيمانهم ﴾ قال : عهدهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في الآية قال : يقول الله لنبيه وإن نكثوا العهد الذي بينك وبينهم، فقاتلهم إنهم أئمة الكفر. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله :﴿ أئمة الكفر ﴾ قال : أبو سفيان بن حرب، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هاشم، وسهيل بن عمرو، وهم الذين نكثوا عهد الله وهموا بإخراج الرسول من مكة. وأخرج ابن عساكر، عن مالك بن أنس مثله. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس ﴿ فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر ﴾ قال : رؤوس قريش. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عمر قال : أبو سفيان بن حرب منهم. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن أنهم الديلم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن حذيفة أنهم ذكروا عند هذه الآية فقالوا : ما قوتل أهل هذه الآية بعد، وأخرج ابن مردويه، عن عليّ نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري، وابن مردويه، عن حذيفة قال : ما بقي من أهل هذه الآية إلا ثلاثة، ولا من المنافقين إلا أربعة، فقال أعرابيّ : إنكم أصحاب محمد تخبروننا لا ندري فما بال هؤلاء الذين ينقرون بيوتنا ويسترقون أعلاقنا، قال : أولئك الفساق، أجل لم يبق منهم إلا أربعة. أحدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده. والأولى : أن الآية عامة في كل رؤساء الكفار من غير تقييد بزمن معين أو بطائفة معينة اعتباراً بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومما يفيد ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، أنه كان في عهد أبي بكر الصديق إلى الناس حين وجههم إلى الشام قال : إنكم ستجدون قوماً مجوفة رؤوسهم، فاضربوا مقاعد الشيطان منهم بالسيوف، فوالله لأن أقتل رجلاً منهم أحبّ إليّ من أن أقتل سبعين من غيرهم، وذلك بأن الله يقول :﴿ فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر ﴾. وأخرج أبو الشيخ عن حذيفة ﴿ لا أيمان لهم ﴾ قال : لا عهود لهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عمار مثله.
وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿ أَلاَ تقاتلون قَوْماً نكَثُواْ أيمانهم ﴾ قال : قتال قريش حلفاء النبيّ صلى الله عليه وسلم وهمهم بإخراج الرسول. زعموا أن ذلك عام عمرة النبي صلى الله عليه وسلم في العام التابع للحديبية، نكثت قريش العهد عهد الحديبية، وجعلوا في أنفسهم إذا دخلوا مكة أن يخرجوا منها ؛ فذلك همهم بإخراجه، فلم تتابعهم خزاعة على ذلك فلما خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة، قالت قريش لخزاعة : عميتمونا عن إخراجه، فقاتلوهم، فقتلوا منهم رجالاً.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة قال : نزلت في خزاعة :﴿ قاتلوهم يُعَذّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ ﴾ الآية. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ نحوه. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة، نحوه أيضاً، وقد ساق القصة ابن إسحاق في سيرته، وأورد فيها النظم الذي أرسلته خزاعة إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأوّله :
يا رب إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا
وأخرج القصة البيهقي في الدلائل. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال : الوليجة : البطانة من غير دينهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، قال : وليجة أي : خيانة.

يَا رَبِّ إِنِّي نَاشَدٌ مُحَمَّدًا حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا
وَأَخْرَجَ الْقِصَّةَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
الْوَلِيجَةُ: الْبِطَانَةُ مِنْ غَيْرِ دِينِهِمْ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: وَلِيجَةٌ: أَيْ خيانة.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ١٧ الى ٢٢]
مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١)
خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)
قَرَأَ الْجُمْهُورُ يَعْمُرُوا بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَضَمِّ الْمِيمِ مِنْ عَمَرَ يَعْمُرُ، وَقَرَأَ ابْنُ السميقع بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ مِنْ أَعْمَرَ يُعْمِرُ، أَيْ: يَجْعَلُونَ لَهَا مَنْ يَعْمُرُهَا. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَسَهْمٌ وَيَعْقُوبُ مَسْجِدَ اللَّهِ بِالْإِفْرَادِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مَساجِدَ بِالْجَمْعِ، وَاخْتَارَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ النَّحَّاسُ: لِأَنَّهَا أَعَمُّ، وَالْخَاصُّ يَدْخُلُ تَحْتَ الْعَامِّ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْجَمْعِ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ خَاصَّةً، وَهَذَا جَائِزٌ فِيمَا كَانَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ يَرْكَبُ الْخَيْلَ وَإِنْ لَمْ يَرْكَبْ إِلَّا فَرَسًا قَالَ: وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا قَالَ مَساجِدَ وَالْمُرَادُ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ لِأَنَّهُ قِبْلَةُ الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا وَإِمَامُهَا، فَعَامِرُهُ كَعَامِرِ جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْعَرَبُ قَدْ تَضَعُ الْوَاحِدَ مَكَانَ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِمْ: فُلَانٌ كَثِيرُ الدِّرْهَمِ وَبِالْعَكْسِ كَقَوْلِهِمْ فُلَانٌ يُجَالِسُ الْمُلُوكَ وَلَعَلَّهُ لَمْ يُجَالِسْ إِلَّا مَلِكًا وَاحِدًا وَالْمُرَادُ بِالْعِمَارَةِ: إِمَّا الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ، أَوِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ، وَهُوَ مُلَازَمَتُهُ، وَالتَّعَبُّدُ فِيهِ، وَكِلَاهُمَا لَيْسَ لِلْمُشْرِكِينَ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْمِنَّةَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِعِمَارَةِ مَسَاجِدِهِمْ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِكَوْنِ الْكُفَّارِ لَا عِبَادَةَ لَهُمْ مَعَ نَهْيِهِمْ عَنْ قُرْبَانِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَعْنَى مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ مَا صَحَّ لَهُمْ وَمَا اسْتَقَامَ أَنْ يفعلوا ذلك، وشاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ حَالٌ، أَيْ:
مَا كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ حَالَ كَوْنِهِمْ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ، بِإِظْهَارٍ مَا هُوَ كُفْرٌ مِنْ نَصْبِ الْأَوْثَانِ، وَالْعِبَادَةِ لَهَا، وَجَعْلِهَا آلِهَةً، فَإِنَّ هَذَا شَهَادَةٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ، وَإِنْ أَبَوْا ذَلِكَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، فَكَيْفَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ: عمارة المسجد الَّتِي هِيَ مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ شَأْنِ مَنْ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِعِمَارَةِ مَسَاجِدِهِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ قَوْلُهُمْ فِي طَوَافِهِمْ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إِلَّا شَرِيكَ هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ وَقِيلَ: شَهَادَتُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ: إِنَّ الْيَهُودِيَّ يَقُولُ هُوَ يهودي،
392
والنصراني يقول هو نصراني، والصابئ، وَالْمُشْرِكُ يَقُولُ هُوَ مُشْرِكٌ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ الَّتِي يَفْتَخِرُونَ بِهَا وَيَظُنُّونَ أَنَّهَا مِنْ أَعْمَالِ الْخَيْرِ، أَيْ: بَطَلَتْ، وَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ تَقْدِيمِ الظَّرْفِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْخَبَرِ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِهَا، ثُمَّ بَيْنَ سُبْحَانِهِ مَنْ هُوَ حَقِيقٌ بعمارة المساجد فَقَالَ: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَفَعَلَ مَا هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الْإِيمَانِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَلَمْ يَخْشَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ فَمَنْ كَانَ جَامِعًا بَيْنَ هَذِهِ الْأَوْصَافِ فَهُوَ الْحَقِيقُ بِعِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ، لَا مَنْ كَانَ خَالِيًا مِنْهَا أَوْ مِنْ بَعْضِهَا، وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْخَشْيَةِ تَنْبِيهًا بِمَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ أُمُورِ الدِّينِ عَلَى مَا عَدَاهُ مِمَّا افْتَرَضَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ لَوَازِمَ الْإِيمَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي وَجْهِ جَمْعِ الْمَسَاجِدِ، وَفِي بَيَانِ مَاهِيَّةِ الْعِمَارَةِ، وَمَنْ جَوَّزَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ حَمَلَ الْعِمَارَةَ هُنَا عَلَيْهِمَا، وَفِي قَوْلِهِ: فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ حَسْمٌ لِأَطْمَاعِ الْكُفَّارِ فِي الِانْتِفَاعِ بِأَعْمَالِهِمْ، فَإِنَّ الْمَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ إِذَا كَانَ اهْتِدَاؤُهُمْ مَرْجُوًّا فَقَطْ، فَكَيْفَ بِالْكُفَّارِ الَّذِينَ لَمْ يَتَّصِفُوا بِشَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ وَقِيلَ: عَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى خَلِيقٍ، أَيْ: فَخَلِيقٌ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ وَقِيلَ: إِنَّ الرَّجَاءَ رَاجِعٌ إِلَى الْعِبَادِ، وَالِاسْتِفْهَامُ فِي أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ لِلْإِنْكَارِ، وَالسِّقَايَةُ وَالْعِمَارَةُ: مَصْدَرَانِ كَالسِّعَايَةِ وَالْحِمَايَةِ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: أَجَعَلْتُمْ أَصْحَابَ سِقَايَةِ الْحَاجِّ وَعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ، أَوْ أَهْلَهُمَا كَمَنْ آمَنَ حَتَّى يَتَّفِقَ الْمَوْضُوعُ وَالْمَحْمُولَ، أَوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ فِي الْخَبَرِ، أَيْ: جَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَعَمَلِ مَنْ آمَنَ، أَوْ كَإِيمَانِ مَنْ آمَنَ، وقرأ ابن أبي وجرة السَّعْدِيُّ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ «أَجَعَلْتُمْ سُقَاةَ الْحَاجِّ وَعَمَرَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ»، جَمْعُ سَاقٍ وَعَامِرٍ، وَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ لَا يُحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ أَنْكَرَ عَلَيْهِمُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ مَا كَانَ تَعْمَلُهُ الْجَاهِلِيَّةُ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي صَوَّرَتْهَا صُورَةُ الْخَيْرِ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهَا وَبَيْنَ إِيمَانِ الْمُؤْمِنِينَ وَجِهَادِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْتَخِرُونَ بِالسِّقَايَةِ وَالْعِمَارَةِ وَيُفَضِّلُونَهُمَا عَلَى عَمَلِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَنْكَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، ثُمَّ صَرَّحَ سُبْحَانَهُ بِالْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ وَتَفَاوُتِهِمْ، وَعَدَمِ اسْتِوَائِهِمْ فَقَالَ: لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ أَيْ:
لَا تُسَاوِي تِلْكَ الطَّائِفَةُ الْكَافِرَةُ السَّاقِيَةُ لِلْحَجِيجِ الْعَامِرَةُ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، هَذِهِ الطَّائِفَةُ الْمُؤْمِنَةُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الْمُجَاهِدَةُ فِي سَبِيلِهِ، وَدَلَّ سُبْحَانَهُ بِنَفْيِ الِاسْتِوَاءِ عَلَى نَفْيِ الْفَضِيلَةِ الَّتِي يَدَّعِيهَا الْمُشْرِكُونَ، أَيْ: إِذَا لَمْ تَبْلُغْ أَعْمَالُ الْكُفَّارِ إِلَى أَنْ تَكُونَ مُسَاوِيَةً لِأَعْمَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ تَكُونُ فَاضِلَةً عَلَيْهَا كَمَا يَزْعُمُونَ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ وَأَنَّهُمْ مَعَ ظُلْمِهِمْ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ، لَا يَسْتَحِقُّونَ الْهِدَايَةَ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَفِي هَذَا إشارة إلى الفريق المفضول، ثُمَّ صَرَّحَ بِالْفَرِيقِ الْفَاضِلِ فَقَالَ: الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى آخِرِهِ، أَيِ: الْجَامِعُونَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ، وَالْجِهَادِ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأَحَقُّ بِمَا لَدَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ مِنْ تِلْكَ الطَّائِفَةِ الْمُشْرِكَةِ الْمُفْتَخِرَةِ بِأَعْمَالِهَا الْمُحْبَطَةِ الْبَاطِلَةِ، وَفِي قَوْلِهِ: عِنْدَ اللَّهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولئِكَ إِلَى الْمُتَّصِفِينَ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ هُمُ الْفائِزُونَ أَيِ: الْمُخْتَصُّونَ بِالْفَوْزِ عِنْدَ اللَّهِ، ثُمَّ فَسَّرَ الْفَوْزَ بِقَوْلِهِ:
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ وَالتَّنْكِيرُ فِي الرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ وَالْجَنَّاتِ
393
لِلتَّعْظِيمِ وَالْمَعْنَى أَنَّهَا فَوْقَ وَصْفِ الْوَاصِفِينَ، وَتَصَوُّرِ الْمُتَصَوِّرِينَ. وَالنَّعِيمُ الْمُقِيمُ: الدَّائِمُ الْمُسْتَمِرُّ الَّذِي لَا يُفَارِقُ صَاحِبَهُ، وَذِكْرُ الْأَبَدِ بَعْدَ الْخُلُودِ تَأْكِيدٌ لَهُ، وَجُمْلَةُ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَا قَبْلَهَا مَعَ تَضَمُّنِهَا لِلتَّعْلِيلِ، أَيْ: أَعْطَاهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ هَذِهِ الْأُجُورَ الْعَظِيمَةَ لِكَوْنِ الْأَجْرِ الَّذِي عِنْدَهُ عَظِيمٌ، يَهَبُ مِنْهُ مَا يَشَاءُ لِمَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ وَقَالَ: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَنَفَى الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْمَسْجِدِ «١» مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ يَقُولُ: مَنْ وَحَّدَ اللَّهَ وَآمَنَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَأَقامَ الصَّلاةَ يَعْنِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ يَقُولُ: لَمْ يَعْبُدْ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ يَقُولُ: أُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ كَقَوْلِهِ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً «٢» يَقُولُ: إِنَّ رَبَّكَ سَيَبْعَثُكَ مَقَامًا مَحْمُودًا، وَهِيَ الشَّفَاعَةُ، وَكُلُّ عَسَى فِي الْقُرْآنِ: فَهِيَ وَاجِبَةٌ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَالدَّارِمَيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسَاجِدُ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ» قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي اسْتِحْبَابِ مُلَازِمَةِ الْمَسَاجِدِ وَعِمَارَتِهَا وَالتَّرَدُّدِ إِلَيْهَا لِلطَّاعَاتِ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ:
مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ لِلَّهِ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَنْ أَسْقِيَ الْحَاجَّ، وَقَالَ آخَرُ: بَلْ عِمَارَةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَقَالَ آخَرُ: بَلْ جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ، وَقَالَ: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْتُ الْجُمُعَةَ دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْتَفْتِيهِ فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ إِلَى قَوْلِهِ: لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ في قوله: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ الْآيَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا:
عِمَارَةُ بَيْتِ اللَّهِ وَقِيَامٌ عَلَى السِّقَايَةِ خَيْرٌ مِمَّنْ آمَنَ وَجَاهَدَ، فَكَانُوا يَفْخَرُونَ بِالْحَرَمِ، وَيَسْتَكْبِرُونَ بِهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ أَهْلُهُ وَعَمَّارُهُ، فَذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ اسْتِكْبَارَهُمْ وَإِعْرَاضَهُمْ، فَقَالَ لِأَهْلِ الْحَرَمِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ- مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ «٣» يَعْنِي: أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَكْبِرُونَ بِالْحَرَمِ، وَقَالَ: بِهِ سَامِرًا: كَانُوا بِهِ يَسْمُرُونَ وَيَهْجُرُونَ بِالْقُرْآنِ وَالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَيْرُ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْجِهَادِ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ عَلَى عِمْرَانِ الْمُشْرِكِينَ البيت وقيامهم على السعاية وَلَمْ يَكُنْ لِيَنْفَعَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَعَ الشِّرْكِ بِهِ وَإِنْ كَانُوا يَعْمُرُونَ بَيْتَهُ وَيَخْدِمُونَهُ، قَالَ الله لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يَعْنِي:
الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ أَهْلُ الْعِمَارَةِ فَسَمَّاهُمْ ظَالِمِينَ بِشِرْكِهِمْ فَلَمْ تُغْنِ عنهم العمارة شيئا، وفي إسناده العوفي
(١). المقصود: ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد الله.
(٢). الإسراء: ٧٩.
(٣). المؤمنون: ٦٦- ٦٧.
394
ثم بين سبحانه من هو حقيق بعمارة المساجد فقال :﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر ﴾ وفعل ما هو من لوازم الإيمان من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ﴿ وَلَمْ يَخْشَ ﴾ أحداً ﴿ إِلاَّ الله ﴾ فمن كان جامعاً بين هذه الأوصاف، فهو الحقيق بعمارة المساجد.
لا من كان خالياً منها أو من بعضها، واقتصر على ذكر الصلاة والزكاة والخشية تنبيهاً بما هو من أعظم أمور الدين على ما عداه مما افترضه الله على عباده ؛ لأن كل ذلك من لوازم الإيمان، وقد تقدّم الكلام في وجه جمع المساجد، وفي بيان ماهية العمارة، ومن جوّز الجمع بين الحقيقة والمجاز حمل العمارة هنا عليهما، وفي قوله :﴿ فعسى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ المهتدين ﴾ حسم لأطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم، فإن الموصوفين بتلك الصفات إذا كان اهتداؤهم مرجوّاً فقط، فكيف بالكفار الذين لم يتصفوا بشيء من تلك الصفات. وقيل : عسى من الله واجبة. وقيل : هي بمعنى خليق، أي فخليق أن يكونوا من المهتدين. وقيل : إن الرجاء راجع إلى العباد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله ﴾ وقال :﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر ﴾ فنفى المشركين من المسجد ﴿ مَنْ آمَنَ بالله ﴾ يقول : من وحد الله وآمن بما أنزل الله :﴿ وَأَقَامَ الصلاة ﴾ يعني : الصلوات الخمس، ﴿ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله ﴾ يقول : لم يعبد إلا الله ﴿ فعسى أُوْلَئِكَ ﴾ يقول : أولئك هم المهتدون، كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ يقول : إن ربك سيبعثك مقاماً محموداً، وهي الشفاعة، وكل عسى في القرآن فهي واجبة.
وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والدارمي، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن المنذر، والبيهقي في سننه، عن أبي سعيد الخدري، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان قال الله تعالى :﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر ﴾» وقد وردت أحاديث كثيرة في استحباب ملازمة المساجد، وعمارتها والتردّد إليها للطاعات.
وأخرج مسلم، وأبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن النعمان بن بشير، قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم : ما أبالي أن لا أعمل لله عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر : بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر : بل جهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر، وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستفتيه فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله :﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ﴾ إلى قوله :﴿ لاَ يَهْدِى القوم الظالمين ﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله :﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ﴾ الآية، وذلك أن المشركين قالوا : عمارة بيت الله، وقيام على السقاية، خير ممن آمن وجاهد، فكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعماره، فذكر الله سبحانه استكبارهم وإعراضهم، فقال لأهل الحرم من المشركين :﴿ قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ على أعقابكم تَنكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامرا تَهْجُرُونَ ﴾ يعني : أنهم كانوا يستكبرون بالحرم. وقال به سامراً : كانوا به يسمرون ويهجرون بالقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم، فخير الإيمان بالله والجهاد مع نبيّ الله على عمران المشركين البيت وقيامهم على السقاية، ولم يكن لينفعهم عند الله مع الشرك به، وإن كانوا يعمرون بيته ويخدمونه قال الله :﴿ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ الله والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين ﴾ يعني : الذين زعموا أنهم أهل العمارة فسماهم ظالمين بشركهم، فلم تغن عنهم العمارة شيئاً، وفي إسناده العوفي وهو ضعيف.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال : قال العباس حين أسر يوم بدر : إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج ونفكّ العاني، فأنزل الله :﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ﴾ الآية : يعني : أن ذلك كان في الشرك، فلا أقبل ما كان في الشرك. وأخرج ابن مردويه، عنه، أيضاً في الآية، قال : نزلت في عليّ بن أبي طالب والعباس. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الشعبي، قال : تفاخر عليّ والعباس وشيبة في السقاية والحجابة فأنزل الله :﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ﴾ الآية، وقد روى معنى هذا من طرق.

والاستفهام في ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج وَعِمَارَةَ المسجد الحرام ﴾ للإنكار، والسقاية والعمارة مصدران كالسعاية والحماية، وفي الكلام حذف، والتقدير : أجعلتم أصحاب سقاية الحاج وعمارة المسجد، أو أهلهما ﴿ كَمَنْ آمَنَ ﴾ حتى يتفق الموضوع والمحمول أو يكون التقدير في الخبر : أي جعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، كعمل من آمن أو كإيمان من آمن. وقرأ ابن أبي وجزة السعدي، وابن الزبير، وسعيد بن جبير :«أجعلتم سقاة الحاج، وعمرة المسجد الحرام » جمع ساق وعامر. وعلى هذه القراءة لا يحتاج إلى تقدير محذوف، والمعنى : أن الله أنكر عليهم التسوية بين ما كان تعمله الجاهلية من الأعمال التي صورتها صورة الخير، وإن لم ينتفعوا بها وبين إيمان المؤمنين وجهادهم في سبيل الله، وقد كان المشركون يفتخرون بالسقاية والعمارة، ويفضلونهما على عمل المسلمين. فأنكر الله عليهم ذلك، ثم صرّح سبحانه بالمفاضلة بين الفريقين وتفاوتهم وعدم استوائهم فقال :﴿ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ الله ﴾ أي : لا تساوي تلك الطائفة الكافرة الساقية للحجيج العامرة للمسجد الحرام هذه الطائفة المؤمنة بالله واليوم الآخر المجاهدة في سبيله، ودلّ سبحانه بنفي الاستواء على نفي الفضيلة، التي يدّعيها المشركون، أي إذا لم تبلغ أعمال الكفار إلى أن تكون مساوية لأعمال المسلمين، فكيف تكون فاضلة عليها كما يزعمون، ثم حكم عليهم بالظلم وأنهم مع ظلمهم بما هم فيه من الشرك لا يستحقون الهداية من الله سبحانه، وفي هذا إشارة إلى الفريق.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله ﴾ وقال :﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر ﴾ فنفى المشركين من المسجد ﴿ مَنْ آمَنَ بالله ﴾ يقول : من وحد الله وآمن بما أنزل الله :﴿ وَأَقَامَ الصلاة ﴾ يعني : الصلوات الخمس، ﴿ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله ﴾ يقول : لم يعبد إلا الله ﴿ فعسى أُوْلَئِكَ ﴾ يقول : أولئك هم المهتدون، كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ يقول : إن ربك سيبعثك مقاماً محموداً، وهي الشفاعة، وكل عسى في القرآن فهي واجبة.
وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والدارمي، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن المنذر، والبيهقي في سننه، عن أبي سعيد الخدري، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان قال الله تعالى :﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر ﴾» وقد وردت أحاديث كثيرة في استحباب ملازمة المساجد، وعمارتها والتردّد إليها للطاعات.
وأخرج مسلم، وأبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن النعمان بن بشير، قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم : ما أبالي أن لا أعمل لله عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر : بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر : بل جهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر، وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستفتيه فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله :﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ﴾ إلى قوله :﴿ لاَ يَهْدِى القوم الظالمين ﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله :﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ﴾ الآية، وذلك أن المشركين قالوا : عمارة بيت الله، وقيام على السقاية، خير ممن آمن وجاهد، فكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعماره، فذكر الله سبحانه استكبارهم وإعراضهم، فقال لأهل الحرم من المشركين :﴿ قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ على أعقابكم تَنكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامرا تَهْجُرُونَ ﴾ يعني : أنهم كانوا يستكبرون بالحرم. وقال به سامراً : كانوا به يسمرون ويهجرون بالقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم، فخير الإيمان بالله والجهاد مع نبيّ الله على عمران المشركين البيت وقيامهم على السقاية، ولم يكن لينفعهم عند الله مع الشرك به، وإن كانوا يعمرون بيته ويخدمونه قال الله :﴿ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ الله والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين ﴾ يعني : الذين زعموا أنهم أهل العمارة فسماهم ظالمين بشركهم، فلم تغن عنهم العمارة شيئاً، وفي إسناده العوفي وهو ضعيف.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال : قال العباس حين أسر يوم بدر : إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج ونفكّ العاني، فأنزل الله :﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ﴾ الآية : يعني : أن ذلك كان في الشرك، فلا أقبل ما كان في الشرك. وأخرج ابن مردويه، عنه، أيضاً في الآية، قال : نزلت في عليّ بن أبي طالب والعباس. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الشعبي، قال : تفاخر عليّ والعباس وشيبة في السقاية والحجابة فأنزل الله :﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ﴾ الآية، وقد روى معنى هذا من طرق.

ثم صرّح بالفريق الفاضل فقال :﴿ الذين آمنوا ﴾ إلى آخره : أي الجامعون بين الإيمان والهجرة والجهاد بالأموال والأنفس ﴿ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ الله ﴾ وأحق بما لديه من الخير من تلك الطائفة المشركة المفتخرة بأعمالها المحيطة الباطلة. وفي قوله :﴿ عَندَ الله ﴾ تشريف عظيم للمؤمنين، والإشارة بقوله :﴿ أولئك ﴾ إلى المتصفين بالصفات المذكورة ﴿ هُمُ الفائزون ﴾ أي : المختصون بالفوز عند الله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله ﴾ وقال :﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر ﴾ فنفى المشركين من المسجد ﴿ مَنْ آمَنَ بالله ﴾ يقول : من وحد الله وآمن بما أنزل الله :﴿ وَأَقَامَ الصلاة ﴾ يعني : الصلوات الخمس، ﴿ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله ﴾ يقول : لم يعبد إلا الله ﴿ فعسى أُوْلَئِكَ ﴾ يقول : أولئك هم المهتدون، كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ يقول : إن ربك سيبعثك مقاماً محموداً، وهي الشفاعة، وكل عسى في القرآن فهي واجبة.
وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والدارمي، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن المنذر، والبيهقي في سننه، عن أبي سعيد الخدري، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان قال الله تعالى :﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر ﴾» وقد وردت أحاديث كثيرة في استحباب ملازمة المساجد، وعمارتها والتردّد إليها للطاعات.
وأخرج مسلم، وأبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن النعمان بن بشير، قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم : ما أبالي أن لا أعمل لله عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر : بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر : بل جهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر، وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستفتيه فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله :﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ﴾ إلى قوله :﴿ لاَ يَهْدِى القوم الظالمين ﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله :﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ﴾ الآية، وذلك أن المشركين قالوا : عمارة بيت الله، وقيام على السقاية، خير ممن آمن وجاهد، فكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعماره، فذكر الله سبحانه استكبارهم وإعراضهم، فقال لأهل الحرم من المشركين :﴿ قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ على أعقابكم تَنكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامرا تَهْجُرُونَ ﴾ يعني : أنهم كانوا يستكبرون بالحرم. وقال به سامراً : كانوا به يسمرون ويهجرون بالقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم، فخير الإيمان بالله والجهاد مع نبيّ الله على عمران المشركين البيت وقيامهم على السقاية، ولم يكن لينفعهم عند الله مع الشرك به، وإن كانوا يعمرون بيته ويخدمونه قال الله :﴿ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ الله والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين ﴾ يعني : الذين زعموا أنهم أهل العمارة فسماهم ظالمين بشركهم، فلم تغن عنهم العمارة شيئاً، وفي إسناده العوفي وهو ضعيف.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال : قال العباس حين أسر يوم بدر : إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج ونفكّ العاني، فأنزل الله :﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ﴾ الآية : يعني : أن ذلك كان في الشرك، فلا أقبل ما كان في الشرك. وأخرج ابن مردويه، عنه، أيضاً في الآية، قال : نزلت في عليّ بن أبي طالب والعباس. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الشعبي، قال : تفاخر عليّ والعباس وشيبة في السقاية والحجابة فأنزل الله :﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ﴾ الآية، وقد روى معنى هذا من طرق.

ثم فسر الفوز بقوله :﴿ يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ ورضوان وجنات لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ ﴾ والتنكير في الرحمة والرضوان والجنات للتعظيم، والمعنى : أنها فوق وصف الواصفين وتصوّر المتصوّرين.
والنعيم المقيم : الدائم المستمر الذي لا يفارق صاحبه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله ﴾ وقال :﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر ﴾ فنفى المشركين من المسجد ﴿ مَنْ آمَنَ بالله ﴾ يقول : من وحد الله وآمن بما أنزل الله :﴿ وَأَقَامَ الصلاة ﴾ يعني : الصلوات الخمس، ﴿ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله ﴾ يقول : لم يعبد إلا الله ﴿ فعسى أُوْلَئِكَ ﴾ يقول : أولئك هم المهتدون، كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ يقول : إن ربك سيبعثك مقاماً محموداً، وهي الشفاعة، وكل عسى في القرآن فهي واجبة.
وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والدارمي، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن المنذر، والبيهقي في سننه، عن أبي سعيد الخدري، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان قال الله تعالى :﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر ﴾» وقد وردت أحاديث كثيرة في استحباب ملازمة المساجد، وعمارتها والتردّد إليها للطاعات.
وأخرج مسلم، وأبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن النعمان بن بشير، قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم : ما أبالي أن لا أعمل لله عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر : بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر : بل جهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر، وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستفتيه فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله :﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ﴾ إلى قوله :﴿ لاَ يَهْدِى القوم الظالمين ﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله :﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ﴾ الآية، وذلك أن المشركين قالوا : عمارة بيت الله، وقيام على السقاية، خير ممن آمن وجاهد، فكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعماره، فذكر الله سبحانه استكبارهم وإعراضهم، فقال لأهل الحرم من المشركين :﴿ قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ على أعقابكم تَنكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامرا تَهْجُرُونَ ﴾ يعني : أنهم كانوا يستكبرون بالحرم. وقال به سامراً : كانوا به يسمرون ويهجرون بالقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم، فخير الإيمان بالله والجهاد مع نبيّ الله على عمران المشركين البيت وقيامهم على السقاية، ولم يكن لينفعهم عند الله مع الشرك به، وإن كانوا يعمرون بيته ويخدمونه قال الله :﴿ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ الله والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين ﴾ يعني : الذين زعموا أنهم أهل العمارة فسماهم ظالمين بشركهم، فلم تغن عنهم العمارة شيئاً، وفي إسناده العوفي وهو ضعيف.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال : قال العباس حين أسر يوم بدر : إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج ونفكّ العاني، فأنزل الله :﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ﴾ الآية : يعني : أن ذلك كان في الشرك، فلا أقبل ما كان في الشرك. وأخرج ابن مردويه، عنه، أيضاً في الآية، قال : نزلت في عليّ بن أبي طالب والعباس. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الشعبي، قال : تفاخر عليّ والعباس وشيبة في السقاية والحجابة فأنزل الله :﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ﴾ الآية، وقد روى معنى هذا من طرق.

وذكر الأبد بعد الخلود تأكيد له، وجملة ﴿ إِنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ مؤكدة لما قبلها مع تضمنها للتعليل : أي أعطاهم الله سبحانه هذه الأجور العظيمة لكون الأجر الذي عنده عظيم، يهب منه ما يشاء لمن يشاء، وهو ذو الفضل العظيم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله ﴾ وقال :﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر ﴾ فنفى المشركين من المسجد ﴿ مَنْ آمَنَ بالله ﴾ يقول : من وحد الله وآمن بما أنزل الله :﴿ وَأَقَامَ الصلاة ﴾ يعني : الصلوات الخمس، ﴿ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله ﴾ يقول : لم يعبد إلا الله ﴿ فعسى أُوْلَئِكَ ﴾ يقول : أولئك هم المهتدون، كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ يقول : إن ربك سيبعثك مقاماً محموداً، وهي الشفاعة، وكل عسى في القرآن فهي واجبة.
وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والدارمي، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن المنذر، والبيهقي في سننه، عن أبي سعيد الخدري، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان قال الله تعالى :﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر ﴾» وقد وردت أحاديث كثيرة في استحباب ملازمة المساجد، وعمارتها والتردّد إليها للطاعات.
وأخرج مسلم، وأبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن النعمان بن بشير، قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم : ما أبالي أن لا أعمل لله عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر : بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر : بل جهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر، وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستفتيه فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله :﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ﴾ إلى قوله :﴿ لاَ يَهْدِى القوم الظالمين ﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله :﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ﴾ الآية، وذلك أن المشركين قالوا : عمارة بيت الله، وقيام على السقاية، خير ممن آمن وجاهد، فكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعماره، فذكر الله سبحانه استكبارهم وإعراضهم، فقال لأهل الحرم من المشركين :﴿ قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ على أعقابكم تَنكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامرا تَهْجُرُونَ ﴾ يعني : أنهم كانوا يستكبرون بالحرم. وقال به سامراً : كانوا به يسمرون ويهجرون بالقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم، فخير الإيمان بالله والجهاد مع نبيّ الله على عمران المشركين البيت وقيامهم على السقاية، ولم يكن لينفعهم عند الله مع الشرك به، وإن كانوا يعمرون بيته ويخدمونه قال الله :﴿ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ الله والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين ﴾ يعني : الذين زعموا أنهم أهل العمارة فسماهم ظالمين بشركهم، فلم تغن عنهم العمارة شيئاً، وفي إسناده العوفي وهو ضعيف.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال : قال العباس حين أسر يوم بدر : إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج ونفكّ العاني، فأنزل الله :﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ﴾ الآية : يعني : أن ذلك كان في الشرك، فلا أقبل ما كان في الشرك. وأخرج ابن مردويه، عنه، أيضاً في الآية، قال : نزلت في عليّ بن أبي طالب والعباس. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الشعبي، قال : تفاخر عليّ والعباس وشيبة في السقاية والحجابة فأنزل الله :﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ﴾ الآية، وقد روى معنى هذا من طرق.

وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ الْعَبَّاسُ حِينَ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ: إِنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونَا بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ لَقَدْ كُنَّا نَعْمُرُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَنَسَقِي الْحَاجَّ وَنَفُكُّ الْعَانِيَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ الْآيَةَ: يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الشِّرْكِ فَلَا أَقْبَلُ مَا كَانَ فِي الشِّرْكِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أَيْضًا فِي الْآيَةِ قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالْعَبَّاسِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: تَفَاخَرَ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ وَشَيْبَةُ فِي السِّقَايَةِ وَالْحِجَابَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ الْآيَةَ، وَقَدْ روي معنى هذا من طرق.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٢٣ الى ٢٤]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٢٤)
الْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ كَافَّةً، وَهُوَ حُكْمٌ بَاقٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، يَدُلُّ عَلَى قَطْعِ الْوِلَايَةِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْحَضِّ عَلَى الْهِجْرَةِ وَرَفْضِ بِلَادِ الْكُفْرِ، فَيَكُونُ الْخِطَابُ لِمَنْ كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ وَغَيْرِهَا من بلاد العرب، نهوا بأن يُوَالُوا الْآبَاءَ وَالْإِخْوَةَ فَيَكُونُونَ لَهُمْ تَبَعًا فِي سكنى بلاد الكفر إِنِ اسْتَحَبُّوا: أَيْ أَحَبُّوا، كَمَا يُقَالُ اسْتَجَابَ بِمَعْنَى أَجَابَ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ طَلَبُ الْمَحَبَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الْمَقَامِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ «١» ثُمَّ حَكَمَ عَلَى مَنْ يَتَوَلَّى مَنِ اسْتَحَبَّ الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ مِنَ الْآبَاءِ وَالْإِخْوَانِ بِالظُّلْمِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ تَوَلِّيَ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ وَأَشَدِّهَا، ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ: إِنْ كانَ آباؤُكُمْ إِلَى آخِرِهِ، وَالْعَشِيرَةُ: الْجَمَاعَةُ الَّتِي تَرْجِعُ إِلَى عَقْدٍ وَاحِدٍ، وَعَشِيرَةُ الرَّجُلِ قَرَابَتُهُ الْأَدْنَوْنَ، وَهُمُ الَّذِينَ يُعَاشِرُونَهُ وَهِيَ اسْمُ جَمْعٍ. وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ وَحَمَّادٌ: عَشِيرَاتُكُمْ بِالْجَمْعِ. قَالَ الْأَخْفَشُ: لَا تَكَادُ الْعَرَبُ تَجْمَعُ عَشِيرَةً عَلَى عَشِيرَاتٍ، وَإِنَّمَا يَجْمَعُونَهَا عَلَى عشائر. قرأ الْحَسَنُ عَشَائِرَكُمْ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ عَشِيرَتُكُمْ وَالِاقْتِرَافُ: الِاكْتِسَابُ، وَأَصْلُهُ اقْتِطَاعُ الشَّيْءِ مِنْ مَكَانِهِ، وَالتَّرْكِيبُ يَدُورُ عَلَى الدُّنُوِّ، وَالْكَاسِبُ يُدْنِي الشَّيْءَ مِنْ نَفْسِهِ وَيُدْخِلُهُ تَحْتَ مُلْكِهِ، وَالتِّجَارَةُ: الْأَمْتِعَةُ الَّتِي يَشْتَرُونَهَا لِيَرْبَحُوا فِيهَا، وَالْكَسَادُ: عَدَمُ النَّفَاقِ لِفَوَاتِ وَقْتِ بَيْعِهَا بِالْهِجْرَةِ وَمُفَارَقَةِ الْأَوْطَانِ. وَمِنْ غَرَائِبِ التَّفْسِيرِ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالتِّجَارَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: الْبَنَاتُ وَالْأَخَوَاتُ إِذَا كَسَدْنَ فِي الْبَيْتِ لَا يَجِدْنَ لَهُنَّ خَاطِبًا، وَاسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
كَسَدْنَ مِنَ الْفَقْرِ فِي قَوْمِهِنَّ وَقَدْ زَادَهُنَّ مَقَامِي كَسَادًا
وَهَذَا الْبَيْتُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ إِطْلَاقُ الْكَسَادِ عَلَى عَدَمِ وُجُودِ الْخَاطِبِ لَهُنَّ، فَلَيْسَ فيه جواز إطلاق اسم التجارة
(١). المائدة: ٥١.
ثم أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم :﴿ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ ﴾ إلى آخره، والعشيرة : الجماعة التي ترجع إلى عقد واحد، وعشيرة الرجل : قرابته الأدنون، وهم الذين يعاشرونه، وهي اسم جمع. وقرأ أبو بكر وحماد «عشيراتكم » بالجمع. قال الأخفش : لا تكاد العرب تجمع عشيرة على عشيرات. وإنما يجمعونها على عشائر. وقرأ الحسن «عشائركم ». وقرأ الباقون ﴿ عشيرتكم ﴾ والاقتراف : الاكتساب، وأصله : اقتطاع الشيء من مكانه، والتركيب يدور على الدنو. والكاسب يدني الشيء من نفسه ويدخله تحت ملكه، والتجارة الأمتعة التي يشترونها ليربحوا فيها، والكساد عدم النفاق لفوات وقت بيعها بالهجرة ومفارقة الأوطان. ومن غرائب التفسير ما روي عن ابن المبارك أنه قال : إن المراد بالتجارة في هذه الآية البنات والأخوات، إذا كسدن في البيت لا يجدن لهنّ خاطباً، واستشهد لذلك بقول الشاعر :
كسدن من الفقر في قومهن وقد زادهنّ مقامي كسادا
وهذا البيت وإن كان فيه إطلاق الكساد على عدم وجود الخاطب لهنّ فليس فيه جواز إطلاق اسم التجارة عليهنّ. والمراد بالمساكن التي يرضونها : المنازل التي تعجبهم وتميل إليها أنفسهم، ويرون الإقامة فيها أحبّ إليهم من المهاجرة إلى الله ورسوله، وأحبّ خبر كان : أي كانت هذه الأشياء المذكورة في الآية أحبّ إليكم من الله ورسوله ومن الجهاد في سبيل الله ﴿ فَتَرَبَّصُواْ ﴾ أي : انتظروا ﴿ حتى يَأْتِي الله بِأَمْرِهِ ﴾ فيكم، وما تقتضيه مشيئته من عقوبتكم، وقيل : المراد بأمر الله سبحانه : القتال. وقيل : فتح مكة وفيه بعد، فقد روي أن هذه السورة نزلت بعد الفتح. وفي هذا وعيد شديد، ويؤكده إبهام الأمر وعدم التصريح به، لتذهب أنفسهم كل مذهب وتتردّد بين أنواع العقوبات، ﴿ والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين ﴾ أي الخارجين عن طاعته، النافرين عن امتثال أوامره ونواهيه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، قال : أمروا بالهجرة فقال العباس بن عبد المطلب : أنا أسقي الحاج.
وقال طلحة أخو بني عبد الدار : أنا أحجب الكعبة فلا نهاجر، فأنزلت ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وإخوانكم ﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل، في هذه الآية قال : هي الهجرة. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة ﴿ اقترفتموها ﴾ قال : أصبتموها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿ حتى يَأْتِي الله بِأَمْرِهِ ﴾ قال : بالفتح في أمره بالهجرة، هذا كل قبل فتح مكة. وأخرج البيهقي من حديث عبد الله بن شوذب قال : جعل أبو أبي عبيدة بن الجراح ينعت له الآلهة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر الجراح قصده ابنه أبو عبيدة فقتله، فأنزل الله :﴿ لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر ﴾ الآية، وهي تؤكد معنى هذه الآية، وقد تقدم بيان حكم الهجرة في سورة النساء.

عَلَيْهِنَّ، وَالْمُرَادُ بِالْمَسَاكِنِ الَّتِي يَرْضَوْنَهَا: الْمَنَازِلُ الَّتِي تُعْجِبُهُمْ وَتَمِيلُ إِلَيْهَا أَنْفُسُهُمْ وَيَرَوْنَ الْإِقَامَةَ فِيهَا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمُهَاجَرَةِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وأحبّ خَبَرُ كَانَ، أَيْ: كَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْآيَةِ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمِنَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَرَبَّصُوا أَيِ: انْتَظِرُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ فِيكُمْ وَمَا تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ مِنْ عُقُوبَتِكُمْ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِأَمْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: الْقِتَالُ وَقِيلَ: فَتْحُ مَكَّةَ وَفِيهِ بُعْدٌ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الْفَتْحِ. وَفِي هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ وَيُؤَكِّدُهُ إِبْهَامُ الْأَمْرِ وَعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِهِ لِتَذْهَبَ أَنْفُسَهُمْ كُلَّ مَذْهَبٍ وَتَتَرَدَّدَ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْعُقُوبَاتِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ أَيِ: الْخَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِهِ، النَّافِرِينَ عَنِ امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيِهِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: أمروا بالهجرة فقال العباس ابن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: أَنَا أَسْقِي الْحَاجَّ. وَقَالَ طَلْحَةُ أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ: أَنَا أَحْجُبُ الْكَعْبَةَ فَلَا نُهَاجِرُ، فَأُنْزِلَتْ لَا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُقَاتِلٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: هِيَ الْهِجْرَةُ.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ اقْتَرَفْتُمُوها قَالَ: أَصَبْتُمُوهَا.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ قَالَ: بِالْفَتْحِ، فِي أَمْرِهِ بِالْهِجْرَةِ، هَذَا كُلُّهُ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَوْذَبٍ قَالَ: جَعَلَ أَبُو أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ يَنْعَتُ لَهُ الْآلِهَةَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَجَعَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَحِيدُ عَنْهُ، فَلَمَّا أَكْثَرَ الْجَرَّاحُ قَصَدَهُ ابْنُهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فَقَتَلَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الْآيَةَ، وَهِيَ تُؤَكِّدُ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ حُكْمِ الْهِجْرَةِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٢٥ الى ٢٧]
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)
الْمَوَاطِنُ: جَمْعُ مَوْطِنٍ، وَمَوَاطِنُ الْحَرْبِ: مَقَامَاتُهَا، وَالْمَوَاطِنُ الَّتِي نَصَرَ اللَّهُ المسلمين فيها: هي يوم بدر وما بعد، مِنَ الْمَوَاطِنِ الَّتِي نَصَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْكُفَّارِ فِيهَا، قَبْلَ يَوْمِ حُنَيْنٍ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ مَعْطُوفٌ عَلَى مُوَاطِنَ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ، إِمَّا فِي الْأَوَّلِ وَتَقْدِيرُهُ فِي أَيَّامِ مُوَاطِنَ، أَوْ فِي الثَّانِي وَتَقْدِيرُهُ وَمَوْطِنِ يَوْمِ حُنَيْنٍ، لِئَلَّا يَعْطِفُ الزَّمَانُ عَلَى الْمَكَانِ. وَرَدَّ بِأَنَّهُ لَا اسْتِبْعَادَ فِي عَطْفِ الزَّمَانِ عَلَى الْمَكَانِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرٍ وَقِيلَ:
إِنَّ يَوْمَ حُنَيْنٍ: مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلَى نَصَرَكُمُ أَيْ: وَنَصَرَكُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَرَجَّحَ هَذَا صَاحِبُ الْكَشَّافِ. قَالَ: وَمُوجِبُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ بَدَلٌ مِنْ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَلَوْ جُعِلَتْ نَاصِبَةً هَذَا الظَّاهِرُ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّ كَثْرَتَهُمْ لَمْ تُعْجِبْهُمْ فِي جَمِيعِ تِلْكَ الْمَوَاطِنِ، وَلَمْ يَكُونُوا كَثِيرًا فِي جَمِيعِهَا، وَرَدَّ بِأَنَّ الْعَطْفَ
396
لَا يَجِبُ فِيهِ تَشَارُكُ الْمُتَعَاطِفِينَ فِي جَمِيعِ مَا ثَبَتَ لِلْمَعْطُوفِ، كَمَا تَقُولُ: جَاءَنِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو مَعَ قَوْمِهِ، أَوْ فِي ثِيَابِهِ، أَوْ عَلَى فَرَسِهِ وَقِيلَ: إِنَّ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ لَيْسَ بِبَدَلٍ مِنْ يَوْمَ حُنَيْنٍ، بَلْ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أَيِ اذْكُرُوا إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ، وَحُنَيْنٌ: وَادٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَانْصَرَفَ عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ لِلْمَكَانِ، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَمْنَعُهُ عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ لِلْبُقْعَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
نَصَرُوا نَبِيَّهُمْ وَشَدُّوا أَزْرَهُ بِحُنَيْنَ يَوْمَ تَوَاكَلَ الْأَبْطَالُ
وَإِنَّمَا أَعْجَبَ مَنْ أُعْجِبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِكَثْرَتِهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَقِيلَ: أَحَدَ عَشَرَ أَلْفًا، وَقِيلَ:
سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ، فَوُكِلُوا إِلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ فَلَمْ تُغْنِ الْكَثْرَةُ شَيْئًا عَنْهُمْ، بَلِ انْهَزَمُوا وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَثَبَتَ مَعَهُ طَائِفَةٌ يَسِيرَةٌ مِنْهُمْ: عَمُّهُ الْعَبَّاسُ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ، ثُمَّ تَرَاجَعَ الْمُسْلِمُونَ، فَكَانَ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ. وَالْإِغْنَاءُ: إِعْطَاءُ مَا يَدْفَعُ الْحَاجَةَ أَيْ: لَمْ تُعْطِكُمُ الْكَثْرَةُ شَيْئًا يَدْفَعُ حَاجَتَكُمْ، وَلَمْ تُفِدْكُمْ. قَوْلُهُ: بِما رَحُبَتْ الرُّحْبُ بِضَمِّ الرَّاءِ: السِّعَةُ، وَالرَّحْبُ بِفَتْحِ الرَّاءِ: الْمَكَانُ الْوَاسِعُ، وَالْبَاءُ بِمَعْنَى مع، وما مَصْدَرِيَّةٌ، وَمَحَلُّ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْأَرْضَ مَعَ كَوْنِهَا وَاسِعَةَ الْأَطْرَافِ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْخَوْفِ وَالْوَجَلِ وَقِيلَ: إِنَّ الْبَاءَ بِمَعْنَى عَلَى، أَيْ: عَلَى رُحْبِهَا ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ أَيِ: انْهَزَمْتُمْ حَالَ كَوْنِكُمْ مُدْبِرِينَ، أَيْ: مُوَلِّينَ أَدْبَارَكُمْ، جَاعِلِينَ لَهَا إِلَى جِهَةِ عَدُوِّكُمْ. قَوْلُهُ: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَيْ: أنزل ما يسكنهم فيذهب خوفهم حتى وقع منهم الاجتراء على قتال المشركين بعد أن ولوا مدبرين، والمراد بالمؤمنين: هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَنْهَزِمُوا، وَقِيلَ: الَّذِينَ انْهَزَمُوا، وَالظَّاهِرُ جَمِيعُ مَنْ حَضَرَ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ ثَبَتُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَاتَلُوا، وَانْتَصَرُوا.
قَوْلُهُ: وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها هُمُ الْمَلَائِكَةُ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي عَدَدِهِمْ عَلَى أَقْوَالٍ: قِيلَ خَمْسَةُ آلَافٍ، وَقِيلَ: ثَمَانِيَةُ آلَافٍ، وَقِيلَ: سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وَهَذَا لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ النُّبُوَّةِ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ قَاتَلَتِ الْمَلَائِكَةُ فِي هَذَا الْيَوْمِ أَمْ لَا؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ تُقَاتِلْ إِلَّا يَوْمَ بَدْرٍ، وأنهم إنما حضروا في غير يوم بَدْرٍ، لِتَقْوِيَةِ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِدْخَالِ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ، وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ، وَسَبِّي الذُّرِّيَّةِ، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: وَذلِكَ إِلَى التَّعْذِيبِ الْمَفْهُومِ مِنْ عَذَّبَ، وَسُمِّيَ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ فِي هَذَا الْيَوْمِ جَزَاءً مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ كَافٍ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ مُبَالَغَةً فِي وَصْفِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِمْ، وَتَعْظِيمًا لَهُ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ أَيْ: مِنْ بَعْدِ هَذَا التَّعْذِيبِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِمَّنْ هَدَاهُ مِنْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ غَفُورٌ يَغْفِرُ لِمَنْ أَذْنَبَ فَتَابَ رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِالْمَغْفِرَةِ لِمَا اقْتَرَفُوهُ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حُنَيْنٌ: مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، قَاتَلَ نَبِيُّ اللَّهِ هَوَازِنَ وثقيف، وَعَلَى هَوَازِنَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ، وَعَلَى ثَقِيفٍ عبد يا ليل بْنُ عَمْرٍو الثَّقَفِيُّ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَمَّا اجْتَمَعَ أَهْلُ مَكَّةَ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ قَالُوا: الْآنَ نُقَاتِلُ حِينَ اجْتَمَعْنَا، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا
397
قوله :﴿ ثُمَّ أَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين ﴾ : هم الذين لم ينهزموا، وقيل : الذين انهزموا.
والظاهر : جميع من حضر منهم ؛ لأنهم ثبتوا بعد ذلك وقاتلوا وانتصروا.
قوله :﴿ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ هم الملائكة. وقد اختلف في عددهم على أقوال : قيل : خمسة آلاف. وقيل : ثمانية آلاف، وقيل : ستة عشر ألفاً. وقيل : غير ذلك، وهذا لا يعرف إلا من طريق النبوّة. واختلفوا أيضاً هل قاتلت الملائكة في هذا اليوم أم لا ؟ وقد تقدم أن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر، وأنهم إنما حضروا في غير يوم بدر لتقوية قلوب المؤمنين، وإدخال الرعب في قلوب المشركين ﴿ وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ ﴾ بما وقع عليهم من القتل والأسر وأخذ الأموال وسبي الذرية، والإشارة بقوله :﴿ وَذَلِكَ ﴾ إلى التعذيب المفهوم من عذب، وسمي ما حلّ بهم من العذاب في هذا اليوم جزاء مع أنه غير كاف بل لا بدّ من عذاب الآخرة مبالغة في وصف ما وقع عليهم وتعظيماً له.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، قال : حنين ما بين مكة والطائف، قاتل نبيّ الله هوازن وثقيف، وعلى هوازن مالك بن عوف، وعلى ثقيف عبد ياليل بن عمرو الثقفي. وأخرج ابن المنذر، عن الحسن قال : لما اجتمع أهل مكة وأهل المدينة قالوا : الآن نقاتل حين اجتمعنا، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوا، وما أعجبهم من كثرتهم، فالتقوا فهزموا حتى ما يقوم أحد منهم على أحد حتى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي أحياء العرب :«إليّ إليّ»، فوالله ما يعرج عليه أحد حتى أعرى موضعه، فالتفت إلى الأنصار وهم ناحية فنادهم :«يا أنصار الله وأنصار رسوله، إليّ عباد الله أنا رسول الله»، فجثوا يبكون وقالوا : يا رسول الله، وربّ الكعبة إليك والله، فنكسوا رءوسهم يبكون وقدّموا أسيافهم يضربون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى فتح الله عليهم. وأخرج البيهقي في الدلائل، عن الربيع أن رجلاً قال يوم حنين : لن نغلب من قلة، فشقّ ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله :﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ﴾ قال الربيع : وكانوا إثني عشر ألفاً، منهم ألفان من أهل مكة. وأخرج الطبراني، والحاكم وصححه، وأبو نعيم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن مسعود قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فولى عنه الناس وبقيت معه في ثمانين رجلاً من المهاجرين والأنصار. فكنا على أقدامنا نحواً من ثمانين قدماً ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء يمضي قدماً، فقال :
ناولني كفاً من تراب، فناولته فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم تراباً، وولى المشركون أدبارهم. ووقعة حنين مذكورة في كتب السير والحديث بطولها وتفاصيلها، فلا نطول بذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله :﴿ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ قال : هم الملائكة ﴿ وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ ﴾ قال : قتلهم بالسيف. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد ابن جبير، قال : في يوم حنين أمدّ الله رسوله بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، ويومئذ سمى الله الأنصار مؤمنين قال : فأنزل سكينته على رسوله وعلى المؤمنين. وأخرج ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن جبير بن مطعم، قال : رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل النجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي، لم أشك أنها الملائكة، ولم تكن إلا هزيمة القوم.

﴿ ثُمَّ يَتُوبُ الله مِن بَعْدِ ذلك على مَن يَشَاء ﴾ أي : من بعد هذا التعذيب على من يشاء ممن هداه منهم إلى الإسلام ﴿ والله غَفُورٌ ﴾ يغفر لمن أذنب، فتاب ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ بعباده يتفضل عليهم بالمغفرة لما اقترفوه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، قال : حنين ما بين مكة والطائف، قاتل نبيّ الله هوازن وثقيف، وعلى هوازن مالك بن عوف، وعلى ثقيف عبد ياليل بن عمرو الثقفي. وأخرج ابن المنذر، عن الحسن قال : لما اجتمع أهل مكة وأهل المدينة قالوا : الآن نقاتل حين اجتمعنا، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوا، وما أعجبهم من كثرتهم، فالتقوا فهزموا حتى ما يقوم أحد منهم على أحد حتى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي أحياء العرب :«إليّ إليّ»، فوالله ما يعرج عليه أحد حتى أعرى موضعه، فالتفت إلى الأنصار وهم ناحية فنادهم :«يا أنصار الله وأنصار رسوله، إليّ عباد الله أنا رسول الله»، فجثوا يبكون وقالوا : يا رسول الله، وربّ الكعبة إليك والله، فنكسوا رءوسهم يبكون وقدّموا أسيافهم يضربون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى فتح الله عليهم. وأخرج البيهقي في الدلائل، عن الربيع أن رجلاً قال يوم حنين : لن نغلب من قلة، فشقّ ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله :﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ﴾ قال الربيع : وكانوا إثني عشر ألفاً، منهم ألفان من أهل مكة. وأخرج الطبراني، والحاكم وصححه، وأبو نعيم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن مسعود قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فولى عنه الناس وبقيت معه في ثمانين رجلاً من المهاجرين والأنصار. فكنا على أقدامنا نحواً من ثمانين قدماً ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء يمضي قدماً، فقال :
ناولني كفاً من تراب، فناولته فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم تراباً، وولى المشركون أدبارهم. ووقعة حنين مذكورة في كتب السير والحديث بطولها وتفاصيلها، فلا نطول بذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله :﴿ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ قال : هم الملائكة ﴿ وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ ﴾ قال : قتلهم بالسيف. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد ابن جبير، قال : في يوم حنين أمدّ الله رسوله بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، ويومئذ سمى الله الأنصار مؤمنين قال : فأنزل سكينته على رسوله وعلى المؤمنين. وأخرج ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن جبير بن مطعم، قال : رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل النجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي، لم أشك أنها الملائكة، ولم تكن إلا هزيمة القوم.

قَالُوا، وَمَا أَعْجَبَهُمْ مِنْ كَثْرَتِهِمْ، فَالْتَقَوْا، فَهُزِمُوا حَتَّى مَا يَقُومُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَحَدٍ حَتَّى جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينادي أحياء العرب: إليّ إليّ، فو الله مَا يَعْرُجُ عَلَيْهِ أَحَدٌ حَتَّى أَعْرَى مَوْضِعُهُ، فَالْتَفَتَ إِلَى الْأَنْصَارِ وَهُمْ نَاحِيَةٌ فَنَادَاهُمْ: يَا أَنْصَارَ اللَّهِ! وَأَنْصَارَ رَسُولِهِ، إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ، أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، فَجَثَوْا يَبْكُونَ وَقَالُوا:
يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَرَبِّ الْكَعْبَةِ إِلَيْكَ وَاللَّهِ، فَنَكَّسُوا رُؤُوسَهُمْ يَبْكُونَ وَقَدَّمُوا أَسْيَافَهُمْ يَضْرِبُونَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ عَنِ الرَّبِيعِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: لَنْ نُغْلَبَ مِنْ قِلَّةٍ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ قَالَ الرَّبِيعُ:
وَكَانُوا اثْنَيْ عَشْرَ أَلْفًا، مِنْهُمْ أَلْفَانِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَوَلَّى عَنْهُ النَّاسُ وَبَقِيتُ مَعَهُ فِي ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَكُنَّا عَلَى أَقْدَامِنَا نَحْوًا مِنْ ثَمَانِينَ قَدَمًا وَلَمْ نُولَّهُمُ الدُّبُرَ، وَهُمُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ يَمْضِي قُدُمًا، فَقَالَ: نَاوِلْنِي كَفًّا مِنْ تُرَابٍ، فَنَاوَلْتُهُ فَضَرَبَ بِهِ وُجُوهَهُمْ، فَامْتَلَأَتْ أَعْيُنُهُمْ تُرَابًا، وَوَلَّى الْمُشْرِكُونَ أَدْبَارَهُمْ، وَوَقْعَةُ حُنَيْنٍ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ السِّيَرِ وَالْحَدِيثِ بِطُولِهَا وَتَفَاصِيلِهَا فَلَا نُطَوِّلُ بِذَلِكَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ:
وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها قَالَ: هُمُ الْمَلَائِكَةُ وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا قَالَ: قَتَلَهُمْ بِالسَّيْفِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ أَمَدَّ اللَّهُ رَسُولَهُ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، وَيَوْمئِذَ سَمَّى اللَّهُ الْأَنْصَارَ مُؤْمِنِينَ قَالَ: فَأَنْزَلَ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: رَأَيْتُ قَبْلَ هَزِيمَةِ الْقَوْمِ وَالنَّاسُ يَقْتَتِلُونَ مِثْلَ النِّجَادِ الْأَسْوَدِ أَقْبَلَ مِنَ السَّمَاءِ حَتَّى سَقَطَ بَيْنَ الْقَوْمِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا نَمْلٌ أَسْوَدُ مَبْثُوثٌ قَدْ مَلَأَ الْوَادِيَ، لَمْ أَشُكَّ أَنَّهَا الْمَلَائِكَةُ، وَلَمْ تَكُنْ إلا هزيمة القوم.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٢٨ الى ٢٩]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) قاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩)
النَّجَسُ: مَصْدَرٌ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ، يُقَالُ رَجُلٌ نَجَسٌ، وَامْرَأَةٌ نَجَسٌ، وَرَجُلَانِ نَجَسٌ، وَامْرَأَتَانِ نَجَسٌ، وَرِجَالٌ نَجَسٌ، وَنِسَاءٌ نَجِسٌ وَيُقَالُ: نَجِسٌ وَنَجُسٌ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَضَمِّهَا وَيُقَالُ: نِجْسٌ، بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، وَهُوَ تَخْفِيفٌ مِنْ الْمُحَرَّكِ، قِيلَ: لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا إِذَا قِيلَ مَعَهُ رِجْسٌ، وَقِيلَ: ذَلِكَ أَكْثَرِيٌّ لَا كُلِّيٌّ. وَالْمُشْرِكُونَ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ الْمَصْدَرُ مُبَالَغَةً فِي وَصْفِهِمْ بِذَلِكَ حَتَّى كَأَنَّهُمْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ، أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ: أَيْ ذَوُو نَجَسٍ، لِأَنَّ مَعَهُمُ الشِّرْكَ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النَّجَسِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَمَعْمَرٌ وَغَيْرُهُمَا: إِنَّهُمْ وُصِفُوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَطَهَّرُونَ، وَلَا يَغْتَسِلُونَ، وَلَا يَتَجَنَّبُونَ النَّجَاسَاتِ.
398
وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِالْآيَةِ مَنْ قَالَ: بِأَنَّ الْمُشْرِكَ نَجَسُ الذَّاتِ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ وَالزَّيْدِيَّةِ. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَمِنْهُمْ أَهْلُ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ إِلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ بِنَجَسِ الذَّاتِ، لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَحَلَّ طَعَامَهُمْ، وَثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ وَقَوْلِهِ مَا يُفِيدُ عَدَمَ نَجَاسَةِ ذَوَاتِهِمْ، فَأَكَلَ فِي آنِيَتِهِمْ، وَشَرِبَ مِنْهَا، وَتَوَضَّأَ فِيهَا، وَأَنْزَلَهُمْ فِي مَسْجِدِهِ. قَوْلُهُ:
فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ الْفَاءُ لِلتَّفْرِيعِ، فَعَدَمُ قُرْبَانِهِمْ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مُتَفَرِّعٌ عَلَى نَجَاسَتِهِمْ. وَالْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ جَمِيعُ الْحَرَمِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، فَيُمْنَعُونَ عِنْدَهُ مِنْ جَمِيعِ الْحَرَمِ، وَذَهَبَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ نَفْسُهُ فَلَا يُمْنَعُ الْمُشْرِكُ مِنْ دُخُولِ سَائِرِ الْحَرَمِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي دُخُولِ الْمُشْرِكِ غَيْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنَ الْمَسَاجِدِ فَذَهَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ إِلَى مَنْعِ كُلِّ مُشْرِكٍ عَنْ كُلِّ مَسْجِدٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي سَائِرِ الْمُشْرِكِينَ خَاصَّةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ دُخُولِ غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذَا جُمُودٌ مِنْهُ عَلَى الظَّاهِرِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ تَنْبِيهٌ عَلَى الْعِلَّةِ بِالشِّرْكِ وَالنَّجَاسَةِ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ مَرْدُودٌ بِرَبْطِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِثُمَامَةَ بْنِ أَثَالٍ فِي مَسْجِدِهِ، وَإِنْزَالِ وَفْدِ ثَقِيفٍ فِيهِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَزَادَ أَنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُ الذِّمِّيِّ سَائِرَ الْمَسَاجِدِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَقَيَّدَهُ الشَّافِعِيُّ بِالْحَاجَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلذِّمِّيِّ دُونَ الْمُشْرِكِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُمْ دُخُولُ الْحَرَمِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَسَائِرِ الْمَسَاجِدِ، وَنَهْيُ الْمُشْرِكِينَ عَنْ أَنْ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ هُوَ نَهْيٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ أَنْ يُمَكِّنُوهُمْ مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِمْ: لَا أَرَيَنَّكَ هَاهُنَا.
قَوْلُهُ: بَعْدَ عامِهِمْ هَذَا فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ سَنَةُ تِسْعٍ، وَهِيَ الَّتِي حَجَّ فيها أبو بكر على الموسم.
والثاني: أَنَّهُ سَنَةُ عَشْرٍ، قَالَهُ قَتَادَةُ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي يُعْطِيهِ مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَمِنَ الْعَجَبِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ سَنَةُ تِسْعٍ، وهو العام الذي وقع في الْأَذَانُ، وَلَوْ دَخْلَ غُلَامُ رَجُلٍ دَارَهُ يَوْمًا فَقَالَ لَهُ مَوْلَاهُ:
لَا تَدْخُلْ هَذِهِ الدَّارَ بَعْدَ يَوْمِكَ، لَمْ يَكُنِ الْمُرَادُ الْيَوْمَ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ انْتَهَى. وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الَّذِي يُعْطِيهِ مُقْتَضَى اللَّفْظِ هُوَ خِلَافُ مَا زَعَمَهُ، فَإِنَّ الْإِشَارَةَ بِقَوْلِهِ: بَعْدَ عامِهِمْ هَذَا إِلَى الْعَامِ الْمَذْكُورِ قَبْلَ اسْمِ الْإِشَارَةِ وَهُوَ عَامُ النِّدَاءِ، وَهَكَذَا فِي الْمِثَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُرَادُ: النَّهْيُ عَنْ دُخُولِهَا بَعْدَ يَوْمِ الدُّخُولِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْخِطَابُ، وَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ لَا يَخْفَى، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ تَفْسِيرَ مَا بَعْدَ الْمُضَافِ إِلَى عَامِهِمْ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ عَامُ عَشْرٍ، وَأَمَّا تَفْسِيرُ الْعَامِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِهَذَا، فَلَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ عَامُ تِسْعٍ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ قَتَادَةَ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُشْرِكِينَ دُخُولُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ بِهَذَا الْقَيْدِ، أَعْنِي قَوْلَهُ: بَعْدَ عامِهِمْ هَذَا قَائِلًا إِنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِوَقْتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَهُمْ مَمْنُوعُونَ عَنِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَقَطْ لَا عَنْ مُطْلَقِ الدُّخُولِ. وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ ظَاهِرَ النَّهْيِ عَنِ الْقُرْبَانِ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ يُفِيدُ الْمَنْعَ مِنَ الْقُرْبَانِ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ الْكَائِنَةِ بَعْدَهُ، وَتَخْصِيصُ بَعْضِهَا بِالْجَوَازِ يَحْتَاجُ إِلَى مُخَصِّصٍ. قَوْلُهُ: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ الْعَيْلَةُ:
الْفَقْرُ، يُقَالُ: عَالَ الرَّجُلُ يَعِيلُ: إِذَا افْتَقَرَ، قَالَ الشَّاعِرِ:
399
وَقَرَأَ عَلْقَمَةُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ «عايلة» وهو مصدر كالقائلة وَالْعَافِيَةِ وَالْعَاقِبَةِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ:
خَصْلَةٌ شَاقَّةٌ، يُقَالُ عَالَنِي الْأَمْرُ يَعُولُنِي: أَيْ شَقَّ عَلَيَّ وَاشْتَدَّ. وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرَيُّ أَنَّهُ يُقَالُ عَالَ يَعُولُ:
إِذَا افْتَقَرَ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ لَمَّا مَنَعُوا الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْمَوْسِمِ وَهُمْ كَانُوا يَجْلِبُونَ إِلَيْهِ الْأَطْعِمَةَ وَالتِّجَارَاتِ، قَذَفَ الشَّيْطَانُ فِي قُلُوبِهِمُ الْخَوْفَ مِنَ الْفَقْرِ وَقَالُوا: مَنْ أَيْنَ نَعِيشُ؟ فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ أَنْ يُغْنِيَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ. قَالَ الضَّحَّاكُ:
فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَابَ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِقَوْلِهِ: قاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ الْآيَةَ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ:
أَغْنَاهُمْ بِإِدْرَارِ الْمَطَرِ وَالنَّبَاتِ وَخَصْبِ الْأَرْضِ، وَأَسْلَمَتِ الْعَرَبُ فَحَمَلُوا إِلَى مَكَّةَ مَا أَغْنَاهُمُ اللَّهُ بِهِ. وَقِيلَ:
أَغْنَاهُمْ بِالْفَيْءِ، وَفَائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالْمَشِيئَةِ التَّعْلِيمُ لِلْعِبَادِ بِأَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ فِي كُلِّ مَا يَتَكَلَّمُونَ بِهِ مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ، وَلِئَلَّا يَفْتُرُوا عَنِ الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِأَحْوَالِكُمْ حَكِيمٌ فِي إِعْطَائِهِ وَمَنْعِهِ، مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. قَوْلُهُ: قاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ الْآيَةَ، فِيهِ الْأَمْرُ بِقِتَالِ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَوْصَافِ. قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عَقِيلٍ: إِنَّ قَوْلَهُ: قاتِلُوا أَمْرٌ بِالْعُقُوبَةِ، ثُمَّ قَالَ: الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ فَبَيَّنَ الذَّنْبَ الَّذِي تُوجِبُهُ الْعُقُوبَةُ، ثُمَّ قَالَ: وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ فَأَكَّدَ الذَّنْبَ فِي جَانِبِ الِاعْتِقَادِ، ثُمَّ قَالَ: وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِيهِ زِيَادَةٌ لِلذَّنْبِ فِي مُخَالَفَةِ الْأَعْمَالِ، ثُمَّ قَالَ: وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَأْكِيدِ الْمَعْصِيَةِ بِالِانْحِرَافِ وَالْمُعَانَدَةِ وَالْأَنَفَةِ عَنِ الِاسْتِسْلَامِ، ثُمَّ قَالَ: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ تَأْكِيدٌ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، ثُمَّ قَالَ: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ فَبَيَّنَ الْغَايَةَ الَّتِي تَمْتَدُّ إِلَيْهَا الْعُقُوبَةُ. انْتَهَى قَوْلُهُ: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بَيَانٌ لِلْمَوْصُولِ مَعَ مَا فِي حَيِّزِهِ، وَهُمْ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. قَوْلُهُ: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ الْجِزْيَةُ، وَزْنُهَا فِعْلَةٌ مَنْ جَزَى يَجْزِي: إِذَا كَافَأَ عَمَّا أُسْدِيَ إِلَيْهِ، فَكَأَنَّهُمْ أَعْطَوْهَا جَزَاءً عَمَّا مُنِحُوا مِنَ الْأَمْنِ وَقِيلَ: سُمِّيَتْ جِزْيَةً لِأَنَّهَا طَائِفَةٌ مِمَّا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يَجْزُوهُ، أَيْ: يَقْضُوهُ، وَهِيَ فِي الشَّرْعِ: مَا يُعْطِيهِ الْمُعَاهِدُ عَلَى عهده، وعَنْ يَدٍ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ. وَالْمَعْنَى: عَنْ يَدٍ مُوَاتِيَةٍ، غَيْرِ مُمْتَنِعَةٍ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُعْطُونَهَا بِأَيْدِيهِمْ غَيْرُ مُسْتَنِيبِينَ فِيهَا أَحَدًا وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: نَقْدٍ غَيْرِ نَسِيئَةٍ وَقِيلَ: عَنْ قَهْرٍ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ عَنْ إِنْعَامٍ مِنْكُمْ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ أَخْذَهَا مِنْهُمْ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِنْعَامِ عَلَيْهِمْ وَقِيلَ مَعْنَاهُ مَذْمُومُونَ. وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وأصحابه الثوري وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ إِلَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ: إِنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنْ جَمِيعِ أَجْنَاسِ الْكَفَرَةِ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَيَدْخُلُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الْمَجُوسُ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ منهم.
واختلف أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مِقْدَارِ الْجِزْيَةِ، فَقَالَ عَطَاءٌ: لَا مِقْدَارَ لَهَا، وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ عَلَى مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ، وَبِهِ قَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: أَقَلُّهَا دِينَارٌ وَأَكْثَرُهَا لَا حَدَّ لَهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: دِينَارٌ عَلَى الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ مِنَ الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ لَا يَنْقُصُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِنْ صُولِحُوا عَلَى أَكْثَرِ مِنْ دِينَارٍ جَازَ، وَإِذَا زَادُوا وَطَابَتْ بِذَلِكَ أَنْفُسُهُمْ قُبِلَ مِنْهُمْ. وَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّهَا أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ، وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ، الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ سَوَاءٌ، وَلَوْ كَانَ مَجُوسِيًّا، لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ. وَقَالَ
400
أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: اثْنَا عَشَرَ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ، وَالْكَلَامُ فِي الْجِزْيَةِ مُقَرَّرٌ فِي مَوَاطِنِهِ، وَالْحَقُّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي شَرْحِنَا لِلْمُنْتَقَى وَغَيْرِهِ مِنْ مُؤَلَّفَاتِنَا، قَوْلُهُ:
وَهُمْ صاغِرُونَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَالصَّغَارُ: الذُّلُّ. وَالْمَعْنَى: إِنَّ الذِّمِّيَّ يُعْطِي الْجِزْيَةَ حَالَ كَوْنِهِ صَاغِرًا، قِيلَ: وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا بِنَفْسِهِ مَاشِيًا غَيْرَ رَاكِبٍ، وَيُسَلِّمَهَا وَهُوَ قَائِمٌ، وَالْمُتَسَلِّمُ قَاعِدٌ. وَبِالْجُمْلَةِ يَنْبَغِي لِلْقَابِضِ لِلْجِزْيَةِ أَنْ يَجْعَلَ الْمُسَلِّمَ لَهَا حَالَ قَبْضِهَا صَاغِرًا ذَلِيلًا.
وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ:
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ الْآيَةَ قَالَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا أَوْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَدْخُلُ مَسْجِدَنَا هَذَا بَعْدَ عَامِنَا هَذَا مُشْرِكٌ إِلَّا أَهْلُ الْعَهْدِ وَخَدَمُكُمْ». قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا. وَالْمَوْقُوفُ: أَصَحُّ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَجِيئُونَ إِلَى الْبَيْتِ، وَيَجِيئُونَ مَعَهُمْ بِالطَّعَامِ يَتَّجِرُونَ بِهِ. فَلَمَّا نُهُوا عَنْ أَنْ يَأْتُوا الْبَيْتَ. قَالَ الْمُسْلِمُونَ: فَمَنْ أَيْنَ لَنَا الطَّعَامُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ قَالَ: فَأَنْزَلَ الله عليهم المطر، وكثر خيرهم حين ذَهَبَ الْمُشْرِكُونَ عَنْهُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قَالَ: فَأَغْنَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَرَهُمْ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً قَالَ:
الْفَاقَةُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ قَالَ: بِالْجِزْيَةِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الضَّحَّاكِ مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ قَتَادَةَ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ قَالَ: قَذَرٌ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ: مَنْ صَافَحَهُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَافَحَ مُشْرِكًا فَلْيَتَوَضَّأْ أَوْ لِيَغْسِلْ كَفَّيْهِ». وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: قاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ حِينَ أُمِرَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ بِغَزْوَةِ تَبُوكَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: نَزَلَتْ فِي كُفَّارِ قُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَأُنْزِلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ قاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ أَهْلُ نَجْرَانَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: قاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ يَعْنِي: الَّذِينَ لَا يُصَدِّقُونَ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يَعْنِي: الْخَمْرَ وَالْحَرِيرَ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ يَعْنِي: دِينَ الْإِسْلَامِ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ يَعْنِي مُذَلَّلُونَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: عَنْ يَدٍ قَالَ: عَنْ قَهْرٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فِي قَوْلِهِ: عَنْ يَدٍ قَالَ: مِنْ يَدِهِ وَلَا يَبْعَثُ بِهَا غَيْرَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ أَبِي سِنَانٍ فِي قَوْلِهِ: عَنْ يَدٍ قَالَ: عَنْ قُدْرَةٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَهُمْ صاغِرُونَ قَالَ: يَمْشُونَ بِهَا
401
قوله :﴿ قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله ﴾ الآية، فيه الأمر بقتال من جمع بين هذه الأوصاف. قال أبو الوفاء بن عقيل : إن قوله :﴿ قَاتَلُواْ ﴾ أمر بالعقوبة، ثم قال :﴿ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله ﴾ فبين الذنب الذي توجبه العقوبة، ثم قال :﴿ وَلاَ باليوم الآخر ﴾ فأكد الذنب في جانب الاعتقاد، ثم قال :﴿ وَلاَ يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ ﴾ فيه زيادة للذنب في مخالفة الأعمال، ثم قال :﴿ وَلاَ يَدِينُونَ دِيِنَ الحق ﴾ فيه إشارة إلى تأكيد المعصية بالانحراف والمعاندة، والأنفة عن الاستسلام، ثم قال :﴿ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ تأكيد للحجة عليهم ؛ لأنهم كانوا يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، ثم قال :﴿ حتى يُعْطُواْ الجزية ﴾ فبيّن الغاية التي تمتد إليها العقوبة انتهى.
قوله :﴿ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ بيان للموصول مع ما في حيزه وهم أهل التوراة والإنجيل. قوله :﴿ حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ ﴾ الجزية وزنها فعلة من جزى يجزي : إذا كافأ عما أسدي إليه، فكأنهم أعطوها جزاء عما منحوا من الأمن. وقيل : سميت جزية ؛ لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه : أي يقضوه، وهي في الشرع : ما يعطيه المعاهد على عهده، و ﴿ عَن يَدٍ ﴾ في محل نصب على الحال. والمعنى : عن يد مواتية غير ممتنعة. وقيل : معناه : يعطونها بأيديهم غير مستنيبين فيها أحداً. وقيل : معناه : نقد غير نسيئة. وقيل : عن قهر. وقيل : معناه : عن إنعام منكم عليهم ؛ لأن أخذها منهم نوع من أنواع الإنعام عليهم. وقيل : معناه : مذمومون. وقد ذهب جماعة من أهل العلم منهم الشافعي، وأحمد، أبو حنيفة، وأصحابه والثوري، وأبو ثور، إلى أنها لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب. وقال الأوزاعي ومالك : إن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الكفرة كائناً من كان، ويدخل في أهل الكتاب على القول الأوّل : المجوس. قال ابن المنذر : لا أعلم خلافاً في أن الجزية تؤخذ منهم.
واختلف أهل العلم في مقدار الجزية. فقال عطاء : لا مقدار لها. وإنما تؤخذ على ما صولحوا عليه، وبه قال يحيى بن آدم، وأبو عبيد، وابن جرير إلا أنه قال : أقلها دينار، وأكثرها لا حدّ له. وقال الشافعي : دينار على الغنيّ والفقير من الأحرار البالغين لا ينقص منه شيء، وبه قال أبو ثور. قال الشافعي : وإن صولحوا على أكثر من دينار جاز، وإذا زادوا وطابت بذلك أنفسهم قبل منهم. وقال مالك : إنها أربعة دنانير على أهل الذهب. وأربعون درهماً على أهل الورق، الغنيّ والفقير سواء، ولو كان مجوسياً لا يزيد ولا ينقص. وقال أبو حنيفة وأصحابه، ومحمد بن الحسن، وأحمد بن حنبل : إثنا عشر، وأربعة وعشرون، وثمانية وأربعون. والكلام في الجزية مقرّر في مواطنه، والحق من هذه الأقوال قد قرّرناه في شرحنا للمنتقي وغيره من مؤلفاتنا.
قوله :﴿ وَهُمْ صاغرون ﴾ في محل نصب على الحال، والصغار : الذلّ. والمعنى : إن الذميّ يعطى الجزية حال كونه صاغراً، قيل : وهو أن يأتي بها بنفسه ماشياً غير راكب، ويسلمها وهو قائم، والمتسلم قاعد. وبالجملة ينبغي للقابض للجزية أن يجعل المسلم لها حال قبضها صاغراً ذليلاً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، في قوله :﴿ إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ ﴾ الآية قال : إلا أن يكون عبداً أو أحداً من أهل الذمة. وقد روي مرفوعاً من وجه آخرج أخرجه ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لا يدخل مسجدنا هذا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمكم» قال ابن كثير : تفرّد به أحمد مرفوعاً. والموقوف : أصح. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال : كان المشركون يجيئون إلى البيت ويجيئون معهم بالطعام يتجرون به، فلما نهوا عن أن يأتوا البيت. قال المسلمون : فمن أين لنا الطعام ؟ فأنزل الله :﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عيلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إِن شَاء ﴾ قال : فأنزل الله عليهم المطر، وكثر خيرهم حين ذهب المشركون عنهم. وأخرج ابن مردويه، عنه، قال : فأغناهم الله من فضله، وأمرهم بقتال أهل الكتاب. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة، في قوله :﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ﴾ قال : الفاقة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، في قوله :﴿ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ ﴾ قال : بالجزية. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن الضحاك مثله. وأخرج نحوه عبد الرزاق عن قتادة. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن، في قوله :﴿ إِنَّمَا المشركون نَجَس ﴾ قال : قذر. وأخرج أبو الشيخ عنه، أيضاً قال : من صافحهم فليتوضأ. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من صافح مشركاً فليتوضأ أو ليغسل كفيه» وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبهيقي في سننه، عن مجاهد، في قوله :﴿ قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله ﴾ قال : نزلت هذه الآية حين أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بغزوة تبوك. وأخرج ابن المنذر، عن ابن شهاب، قال : نزلت في كفار قريش والعرب ﴿ وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ وأنزلت في أهل الكتاب :﴿ قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله ﴾ الآية إلى قوله :﴿ حتى يُعْطُواْ الجزية ﴾، فكان أول من أعطى الجزية أهل نجران. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، في قوله :﴿ قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله ﴾ يعني : الذين لا يصدّقون بتوحيد الله ﴿ وَلاَ يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ ﴾ يعني الخمر والحرير ﴿ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق ﴾ يعني : دين الإسلام ﴿ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صاغرون ﴾ يعني : مذللون. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿ عَن يَدٍ ﴾ قال : عن قهر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سفيان بن عيينة، في قوله :﴿ عَن يَدٍ ﴾ قال : من يده ولا يبعث بها غيره. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي سنان في قوله :﴿ عَن يَدٍ ﴾ قال : عن قدرة. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله :﴿ وَهُمْ صاغرون ﴾ قال : يمشون بها متلتلين. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، قال : يلكزون. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سلمان، في الآية قال : غير محمودين.
مُتَلْتَلِينَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ قَالَ: يُلْكَزُونَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ سَلْمَانَ فِي الْآيَةِ قَالَ: غير محمودين.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٣٠ الى ٣٣]
وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)
قَوْلُهُ: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيَانِ شرك أهل الكتابين، وعزيز: مُبْتَدَأٌ، وَابْنُ اللَّهِ: خَبَرُهُ، وَقَدْ قَرَأَ عَاصِمٌ والكسائي «عزيز» بِالتَّنْوِينِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَرْكِ التَّنْوِينِ لِاجْتِمَاعِ الْعُجْمَةِ وَالْعَلَمِيَّةِ فِيهِ. وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّنْوِينِ فَقَدْ جَعَلَهُ عَرَبِيًّا وَقِيلَ: إِنَّ سُقُوطَ التَّنْوِينِ لَيْسَ لِكَوْنِهِ مُمْتَنِعًا بَلْ لِاجْتِمَاعِ السَّاكِنِينَ، وَمِنْهُ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ- اللَّهُ الصَّمَدُ «١». قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الشِّعْرِ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرَيُّ:
وَمَا يَدْرِي الْفَقِيرُ مَتَى غِنَاهُ وَمَا يَدْرِي الْغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ
لِتَجِدنِي بِالْأَمِيرِ برّا وبالقناة مدعسا مِكَرًّا
إِذَا غُطَيْفٌ السُّلَمِيُّ فَرَّا
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَقالَتِ الْيَهُودُ إِنَّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ لِجَمِيعِهِمْ، وَقِيلَ: هُوَ لَفْظٌ خَرَجَ عَلَى الْعُمُومِ، وَمَعْنَاهُ:
الْخُصُوصُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إِلَّا الْبَعْضُ مِنْهُمْ. وَقَالَ النَّقَّاشُ: لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ يَقُولُهَا؟ بَلْ قَدِ انْقَرَضُوا وَقِيلَ:
إِنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ مُتَضَمِّنَةً لِحِكَايَةِ ذَلِكَ عَنِ الْيَهُودِ، لِأَنَّ قَوْلَ بَعْضِهِمْ لَازِمٌ لِجَمِيعِهِمْ، قَوْلُهُ: وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ قَالُوا هَذَا لَمَّا رَأَوْا مِنْ إِحْيَائِهِ الْمَوْتَى مَعَ كَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ أَبٍ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِهَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَالْأُولَى أن يقال: إنهم قالوا هذه المقالة لكونه فِي الْإِنْجِيلِ وَصْفُهُ تَارَةً بِابْنِ اللَّهِ، وَتَارَةً بِابْنِ الْإِنْسَانِ، كَمَا رَأَيْنَا ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الْإِنْجِيلِ، وَلَمْ يَفْهَمُوا أَنَّ ذَلِكَ لِقَصْدِ التَّشْرِيفِ وَالتَّكْرِيمِ، أَوْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَحْرِيفِ سَلَفِهِمْ لِغَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ الْفَاسِدَةِ قِيلَ: وَهَذِهِ الْمَقَالَةُ إِنَّمَا هِيَ لِبَعْضِ النَّصَارَى لَا لِكُلِّهِمْ. قَوْلُهُ: ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا صَدَرَ عَنْهُمْ مِنْ هذه المقالة الباطلة. ووجه قوله بِأَفْوَاهِهِمْ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْقَوْلَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْفَمِ، بِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَمَّا كَانَ سَاذَجًا لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ، وَلَا عَضَّدَهُ بِرِهَانٌ، كَانَ مُجَرَّدَ دَعْوَى لَا مَعْنَى تَحْتَهَا، فَارِغَةٍ صَادِرَةٍ عَنْهُمْ صُدُورَ الْمُهْمَلَاتِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا إِلَّا كَوْنُهَا خَارِجَةً مِنَ الْأَفْوَاهِ، غَيْرَ مُفِيدَةٍ لِفَائِدَةٍ يُعْتَدُّ بِهَا وَقِيلَ: إِنَّ ذِكْرَ الْأَفْوَاهِ لقصد التأكيد،
(١). الإخلاص: ١- ٢.
402
كَمَا فِي كَتَبْتُ بِيَدِي، وَمَشَيْتُ بِرِجْلِي، وَمِنْهُ قوله تعالى: يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ «١». قوله: وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ «٢». وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلًا مَقْرُونًا بِذِكْرِ الْأَفْوَاهِ، وَالْأَلْسُنِ إِلَّا وَكَانَ قَوْلًا زُورًا كَقَوْلِهِ: يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ «٣»، وقوله: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ «٤»، وَقَوْلِهِ: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ «٥». قوله: يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُضَاهَاةُ: الْمُشَابِهَةُ، قِيلَ: وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ: امْرَأَةٌ ضَهْيَاءُ: وَهِيَ الَّتِي لَا تَحِيضُ لِأَنَّهَا شَابَهَتِ الرِّجَالَ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الفارسي: من قال: يضاهون مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمُ: امْرَأَةٌ ضَهْيَاءُ فَقَوْلُهُ خَطَأٌ، لِأَنَّ الْهَمْزَةَ فِي ضَاهَأَ أَصْلِيَّةٌ، وَفِي ضَهْيَاءَ زَائِدَةٌ كَحَمْرَاءَ، وَأَصْلُهُ: يُضَاهِئُونَ، وَامْرَأَةٌ ضَهْيَاءُ. وَمَعْنَى مُضَاهَاتِهِمْ لِقَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِيهِ أَقْوَالٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ شَابَهُوا بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ عَبَدَةَ الأوثان في قولهم: اللات وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ بَنَاتُ اللَّهِ. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ شَابَهُوا قَوْلَ مَنْ يَقُولُ مِنَ الْكَافِرِينَ: إِنَّ الملائكة بنات الله، الثالث: أنهم شابهوا أسلافهم القائلين بأن عزيز ابْنُ اللَّهِ وَأَنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ. قَوْلُهُ: قاتَلَهُمُ اللَّهُ دُعَاءٌ عَلَيْهِمْ بِالْهَلَاكِ، لِأَنَّ مَنْ قَاتَلَهُ اللَّهُ هَلَكَ وَقِيلَ: هُوَ تَعَجُّبٌ مِنْ شَنَاعَةِ قَوْلِهِمْ وَقِيلَ: مَعْنَى قَاتَلَهُمُ اللَّهُ: لَعَنَهُمُ الله، ومنه قول أبان بن تغلب:
قَاتَلَهَا اللَّهُ تَلْحَانِي وَقَدْ عَلِمَتْ أَنِّي لِنَفْسِي إِفْسَادِي وَإِصْلَاحِي
وَحَكَى النِّقَاشُ أَنَّ أَصْلَ «قَاتَلَ اللَّهُ» : الدُّعَاءُ، ثُمَّ كَثُرَ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ حَتَّى قَالُوهُ عَلَى التَّعَجُّبِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَهُمْ لَا يُرِيدُونَ الدُّعَاءَ، وَأَنْشَدَ الْأَصْمَعِيُّ:
يَا قَاتَلَ اللَّهُ لَيْلَى كَيْفَ تُعْجِبُنِي وَأُخْبِرُ النَّاسَ أَنِّي لَا أُبَالِيهَا
أَنَّى يُؤْفَكُونَ أَيْ: كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ. قَوْلُهُ: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ الْأَحْبَارُ: جَمَعَ حَبْرٌ، وَهُوَ الَّذِي يُحْسِنُ الْقَوْلَ، وَمِنْهُ ثَوْبٌ مُحَبَّرٌ وَقِيلَ: جَمْعُ حِبْرٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ، قَالَ يُونُسُ: لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّا بِكَسْرِ الْحَاءِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْفَتْحُ وَالْكَسْرُ لُغَتَانِ. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ:
الحبر بالكسر: المداد، وَالْحَبْرُ بِالْفَتْحِ الْعَالِمُ. وَالرُّهْبَانُ: جَمْعُ رَاهِبٍ، مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّهْبَةِ، وَهُمْ عُلَمَاءُ النَّصَارَى، كَمَا أَنَّ الْأَحْبَارَ عُلَمَاءُ الْيَهُودِ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّهُمْ لَمَّا أَطَاعُوهُمْ فِيمَا يَأْمُرُونَهُمْ بِهِ وَيَنْهَوْنَهُمْ عَنْهُ كَانُوا بِمَنْزِلَةِ الْمُتَّخِذِينَ لَهُمْ أَرْبَابًا، لِأَنَّهُمْ أَطَاعُوهُمْ كَمَا تُطَاعُ الْأَرْبَابُ. قَوْلُهُ: وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ مَعْطُوفٌ عَلَى رُهْبَانَهُمْ، أَيِ: اتَّخَذَهُ النَّصَارَى رَبًّا مَعْبُودًا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْيَهُودَ لَمْ يَتَّخِذُوا عزير رَبًّا مَعْبُودًا. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا يَزْجُرُ مَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ عَنِ التَّقْلِيدِ فِي دِينِ اللَّهِ، وَتَأْثِيرُ مَا يَقُولُهُ الْأَسْلَافُ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَالسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، فَإِنَّ طَاعَةَ الْمُتَمَذْهِبِ لِمَنْ يَقْتَدِي بِقَوْلِهِ وَيَسْتَنُّ بِسُنَّتِهِ مِنْ عُلَمَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِمَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ، وَقَامَتْ بِهِ حُجَجُ اللَّهِ وَبَرَاهِينُهُ، وَنَطَقَتْ بِهِ كُتُبُهُ وَأَنْبِيَاؤُهُ، هُوَ كَاتِّخَاذِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لِلْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوهُمْ، بَلْ أَطَاعُوهُمْ، وَحَرَّمُوا مَا حَرَّمُوا، وَحَلَّلُوا مَا حَلَّلُوا. وَهَذَا هُوَ صَنِيعُ الْمُقَلِّدِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِهِ من شبه البيضة بالبيضة،
(١). البقرة: ٧٩.
(٢). الأنعام: ٣٨.
(٣). آل عمران: ١٦٧.
(٤). الكهف: ٥. [.....]
(٥). الفتح: ١١.
403
وَالتَّمْرَةِ بِالتَّمْرَةِ، وَالْمَاءِ بِالْمَاءِ فَيَا عِبَادَ اللَّهِ! وَيَا أَتْبَاعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَا بَالُكُمْ تَرَكْتُمُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ جَانِبًا، وَعَمَدْتُمْ إِلَى رِجَالٍ هُمْ مِثْلُكُمْ فِي تَعَبُّدِ اللَّهِ لَهُمْ بِهِمَا، وَطَلَبِهِ مِنْهُمْ لِلْعَمَلِ بِمَا دَلَّا عَلَيْهِ وَأَفَادَهُ، فَعَلْتُمْ بِمَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْآرَاءِ الَّتِي لَمْ تُعَمَّدْ بِعِمَادِ الْحَقِّ، وَلَمْ تُعَضَّدْ بِعَضُدِ الدِّينِ وَنُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، تُنَادِي بِأَبْلَغِ نِدَاءٍ وَتُصَوِّتُ بِأَعْلَى صَوْتٍ بِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَيُبَايِنُهُ، فَأَعَرْتُمُوهُمَا آذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا، وَأَفْهَامًا مَرِيضَةً، وَعُقُولًا مَهِيضَةً، وَأَذْهَانًا كَلَيْلَةً، وَخَوَاطِرَ عَلِيلَةً، وَأَنْشَدْتُمْ بِلِسَانِ الْحَالِ:
وَمَا أَنَا إِلَّا مِنْ غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ غَوَيْتُ وَإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشَدُ
فَدَعُوا أَرْشَدَكُمُ اللَّهُ وَإِيَّايَ كُتُبًا كَتَبَهَا لَكُمُ الْأَمْوَاتُ مِنْ أَسْلَافِكُمْ، وَاسْتَبْدِلُوا بِهَا كِتَابَ اللَّهِ خَالِقِهُمْ وَخَالِقِكُمْ، وَمُتَعَبَّدِهِمْ وَمُتَعَبَّدِكُمْ، وَمَعْبُودِهِمْ وَمَعْبُودِكُمْ، وَاسْتَبْدَلُوا بِأَقْوَالِ مَنْ تَدْعُونَهُمْ بِأَئِمَّتِكُمْ وَمَا جَاءُوكُمْ بِهِ مِنَ الرَّأْيِ بِأَقْوَالِ إِمَامِكُمْ وَإِمَامِهِمْ وَقُدْوَتِكُمْ وَقُدْوَتِهِمْ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْأَوَّلُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
دَعُوا كُلَّ قَوْلٍ عِنْدَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَمَا آمن فِي دِينِهِ كَمُخَاطِرِ
اللَّهُمَّ هَادِيَ الضَّالِّ، مُرْشِدَ التَّائِهِ، مُوَضَّحَ السَّبِيلِ، اهْدِنَا إِلَى الْحَقِّ، وَأَرْشِدْنَا إِلَى الصَّوَابِ، وَأَوْضِحْ لَنَا مَنْهَجِ الْهِدَايَةِ. قَوْلُهُ: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً هَذِهِ الْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، أي:
اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا، وَالْحَالُ أَنَّهُمْ مَا أمروا إلا بعبادة الله وحده، أو ما أُمِرَ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ إِلَّا بِذَلِكَ، فَكَيْفَ يَصْلُحُونَ لِمَا أَهَّلُوهُمْ لَهُ مِنَ اتِّخَاذِهِمْ أَرْبَابًا؟ قَوْلُهُ: لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِقَوْلِهِ إِلَهًا سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنِ الْإِشْرَاكِ فِي طاعته وعبادته. قوله:
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ هَذَا كَلَامٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نَوْعٍ آخَرَ مِنْ أَنْوَاعِ ضَلَالِهِمْ وَبُعْدِهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَهُوَ مَا رَامُوهُ مِنْ إِبْطَالِ الْحَقِّ بِأَقَاوِيلِهِمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي هِيَ مُجَرَّدُ كَلِمَاتٍ سَاذَجَةٍ وَمُجَادَلَاتٍ زَائِفَةٍ، وَهَذَا تَمْثِيلٌ لِحَالِهِمْ فِي مُحَاوَلَةِ إِبْطَالِ دِينِ الْحَقِّ وَنُبُوَّةِ نَبِيِّ الصِّدْقِ، بِحَالِ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَنْفُخَ فِي نُورٍ عَظِيمٍ قَدْ أَنَارَتْ بِهِ الدُّنْيَا، وَانْقَشَعَتْ بِهِ الظُّلْمَةُ لِيُطْفِئَهُ وَيُذْهِبَ أَضْوَاءَهُ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ أَيْ: دِينَهُ الْقَوِيمَ، وَقَدْ قِيلَ: كَيْفَ دَخَلَتْ إِلَّا الِاسْتِثْنَائِيَّةُ عَلَى يَأْبَى؟ وَلَا يَجُوزُ كَرِهْتُ أَوْ بَغَضْتُ إِلَّا زَيْدًا. قَالَ الْفَرَّاءُ: إِنَّمَا دَخَلْتُ لِأَنَّ فِي الْكَلَامِ طَرَفًا مِنَ الْجَحْدِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّ الْعَرَبَ تَحْذِفُ مَعَ «أَبَى»، وَالتَّقْدِيرُ: وَيَأْبَى اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ: إِنَّمَا جَازَ هَذَا فِي «أَبَى» لِأَنَّهَا مَنْعٌ أَوِ امْتِنَاعٌ فَضَارَعَتِ النَّفْيَ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا أَحْسَنُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَهَلْ لِي أُمٌّ غَيْرُهَا إِنْ تَرَكْتُهَا أَبَى اللَّهُ إِلَّا أن أكون لها ابنما
وَقَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: إِنَّ «أَبَى» قَدْ أُجْرِيَ مَجْرَى لَمْ يُرِدْ أَيْ: وَلَا يُريدُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ. قَوْلُهُ:
وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ مَعْطُوفٌ عَلَى جُمْلَةٍ قَبْلَهُ مُقَدَّرَةٍ، أَيْ: أَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتَمَّ نُورَهُ وَلَوْ لَمْ يَكْرَهِ الْكَافِرُونَ ذَلِكَ وَلَوْ كَرِهُوا، ثُمَّ أَكَّدَ هَذَا بِقَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى أَيْ: بِمَا يَهْدِي بِهِ النَّاسَ مِنَ الْبَرَاهِينِ وَالْمُعْجِزَاتِ وَالْأَحْكَامِ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ وَدِينِ الْحَقِّ وَهُوَ الْإِسْلَامُ لِيُظْهِرَهُ أَيْ: لِيُظْهِرَ
404
رَسُولَهُ، أَوْ دِينَ الْحَقِّ بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ الْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ كَمَا قَدَّمْنَا ذَلِكَ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَلَّامُ بْنُ مِشْكَمٍ، وَنُعْمَانُ بْنُ أَوْفَى، وَأَبُو أَنَسٍ، وَشَاسُ بْنُ قَيْسٍ، وَمَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ فَقَالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُكَ وَقَدْ تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أن عزير ابْنُ اللَّهِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ قَالَ: كُنَّ نِسَاءُ بَنِي إسرائيل يجتمعن بالليل فيصلين ويعتزلن ويذكرن مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمَا أَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ شَرَّ خَلْقِهِ بُخَتُنَصَّرَ، فَحَرَقَ التَّوْرَاةَ وَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَعُزَيْرٌ يَوْمَئِذٍ غلام، فقال عزير: أو كان هَذَا؟ فَلَحِقَ بِالْجِبَالِ وَالْوَحْشِ فَجَعَلَ يَتَعَبَّدُ فِيهَا، وَجَعْلَ لَا يُخَالِطُ النَّاسَ، فَإِذَا هُوَ ذَاتُ يوم بامرأة عند قبر وهي تبكي. فقال: يَا أُمَّهْ! اتَّقِي اللَّهَ، وَاحْتَسِبِي، وَاصْبِرِي، أَمَّا تَعْلَمِينَ أَنَّ سَبِيلَ النَّاسِ إِلَى الْمَوْتِ؟ فَقَالَتْ: يا عزيز! أَتَنْهَانِي أَنْ أَبْكِيَ وَأَنْتَ قَدْ خَلَّفْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَحِقْتَ بِالْجِبَالِ وَالْوَحْشِ؟ ثُمَّ قَالَتْ: إِنِّي لَسْتُ بِامْرَأَةٍ وَلَكِنِّي الدُّنْيَا، وَإِنَّهُ سَيَنْبُعُ فِي مُصَلَّاكَ عَيْنٌ وَتَنْبُتُ شَجَرَةٌ، فَاشْرَبْ مِنْ مَاءِ الْعَيْنِ، وَكُلْ مِنْ ثَمَرِ الشَّجَرَةِ، فَإِنَّهُ سَيَأْتِيكَ مَلَكَانِ فَاتْرُكْهُمَا يَصْنَعَانِ مَا أَرَادَا فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ نَبَعَتِ الْعَيْنُ وَنَبَتَتِ الشَّجَرَةُ، فَشَرِبَ مِنْ مَاءِ الْعَيْنِ وَأَكَلَ مِنْ ثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ، وَجَاءَ مَلَكَانِ وَمَعَهُمَا قَارُورَةٌ فِيهَا نُورٌ، فَأَوْجَرَاهُ مَا فِيهَا: فَأَلْهَمَهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ، فَجَاءَ فَأَمْلَاهُ عَلَى النَّاسِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالُوا عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ أَيْضًا فَذَكَرَ قِصَّةً وَفِيهَا: أن عزير سَأَلَ اللَّهَ بَعْدَ مَا أَنْسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ التَّوْرَاةَ وَنَسَخَهَا مِنْ صُدُورِهِمْ أَنْ يَرُدَّ الَّذِي نَسَخَ مِنْ صَدْرِهِ. فَبَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي نَزَلَ نُورٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَدَخَلَ جَوْفَهُ، فَعَادَ إِلَيْهِ الَّذِي كَانَ ذَهَبَ مِنْ جَوْفِهِ مِنَ التَّوْرَاةِ، فَأَذَّنَ فِي قَوْمِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمُ! قَدْ آتَانِي اللَّهُ التَّوْرَاةَ وَرَدَّهَا إِلَيَّ. وأخرج أبو الشيخ عن كعب قال: دعا عُزَيْرٍ رَبَّهُ أَنْ يُلْقِيَ التَّوْرَاةَ كَمَا أَنْزَلَ عَلَى مُوسَى فِي قَلْبِهِ، فَأَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ، فَبَعْدَ ذَلِكَ قَالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ثَلَاثٌ أَشُكُّ فِيهِنَّ: فَلَا أَدْرِي عُزَيْرٌ كان نبيا أو لَا؟ وَلَا أَدْرِي أَلُعِنَ تُبَّعٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ في قوله: يُضاهِؤُنَ قَالَ: يُشْبِهُونَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: قاتَلَهُمُ اللَّهُ قَالَ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ قَتْلٌ فَهُوَ: لَعْنٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٍ: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَالَ: أَمَّا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ وَابْنُ جَرِيرٍ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَالْفِرْيَابِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ، عَنْ أَبِي الْبَحْتَرِيِّ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ حُذَيْفَةَ فَقَالَ:
أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ أَكَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُمْ
405
قوله :﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله ﴾ الأحبار : جمع حبر. وهو الذي يحسن القول، ومنه ثوب محبر. وقيل : جمع حبر بكسر الحاء. قال يونس : لم أسمعه إلا بكسر الحاء. وقال الفراء : الفتح والكسر لغتان، وقال ابن السكيت : الحبر بالكسر العالم، والحبر بالفتح العالم. والرهبان : جمع راهب مأخوذ من الرهبة، وهم علماء النصارى كما أن الأحبار علماء اليهود. ومعنى الآية : أنهم لما أطاعوهم فيما يأمرونهم به، وينهونهم عنه كانوا بمنزلة المتخذين لهم أرباباً، لأنهم أطاعوهم كما تطاع الأرباب، قوله :﴿ والمسيح ابن مَرْيَمَ ﴾ معطوف على رهبانهم : أي اتخذه النصارى رباً معبوداً، وفيه إشارة إلى أن اليهود لم يتخذوا عزير رباً معبوداً.
وفي هذه الآية ما يزجر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد عن التقليد في دين الله، وتأثير ما يقوله الأسلاف على ما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، فإن طاعة المتمذهب لمن يقتدي بقوله ويستنّ بسنته من علماء هذه الأمة مع مخالفته لما جاءت به النصوص، وقامت به حجج الله وبراهينه، ونطقت به كتبه وأنبياؤه، هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أرباباً من دون الله، للقطع بأنهم لم يعبدوهم بل أطاعوهم، وحرّموا ما حرّموا، وحللوا ما حللوا، وهذا هو صنيع المقلدين من هذه الأمة، وهو أشبه به من شبه البيضة بالبيضة، والتمرة بالتمرة، والماء بالماء، فيا عباد الله، ويا أتباع محمد بن عبد الله، ما بالكم تركتم الكتاب والسنة جانباً، وعمدتم إلى رجال هم مثلكم في تعبد الله لهم بهما وطلبه منهم للعمل بما دلا عليه وأفاده. فعلتم بما جاءوا به من الآراء التي لم تعمد بعماد الحق، ولم تعضد بعضد الدين، ونصوص الكتاب والسنة، تنادي بأبلغ نداء، وتصوّت بأعلى صوت بما يخالف ذلك ويباينه، فأعرتموهما آذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، وأفهاماً مريضة، وعقولاً مهيضة، وأذهاناً كليلة، وخواطر عليلة، وأنشدتم بلسان الحال :
وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد
فدعوا أرشدكم الله وإياي كتباً كتبها لكم الأموات من أسلافكم، واستبدلوا بها كتاب الله، خالقهم وخالقكم، ومتعبدهم ومتعبدكم، ومعبودهم ومعبودكم، واستبدلوا بأقوال من تدعونهم بأئمتكم وما جاؤوكم به من الرأي بأقوال إمامكم وإمامهم، وقدوتكم وقدوتهم، وهو الإمام الأوّل : محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
دعوا كل قول عند قول محمد فما آبن في دينه كمخاطر
اللهم هادي الضالّ، مرشد التائه، موضح السبيل، اهدنا إلى الحق وأرشدنا إلى الصواب، وأوضح لنا منهج الهداية.
قوله :﴿ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إلها واحدا ﴾ هذه الجملة في محل نصب على الحال : أي اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً، والحال : أنهم ما أمروا إلا بعبادة الله وحده، أو ما أمر الذين اتخذوهم أرباباً من الأحبار والرهبان إلا بذلك، فكيف يصلحون لما أهلوهم له من اتخاذهم أرباباً. قوله :﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ صفة ثانية لقوله إلها ﴿ سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ أي : تنزيهاً له عن الإشراك في طاعته وعبادته.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال : أتى رسول الله سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وأبو أنس، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، فقالوا : كيف نتبعك وقت تركت قبلتنا وأنت لا تزعم عزير ابن الله ؟ فأنزل الله ﴿ وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله ﴾ الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عنه، قال : كنّ نساء بني إسرائيل يجتمعن بالليل فيصلين ويعتزلن ويذكرن ما فضل الله به بني إسرائيل وما أعطاهم، ثم سلط عليهم شرّ خلقه بختنصر، فحرق التوراة وخرّب بيت المقدس، وعزير يومئذ غلام، فقال عزير : أو كان هذا ؟ فلحق بالجبال والوحش، فجعل يتعبد فيها، وجعل لا يخالط الناس، فإذا هو ذات يوم بامرأة عند قبر وهي تبكي، فقال : يا أمه اتقي الله واحتسبي واصبري، أما تعلمين أن سبيل الناس إلى الموت ؟ فقالت : يا عزير أتنهاني أن أبكي، وأنت قد خلفت بني إسرائيل، ولحقت بالجبال والوحش ؟ ثم قالت : إني لست بامرأة ولكني الدنيا، وإنه سينبع في مصلاك عين وتنبت شجرة، فاشرب من ماء العين وكل من ثمر الشجرة، فإنه سيأتيك ملكان فاتركهما يصنعان ما أرادا، فلما كان من الغد نبعت العين ونبتت الشجرة، فشرب من ماء العين وأكل من ثمرة الشجرة، وجاء ملكان ومعهما قارورة فيها نور فأوجراه ما فيها فألهمه الله التوراة، فجاء فأملاه على الناس، فعند ذلك قالوا عزير ابن الله، تعالى الله عن ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، أيضاً فذكر قصة وفيها : أن عزير سأل الله بعد ما أنسى بني إسرائيل التوراة ونسخها من صدورهم، أن يردّ الذي نسخ من صدره، فبينما هو يصلي نزل نور من الله عزّ وجلّ فدخل جوفه، فعاد إليه الذي كان ذهب من جوفه من التوراة، فأذن في قومه فقال : يا قوم قد آتاني الله التوراة وردّها إليّ.
وأخرج أبو الشيخ، عن كعب، قال : دعا عزير ربه أن يلقي التوراة كما أنزل على موسى في قلبه، فأنزلها الله عليه، فبعد ذلك قالوا : عزير ابن الله. وأخرج ابن مردويه، وابن عساكر، عن ابن عباس، قال : ثلاث أشك فيهن : فلا أدري عزير كان نبياً أم لا ؟ ولا أدري ألعن تبع أم لا ؟ قال : ونسيت الثالثة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه، في قوله :﴿ يضاهئون ﴾ قال : يشبهون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، في قوله :﴿ قاتلهم الله ﴾ قال : لعنهم الله، وكل شيء في القرآن قتل فهو لعن.
وأخرج ابن سعد، وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن عدي بن حاتم، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ في سورة براءة :﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله ﴾ فقال : أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرّموا عليهم شيئاً حرّموه. وأخرجه أيضاً أحمد وابن جرير. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في سننه، عن أبي البحتري قال : سأل رجل حذيفة فقال : أرأيت قوله :﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله ﴾ أكانوا يعبدونهم ؟ قال : لا، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرّموا عليهم شيئاً حرّموه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الضحاك، قال : أحبارهم : قراؤهم، ورهبانهم : علماؤهم. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، قال : الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ مثله. وأخرج أيضاً عن الفضيل بن عياض قال : الأحبار : العلماء، والرهبان : العباد.
وأخرج أيضاً عن السديّ في قوله :﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم ﴾ قال : يريدون أن يطفئوا الإسلام بأقوالهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله :﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم ﴾ يقول : يريدون أن يهلك محمد وأصحابه. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، في الآية قال : هم اليهود والنصارى. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ :﴿ هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى ﴾ يعني : بالتوحيد والإسلام والقرآن.

قوله :﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم ﴾ هذا كلام يتضمن ذكر نوع آخر من أنواع ضلالهم وبعدهم عن الحق، وهو ما راموه من إبطال الحق بأقاويلهم الباطلة، التي هي مجرّد كلمات ساذجة، ومجادلات زائفة، وهذا تمثيل لحالهم في محاولة إبطال دين الحق، ونبوّة نبيّ الصدق، بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم قد أنارت به الدنيا، وانقشعت به الظلمة، ليطفئه ويذهب أضواءه ﴿ ويأبى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ ﴾ أي : دينه القويم. وقد قيل : كيف دخلت إلا الاستثنائية على يأبى، ولا يجوز كرهت أو بغضت إلا زيداً. قال الفراء : إنما دخلت لأن في الكلام طرفاً من الجحد. وقال الزجاج : إن العرب تحذف مع أبى، والتقدير : ويأبى الله كل شيء إلا أن يتم نوره. وقال علي بن سليمان : إنما جاز هذا في أبى، لأنها منع أو امتناع فضارعت النفي، قال النحاس : وهذا أحسن. كما قال الشاعر :
وهل لي أمّ غيرها إن تركتها أبى الله إلا أن أكون لها ابنا
وقال صاحب الكشاف : إن أبر قد أجرى مجرى لم يرد : أي ولا يريد إلا أن يتمّ نوره. قوله :﴿ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون ﴾ معطوف على جملة قبله مقدرة : أي أبى الله إلا أن يتمّ نوره، ولو لم يكره الكافرون ذلك، ولو كرهوا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال : أتى رسول الله سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وأبو أنس، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، فقالوا : كيف نتبعك وقت تركت قبلتنا وأنت لا تزعم عزير ابن الله ؟ فأنزل الله ﴿ وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله ﴾ الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عنه، قال : كنّ نساء بني إسرائيل يجتمعن بالليل فيصلين ويعتزلن ويذكرن ما فضل الله به بني إسرائيل وما أعطاهم، ثم سلط عليهم شرّ خلقه بختنصر، فحرق التوراة وخرّب بيت المقدس، وعزير يومئذ غلام، فقال عزير : أو كان هذا ؟ فلحق بالجبال والوحش، فجعل يتعبد فيها، وجعل لا يخالط الناس، فإذا هو ذات يوم بامرأة عند قبر وهي تبكي، فقال : يا أمه اتقي الله واحتسبي واصبري، أما تعلمين أن سبيل الناس إلى الموت ؟ فقالت : يا عزير أتنهاني أن أبكي، وأنت قد خلفت بني إسرائيل، ولحقت بالجبال والوحش ؟ ثم قالت : إني لست بامرأة ولكني الدنيا، وإنه سينبع في مصلاك عين وتنبت شجرة، فاشرب من ماء العين وكل من ثمر الشجرة، فإنه سيأتيك ملكان فاتركهما يصنعان ما أرادا، فلما كان من الغد نبعت العين ونبتت الشجرة، فشرب من ماء العين وأكل من ثمرة الشجرة، وجاء ملكان ومعهما قارورة فيها نور فأوجراه ما فيها فألهمه الله التوراة، فجاء فأملاه على الناس، فعند ذلك قالوا عزير ابن الله، تعالى الله عن ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، أيضاً فذكر قصة وفيها : أن عزير سأل الله بعد ما أنسى بني إسرائيل التوراة ونسخها من صدورهم، أن يردّ الذي نسخ من صدره، فبينما هو يصلي نزل نور من الله عزّ وجلّ فدخل جوفه، فعاد إليه الذي كان ذهب من جوفه من التوراة، فأذن في قومه فقال : يا قوم قد آتاني الله التوراة وردّها إليّ.
وأخرج أبو الشيخ، عن كعب، قال : دعا عزير ربه أن يلقي التوراة كما أنزل على موسى في قلبه، فأنزلها الله عليه، فبعد ذلك قالوا : عزير ابن الله. وأخرج ابن مردويه، وابن عساكر، عن ابن عباس، قال : ثلاث أشك فيهن : فلا أدري عزير كان نبياً أم لا ؟ ولا أدري ألعن تبع أم لا ؟ قال : ونسيت الثالثة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه، في قوله :﴿ يضاهئون ﴾ قال : يشبهون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، في قوله :﴿ قاتلهم الله ﴾ قال : لعنهم الله، وكل شيء في القرآن قتل فهو لعن.
وأخرج ابن سعد، وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن عدي بن حاتم، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ في سورة براءة :﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله ﴾ فقال : أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرّموا عليهم شيئاً حرّموه. وأخرجه أيضاً أحمد وابن جرير. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في سننه، عن أبي البحتري قال : سأل رجل حذيفة فقال : أرأيت قوله :﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله ﴾ أكانوا يعبدونهم ؟ قال : لا، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرّموا عليهم شيئاً حرّموه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الضحاك، قال : أحبارهم : قراؤهم، ورهبانهم : علماؤهم. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، قال : الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ مثله. وأخرج أيضاً عن الفضيل بن عياض قال : الأحبار : العلماء، والرهبان : العباد.
وأخرج أيضاً عن السديّ في قوله :﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم ﴾ قال : يريدون أن يطفئوا الإسلام بأقوالهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله :﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم ﴾ يقول : يريدون أن يهلك محمد وأصحابه. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، في الآية قال : هم اليهود والنصارى. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ :﴿ هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى ﴾ يعني : بالتوحيد والإسلام والقرآن.

ثم أكد هذا بقوله :﴿ هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى ﴾ أي : بما يهدي به الناس من البراهين والمعجزات، والأحكام التي شرعها الله لعباده، ﴿ وَدِينِ الحق ﴾ وهو : الإسلام، ﴿ لِيُظْهِرَهُ ﴾ أي : ليظهر رسوله، أو دين الحق بما اشتمل عليه من الحجج والبراهين، وقد وقع ذلك ولله الحمد ﴿ وَلَوْ كَرِهَ المشركون ﴾ الكلام فيه كالكلام في ﴿ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون ﴾ كما قدّمنا ذلك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال : أتى رسول الله سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وأبو أنس، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، فقالوا : كيف نتبعك وقت تركت قبلتنا وأنت لا تزعم عزير ابن الله ؟ فأنزل الله ﴿ وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله ﴾ الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عنه، قال : كنّ نساء بني إسرائيل يجتمعن بالليل فيصلين ويعتزلن ويذكرن ما فضل الله به بني إسرائيل وما أعطاهم، ثم سلط عليهم شرّ خلقه بختنصر، فحرق التوراة وخرّب بيت المقدس، وعزير يومئذ غلام، فقال عزير : أو كان هذا ؟ فلحق بالجبال والوحش، فجعل يتعبد فيها، وجعل لا يخالط الناس، فإذا هو ذات يوم بامرأة عند قبر وهي تبكي، فقال : يا أمه اتقي الله واحتسبي واصبري، أما تعلمين أن سبيل الناس إلى الموت ؟ فقالت : يا عزير أتنهاني أن أبكي، وأنت قد خلفت بني إسرائيل، ولحقت بالجبال والوحش ؟ ثم قالت : إني لست بامرأة ولكني الدنيا، وإنه سينبع في مصلاك عين وتنبت شجرة، فاشرب من ماء العين وكل من ثمر الشجرة، فإنه سيأتيك ملكان فاتركهما يصنعان ما أرادا، فلما كان من الغد نبعت العين ونبتت الشجرة، فشرب من ماء العين وأكل من ثمرة الشجرة، وجاء ملكان ومعهما قارورة فيها نور فأوجراه ما فيها فألهمه الله التوراة، فجاء فأملاه على الناس، فعند ذلك قالوا عزير ابن الله، تعالى الله عن ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، أيضاً فذكر قصة وفيها : أن عزير سأل الله بعد ما أنسى بني إسرائيل التوراة ونسخها من صدورهم، أن يردّ الذي نسخ من صدره، فبينما هو يصلي نزل نور من الله عزّ وجلّ فدخل جوفه، فعاد إليه الذي كان ذهب من جوفه من التوراة، فأذن في قومه فقال : يا قوم قد آتاني الله التوراة وردّها إليّ.
وأخرج أبو الشيخ، عن كعب، قال : دعا عزير ربه أن يلقي التوراة كما أنزل على موسى في قلبه، فأنزلها الله عليه، فبعد ذلك قالوا : عزير ابن الله. وأخرج ابن مردويه، وابن عساكر، عن ابن عباس، قال : ثلاث أشك فيهن : فلا أدري عزير كان نبياً أم لا ؟ ولا أدري ألعن تبع أم لا ؟ قال : ونسيت الثالثة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه، في قوله :﴿ يضاهئون ﴾ قال : يشبهون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، في قوله :﴿ قاتلهم الله ﴾ قال : لعنهم الله، وكل شيء في القرآن قتل فهو لعن.
وأخرج ابن سعد، وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن عدي بن حاتم، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ في سورة براءة :﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله ﴾ فقال : أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرّموا عليهم شيئاً حرّموه. وأخرجه أيضاً أحمد وابن جرير. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في سننه، عن أبي البحتري قال : سأل رجل حذيفة فقال : أرأيت قوله :﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله ﴾ أكانوا يعبدونهم ؟ قال : لا، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرّموا عليهم شيئاً حرّموه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الضحاك، قال : أحبارهم : قراؤهم، ورهبانهم : علماؤهم. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، قال : الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ مثله. وأخرج أيضاً عن الفضيل بن عياض قال : الأحبار : العلماء، والرهبان : العباد.
وأخرج أيضاً عن السديّ في قوله :﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم ﴾ قال : يريدون أن يطفئوا الإسلام بأقوالهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله :﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم ﴾ يقول : يريدون أن يهلك محمد وأصحابه. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، في الآية قال : هم اليهود والنصارى. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ :﴿ هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى ﴾ يعني : بالتوحيد والإسلام والقرآن.

كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: أَحْبَارُهُمْ: قُرَّاؤُهُمْ، وَرُهْبَانُهُمْ: عُلَمَاؤُهُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ:
الْأَحْبَارُ مِنَ الْيَهُودِ، وَالرُّهْبَانُ مِنَ النَّصَارَى. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِثْلَهُ. وأخرج أيضا عن الفضيل ابن عِيَاضٍ قَالَ: الْأَحْبَارُ: الْعُلَمَاءُ، وَالرُّهْبَانُ: الْعُبَّادُ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ قَالَ: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا الْإِسْلَامَ بِأَقْوَالِهِمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قوله: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ يَقُولُ: يُرِيدُونَ أَنْ يَهْلِكَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ قَتَادَةَ فِي الْآيَةِ قَالَ: هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى يَعْنِي: بِالتَّوْحِيدِ والإسلام والقرآن.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٣٤ الى ٣٥]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)
لَمَّا فَرَغَ سُبْحَانَهُ مِنْ ذِكْرِ حَالِ أَتْبَاعِ الْأَحْبَارِ والرهبان والمتّخذين لَهُمْ أَرْبَابًا ذَكَرَ حَالَ الْمَتْبُوعِينَ فَقَالَ:
إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ إِلَى آخِرِهِ، وَمَعْنَى أَكْلِهِمْ لِأَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ: أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَهَا بِالْوُجُوهِ الْبَاطِلَةِ كَالرِّشْوَةِ، وَأَثْبَتَ هَذَا لِلْكَثِيرِ مِنْهُمْ، لِأَنَّ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يَتَلَبَّسْ بِذَلِكَ، بَلْ بَقِيَ عَلَى مَا يُوجِبُهُ دِينُهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ، وَلَا تَبْدِيلٍ، وَلَا مَيْلٍ إِلَى حُطَامِ الدُّنْيَا، وَلَقَدِ اقْتَدَى بِهَؤُلَاءِ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ مَنْ لَا يَأْتِي عَلَيْهِ الْحَصْرُ فِي كُلِّ زمان، فالله المستعان. قوله: وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَيْ: عَنِ الطَّرِيقِ إِلَيْهِ، وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ، أَوْ عَنْ مَا كَانَ حَقًّا فِي شَرِيعَتِهِمْ قَبْلَ نَسْخِهَا، بِسَبَبِ أَكْلِهِمْ لِأَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ. قَوْلُهُ:
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ قِيلَ: هُمُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُمْ مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ، وَإِنَّهُمْ كَانُوا يَصْنَعُونَ هَذَا الصُّنْعَ وَقِيلَ: هُمْ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْأَوْلَى: حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى عُمُومِ اللَّفْظِ، فَهُوَ أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَصْلُ الْكَنْزِ فِي اللُّغَةِ: الضَّمُّ وَالْجَمْعُ، وَلَا يَخْتَصُّ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الْكَنْزُ كُلُّ شَيْءٍ مَجْمُوعٍ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ فِي بَطْنِ الْأَرْضِ كَانَ أَوْ عَلَى ظَهْرِهَا انْتَهَى. وَمِنْهُ نَاقَةٌ كِنَازٌ: أَيْ مُكْتَنِزَةُ اللَّحْمِ، وَاكْتَنَزَ الشَّيْءُ: اجْتَمَعَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمَالِ الَّذِي أُدِّيَتْ زَكَاتُهُ هَلْ يُسَمَّى كَنْزًا أَمْ لَا؟ فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ كَنْزٌ، وَقَالَ آخَرُونَ:
لَيْسَ بِكَنْزٍ. وَمِنَ الْقَائِلِينَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَبُو ذَرٍّ. وَقَيَّدَهُ بِمَا فَضَلَ عَنِ الْحَاجَةِ. وَمِنَ الْقَائِلِينَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي عُمَرُ ابن الْخَطَّابِ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ الْحَقُّ لِمَا سَيَأْتِي مِنَ الْأَدِلَّةِ الْمُصَرِّحَةِ بِأَنَّ مَا أُدِّيَتْ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ. قَوْلُهُ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ اخْتَلَفَ فِي وَجْهِ إفراد
406
الضَّمِيرِ مَعَ كَوْنِ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ شَيْئَيْنِ، هَمَّا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، فَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: إِنَّهُ قَصْدٌ إِلَى الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ وَهُوَ الْفِضَّةُ قَالَ: وَمِثْلُهُ قَوْلِهِ تَعَالَى وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ «١» رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا أَعَمُّ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها «٢» أَعَادَ الضَّمِيرَ إِلَى التِّجَارَةِ، لِأَنَّهَا الْأَهَمُّ وَقِيلَ:
إِنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ، وَالْعَرَبُ تُؤَنِّثُ الذَّهَبَ وَتُذَكِّرُهُ وَقِيلَ: إِنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى الْكُنُوزِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ يَكْنِزُونَ وَقِيلَ: إِلَى الْأَمْوَالِ، وَقِيلَ: لِلزَّكَاةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ اكْتَفَى بِضَمِيرِ أَحَدِهِمَا عَنْ ضَمِيرِ الْآخَرِ مَعَ فَهْمِ الْمَعْنَى، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا عِنْدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
وَلَمْ يَقُلْ رَاضُونَ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْآخَرِ:
رَمَانِي بِأَمْرٍ كُنْتُ منه ووالدي بريئا ومن أجل الطّويّ رماني
ولم يقل بريئين، ومثله قول حسان:
إنّ شرح الشّباب والشّعر الأس ود ما لم يعاص كان جنونا
ولم يقل يعاصيا. وَقِيلَ: إِنَّ إِفْرَادَ الضَّمِيرِ مِنْ بَابِ الذَّهَابِ إِلَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ جُمْلَةٌ وَافِيَةٌ، وَعِدَّةٌ كَثِيرَةٌ، وَدَنَانِيرُ وَدَرَاهِمُ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا «٣» وَإِنَّمَا خُصَّ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ بِالذِّكْرِ دُونَ سَائِرِ الأموال لكونهما أثمن الْأَشْيَاءِ، وَغَالِبَ مَا يُكْنَزُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمَا لَهُ حُكْمُهُمَا فِي تَحْرِيمِ الْكَنْزِ. قَوْلُهُ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ هو خَبَرُ الْمَوْصُولِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، كَمَا فِي قَوْلِهِ:
تَحِيَّةٌ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعٌ وَقِيلَ: إِنَّ الْبِشَارَةَ هِيَ الْخَبَرُ الَّذِي يَتَغَيَّرُ لَهُ لَوْنُ الْبَشَرَةِ لِتَأْثِيرِهِ فِي الْقَلْبِ، سَوَاءٌ كان من الفرح أو من الْغَمِّ.
وَمَعْنَى يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ أَنَّ النَّارَ تُوقَدُ عَلَيْهَا وَهِيَ ذَاتُ حِمًى وَحَرٍّ شَدِيدٍ، وَلَوْ قَالَ يَوْمَ تُحْمَى: أَيِ الْكُنُوزُ، لَمْ يُعْطِ هَذَا الْمَعْنَى، فَجَعَلَ الْإِحْمَاءَ لِلنَّارِ مُبَالَغَةً، ثُمَّ حَذَفَ النَّارَ وَأَسْنَدَ الْفِعْلَ إِلَى الْجَارِّ كَمَا تَقُولُ: رَفَعْتُ الْقِصَّةَ إِلَى الْأَمِيرِ، فَإِنْ لَمْ تَذْكُرِ الْقِصَّةَ قُلْتَ رُفِعَ إِلَى الْأَمِيرِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ تُحْمَى بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ. وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ فَيُكْوَى بِالتَّحْتِيَّةِ. وَخَصَّ الْجِبَاهَ وَالْجَنُوبَ وَالظُّهُورَ، لِكَوْنِ التَّأَلُّمِ بِكَيِّهَا أَشَدَّ، لِمَا فِي دَاخِلِهَا مِنَ الْأَعْضَاءِ الشَّرِيفَةِ، وَقِيلَ: لِيَكُونَ الْكَيُّ فِي الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ: مِنْ قُدَّامٍ، وَخَلْفٍ، وَعَنْ يَمِينٍ، وَعَنْ يَسَارٍ وَقِيلَ: لِأَنَّ الْجَمَالَ فِي الْوَجْهِ، وَالْقُوَّةَ فِي الظَّهْرِ وَالْجَنْبَيْنِ، وَالْإِنْسَانُ إِنَّمَا يَطْلُبُ الْمَالَ لِلْجَمَالِ وَالْقُوَّةِ وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، مِمَّا لَا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ. قَوْلُهُ: هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ أَيْ:
يقال لهم مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ، أَيْ: كَنَزْتُمُوهُ لِتَنْتَفِعُوا بِهِ، فَهَذَا نَفْعُهُ عَلَى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ، وَالتَّوْبِيخِ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ مَا مَصْدَرِيَّةٌ أَوْ مَوْصُولَةٌ أَيْ: ذُوقُوا وَبَالَهُ، وَسُوءَ عَاقِبَتِهِ، وَقُبْحَ مَغَبَّتِهِ، وشؤم فائدته.
(١). البقرة: ٤٥.
(٢). الجمعة: ١١.
(٣). الحجرات: ٩.
407
وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ يَعْنِي عُلَمَاءَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَالْبَاطِلُ: كُتُبٌ كَتَبُوهَا لَمْ يُنْزِلْهَا اللَّهُ فَأَكَلُوا بِهَا أَمْوَالَ النَّاسِ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ «١». وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَكُلُّ مَالٍ لَا تُؤَدَّى زَكَاتُهُ، كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ، أَوْ فِي بَطْنِهَا فَهُوَ كَنْزٌ، وَكُلُّ مَالٍ أُدِّيَتْ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ، كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ، أَوْ فِي بَطْنِهَا. وَأَخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو الشَّيْخِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: وَأَخْرَجَ مَالِكٌ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ وَالْخَطِيبُ عَنْ جَابِرٍ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا أَيْضًا. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ مَوْقُوفًا. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ، وَالْبُخَارِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عمر فِي الْآيَةِ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا نَزَلَتِ الزَّكَاةُ جَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرَةً لِلْأَمْوَالِ، ثُمَّ قَالَ: مَا أُبَالِي لو كان عند مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا أَعْلَمُ عَدَدَهُ وَأُزَكِّيهِ، وَأَعْمَلُ فِيهِ بِطَاعَاتِ اللَّهِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: لَيْسَ بِكَنْزٍ مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ وَأَبُو يَعْلَى وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَالُوا: مَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَّا لِوَلَدِهِ مالا يَبْقَى بَعْدَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَنَا أُفَرِّجُ عَنْكُمْ، فَانْطَلَقَ عُمَرُ وَاتَّبَعَهُ ثَوْبَانُ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّهُ قَدْ كَبُرَ عَلَى أَصْحَابِكَ هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَالَ:
إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ الزَّكَاةَ إِلَّا لِيُطَيِّبَ بِهَا مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ، وَإِنَّمَا فَرَضَ الْمَوَارِيثَ مِنْ أَمْوَالٍ تَبْقَى بَعْدَكُمْ، فَكَبَّرَ عُمَرُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ألا أخبرك بِخَيْرِ مَا يَكْنِزُ الْمَرْءُ؟ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ الَّتِي إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظْتُهُ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، والترمذي وحسّنه، وابن ماجة عن سالم ابن أَبِي الْجَعْدِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ ثَوْبَانَ. وَحَكَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ سَالِمًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ ثَوْبَانَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَقَالَ: هِيَ خَاصَّةٌ وَعَامَّةٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: أَرْبَعَةُ آلَافٍ فَمَا دُوْنَهَا نَفَقَةٌ وَمَا فَوْقَهَا كَنْزٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: حِلْيَةُ السُّيُوفِ مِنَ الْكُنُوزِ، مَا أُحَدِّثُكُمْ إِلَّا مَا سَمِعْتُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُمَا قَالَا فِي قَوْلِهِ: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ إِنَّهَا نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الأخرى خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فضّة لا يؤدّي زكاتها إلا جعلها يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَفَائِحُ، ثُمَّ أَحَمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ وَجَبْهَتُهُ وَظَهْرُهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ». وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْبُخَارِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وهب قال: مررت على أبي ذرّ بالرّبذة فقلت:
(١). البقرة: ٧٩.
408
ومعنى ﴿ يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ أن النار توقد عليها وهي ذات حمى وحرّ شديد. ولو قال يوم تحمى : أي الكنوز لم يعط هذا المعنى. فجعل الإحماء للنار مبالغة. ثم حذف النار وأسند الفعل إلى الجارّ، كما تقول رفعت القصة إلى الأمير، فإن لم تذكر القصة قلت رفع إلى الأمير، وقرأ ابن عامر «تحمى » بالمثناة الفوقية، وقرأ أبو حيوة «فيكوى » بالتحتية. وخص الجباه، والجنوب والظهور ؛ لكون التألم بكيها أشدّ لما في داخلها من الأعضاء الشريفة. وقيل : ليكون الكيّ في الجهات الأربع : من قدّام، وخلف، وعن يمين، وعن يسار. وقيل : لأن الجمال : في الوجه، والقوّة : في الظهر والجنبين، والإنسان إنما يطلب المال للجمال والقوّة. وقيل غير ذلك مما لا يخلو عن تكلف. قوله :﴿ هذا مَا كَنَزْتُمْ لأنفُسِكُمْ ﴾ أي : يقال لهم هذا ما كنزتم لأنفسكم : أي كنزتموه لتنفتعوا به، فهذا نفعه على طريقة التهكم والتوبيخ ﴿ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ ما : مصدرية أو موصولة : أي ذوقوا وباله، وسوء عاقبته، وقبح مغبته، وشؤم فائدته.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، في قوله :﴿ إِنَّ كَثِيراً مّنَ الأحبار والرهبان ﴾ يعني : علماء اليهود والنصارى ﴿ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل ﴾ والباطل : كتب كتبوها لم ينزلها الله فأكلوا بها أموال الناس، وذلك قول الله تعالى :﴿ فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِندِ الله ﴾. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله :﴿ والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة ﴾ قال : هؤلاء الذين لا يؤدّون الزكاة من أموالهم، وكل مال لا تؤدي زكاته كان على ظهر الأرض أو في بطنها فهو كنز، وكل مال أدّيت زكاته، فليس بكنز، كان على ظهر الأرض أو في بطنها. وأخرجه عنه ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وأبو الشيخ، من وجه آخر. وأخرج مالك، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عمر، نحوه. وأخرج ابن مردويه، عنه، نحوه مرفوعاً. وأخرج ابن عديّ، والخطيب عن جابر، نحوه مرفوعاً أيضاً. وأخرجه ابن أبي شيبة، عنه، موقوفاً.
وأخرج أحمد في الزهد، والبخاري، وابن ماجه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عمر، في الآية قال : إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة جعلها الله طهرة للأموال، ثم قال : ما أبالي لو كان عندي مثل أحد ذهباً أعلم عدده وأزكيه، وأعمل فيه بطاعات الله ؟ وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو الشيخ، عن عمر بن الخطاب قال : ليس بكنز ما أدّى زكاته. وأخرج ابن مردويه، والبيهقي عن أمّ سلمة، مرفوعاً نحوه.
وأخرج ابن أبي شيبة، في مسنده، وأبو داود، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية :﴿ والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة ﴾ كبر ذلك على المسلمين، وقالوا : ما يستطيع أحد منا لولده ما لا يبقى بعده، فقال عمر : أنا أفرج عنكم، فانطلق عمر واتبعه ثوبان فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبيّ الله، إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية، فقال :«إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم»، فكبر عمر، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم :«ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء ؟ المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها سرّته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته» وقد أخرجه أحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، عن سالم بن أبي الجعد من غير وجه عن ثوبان.
وحكى البخاري أن سالماً لم يسمعه من ثوبان. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله :﴿ والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة ﴾ قال : هم أهل الكتاب، وقال : هي خاصة وعامة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عليّ بن أبي طالب، قال : أربعة آلاف فما دونها نفقة وما فوقها كنز. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، عن أبي أمامة قال : حلية السيوف من الكنوز ما أحدّثكم إلا ما سمعت. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عراك بن مالك، وعمر بن عبد العزيز، أنهما قالا في قوله :﴿ والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة ﴾ إنها نسختها الآية الأخرى :﴿ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً ﴾الآية. وأخرج البخاري ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال :«ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا جعلها يوم القيامة صفائح، ثم أحمى عليها في نار جهنم، ثم يكوى بها جنباه وجبهته وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين الناس فيرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار» وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن زيد بن وهب، قال : مررت على أبي ذرّ بالزبدة، فقلت : ما أنزلك بهذه الأرض ؟ فقال : كنا بالشأم فقرأت :﴿ والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة ﴾ الآية، فقال معاوية : ما هذه فينا، ما هذه إلا في أهل الكتاب، قلت : إنها لفينا وفيهم.

مَا أَنْزَلَكَ بِهَذِهِ الْأَرْضِ؟ فَقَالَ: كُنَّا بِالشَّامِ فَقَرَأْتُ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ الْآيَةَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا هَذِهِ فِينَا، مَا هَذِهِ إِلَّا فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، قُلْتُ: إِنَّهَا لَفِينَا وَفِيهِمْ.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٣٦ الى ٣٧]
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧)
قَوْلُهُ: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً هَذَا كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نَوْعٍ آخَرَ مِنْ قَبَائِحِ الْكُفَّارِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمَّا حَكَمَ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِحُكْمٍ خَاصٍّ غَيَّرُوا تِلْكَ الْأَوْقَاتَ بِالنَّسِيءِ وَالْكَبِيسَةِ، فَأَخْبَرَنَا اللَّهُ بِمَا هُوَ حُكْمُهُ فَقَالَ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ أَيْ: عَدَدِ شُهُورِ السَّنَةِ عِنْدَ اللَّهِ فِي حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ وَحِكْمَتِهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا. قَوْلُهُ: فِي كِتابِ اللَّهِ أَيْ: فِيمَا أَثْبَتَهُ فِي كِتَابِهِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَعَلَّقَ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: عِدَّةَ الشُّهُورِ، لِلْفَصْلِ بِالْأَجْنَبِيِّ وَهُوَ الْخَبَرُ أَعْنِي اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فَقَوْلُهُ:
فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ: يَوْمَ خَلَقَ، بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: عِنْدَ اللَّهِ، وَالتَّقْدِيرُ: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ يوم خلق السّموات وَالْأَرْضَ. وَفَائِدَةُ الْإِبْدَالَيْنِ: تَقْرِيرُ الْكَلَامِ فِي الْأَذْهَانِ لِأَنَّهُ يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ الْعَدَدَ وَاجِبٌ عِنْدَ اللَّهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَثَابِتٌ فِي عِلْمِهِ فِي أَوَّلِ مَا خَلْقَ اللَّهُ الْعَالَمَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي كِتَابِ اللَّهِ:
صِفَةُ اثْنَا عَشَرَ: أَيِ: اثْنَا عَشَرَ مُثْبَتَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَهُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَضَعَ هَذِهِ الشُّهُورَ وَسَمَّاهَا بِأَسْمَائِهَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ الْمَعْرُوفِ يوم خلق السموات وَالْأَرْضَ، وَأَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَنَزَلَتْ بِهِ الْكُتُبُ، وَأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِمَا عِنْدَ الْعَجَمِ وَالرُّومِ وَالْقِبْطِ مِنَ الشُّهُورِ الَّتِي يَصْطَلِحُونَ عَلَيْهَا وَيَجْعَلُونَ بَعْضَهَا ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَبَعْضَهَا أَكْثَرَ، وَبَعْضَهَا أَقَلَّ. قَوْلُهُ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ هي: ذي الْقِعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ، ثَلَاثَةٌ سَرْدٌ، وَوَاحِدٌ فَرْدٌ، كَمَا وَرَدَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ. قَوْلُهُ: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ أَيْ: كَوْنُ هَذِهِ الشُّهُورِ كَذَلِكَ، وَمِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، هُوَ الدِّينُ الْمُسْتَقِيمُ، وَالْحِسَابُ الصَّحِيحُ، وَالْعَدَدُ الْمُسْتَوْفَى. قَوْلُهُ: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ أَيْ: فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، بِإِيقَاعِ الْقِتَالِ فِيهَا، وَالْهَتْكِ لِحُرْمَتِهَا وَقِيلَ: إِنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إِلَى الشُّهُورِ كُلِّهَا الْحُرُمِ وَغَيْرِهَا، وَإِنَّ اللَّهَ نَهَى عَنِ الظُّلْمِ فِيهَا، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ تَحْرِيمَ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ ثَابِتٌ مُحْكَمٌ لَمْ يُنْسَخْ لهذه الآية، ولقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ «١» وَلِقَوْلِهِ: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ الْآيَةَ.
وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ تَحْرِيمَ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ السيف. ويجاب عنه بأن الأمر
(١). المائدة: ٢.
409
بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ وَمُقَاتَلَتِهِمْ مُقَيَّدٌ بِانْسِلَاخِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ كَمَا فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَتَكُونُ سَائِرُ الْآيَاتِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْأَمْرِ بِالْقِتَالِ مُقَيَّدَةً بِمَا وَرَدَ فِي تَحْرِيمِ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، كَمَا هِيَ مُقَيَّدَةٌ بِتَحْرِيمِ الْقِتَالِ فِي الْحَرَمِ لِلْأَدِلَّةِ الْوَارِدَةِ فِي تَحْرِيمِ الْقِتَالِ فِيهِ، وَأَمَّا مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاصَرَ أَهْلَ الطَّائِفِ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ وَهُوَ ذُو الْقِعْدَةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، فَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَبْتَدِ مُحَاصَرَتَهُمْ فِي ذِي الْقِعْدَةِ بَلْ فِي شَوَّالٍ، وَالْمُحَرَّمُ إِنَّمَا هُوَ ابْتِدَاءُ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ لَا إِتْمَامُهُ، وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَمْعُ. قَوْلُهُ: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً أَيْ:
جَمِيعًا، وَهُوَ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: مِثْلُ هَذَا مِنَ الْمَصَادِرِ: كَعَامَّةٍ، وَخَاصَّةٍ، لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً أَيْ: جَمِيعًا. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، وَأَنَّهُ فُرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ إِنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ الْبَعْضُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ أَيْ: يَنْصُرُهُمْ وَيُثَبِّتُهُمْ، وَمَنْ كَانَ اللَّهُ مَعَهُ فَهُوَ الْغَالِبُ، وَلَهُ الْعَاقِبَةُ وَالْغَلَبَةُ، قَوْلُهُ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ قَرَأَ نَافِعٌ فِي رِوَايَةِ وَرْشٍ عَنْهُ النَّسِيُّ بِيَاءٍ مُشَدَّدَةٍ بِدُونِ هَمْزٍ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِيَاءٍ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَلَمْ يَرْوِ أَحَدٌ عَنْ نَافِعٍ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ إِلَّا وَرْشٌ وَحْدَهُ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ نَسَأَهُ وَأَنْسَأَهُ: إِذَا أَخَّرَهُ، حَكَى ذَلِكَ الْكِسَائِيُّ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: النَّسِيءُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِنْ قَوْلِكَ نَسَأْتُ الشَّيْءَ فَهُوَ مَنْسُوءٌ: إِذَا أَخَّرْتَهُ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مَنْسُوءٌ إِلَى نَسِيءٍ كَمَا تَحَوَّلَ مَقْتُولٌ إِلَى قَتِيلٍ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فِي النَّسِيءِ بِالْهَمْزَةِ مَعْنَى: الزِّيَادَةِ، يُقَالُ: نَسَأَ يَنْسَأُ: إِذَا زَادَ، قَالَ: وَلَا يَكُونُ بِتَرْكِ الْهَمْزَةِ إِلَّا مِنَ النِّسْيَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ، وَرَدَّ عَلَى نَافِعٍ قِرَاءَتَهُ. وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُحَرِّمُ الْقِتَالَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِذَا احْتَاجُوا إِلَى الْقِتَالِ فِيهَا قَاتَلُوا فِيهَا وَحَرَّمُوا غَيْرَهَا، فَإِذَا قَاتَلُوا فِي الْمُحَرَّمِ حَرَّمُوا بَدَلَهُ شَهْرَ صَفَرٍ، وَهَكَذَا فِي غَيْرِهِ، وَكَانَ الَّذِي يَحْمِلُهُمْ عَلَى هَذَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ إِنَّمَا كَانُوا يَعِيشُونَ بِالْغَارَةِ عَلَى بَعْضِهِمُ الْبَعْضِ، وَنَهْبِ مَا يُمْكِنُهُمْ نَهْبُهُ مِنْ أَمْوَالِ مَنْ يُغِيرُونَ عَلَيْهِ، وَيَقَعُ بَيْنَهُمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْقِتَالُ. وَكَانَتِ الْأَشْهُرُ الثَّلَاثَةُ الْمَسْرُودَةُ يَضُرُّ بِهِمْ تَوَالِيهَا وَتَشْتَدُّ حَاجَتُهُمْ وَتَعْظُمُ فَاقَتُهُمْ، فَيُحَلِّلُونَ بَعْضَهَا وَيُحَرِّمُونَ مَكَانَهُ بِقَدْرِهِ مِنْ غَيْرِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، فَهَذَا هُوَ مَعْنَى النَّسِيءِ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ. وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي أَوَّلِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقِيلَ هُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِيَ كِنَانَةَ يُقَالُ لَهُ: حُذَيْفَةُ بْنُ عَتِيدٍ، وَيُلَقَّبُ: الْقَلَمَّسَ، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ الْكُمَيْتُ بِقَوْلِهِ:
أَلَسْنَا النَّاسِئِينَ عَلَى مَعَدٍّ شُهُورَ الْحِلِّ نَجْعَلُهَا حَرَامًا
وَفِيهِ يَقُولُ قَائِلُهُمْ:
وَمِنَّا نَاسِئُ الشَّهْرِ الْقَلَمَّسُ وَقِيلَ: هُوَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ، وَقِيلَ: هُوَ نُعَيْمُ بْنُ ثَعْلَبَةَ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ. وَسَمَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ النَّسِيءَ زِيَادَةً فِي الْكُفْرِ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ كُفْرِهِمْ، وَمَعْصِيَةٌ مِنْ مَعَاصِيهِمُ الْمُنْضَمَّةِ إِلَى كَفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. قَوْلُهُ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا قَرَأَ أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ يَضِلُّ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَعْلُومِ. وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَمَعْنَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى: أَنَّ الْكُفَّارَ يَضِلُّونَ بِمَا يَفْعَلُونَهُ مِنَ النَّسِيءِ، وَمَعْنَى الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّ الَّذِي سَنَّ لَهُمْ ذَلِكَ يَجْعَلُهُمْ ضَالِّينَ بِهَذِهِ السُّنَّةِ السَّيِّئَةِ، وَقَدِ اخْتَارَ الْقِرَاءَةَ
410
الْأُولَى أَبُو حَاتِمٍ، وَاخْتَارَ الْقِرَاءَةَ الثَّانِيَةِ أَبُو عُبَيْدٍ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَأَبُو رَجَاءٍ وَيَعْقُوبُ: يُضِلُّ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ عَلَى أَنَّ فَاعِلَهُ الْمَوْصُولُ، وَمَفْعُولَهُ مَحْذُوفٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَمَفْعُولُهُ الْمَوْصُولَ. وَقُرِئَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالضَّادِ مِنْ ضَلَّ يَضَلُّ. وَقُرِئَ نَضِلُّ بِالنُّونِ. قَوْلُهُ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى النَّسِيءِ، أَيْ: يُحِلُّونَ النَّسِيءَ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا، أَوْ إِلَى الشَّهْرِ الَّذِي يُؤَخِّرُونَهُ وَيُقَاتِلُونَ فِيهِ، أَيْ: يُحِلُّونَهُ عَامًا بِإِبْدَالِهِ بِشَهْرٍ آخر من شهور الحل، ويحرّمونه عَامًا، أَيْ: يُحَافِظُونَ عَلَيْهِ فَلَا يُحِلُّونَ فِيهِ القتال، بل يبقونه على حرمته. قوله: لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ أَيْ: لِكَيْ يُوَاطِئُوا، وَالْمُوَاطَأَةُ: الْمُوَافَقَةُ، يُقَالُ: تَوَاطَأَ الْقَوْمُ عَلَى كَذَا: أَيْ: تَوَافَقُوا عَلَيْهِ وَاجْتَمَعُوا. وَالْمَعْنَى: إِنَّهُمْ لَمْ يُحِلُّوا شَهْرًا إِلَّا حَرَّمُوا شَهْرًا لِتَبْقَى الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ أَرْبَعَةً. قَالَ قُطْرُبٌ: مَعْنَاهُ: عَمَدُوا إِلَى صَفَرٍ فَزَادُوهُ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَقَرَنُوهُ بِالْمُحَرَّمِ فِي التَّحْرِيمِ. وَكَذَا قَالَ الطَّبَرَيُّ. قَوْلُهُ: فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ أَيْ: مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الَّتِي أَبْدَلُوهَا بِغَيْرِهَا زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ أَيْ: زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ الْأَعْمَالَ السَّيِّئَةَ الَّتِي يَعْمَلُونَهَا. وَمِنْ جُمْلَتِهَا النَّسِيءُ. وَقُرِئَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ أَيِ: الْمُصِرِّينَ عَلَى كُفْرِهِمُ، الْمُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ، فَلَا يَهْدِيهِمْ هِدَايَةً تَوَصِّلُهُمْ إِلَى الْمَطْلُوبِ. وَأَمَّا الْهِدَايَةُ بِمَعْنَى الدَّلَالَةِ عَلَى الْحَقِّ وَالْإِرْشَادِ إِلَيْهِ فَقَدْ نَصَبَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِجَمِيعِ عِبَادِهِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ فِي حجته قال: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السّموات وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حرم، ثلاثة مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقِعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ». وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ أَيْضًا الْبَزَّارُ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُرَّةَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ عَمِّهِ مَرْفُوعًا مُطَوَّلًا. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ ابن عباس مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ قال: الْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ، وَذُو الْقِعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ.
وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّينَ حُرُمًا لِئَلَّا يَكُونَ فِيهِنَّ حَرْبٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ ثُمَّ اخْتَصَّ مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَجَعَلَهُنَّ حُرُمًا، وَعَظَّمَ حُرُمَاتِهِنَّ. وَجَعَلَ الدِّينَ فِيهِنَّ أَعْظَمَ، وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ وَالْأَجْرَ أَعْظَمَ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ قال: كُلِّهِنَّ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً يَقُولُ جَمِيعًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُقَاتِلٍ فِي قَوْلِهِ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً قَالَ: نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كُلَّ آيَةٍ فِيهَا رُخْصَةٌ. وَأَخْرَجَ الطبراني وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَتِ الْعَرَبُ يُحِلُّونَ عَامًا شَهْرًا وَعَامًا شَهْرَيْنِ، ولا يصيبون الحجّ إلا في كلّ عشرين سَنَةً مَرَّةً، وَهِيَ النَّسِيءُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، فَلَمَّا كَانَ عَامُ حَجِّ أَبُو بَكْرٍ بِالنَّاسِ وَافَقَ ذَلِكَ الْعَامُ، فَسَمَّاهُ اللَّهُ الْحَجُّ الْأَكْبَرُ، ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ الْأَهِلَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
411
قوله :﴿ إِنَّمَا النسيء زِيَادَةٌ فِي الكفر ﴾ قرأ نافع في رواية ورش عنه «النسيّ » بياء مشدّدة بدون همز. وقرأ الباقون بياء بعدها همزة. قال النحاس : ولم يرو أحد عن نافع هذه القراءة إلا ورش وحده، وهو مشتق من نسأه، وأنسأه : إذا أخره، حكى ذلك الكسائي. قال الجوهري : النسيء فعيل بمعنى مفعول من قولك : نسأت الشيء فهو منسوء : إذا أخرته، ثم تحوّل منسوء إلى نسيء كما تحوّل مقتول إلى قتيل. قال ابن جرير : في النسيء بالهمزة معنى الزيادة يقال : نسأ ينسأ : إذا زاد، قال : ولا يكون بترك الهمزة إلا من النسيان، كما قال تعالى :﴿ نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ ﴾، وردّ على نافع قراءته. وكانت العرب تحرّم القتال في الأشهر الحرم المذكورة، فإذا احتاجوا إلى القتال فيها قاتلوا فيها وحرّموا غيرها. فإذا قاتلوا في المحرّم، حرّموا بدله شهر صفر، وهكذا في غيره. وكان الذي يحملهم على هذا : أن كثيراً منهم إنما كانوا يعيشون بالغارة على بعضهم البعض، ونهب ما يمكنهم نهبه من أموال من يغيرون عليه، ويقع بينهم بسبب ذلك القتال، وكانت الأشهر الثلاثة المسرودة يضرّ بهم تواليها وتشتدّ حاجتهم وتعظم فاقتهم. فيحللون بعضها ويحرّمون مكانه بقدره من غير الأشهر الحرم، فهذا هو معنى النسيء الذي كانوا يفعلونه. وقد وقع الخلاف في أوّل من فعل ذلك، فقيل : هو رجل من بني كنانة يقال له حذيفة بن عتيد. ويلقب القلمس، وإليه يشير الكميت بقوله :
ألسنا الناسئين على معدّ *** شهور الحلّ نجعلها حراما
وفيه يقول قائلهم :
ومنا ناسىء الشهر القلمس ***. . .
وقيل : هو عمرو بن لحيّ، وقيل : هو نعيم بن ثعلبة من بني كنانة، وسمى الله سبحانه النسيء زيادة في الكفر ؛ لأنه نوع من أنواع كفرهم، ومعصية من معاصيهم المنضمة إلى كفرهم بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر. قوله :﴿ يُضَلُّ بِهِ الذين كَفَرُواْ ﴾ قرأ أهل الحرمين وأبو عمرو وابن عامر «يضلّ » على البناء للمعلوم. وقرأ الكوفيون على البناء للمجهول.
ومعنى القراءة الأولى : أن الكفار يضلون بما يفعلونه من النسيء، ومعنى القراءة الثانية، أن الذي سنّ لهم ذلك يجعلهم ضالين بهذه السنة السيئة، وقد اختار القراءة الأولى أبو حاتم، واختار القراءة الثانية أبو عبيد، وقرأ الحسن وأبو رجاء ويعقوب ﴿ يضل ﴾ بضم الياء وكسر الضاد على أن فاعله الموصول، ومفعوله محذوف. ويجوز أن يكون فاعله هو الله سبحانه، ومفعوله الموصول. وقرئ بفتح الياء والضاد من ضلّ يضلّ. وقرئ «نضلّ » بالنون.
قوله :﴿ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرّمُونَهُ عَامًا ﴾ الضمير راجع إلى النسيء : أي يحلون النسيء عاماً ويحرّمونه عاماً، أو إلى الشهر الذي يؤخرونه ويقاتلون فيه، أي يحلونه عاماً بإبداله بشهر آخر من شهور الحل، [ يحرّمونه ] عاماً : أي يحافظون عليه فلا يحلون فيه القتال، بل يبقونه على حرمته. قوله :﴿ لّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله ﴾ أي : لكي يواطئوا، والمواطأة : الموافقة، يقال : تواطأ القوم على كذا : أي توافقوا عليه واجتمعوا. والمعنى : إنهم لم يحلوا شهراً إلا حرّموا شهراً لتبقى الأشهر الحرم أربعة، قال قطرب : معناه عمدوا إلى صفر فزادوه في الأشهر الحرم، وقرنوه بالمحرّم في التحريم. وكذا قال الطبري. قوله :﴿ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ الله ﴾ أي : من الأشهر الحرم التي أبدلوها بغيرها ﴿ زُيّنَ لَهُمْ سُوء أعمالهم ﴾ أي : زين لهم الشيطان الأعمال السيئة التي يعملونها، ومن جملتها النسيء. وقرئ على البناء للفاعل. ﴿ والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين ﴾ أي : المصرّين على كفرهم المستمرين عليه فلا يهديهم هداية توصلهم إلى المطلوب، وأما الهداية بمعنى الدلالة على الحق والإرشاد إليه فقد نصبها الله سبحانه لجميع عباده.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج البخاري ومسلم، وغيرهما، من حديث أبي بكر أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجته فقال :" إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات : ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان ". وأخرج نحوه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، من حديث ابن عمر. وأخرج نحوه ابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه، من حديث ابن عباس. وأخرج نحوه أيضاً البزار، وابن جرير، وابن مردويه، من حديث أبي هريرة. وأخرجه أحمد، وابن مردويه، من حديث أبي حرة الرقاشي عن عمه مرفوعاً مطوّلاً.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن مردويه، عن ابن عباس ﴿ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ قال : المحرّم، ورجب، وذو القعدة، وذو الحجة. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك قال : إنما سمين حرماً لئلا يكون فيهنّ حرب. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس في قوله :﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله إثنا عَشَرَ شَهْراً فِي كتاب الله ﴾ ثم اختصّ من ذلك أربعة أشهر فجعلهنّ حرماً، وعظم حرماتهنّ، وجعل الدين فيهنّ أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم ﴿ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ﴾ قال : في كلهنّ ﴿ وَقَاتِلُواْ المشركين كَافَّةً ﴾ يقول جميعاً.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مقاتل، في قوله :﴿ وَقَاتِلُواْ المشركين كَافَّةً ﴾ قال : نسخت هذه الآية كل آية فيها رخصة.
وأخرج الطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال : كانت العرب يحلون عاماً شهراً وعاماً شهرين، ولا يصيبون الحج إلا في كل [ عشرين سنة ] مرة، وهي النسيء الذي ذكره الله في كتابه، فلما كان عام حجّ أبو بكر بالناس، وافق ذلك العام، فسماه الله الحجّ الأكبر، ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العام المقبل، واستقبل الناس الأهلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عمر، قال : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة فقال :«إنما النسيء من الشيطان زيادة في الكفر، يضلّ به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرّمونه عاماً، فكانوا يحرّمون المحرّم عاماً ويستحلون صفر، ويحرّمون صفر عاماً ويستحلون المحرّم، وهي : النسيء». وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال : كان جنادة بن عوف الكناني يوافي الموسم كل عام، وكان يكنى أبا ثمامة، فينادي ألا إن أبا ثمامة لا يخاب ولا يعاب، ألا وإن صفر الأوّل العام حلال، فيحله للناس، فيحرّم صفر عاماً، ويحرّم المحرّم عاماً. فذلك قوله تعالى :﴿ إِنَّمَا النسيء زِيَادَةٌ فِي الكفر ﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، في الآية قال : المحرّم كانوا يسمونه صفر، وصفر يقولون : صفران الأوّل والآخر، يحلّ لهم مرّة الأوّل، ومرّة الآخر. وأخرج ابن مردويه عنه قال : كانت النساءة حي من بني مالك من كنانة من بني فقيم، فكان آخرهم رجلاً يقال له : القلمس، وهو الذي أنسأ المحرم.

«إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السموات وَالْأَرْضَ». وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَقَبَةِ فَقَالَ: «إِنَّمَا النَّسِيءُ مِنَ الشَّيْطَانِ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا، فكانوا يحرّمون المحرّم عاما ويستحلّون صفر، ويحرّمون صفر عَامًا وَيَسْتَحِلُّونَ الْمُحَرَّمَ، وَهِيَ النَّسِيءُ». وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ جَنَادَةُ بْنُ عَوْفٍ الْكِنَانِيُّ يُوَافِي الْمَوْسِمَ كُلَّ عَامٍ، وَكَانَ يُكْنَى أَبَا ثُمَامَةَ، فَيُنَادِي: أَلَا إِنَّ أبا ثمامة لا يحاب وَلَا يُعَابُ، أَلَّا وَإِنَّ صَفَرَ الْأَوَّلَ الْعَامَ حلال فيحلّه للناس، فيحرّم صفر عَامًا، وَيُحَرِّمُ الْمُحَرَّمَ عَامًا. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ فِي الْآيَةِ قَالَ: المحرّم كانوا يسمّونه صفر، وَصَفَرٌ يَقُولُونَ صَفَرَانِ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ، يُحِلُّ لَهُمْ مَرَّةً الْأَوَّلَ، وَمَرَّةً الْآخِرَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عنه قال: كانت النساة حَيًّا مِنْ بَنِي مَالِكٍ مِنْ كِنَانَةَ مِنْ بَنِيَ فُقَيْمٍ، فَكَانَ آخِرُهُمْ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ القلمّس، وهو الذي أنسأ المحرم.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٣٨ الى ٤٢]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (٣٨) إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠) انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٤٢)
قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَمَّا شَرَحَ مَعَايِبَ أُولَئِكَ الْكُفَّارِ عَادَ إِلَى تَرْغِيبِ الْمُؤْمِنِينَ فِي قِتَالِهِمْ، وَالِاسْتِفْهَامِ فِي مَا لَكُمْ لِلْإِنْكَارِ وَالتَّوْبِيخِ، أَيْ: أَيُّ شيء يمنعكم عن ذَلِكَ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ عِتَابًا لِمَنْ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَكَانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ بَعْدَ الْفَتْحِ بِعَامٍ، وَالنَّفْرُ:
هُوَ الِانْتِقَالُ بِسُرْعَةٍ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ لِأَمْرٍ يَحْدُثُ. قَوْلُهُ: اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَصْلُهُ تَثَاقَلْتُمْ، أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الثَّاءِ لِقُرْبِهَا مِنْهَا، وَجِيءَ بِأَلِفِ الْوَصْلِ لِيُتَوَصَّلَ بِهَا إِلَى النطق بالساكن، ومثله: ادّاركوا، واطيرتم، واطيروا، وأنشد الكسائي:
تولي الضّجيع إذا ما استافها خصرا عَذْبُ الْمَذَاقِ إِذَا مَا اتَّابَعَ الْقُبَلَ
وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ تَثَاقَلْتُمْ عَلَى الْأَصْلِ، وَمَعْنَاهُ تَبَاطَأْتُمْ، وَعُدِّيَ بإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْمَيْلِ وَالْإِخْلَادِ
412
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: مِلْتُمْ إِلَى الْإِقَامَةِ بِأَرْضِكُمْ، وَالْبَقَاءِ فِيهَا، وَقُرِئَ آثَاقَلْتُمْ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، وَمَعْنَاهُ التَّوْبِيخُ، وَالْعَامِلُ فِي الظَّرْفِ مَا فِي مَا لَكُمْ مِنْ مَعْنَى الْفِعْلِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: مَا يَمْنَعُكُمْ؟ أو ما تصنعون إذا قيل لكم؟
وإِلَى الْأَرْضِ متعلق باثاقلتم وَكَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا أَيْ: بِنَعِيمِهَا بَدَلًا مِنَ الْآخِرَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ «١» أي: بدلا منكم، ومثله قول الشاعر:
فليت لَنَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً بَاتَتْ عَلَى طَهَيَانِ
أَيْ: بَدَلًا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وَالطَّهَيَانُ: عُودٌ يُنْصَبُ فِي نَاحِيَةِ الدَّارِ لِلْهَوَاءِ يعلق عليه لِيَبْرُدَ، وَمَعْنَى فِي الْآخِرَةِ أَيْ: فِي جَنْبِ الْآخِرَةِ، وَفِي مُقَابِلِهَا إِلَّا قَلِيلٌ أَيْ: إِلَّا مَتَاعٌ حَقِيرٌ لَا يُعْبَأُ بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْقَلِيلِ: الْعَدَمُ، إِذْ لَا نِسْبَةَ لِلْمُتَنَاهِي الزَّائِلِ إِلَى غَيْرِ الْمُتَنَاهِي الْبَاقِي، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا التَّثَاقُلَ لَمْ يَصْدُرْ مِنَ الْكُلِّ، إِذْ مِنَ الْبَعِيدِ أَنْ يُطْبِقُوا جَمِيعًا عَلَى التَّبَاطُؤِ وَالتَّثَاقُلِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ نِسْبَةِ مَا يَقَعُ مِنَ الْبَعْضِ إِلَى الْكُلِّ، وَهُوَ كَثِيرٌ شَائِعٌ. قَوْلُهُ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ هَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، وَوَعِيدٌ مُؤَكَّدٌ لِمَنْ تَرَكَ النَّفِيرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً أَيْ: يُهْلِكْكُمْ بِعَذَابٍ شَدِيدٍ مُؤْلِمٍ قِيلَ: فِي الدُّنْيَا فَقَطْ، وَقِيلَ: هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ. قَوْلُهُ وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ أَيْ: يجعل لِرُسُلِهِ بَدَلًا مِنْكُمْ مِمَّنْ لَا يَتَبَاطَأُ عِنْدَ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِمْ.
وَاخْتُلِفَ فِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مَنْ هُمْ. فَقِيلَ: أَهْلُ الْيَمَنِ، وَقِيلَ: أَهْلُ فَارِسَ، وَلَا وَجْهَ لِلتَّعْيِينِ بِدُونِ دَلِيلٍ.
قَوْلُهُ: وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً مَعْطُوفٌ عَلَى يَسْتَبْدِلْ، وَالضَّمِيرُ قِيلَ: لِلَّهِ، وَقِيلَ: لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَيْ:
وَلَا تَضُرُّوا اللَّهَ بِتَرْكِ امْتِثَالِ أَمْرِهِ بالنفير شيئا، أو تَضُرُّوا رَسُولَ اللَّهِ بِتَرْكِ نَصْرِهِ، وَالنَّفِيرِ مَعَهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَمِنْ جُمْلَةِ مَقْدُورَاتِهِ تَعْذِيبُكُمْ، وَالِاسْتِبْدَالُ بِكُمْ. قَوْلُهُ: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ أَيْ: إِنْ تَرَكْتُمْ نصره فالله سيتكفل بِهِ، فَقَدْ نَصَرَهُ فِي مَوَاطِنِ الْقِلَّةِ، وَأَظْهَرَهُ عَلَى عَدُوِّهِ بِالْغَلَبَةِ وَالْقَهْرِ أَوْ فَسَيَنْصُرُهُ مَنْ نَصَرَهُ حِينَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ وَقْتَ إِخْرَاجِ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُ حَالَ كَوْنِهِ ثانِيَ اثْنَيْنِ أَيْ: أَحَدَ اثْنَيْنِ، وَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بكر الصديق رضي الله عنه. قرئ بِسُكُونِ الْيَاءِ. قَالَ ابْنُ جِنِّي:
حَكَاهَا أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ، وَوَجْهُهَا أَنْ تُسَكَّنَ الْيَاءُ تشبيها لها بِالْأَلِفِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَهِيَ كَقِرَاءَةِ الْحَسَنِ:
ما بقي من الربا. وكقول جرير:
هو الخليفة فارضوا ما رضي لَكُمْ مَاضِي الْعَزِيمَةِ مَا فِي حُكْمِهِ جَنَفُ
قَوْلُهُ: إِذْ هُما فِي الْغارِ بَدَلٌ مِنْ إِذْ أَخْرَجَهُ بَدَلُ بَعْضٍ، وَالْغَارُ: ثُقْبٌ فِي الْجَبَلِ الْمُسَمَّى ثَوْرًا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ بِغَارِ ثَوْرٍ، وَهُوَ جَبَلٌ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ، وَقِصَّةُ خُرُوجِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَدُخُولِهِمَا الْغَارَ مَشْهُورَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ السِّيَرِ وَالْحَدِيثِ. قَوْلُهُ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ بَدَلٌ ثَانٍ، أَيْ: وَقْتَ قَوْلِهِ لِأَبِي بَكْرٍ: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا أَيْ: دَعِ الْحُزْنَ فَإِنَّ اللَّهَ بِنَصْرِهِ وَعَوْنِهِ وَتَأْيِيدِهِ مَعَنَا، وَمَنْ كَانَ اللَّهُ مَعَهُ فَلَنْ يُغْلَبَ، وَمَنْ لَا يُغْلَبُ فَيَحِقُّ لَهُ أَنْ لَا يَحْزَنَ، قَوْلُهُ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ: تَسْكِينُ جَأْشِهِ وَتَأْمِينُهُ حَتَّى ذَهَبَ رَوْعُهُ وَحَصَلَ لَهُ الْأَمْنُ، عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي عَلَيْهِ لأبي
(١). الزخرف: ٦٠.
413
بَكْرٍ وَقِيلَ: هُوَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالسَّكِينَةِ النَّازِلَةِ عَلَيْهِ: عِصْمَتَهُ عَنْ حُصُولِ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْخَوْفِ لَهُ، وَيُؤَيِّدُ كَوْنَ الضَّمِيرِ فِي عَلَيْهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الضَّمِيرُ فِي وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها فَإِنَّهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ الْمُؤَيَّدُ بِهَذِهِ الْجُنُودِ الَّتِي هِيَ الْمَلَائِكَةُ كَمَا كَانَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ وَقِيلَ: إِنَّهُ لَا مَحْذُورَ فِي رُجُوعِ الضَّمِيرِ مِنْ عَلَيْهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَمِنْ وَأَيَّدَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى أَي: كَلِمَةَ الشِّرْكِ، وَهِيَ دَعْوَتُهُمْ إِلَيْهِ، وَنِدَاؤُهُمْ لِلْأَصْنَامِ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا قَرَأَ الْأَعْمَشُ وَيَعْقُوبُ بِنَصْبِ كَلِمَةٍ حَمْلًا عَلَى جَعَلَ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِرَفْعِهَا عَلَى الِاسْتِئْنَافِ.
وَقَدْ ضَعَّفَ قِرَاءَةَ النَّصْبِ الْفَرَّاءُ وَأَبُو حَاتِمٍ، وَفِي ضَمِيرِ الْفَصْلِ، أَعْنِي: هِيَ تَأْكِيدٌ لِفَضْلِ كَلِمَتِهِ فِي الْعُلُوِّ وَأَنَّهَا الْمُخْتَصَّةُ بِهِ دُونَ غَيْرِهَا، وَكَلِمَةُ اللَّهِ: هِيَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، وَالدَّعْوَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أَيْ: غَالِبٌ قَاهِرٌ لَا يَفْعَلُ إِلَّا مَا فِيهِ حِكْمَةٌ وَصَوَابٌ، ثُمَّ لَمَّا تَوَّعَدَ مَنْ لَمْ يَنْفِرْ مَعَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَضَرَبَ لَهُ مِنَ الْأَمْثَالِ مَا ذَكَرَهُ عَقَّبَهُ بِالْأَمْرِ الْجَزْمِ فَقَالَ: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا أَيْ: حَالَ كَوْنِكُمْ خِفَافًا وَثِقَالًا، قِيلَ: الْمُرَادُ مُنْفَرِدِينَ أَوْ مُجْتَمِعِينَ، وَقِيلَ: نَشَاطًا وَغَيْرَ نَشَاطٍ، وَقِيلَ: فُقَرَاءَ وَأَغْنِيَاءَ، وَقِيلَ:
شَبَابًا وَشُيُوخًا، وَقِيلَ: رِجَالًا وَفِرْسَانًا، وَقِيلَ: مَنْ لَا عِيَالَ لَهُ وَمَنْ لَهُ عِيَالٌ وَقِيلَ: مَنْ يَسْبِقُ إِلَى الْحَرْبِ كَالطَّلَائِعِ، وَمَنْ يَتَأَخَّرُ كَالْجَيْشِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَلَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِ الْآيَةِ عَلَى جَمِيعِ هَذِهِ الْمَعَانِي، لِأَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: انْفِرُوا خَفَّتْ عَلَيْكُمُ الْحَرَكَةُ أَوْ ثَقُلَتْ. قِيلَ: وَهَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى، وَقِيلَ: النَّاسِخُ لَهَا قَوْلُهُ فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ الْآيَةَ، وَقِيلَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، وَيَكُونُ إِخْرَاجُ الْأَعْمَى وَالْأَعْرَجِ بِقَوْلِهِ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ «١» وَإِخْرَاجُ الضَّعِيفِ وَالْمَرِيضِ بِقَوْلِهِ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ، لَا مِنْ بَابِ النَّسْخِ عَلَى فَرْضِ دُخُولِ هَؤُلَاءِ تَحْتَ قَوْلِهِ: خِفافاً وَثِقالًا وَالظَّاهِرُ عَدَمُ دُخُولِهِمْ تَحْتَ الْعُمُومِ.
قَوْلُهُ: وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِيهِ الْأَمْرُ بِالْجِهَادِ بِالْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ وَإِيجَابُهُ عَلَى الْعِبَادِ، فَالْفُقَرَاءُ يُجَاهِدُونَ بِأَنْفُسِهِمْ، وَالْأَغْنِيَاءُ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ. وَالْجِهَادُ مِنْ آكَدِ الْفَرَائِضِ وَأَعْظَمِهَا، وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ مَهْمَا كَانَ الْبَعْضُ يَقُومُ بِجِهَادِ الْعَدُوِّ وَبِدَفْعِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا يَقُومُ بِالْعَدُوِّ إِلَّا جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ فِي قُطْرٍ مِنَ الْأَرْضِ أَوْ أَقْطَارٍ وَجَبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وُجُوبَ عَيْنٍ، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: ذلِكُمْ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَمْرِ بِالنَّفِيرِ وَالْأَمْرِ بِالْجِهَادِ خَيْرٌ لَكُمْ أَيْ: خَيْرٌ عَظِيمٌ فِي نَفْسِهِ، وَخَيْرٌ مِنَ السُّكُونِ وَالدَّعَةِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وَتَعْرِفُونَ الْأَشْيَاءَ الْفَاضِلَةَ وَتُمَيِّزُونَهَا عَنِ الْمَفْضُولَةِ. قَوْلُهُ: لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ. قَالَ الزَّجَّاجُ: لَوْ كَانَ الْمَدْعُوُّ إِلَيْهِ، فَحُذِفَ لِدَلَالَةِ مَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، وَالْعَرَضُ: مَا يَعْرِضُ مِنْ مَنَافِعِ الدُّنْيَا. وَالْمَعْنَى: غَنِيمَةٌ قَرِيبَةٌ غَيْرُ بَعِيدَةٍ وَسَفَراً قاصِداً عَطْفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ، أَيْ: سَفَرًا مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ، وَكُلُّ مُتَوَسِّطٍ بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ فَهُوَ قَاصِدٌ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ: إِنَّ الشُّقَّةَ السَّفَرُ إِلَى أَرْضٍ بَعِيدَةٍ، يُقَالُ مِنْهُ: شُقَّةٌ شَاقَّةٌ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الشُّقَّةُ بِالضَّمِّ مِنَ الثِّيَابِ، وَالشُّقَّةُ أَيْضًا: السفر البعيد، وربما قالوه بالكسر، والمراد بهذه غَزْوَةُ تَبُوكَ فَإِنَّهَا كَانَتْ سَفْرَةً بَعِيدَةً شَاقَّةً،
(١). الفتح: ١٧.
414
وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَالشِّينِ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ أَيِ: الْمُتَخَلِّفُونَ عن غزوة تبوك حال كونهم قَائِلِينَ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ أَيْ: لَوْ قَدَرْنَا عَلَى الْخُرُوجِ وَوَجَدْنَا مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيهِ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ لَخَرَجْنا مَعَكُمْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ سَادَّةٌ مَسَدَّ جَوَابِ الْقَسَمِ وَالشَّرْطِ. قَوْلُهُ:
يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ هُوَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: سَيَحْلِفُونَ لِأَنَّ مَنْ حَلَفَ كَاذِبًا فَقَدْ أَهْلَكَ نَفْسَهُ، أَوْ يَكُونُ حَالًا: أَيْ مُهْلِكِينَ أَنْفُسَهُمْ، مُوقِعِينَ لَهَا مَوْقِعَ الْهَلَاكِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فِي حَلِفِهِمُ الَّذِي سَيَحْلِفُونَ بِهِ لَكُمْ.
وَقَدْ أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ في قوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا الْآيَةَ، قَالَ: هَذَا حِينَ أُمِرُوا بِغَزْوَةِ تَبُوكَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَحِينَ أَمَرَهُمْ بِالنَّفِيرِ فِي الصَّيْفِ، وَحِينَ خَرَفَتِ النَّخْلُ، وَطَابَتِ الثِّمَارُ، وَاشْتَهَوُا الظِّلَالَ، وَشَقَّ عَلَيْهِمُ الْمَخْرَجُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَنْفَرَ حَيًّا مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَتَثَاقَلُوا عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فَأَمْسَكَ عَنْهُمُ الْمَطَرُ، فَكَانَ ذَلِكَ عَذَابَهُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَقَدْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ أُنَاسٌ فِي الْبَدْوِ يُفَقِّهُونَ قَوْمَهُمْ، فَقَالَ الْمُؤْمِنُونَ: قَدْ بَقِيَ نَاسٌ فِي الْبَوَادِي، وَقَالُوا هَلَكَ أَصْحَابُ الْبَوَادِي، فَنَزَلَتْ: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالنَّحَّاسُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ إِلَّا تَنْفِرُوا الْآيَةَ قَالَ:
نَسَخَتْهَا وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ قَالَ: ذَكَرَ مَا كَانَ مِنْ أَوَّلِ شَأْنِهِ حِينَ بُعِثَ، يَقُولُ: فَأَنَا فَاعِلٌ ذَلِكَ بِهِ، وَنَاصِرُهُ كَمَا نَصَرْتُهُ إِذْ ذَاكَ وَهُوَ ثَانِي اثْنَيْنِ. وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَعُرْوَةَ: أَنَّهُمْ رَكِبُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ يَطْلُبُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَعَثُوا إِلَى أَهْلِ الْمِيَاهِ يَأْمُرُونَهُمْ ويجعلون لهم الجعل الْعَظِيمَ، وَأَتَوْا عَلَى ثَوْرٍ: الْجَبَلِ الَّذِي فِيهِ الْغَارُ، وَالَّذِي فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى طَلَعُوا فَوْقَهُ، وَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ أَصْوَاتَهُمْ، فَأَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ الْهَمُّ وَالْخَوْفُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ مِنَ اللَّهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ شَاهِينَ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ حَبَشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ رَفَعَ قَدَمَهُ لَأَبْصَرَنَا، فَقَالَ:
يَا أَبَا بَكْرٍ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي قَوْلِهِ: إِذْ هُما فِي الْغارِ قَالَ: هُوَ الْغَارُ الَّذِي فِي الْجَبَلِ الَّذِي يُسَمَّى ثَوْرًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ، وَابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ قَالَ:
عَلَى أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَزَلْ مَعَهُ السَّكِينَةُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عليه وسلّم وأبو
415
قوله :﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ ﴾ هذا تهديد شديد، ووعيد موكد لمن ترك النفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ يُعَذّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ أي : يهلككم بعذاب شديد مؤلم، قيل : في الدنيا فقط، وقيل : هو أعم من ذلك. قوله :﴿ وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ أي : يجعل لرسله بدلاً منكم ممن لا يتباطأ عند حاجتهم إليهم.
واختلف في هؤلاء القوم من هم ؟ فقيل أهل اليمن، وقيل أهل فارس، ولا وجه للتعيين بدون دليل. قوله :﴿ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا ﴾ معطوف على ﴿ يَسْتَبْدِلْ ﴾، والضمير قيل : لله، وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم : أي ولا تضرّوا الله بترك امتثال أمره بالنفير شيئاً، أو لا تضرّوا رسول الله بترك نصره والنفير معه شيئاً ﴿ والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ ومن جملة مقدوراته تعذيبكم والاستبدال بكم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وأخرج أبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس، في قوله :﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر حياً من أحياء العرب، فتثاقلوا عنه، فأنزل الله هذه الآية، فأمسك عنهم المطر فكان ذلك عذابهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة، قال : لم نزلت :﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾، وقد كان تخلف عنه أناس في البدو يفقهون قومهم، فقال المؤمنون : قد بقي ناس في البوادي، وقالوا هلك أصحاب البوادي، فنزلت :﴿ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً ﴾. وأخرج أبو داود، وابن أبي حاتم، والنحاس، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس، في قوله :﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ ﴾ الآية قال : نسختها :﴿ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً ﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله ﴾ قال : ذكر ما كان من أوّل شأنه حين بعث، يقول : فأنا فاعل ذلك به، وناصره كما نصرته إذ ذاك وهو ثاني اثنين. وأخرج أبو نعيم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن شهاب وعروة، أنهم ركبوا في كل وجه يعني المشركين يطلبون النبي صلى الله عليه وسلم، وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم ويجعلون لهم الحمل العظيم، وأتوا على ثور الجبل الذي فيه الغار، والذي فيه النبي صلى الله عليه وسلم حتى طلعوا فوقه، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أصواتهم، فأشفق أبو بكر، وأقبل عليه الهمّ والخوف، فعند ذلك يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم :﴿ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا ﴾ ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت عليه السكينة من الله، فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين الآية. وأخرج ابن شاهين، وابن مردويه، وابن عساكر، عن حبشي ابن جنادة، قال أبو بكر : يا رسول الله، لو أن أحداً من المشركين رفع قدمه لأبصرنا، فقال :«يا أبا بكر، لا تحزن إن الله معنا» وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن الزهري، في قوله :﴿ إذ هُمَا فِي الغار ﴾ قال : هو الغار الذي في الجبل الذي يسمى ثوراً.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر في تاريخه، عن ابن عباس، في قوله :﴿ فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ قال : على أبي بكر لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تزل معه السكينة. وأخرج ابن مردويه، عن أنس، قال : دخل النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر غار حراء، فقال أبو بكر للنبيّ صلى الله عليه وسلم : لو أن أحدهم يبصر موضع قدمه لأبصرني وإياك، فقال صلى الله عليه وسلم :«ما ظنك باثنين الله ثالثهما يا أبا بكر ؟ إن الله أنزل سكينته عليك وأيدني بجنود لم يروها» وأخرج الخطيب في تاريخه، عن حبيب بن أبي ثابت ﴿ فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ قال : على أبي بكر، فأما النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقد كانت عليه السكينة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس، في قوله :﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى ﴾ قال : هي الشرك بالله :﴿ وَكَلِمَةُ الله هِيَ العليا ﴾ قال : لا إله إلا الله.
وأخرج الفريابي، وأبو الشيخ، عن أبي الضحى قال : أوّل ما أنزل من براءة :﴿ فانفروا خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ ثم نزل أوّلها وآخرها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أبي مالك، نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿ خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ قال : نشاطاً وغير نشاط. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحكم في الآية قال : مشاغيل وغير مشاغيل. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن، قال : في العسر واليسر. وأخرج ابن المنذر، عن زيد ابن أسلم، قال : فتياناً وكهولاً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن عكرمة، قال : شباباً وشيوخاً. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، قال : قالوا : إن فينا الثقيل، وذا الحاجة، والضيعة، والشغل فأنزل الله :﴿ انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ وأبى أن يعذرهم دون أن ينفروا خفافاً وثقالاً، وعلى ما كان منهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ قال : جاء رجل زعموا أنه المقداد، وكان عظيماً سميناً، فشكا إليه وسأله أن يأذن له فأبى، فنزلت :﴿ انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ فلما نزلت هذه الآية اشتدّ على الناس شأنها فنسخها الله، فقال :﴿ لَّيْسَ عَلَى الضعفاء وَلاَ على المرضى ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له : ألا تغزو بني الأصفر لعلك أن تصيب ابنة عظيم الروم ؟ فقال رجلان : قد علمت يا رسول الله، أن النساء فتنة فلا تفتنا بهنّ فأذن لنا، فأذن لهما، فلما انطلقنا قال أحدهما : إن هو إلا شحمة لأوّل آكل، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينزل عليه شيء في ذلك، فلما كان ببعض الطريق نزل عليه وهو على بعض المناة ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ ﴾ ونزل عليه :﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ ونزل عليه :﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر ﴾ ونزل عليه :
﴿ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس :﴿ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا ﴾ قال : غنيمة قريبة، ﴿ ولكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة ﴾ قال : المسير. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، في قوله :﴿ والله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لكاذبون ﴾ قال : لقد كانوا يستطيعون الخروج ولكن كان تبطئة من عند أنفسهم، وزهادة في الجهاد.

قوله :﴿ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله ﴾ أي : إن تركتم نصره فالله متكفل به، فقد نصره في مواطن القلة، وأظهره على عدوه بالغلبة والقهر، أو فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد وقت إخراج الذين كفروا له حال كونه ﴿ ثَانِيَ اثنين ﴾ أي : أحد اثنين، وهما : رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق رضي الله عنه. وقرئ بسكون الياء. قال ابن جني : حكاها أبو عمرو بن العلاء، ووجهها أن تسكن الياء تشبيهاً لها بالألف. قال ابن عطية : فهي كقراءة الحسن ﴿ ما بقي من الربا ﴾، وكقول جرير :
هو الخليفة فارضوا ما رضيه لكم ماضي العزيمة ما في حكمه جنف
قوله :﴿ إِذْ هُمَا فِي الغار ﴾ بدل من ﴿ إِذْ أَخْرَجَهُ ﴾ بدل بعض، والغار : ثقب في الجبل المسمى ثوراً، وهو : المشهور بغار ثور، وهو : جبل قريب من مكة، وقصة خروجه صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر ودخولهما الغار مشهورة مذكورة في كتب السير والحديث. قوله :﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ ﴾ بدل ثان : أي وقت قوله لأبي بكر :﴿ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا ﴾ أي : دع الحزن، فإن الله بنصره وعونه وتأييده معنا، ومن كان الله معه فلن يغلب، ومن لا يغلب فيحق له أن لا يحزن. قوله :﴿ فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ السكينة : تسكين جأشه وتأمينه حتى ذهب روعه، وحصل له الأمن، على أن الضمير في ﴿ عَلَيْهِ ﴾ لأبي بكر. وقيل : هو للنبي صلى الله عليه وسلم، ويكون المراد بالسكينة النازلة عليه عصمته عن حصول سبب من أسباب الخوف له، ويؤيد كون الضمير في ﴿ عَلَيْهِ ﴾ للنبي صلى الله عليه وسلم الضمير في ﴿ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ فإنه للنبي صلى الله عليه وسلم، لأنه المؤيد بهذه الجنود التي هي الملائكة، كما كان في يوم بدر. وقيل : إنه لا محذور في رجوع الضمير من ﴿ عَلَيْهِ ﴾ إلى أبي بكر، ومن ﴿ وَأَيَّدَهُ ﴾ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك كثير في القرآن، وفي كلام العرب ﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى ﴾ أي : كلمة الشرك، وهي دعوتهم إليه ونداؤهم للأصنام ﴿ وَكَلِمَةُ الله هِيَ العليا ﴾ قرأ الأعمش، ويعقوب بنصب «كلمة » حملاً على ﴿ جعل ﴾، وقرأ الباقون برفعها على الاستئناف. وقد ضعف قراءة النصب الفراء، وأبو حاتم، وفي ضمير الفصل، أعني ﴿ هِيَ ﴾ تأكيد لفضل كلمته في العلوّ، وأنها المختصة به دون غيرها، وكلمة الله هي كلمة التوحيد، والدعوة إلى الإسلام ﴿ والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ ﴾ أي : غالب قاهر لا يفعل إلا ما فيه حكمة وصواب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وأخرج أبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس، في قوله :﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر حياً من أحياء العرب، فتثاقلوا عنه، فأنزل الله هذه الآية، فأمسك عنهم المطر فكان ذلك عذابهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة، قال : لم نزلت :﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾، وقد كان تخلف عنه أناس في البدو يفقهون قومهم، فقال المؤمنون : قد بقي ناس في البوادي، وقالوا هلك أصحاب البوادي، فنزلت :﴿ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً ﴾. وأخرج أبو داود، وابن أبي حاتم، والنحاس، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس، في قوله :﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ ﴾ الآية قال : نسختها :﴿ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً ﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله ﴾ قال : ذكر ما كان من أوّل شأنه حين بعث، يقول : فأنا فاعل ذلك به، وناصره كما نصرته إذ ذاك وهو ثاني اثنين. وأخرج أبو نعيم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن شهاب وعروة، أنهم ركبوا في كل وجه يعني المشركين يطلبون النبي صلى الله عليه وسلم، وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم ويجعلون لهم الحمل العظيم، وأتوا على ثور الجبل الذي فيه الغار، والذي فيه النبي صلى الله عليه وسلم حتى طلعوا فوقه، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أصواتهم، فأشفق أبو بكر، وأقبل عليه الهمّ والخوف، فعند ذلك يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم :﴿ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا ﴾ ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت عليه السكينة من الله، فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين الآية. وأخرج ابن شاهين، وابن مردويه، وابن عساكر، عن حبشي ابن جنادة، قال أبو بكر : يا رسول الله، لو أن أحداً من المشركين رفع قدمه لأبصرنا، فقال :«يا أبا بكر، لا تحزن إن الله معنا» وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن الزهري، في قوله :﴿ إذ هُمَا فِي الغار ﴾ قال : هو الغار الذي في الجبل الذي يسمى ثوراً.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر في تاريخه، عن ابن عباس، في قوله :﴿ فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ قال : على أبي بكر لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تزل معه السكينة. وأخرج ابن مردويه، عن أنس، قال : دخل النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر غار حراء، فقال أبو بكر للنبيّ صلى الله عليه وسلم : لو أن أحدهم يبصر موضع قدمه لأبصرني وإياك، فقال صلى الله عليه وسلم :«ما ظنك باثنين الله ثالثهما يا أبا بكر ؟ إن الله أنزل سكينته عليك وأيدني بجنود لم يروها» وأخرج الخطيب في تاريخه، عن حبيب بن أبي ثابت ﴿ فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ قال : على أبي بكر، فأما النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقد كانت عليه السكينة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس، في قوله :﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى ﴾ قال : هي الشرك بالله :﴿ وَكَلِمَةُ الله هِيَ العليا ﴾ قال : لا إله إلا الله.
وأخرج الفريابي، وأبو الشيخ، عن أبي الضحى قال : أوّل ما أنزل من براءة :﴿ فانفروا خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ ثم نزل أوّلها وآخرها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أبي مالك، نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿ خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ قال : نشاطاً وغير نشاط. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحكم في الآية قال : مشاغيل وغير مشاغيل. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن، قال : في العسر واليسر. وأخرج ابن المنذر، عن زيد ابن أسلم، قال : فتياناً وكهولاً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن عكرمة، قال : شباباً وشيوخاً. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، قال : قالوا : إن فينا الثقيل، وذا الحاجة، والضيعة، والشغل فأنزل الله :﴿ انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ وأبى أن يعذرهم دون أن ينفروا خفافاً وثقالاً، وعلى ما كان منهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ قال : جاء رجل زعموا أنه المقداد، وكان عظيماً سميناً، فشكا إليه وسأله أن يأذن له فأبى، فنزلت :﴿ انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ فلما نزلت هذه الآية اشتدّ على الناس شأنها فنسخها الله، فقال :﴿ لَّيْسَ عَلَى الضعفاء وَلاَ على المرضى ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له : ألا تغزو بني الأصفر لعلك أن تصيب ابنة عظيم الروم ؟ فقال رجلان : قد علمت يا رسول الله، أن النساء فتنة فلا تفتنا بهنّ فأذن لنا، فأذن لهما، فلما انطلقنا قال أحدهما : إن هو إلا شحمة لأوّل آكل، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينزل عليه شيء في ذلك، فلما كان ببعض الطريق نزل عليه وهو على بعض المناة ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ ﴾ ونزل عليه :﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ ونزل عليه :﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر ﴾ ونزل عليه :
﴿ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس :﴿ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا ﴾ قال : غنيمة قريبة، ﴿ ولكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة ﴾ قال : المسير. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، في قوله :﴿ والله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لكاذبون ﴾ قال : لقد كانوا يستطيعون الخروج ولكن كان تبطئة من عند أنفسهم، وزهادة في الجهاد.

ثم لما توعد من لم ينفر مع الرسول صلى الله عليه وسلم وضرب له من الأمثال ما ذكره عقبه بالأمر الجزم فقال :﴿ انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ أي : حال كونكم خفافاً وثقالاً، قيل المراد : منفردين أو مجتمعين. وقيل : نشاطاً وغير نشاط. وقيل : فقراء وأغنياء. وقيل : شباباً وشيوخاً. وقيل : رجالاً وفرساناً، وقيل : من لا عيال له ومن له عيال، وقيل : من يسبق إلى الحرب كالطلائع، ومن يتأخر كالجيش، وقيل : غير ذلك. ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه المعاني، لأن معنى الآية : انفروا خفت عليكم الحركة أو ثقلت. قيل : وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى :﴿ لَّيْسَ عَلَى الضعفاء وَلاَ على المرضى ﴾، وقيل : الناسخ لها قوله :﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَائِفَةٌ ﴾ الآية. وقيل : هي محكمة وليست بمنسوخة، ويكون إخراج الأعمى والأعرج بقوله :﴿ لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ ﴾ وإخراج الضعيف والمريض بقوله :﴿ لَّيْسَ عَلَى الضعفاء وَلاَ على المرضى ﴾ من باب التخصيص، لا من باب النسخ على فرض دخول هؤلاء تحت قوله :﴿ خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ والظاهر : عدم دخولهم تحت العموم. قوله :﴿ وجاهدوا بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ فيه الأمر بالجهاد بالأنفس والأموال وإيجابه على العباد، فالفقراء يجاهدون بأنفسهم، والأغنياء بأموالهم وأنفسهم. والجهاد من آكد الفرائض وأعظمها، وهو فرض كفاية مهما كان البعض يقوم بجهاد العدوّ وبدفعه، فإن كان لا يقوم بالعدوّ إلا جميع المسلمين في قطر من الأرض، أو أقطار وجب عليهم ذلك وجوب عين، والإشارة بقوله :﴿ ذلكم ﴾ إلى ما تقدّم من الأمر بالنفير، والأمر بالجهاد ﴿ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ أي : خير عظيم في نفسه، وخير : من السكون والدعة ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ذلك، وتعرفون الأشياء الفاضلة وتميزونها عن المفضولة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وأخرج أبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس، في قوله :﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر حياً من أحياء العرب، فتثاقلوا عنه، فأنزل الله هذه الآية، فأمسك عنهم المطر فكان ذلك عذابهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة، قال : لم نزلت :﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾، وقد كان تخلف عنه أناس في البدو يفقهون قومهم، فقال المؤمنون : قد بقي ناس في البوادي، وقالوا هلك أصحاب البوادي، فنزلت :﴿ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً ﴾. وأخرج أبو داود، وابن أبي حاتم، والنحاس، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس، في قوله :﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ ﴾ الآية قال : نسختها :﴿ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً ﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله ﴾ قال : ذكر ما كان من أوّل شأنه حين بعث، يقول : فأنا فاعل ذلك به، وناصره كما نصرته إذ ذاك وهو ثاني اثنين. وأخرج أبو نعيم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن شهاب وعروة، أنهم ركبوا في كل وجه يعني المشركين يطلبون النبي صلى الله عليه وسلم، وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم ويجعلون لهم الحمل العظيم، وأتوا على ثور الجبل الذي فيه الغار، والذي فيه النبي صلى الله عليه وسلم حتى طلعوا فوقه، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أصواتهم، فأشفق أبو بكر، وأقبل عليه الهمّ والخوف، فعند ذلك يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم :﴿ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا ﴾ ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت عليه السكينة من الله، فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين الآية. وأخرج ابن شاهين، وابن مردويه، وابن عساكر، عن حبشي ابن جنادة، قال أبو بكر : يا رسول الله، لو أن أحداً من المشركين رفع قدمه لأبصرنا، فقال :«يا أبا بكر، لا تحزن إن الله معنا» وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن الزهري، في قوله :﴿ إذ هُمَا فِي الغار ﴾ قال : هو الغار الذي في الجبل الذي يسمى ثوراً.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر في تاريخه، عن ابن عباس، في قوله :﴿ فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ قال : على أبي بكر لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تزل معه السكينة. وأخرج ابن مردويه، عن أنس، قال : دخل النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر غار حراء، فقال أبو بكر للنبيّ صلى الله عليه وسلم : لو أن أحدهم يبصر موضع قدمه لأبصرني وإياك، فقال صلى الله عليه وسلم :«ما ظنك باثنين الله ثالثهما يا أبا بكر ؟ إن الله أنزل سكينته عليك وأيدني بجنود لم يروها» وأخرج الخطيب في تاريخه، عن حبيب بن أبي ثابت ﴿ فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ قال : على أبي بكر، فأما النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقد كانت عليه السكينة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس، في قوله :﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى ﴾ قال : هي الشرك بالله :﴿ وَكَلِمَةُ الله هِيَ العليا ﴾ قال : لا إله إلا الله.
وأخرج الفريابي، وأبو الشيخ، عن أبي الضحى قال : أوّل ما أنزل من براءة :﴿ فانفروا خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ ثم نزل أوّلها وآخرها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أبي مالك، نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿ خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ قال : نشاطاً وغير نشاط. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحكم في الآية قال : مشاغيل وغير مشاغيل. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن، قال : في العسر واليسر. وأخرج ابن المنذر، عن زيد ابن أسلم، قال : فتياناً وكهولاً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن عكرمة، قال : شباباً وشيوخاً. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، قال : قالوا : إن فينا الثقيل، وذا الحاجة، والضيعة، والشغل فأنزل الله :﴿ انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ وأبى أن يعذرهم دون أن ينفروا خفافاً وثقالاً، وعلى ما كان منهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ قال : جاء رجل زعموا أنه المقداد، وكان عظيماً سميناً، فشكا إليه وسأله أن يأذن له فأبى، فنزلت :﴿ انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ فلما نزلت هذه الآية اشتدّ على الناس شأنها فنسخها الله، فقال :﴿ لَّيْسَ عَلَى الضعفاء وَلاَ على المرضى ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له : ألا تغزو بني الأصفر لعلك أن تصيب ابنة عظيم الروم ؟ فقال رجلان : قد علمت يا رسول الله، أن النساء فتنة فلا تفتنا بهنّ فأذن لنا، فأذن لهما، فلما انطلقنا قال أحدهما : إن هو إلا شحمة لأوّل آكل، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينزل عليه شيء في ذلك، فلما كان ببعض الطريق نزل عليه وهو على بعض المناة ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ ﴾ ونزل عليه :﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ ونزل عليه :﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر ﴾ ونزل عليه :
﴿ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس :﴿ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا ﴾ قال : غنيمة قريبة، ﴿ ولكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة ﴾ قال : المسير. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، في قوله :﴿ والله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لكاذبون ﴾ قال : لقد كانوا يستطيعون الخروج ولكن كان تبطئة من عند أنفسهم، وزهادة في الجهاد.

قوله :﴿ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ ﴾. قال الزجاج : لو كان المدعوّ إليه فحذف لدلالة ما تقدّم عليه، والعرض : ما يعرض من منافع الدنيا. والمعنى : غنيمة قريبة غير بعيدة ﴿ وَسَفَرًا قَاصِدًا ﴾ عطف على ما قبله : أي سفراً متوسطاً بين القرب والبعد، وكل متوسط بين الإفراط والتفريط فهو قاصد ﴿ ولكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة ﴾ قال أبو عبيدة وغيره : إن الشقة السفر إلى أرض بعيدة، يقال : منه شقة شاقة، قال الجوهري : الشقة بالضم من الثياب، والشقة أيضاً : السفر البعيد، وربما قالوه بالكسر، والمراد بهذا غزوة تبوك، فإنها كانت سفرة بعيدة شاقة. وقرأ عيسى بن عمر «بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة » بكسر العين والشين ﴿ وَسَيَحْلِفُونَ بالله ﴾ أي : المتخلفون عن غزوة تبوك حال كونكم قائلين :﴿ لَوِ استطعنا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ﴾ أي : لو قدرنا على الخروج ووجدنا ما نحتاج إليه فيه مما لا بدّ منه ﴿ لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ﴾ هذه الجملة سادّة مسدّ جواب القسم والشرط. قوله :﴿ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ ﴾ هو بدل من قوله :﴿ سَيَحْلِفُونَ ﴾ لأن من حلف كاذباً فقد أهلك نفسه أو يكون حالاً : أي مهلكين أنفسهم موقعين لها موقع الهلاك ﴿ والله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لكاذبون ﴾ في حلفهم الذي سيحلفون به لكم.
وقد أخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿ يا أيها الذين آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا ﴾ الآية، قال : هذا حين أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح، وحين أمرهم بالنفير في الصيف وحين خرفت النخل وطابت الثمار، واشتهوا الظلال، وشق عليهم المخرج، فأنزل الله :﴿ انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وأخرج أبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس، في قوله :﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر حياً من أحياء العرب، فتثاقلوا عنه، فأنزل الله هذه الآية، فأمسك عنهم المطر فكان ذلك عذابهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة، قال : لم نزلت :﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾، وقد كان تخلف عنه أناس في البدو يفقهون قومهم، فقال المؤمنون : قد بقي ناس في البوادي، وقالوا هلك أصحاب البوادي، فنزلت :﴿ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً ﴾. وأخرج أبو داود، وابن أبي حاتم، والنحاس، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس، في قوله :﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ ﴾ الآية قال : نسختها :﴿ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً ﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله ﴾ قال : ذكر ما كان من أوّل شأنه حين بعث، يقول : فأنا فاعل ذلك به، وناصره كما نصرته إذ ذاك وهو ثاني اثنين. وأخرج أبو نعيم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن شهاب وعروة، أنهم ركبوا في كل وجه يعني المشركين يطلبون النبي صلى الله عليه وسلم، وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم ويجعلون لهم الحمل العظيم، وأتوا على ثور الجبل الذي فيه الغار، والذي فيه النبي صلى الله عليه وسلم حتى طلعوا فوقه، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أصواتهم، فأشفق أبو بكر، وأقبل عليه الهمّ والخوف، فعند ذلك يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم :﴿ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا ﴾ ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت عليه السكينة من الله، فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين الآية. وأخرج ابن شاهين، وابن مردويه، وابن عساكر، عن حبشي ابن جنادة، قال أبو بكر : يا رسول الله، لو أن أحداً من المشركين رفع قدمه لأبصرنا، فقال :«يا أبا بكر، لا تحزن إن الله معنا» وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن الزهري، في قوله :﴿ إذ هُمَا فِي الغار ﴾ قال : هو الغار الذي في الجبل الذي يسمى ثوراً.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر في تاريخه، عن ابن عباس، في قوله :﴿ فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ قال : على أبي بكر لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تزل معه السكينة. وأخرج ابن مردويه، عن أنس، قال : دخل النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر غار حراء، فقال أبو بكر للنبيّ صلى الله عليه وسلم : لو أن أحدهم يبصر موضع قدمه لأبصرني وإياك، فقال صلى الله عليه وسلم :«ما ظنك باثنين الله ثالثهما يا أبا بكر ؟ إن الله أنزل سكينته عليك وأيدني بجنود لم يروها» وأخرج الخطيب في تاريخه، عن حبيب بن أبي ثابت ﴿ فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ قال : على أبي بكر، فأما النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقد كانت عليه السكينة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس، في قوله :﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى ﴾ قال : هي الشرك بالله :﴿ وَكَلِمَةُ الله هِيَ العليا ﴾ قال : لا إله إلا الله.
وأخرج الفريابي، وأبو الشيخ، عن أبي الضحى قال : أوّل ما أنزل من براءة :﴿ فانفروا خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ ثم نزل أوّلها وآخرها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أبي مالك، نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿ خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ قال : نشاطاً وغير نشاط. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحكم في الآية قال : مشاغيل وغير مشاغيل. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن، قال : في العسر واليسر. وأخرج ابن المنذر، عن زيد ابن أسلم، قال : فتياناً وكهولاً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن عكرمة، قال : شباباً وشيوخاً. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، قال : قالوا : إن فينا الثقيل، وذا الحاجة، والضيعة، والشغل فأنزل الله :﴿ انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ وأبى أن يعذرهم دون أن ينفروا خفافاً وثقالاً، وعلى ما كان منهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ قال : جاء رجل زعموا أنه المقداد، وكان عظيماً سميناً، فشكا إليه وسأله أن يأذن له فأبى، فنزلت :﴿ انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ فلما نزلت هذه الآية اشتدّ على الناس شأنها فنسخها الله، فقال :﴿ لَّيْسَ عَلَى الضعفاء وَلاَ على المرضى ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له : ألا تغزو بني الأصفر لعلك أن تصيب ابنة عظيم الروم ؟ فقال رجلان : قد علمت يا رسول الله، أن النساء فتنة فلا تفتنا بهنّ فأذن لنا، فأذن لهما، فلما انطلقنا قال أحدهما : إن هو إلا شحمة لأوّل آكل، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينزل عليه شيء في ذلك، فلما كان ببعض الطريق نزل عليه وهو على بعض المناة ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ ﴾ ونزل عليه :﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ ونزل عليه :﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر ﴾ ونزل عليه :
﴿ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس :﴿ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا ﴾ قال : غنيمة قريبة، ﴿ ولكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة ﴾ قال : المسير. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، في قوله :﴿ والله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لكاذبون ﴾ قال : لقد كانوا يستطيعون الخروج ولكن كان تبطئة من عند أنفسهم، وزهادة في الجهاد.

بكر غار ثور، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يُبْصِرُ مَوْضِعَ قَدَمِهِ لَأَبْصَرَنِي وَإِيَّاكَ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ؟! إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ سَكِينَتَهُ عَلَيْكَ وَأَيَّدَنِي بِجُنُودٍ لَمْ يَرَوْهَا». وَأَخْرَجَ الْخَطِيبُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ قَالَ: عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَأَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ كَانَتْ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى قَالَ: هِيَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَأَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ أَبِي الضُّحَى قَالَ: أَوَّلُ مَا أُنْزِلَ مِنْ بَرَاءَةٌ انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا ثُمَّ نَزَلَ أَوَّلُهَا وَآخِرُهَا.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي مَالِكٍ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: خِفافاً وَثِقالًا قَالَ: نَشَاطًا وَغَيْرَ نَشَاطٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ الْحَكَمِ فِي الْآيَةِ قَالَ: مَشَاغِيلَ وَغَيْرَ مَشَاغِيلَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: فِتْيَانًا وَكُهُولًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ:
شَبَابًا وشيوخا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالُوا إِنَّ فِينَا الثَّقِيلَ وَذَا الْحَاجَةِ وَالضَّيْعَةِ وَالشُّغْلِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَأَبَى أَنْ يَعْذِرَهُمْ دُونَ أَنْ يَنْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا، وَعَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ السدي قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ زَعَمُوا أَنَّهُ الْمِقْدَادُ، وَكَانَ عَظِيمًا سَمِينًا، فَشَكَا إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فَأَبَى، فَنَزَلَتْ: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ اشْتَدَّ عَلَى النَّاسِ شَأْنُهَا فَنَسَخَهَا اللَّهُ، فَقَالَ: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ لَهُ: أَلَا تَغْزُو بَنِي الْأَصْفَرِ لَعَلَّكَ أَنْ تُصِيبَ ابْنَةَ عَظِيمِ الرُّومِ؟
فَقَالَ رَجُلَانِ: قَدْ عَلِمْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَّ النِّسَاءَ فِتْنَةٌ فَلَا تَفْتِنَّا بِهِنَّ فَأْذَنْ لَنَا، فأذن لهما، فلما انطلقا قَالَ أَحَدُهُمَا: إِنْ هُوَ إِلَّا شَحْمَةٌ لِأَوَّلِ آكِلٍ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ذَلِكَ، فلما كان ببعض الطريق نزل عليه وهو على بعض المياه لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَنَزَلَ عَلَيْهِ:
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ وَنَزَلَ عَلَيْهِ: إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَنَزَلَ عَلَيْهِ: إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً قَالَ: غَنِيمَةً قَرِيبَةً، وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ قَالَ: الْمَسِيرُ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ قتادة قَوْلِهِ: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ قَالَ: لَقَدْ كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ، وَلَكِنْ كَانَ تَبْطِئَةً مِنْ عند أنفسهم، وزهادة في الجهاد.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٤٣ الى ٤٩]
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥) وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)
لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ (٤٨) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٤٩)
416
الِاسْتِفْهَامُ فِي: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ لِلْإِنْكَارِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ وَقَعَ مِنْهُ الإذن لِمَنِ اسْتَأْذَنَهُ فِي الْقُعُودِ، قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ مَنْ هُوَ صَادِقٌ مِنْهُمْ فِي عُذْرِهِ الَّذِي أَبْدَاهُ، وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ فِيهِ.
وَفِي ذِكْرِ الْعَفْوِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْإِذْنَ الصَّادِرَ مِنْهُ كَانَ خِلَافَ الْأَوْلَى، وَفِي هَذَا عِتَابٌ لَطِيفٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا عِتَابٌ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِذْنِهِ لِلْمُنَافِقِينَ بِالْخُرُوجِ مَعَهُ، لَا فِي إِذْنِهِ لَهُمْ بِالْقُعُودِ عَنِ الْخُرُوجِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَقَدْ رَخَّصَ لَهُ سُبْحَانَهُ فِي سُورَةِ النُّورِ بِقَوْلِهِ: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ «١» وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ بِأَنَّ الْعِتَابَ هنا متوجّه إِلَى الْإِذْنِ قَبْلَ الِاسْتِثْبَاتِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الصَّادِقَ مِنَ الْكَاذِبِ، وَالْإِذْنَ هُنَالِكَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْإِذْنِ بَعْدَ الِاسْتِثْبَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ هِيَ افْتِتَاحُ كَلَامٍ كَمَا تَقُولُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، وَأَعَزَّكَ، وَرَحِمَكَ، كَيْفَ فَعَلْتَ كَذَا؟ وَكَذَا حَكَاهُ مَكِّيٌّ وَالنَّحَّاسُ وَالْمَهْدَوِيُّ، وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى عَفَا اللَّهُ عَنْكَ، وَعَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ لَا يَحْسُنُ. وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ التَّفْسِيرَ الْأَوَّلَ هُوَ الْمُطَابِقُ لِمَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ عَلَى حَسَبِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا وَجْهَ لِإِخْرَاجِهِ عَنْ مَعْنَاهُ الْعَرَبِيِّ.
وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمَسْأَلَةُ مُدَوَّنَةٌ فِي الْأُصُولِ، وَفِيهَا أَيْضًا: دَلَالَةٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنِ الْعَجَلَةِ وَالِاغْتِرَارِ بِظَوَاهِرِ الْأُمُورِ، وحَتَّى فِي حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا للغاية، كأنه قيل: لم سَارَعْتَ إِلَى الْإِذْنِ لَهُمْ؟ وَهَلَّا تَأَنَّيْتَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ صِدْقُ مَنْ هُوَ صَادِقٌ مِنْهُمْ فِي الْعُذْرِ الَّذِي أَبْدَاهُ، وَكَذِبُ مَنْ هُوَ كَاذِبٌ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ؟ ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَادَةِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَسْتَأْذِنُوا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقُعُودِ عَنِ الْجِهَادِ، بَلْ كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَذِنَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْقُعُودِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
فَقَالَ: لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا وَهَذَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ أَنْ لَا يُجَاهِدُوا، عَلَى حَذْفِ حَرْفِ النَّفْيِ وَقِيلَ الْمَعْنَى: لَا يَسْتَأْذِنُكَ الْمُؤْمِنُونَ فِي التَّخَلُّفِ كَرَاهَةَ الْجِهَادِ وَقِيلَ: إِنَّ مَعْنَى الِاسْتِئْذَانِ فِي الشَّيْءِ الْكَرَاهَةُ لَهُ، وَأَمَّا عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ فَالْمَعْنَى: لَا يَسْتَأْذِنُكَ الْمُؤْمِنُونَ فِي الْجِهَادِ بَلْ دَأْبُهُمْ أَنْ يُبَادِرُوا إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ وَلَا ارْتِقَابٍ مِنْهُمْ لِوُقُوعِ الْإِذْنِ مِنْكَ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَسْتَأْذِنُوكَ فِي التَّخَلُّفِ.
قَالَ الزَّجَّاجُ: أَنْ يُجَاهِدُوا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإِضْمَارِ فِي: أَيْ فِي أَنْ يُجَاهِدُوا وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ وَهُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَأْذِنُوا إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ فِي الْقُعُودِ عَنِ الْجِهَادِ، وَالتَّخَلُّفِ عَنْهُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، وَذَكَرَ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ أَوَّلًا، ثُمَّ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ثَانِيًا فِي الْمَوْضِعَيْنِ، لِأَنَّهُمَا الْبَاعِثَانِ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ وَجَاءَ بِالْمَاضِي لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَحَقُّقِ الرَّيْبِ فِي قُلُوبِهِمْ، وَهُوَ الشَّكُّ. قَوْلُهُ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ أي: في شكهم الذي
(١). النور: ٦٢.
417
حَلَّ بِقُلُوبِهِمْ يَتَحَيَّرُونَ، وَالتَّرَدُّدُ: التَّحَيُّرُ. وَالْمَعْنَى: فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُوكَ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ بَلْ مُرْتَابِينَ حَائِرِينَ لَا يَهْتَدُونَ إِلَى طَرِيقِ الصَّوَابِ، وَلَا يَعْرِفُونَ الْحَقَّ. قَوْلُهُ وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً أَيْ: لَوْ كَانُوا صَادِقِينَ فِيمَا يَدَّعُونَهُ- وَيُخْبِرُونَكَ بِهِ- مِنْ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْجِهَادَ مَعَكَ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مِنَ الْعُدَّةِ لِلْجِهَادِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، لَمَا تَرَكُوا إِعْدَادَ الْعُدَّةِ، وَتَحْصِيلَهَا قَبْلَ وَقْتِ الْجِهَادِ كَمَا يَسْتَعِدُّ لِذَلِكَ المؤمنون، فمعنى هذا الكلام: أنهم لم يريدوا الْخُرُوجَ أَصْلًا، وَلَا اسْتَعَدُّوا لِلْغَزْوِ. وَالْعُدَّةُ: مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُجَاهِدُ مِنَ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَالسِّلَاحِ. قَوْلُهُ: وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ أَيْ: وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ خُرُوجَهُمْ، فَتَثَبَّطُوا عَنِ الْخُرُوجِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: مَا خَرَجُوا وَلَكِنْ تَثَبَّطُوا، لِأَنَّ كَرَاهَةَ اللَّهِ انْبِعَاثَهُمْ تَسْتَلْزِمُ تَثَبُّطَهُمْ عَنِ الْخُرُوجِ، وَالِانْبِعَاثُ: الْخُرُوجُ، أَيْ: حَبَسَهُمُ اللَّهُ عَنِ الْخُرُوجِ مَعَكَ وَخَذَلَهُمْ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا: إِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَنَا فِي الْجُلُوسِ أَفْسَدْنَا وَحَرَّضْنَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَقِيلَ الْمَعْنَى: لَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً، وَلَكِنْ مَا أَرَادُوهُ لِكَرَاهَةِ اللَّهِ لَهُ قَوْلُهُ: وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ قِيلَ: الْقَائِلُ لَهُمْ هو الشيطان بما يلقيه إليه مِنَ الْوَسْوَسَةِ، وَقِيلَ:
قَالَهُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَقِيلَ: قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَضَبًا عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ: هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْخِذْلَانِ، أَيْ: أَوْقَعَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الْقُعُودَ خِذْلَانًا لَهُمْ. وَمَعْنَى مَعَ الْقاعِدِينَ أَيْ: مَعَ أُولِي الضَّرَرِ مِنَ الْعُمْيَانِ وَالْمَرْضَى، وَالنِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ، وَفِيهِ من الذمّ، وَالْإِزْرَاءِ عَلَيْهِمْ، وَالتَّنَقُّصِ بِهِمْ مَا لَا يَخْفَى. قوله: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ تَخَلُّفِ الْمُنَافِقِينَ، وَالْخَبَالُ: الْفَسَادُ وَالنَّمِيمَةُ، وَإِيقَاعُ الِاخْتِلَافِ، وَالْأَرَاجِيفِ. قِيلَ: هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ أَيْ مَا زَادُوكُمْ قُوَّةً، وَلَكِنْ طَلَبُوا الْخَبَالَ وَقِيلَ الْمَعْنَى: لَا يَزِيدُونَكُمْ فِيمَا تَرَدَّدُونَ فِيهِ مِنَ الرَّأْيِ إِلَّا خَبَالًا، فَيَكُونُ مُتَّصِلًا وَقِيلَ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ أَعَمِّ الْعَامِّ، أَيْ: مَا زَادُوكُمْ شَيْئًا إِلَّا خَبَالًا، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ قِسْمِ الْمُتَّصِلِ، لِأَنَّ الْخَبَالَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ. قَوْلُهُ: وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ الْإِيضَاعُ: سُرْعَةُ السَّيْرِ، وَمِنْهُ قَوْلُ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ:
يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعْ أَخُبُّ فِيهَا وَأَضَعْ
يُقَالُ أَوْضَعَ الْبَعِيرُ: إِذَا أَسْرَعَ السَّيْرَ، وَقِيلَ الْإِيضَاعُ: سَيْرُ الْخَبَبِ، وَالْخَلَلُ: الْفُرْجَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وَالْجَمْعُ الْخِلَالُ أَيِ: الْفُرَجُ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الصُّفُوفِ. وَالْمَعْنَى: لَسَعَوْا بَيْنَكُمْ بِالْإِفْسَادِ بِمَا يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الْأَكَاذِيبِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْإِرْجَافِ، وَالنَّمَائِمِ الْمُوجِبَةِ لِفَسَادِ ذَاتِ الْبَيْنِ. قَوْلُهُ: يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ يُقَالُ بَغَيْتُهُ كَذَا: طَلَبْتُهُ لَهُ، وَأَبْغَيْتُهُ كَذَا: أَعَنْتُهُ عَلَى طَلَبِهِ. وَالْمَعْنَى: يَطْلُبُونَ لَكُمُ الْفِتْنَةَ فِي ذَاتِ بَيْنِكُمْ بِمَا يَصْنَعُونَهُ مِنَ التَّحْرِيشِ وَالْإِفْسَادِ وَقِيلَ: الْفِتْنَةُ هُنَا: الشِّرْكُ. وَجُمْلَةُ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ فِيكُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ مَا يَقُولُونَهُ مِنَ الْكَذِبِ فَيَنْقُلُهُ إِلَيْكُمْ، فَيَتَأَثَّرُ مِنْ ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَكُمْ، وَالْفَسَادُ لِإِخْوَانِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ وَبِمَا يَحْدُثُ مِنْهُمْ لَوْ خَرَجُوا مَعَكُمْ، فَلِذَلِكَ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ الْبَالِغَةُ أَنْ لَا يَخْرُجُوا مَعَكُمْ، وَكَرِهَ انْبِعَاثَهُمْ مَعَكُمْ وَلَا يُنَافِي حَالُهُمْ هَذَا لَوْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما تَقَدَّمَ مِنْ عِتَابِهِ عَلَى الْإِذْنِ لَهُمْ فِي التَّخَلُّفِ، لِأَنَّهُ سَارَعَ إِلَى الْإِذْنِ لَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ لَوْ خَرَجُوا أنهم
418
يَفْعَلُونَ هَذِهِ الْأَفَاعِيلَ، فَعُوتِبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى تَسَرُّعِهِ إِلَى الْإِذْنِ لَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ الصَّادِقَ مِنْهُمْ فِي عُذْرِهِ مِنَ الْكَاذِبِ، وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيمَا يَأْتِي فِي هَذِهِ السُّورَةِ فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً الْآيَةَ، وَقَالَ فِي سُورَةِ الْفَتْحِ: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ إِلَى قَوْلِهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا «١». قَوْلُهُ: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ أَيْ: لَقَدْ طَلَبُوا الْإِفْسَادَ، وَالْخَبَالَ، وَتَفْرِيقَ كَلِمَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَشْتِيتَ شَمْلِهِمْ مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْغَزْوَةِ الَّتِي تَخَلَّفُوا عَنْكَ فِيهَا. كَمَا وَقَعَ مِنْ عَبْدِ الله ابن أُبَيٍّ وَغَيْرِهِ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ. قَوْلُهُ: وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ أَيْ:
صَرَفُوهَا مِنْ أَمْرٍ إِلَى أَمْرٍ، وَدَبَّرُوا لَكَ الْحِيَلَ وَالْمَكَائِدَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ: «حُوَّلٌ قُلَّبٌ» إِذَا كَانَ دَائِرًا حَوْلَ الْمَكَائِدِ وَالْحِيَلِ يُدِيرُ الرَّأْيَ فِيهَا وَيَتَدَبَّرُهُ. وَقُرِئَ وَقَلَّبُوا بِالتَّخْفِيفِ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ أَيْ: إِلَى غَايَةٍ هِيَ مَجِيءُ الْحَقِّ، وَهُوَ النَّصْرُ لَكَ وَالتَّأْيِيدُ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ بِإِعْزَازِ دينه، وإعلاء شَرْعِهِ، وَقَهْرِ أَعْدَائِهِ وَقِيلَ: الْحَقُّ: الْقُرْآنُ، وَهُمْ كارِهُونَ أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُمْ كَارِهُونَ لِمَجِيءِ الْحَقِّ، وَظُهُورِ أَمْرِ اللَّهِ، وَلَكِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى رُغْمٍ مِنْهُمْ وَمِنْهُمْ أَيْ: مِنَ الْمُنَافِقِينَ مَنْ يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ائْذَنْ لِي فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجِهَادِ وَلا تَفْتِنِّي أَيْ: لَا تُوقِعْنِي فِي الْفِتْنَةِ: أَيِ الْإِثْمِ إِذَا لَمْ تَأْذَنْ لِي، فَتَخَلَّفْتُ بِغَيْرِ إِذْنِكَ وَقِيلَ مَعْنَاهُ: لَا تُوقِعْنِي فِي الْهَلَكَةِ بِالْخُرُوجِ أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا أَيْ: فِي نَفْسِ الْفِتْنَةِ سَقَطُوا، وَهِيَ فِتْنَةُ التَّخَلُّفِ عَنِ الْجِهَادِ، وَالِاعْتِذَارِ الْبَاطِلِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ ظَنُّوا: أَنَّهُمْ بِالْخُرُوجِ أَوْ بِتَرْكِ الْإِذْنِ لَهُمْ يَقَعُونَ فِي الْفِتْنَةِ، وَهُمْ بِهَذَا التَّخَلُّفِ سَقَطُوا فِي الْفِتْنَةِ الْعَظِيمَةِ. وَفِي التَّعْبِيرِ بِالسُّقُوطِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُمْ وَقَعُوا فِيهَا، وُقُوعَ مَنْ يَهْوِي مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ، وَذَلِكَ أَشَدُّ مِنْ مُجَرَّدِ الدُّخُولِ فِي الْفِتْنَةِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ أَيْ: مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِمْ مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ، لَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَخْلَصًا، وَلَا يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْهَا بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي الْمُصَنَّفِ، وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: اثْنَتَانِ فَعَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِمَا بِشَيْءٍ: إِذْنُهُ لِلْمُنَافِقِينَ، وَأَخْذُهُ مِنَ الْأُسَارَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُمْ بِمُعَاتِبَةٍ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا؟ بَدَأَ بِالْعَفْوِ قَبْلَ الْمُعَاتَبَةِ، فَقَالَ: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ الْآيَةَ، قَالَ: نَاسٌ قَالُوا: اسْتَأْذِنُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ أَذِنَ لَكُمْ فَاقْعُدُوا، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ فَاقْعُدُوا. وَأَخْرَجَ النَّحَّاسُ فِي نَاسِخِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ:
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ الثَّلَاثَ الْآيَاتِ، قَالَ: نَسَخَهَا: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ «٢». وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالنَّحَّاسُ فِي نَاسِخِهِ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ:
لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ الْآيَةَ، قَالَ: هذا تعبير لِلْمُنَافِقِينَ حِينَ اسْتَأْذَنُوا فِي الْقُعُودِ عَنِ الْجِهَادِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَعَذَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ. وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْهُ أيضا في قوله: لا يَسْتَأْذِنُكَ
(١). الفتح: ١٥.
(٢). النور: ٦٢.
419
ثم ذكر سبحانه أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعود عن الجهاد، بل كان من عادتهم أنهم صلى الله عليه وسلم إذا أذن لواحد منهم بالقعود شق عليه ذلك. فقال :﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر أَن يجاهدوا ﴾ وهذا على أن معنى الآية أن لا يجاهدوا على حذف حرف النفي ؛ وقيل المعنى : لا يستأذنك المؤمنون في التخلف كراهة الجهاد ؛ وقيل : إن معنى الاستئذان في الشيء الكراهة له، وأما على ما يقتضيه ظاهر اللفظ فالمعنى : لا يستأذنك المؤمنون في الجهاد، بل دأبهم أن يبادروا إليه من غير توقف ولا ارتقاب منهم، لوقوع الإذن منك فضلاً عن أن يستأذنوك في التخلف. قال الزجاج : أن يجاهدوا في موضع نصب بإضمار في : أي في أن يجاهدوا :﴿ والله عَلِيمٌ بالمتقين ﴾ وهم هؤلاء الذين لم يستأذنوا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:
وقد أخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن جرير عن عمرو بن ميمون، قال : اثنتان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمر فيهما بشيء : إذنه للمنافقين، وأخذه من الأسارى، فأنزل الله :﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عون بن عبد الله، قال : ما سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا ؟ بدأ بالعفو قبل المعاتبة. فقال :﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله :﴿ عَفَا الله عَنكَ ﴾ الآية قال : ناس قالوا استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أذن لكم، فاقعدوا. وإن لم يأذن لكم، فاقعدوا. وأخرج النحاس في ناسخه، عن ابن عباس في قوله :﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ الثلاث الآيات، قال : نسخها :﴿ فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ ﴾.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في ناسخه، عنه، في قوله :﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله ﴾ الآية قال : هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوا في القعود عن الجهاد بغير عذر، وعذر الله المؤمنين فقال :﴿ فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ ﴾. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عنه أيضاً في قوله :﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ﴾ الآيتين قال : نسختها الآية التي في سورة النور :﴿ إِنَّمَا المؤمنون الذين آمَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ﴾ إلى ﴿ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾. فجعل الله النبي صلى الله عليه وسلم بأعلى النظرين في ذلك، من غزا غزا في فضيلة، ومن قعد قعد في غير حرج إن شاء الله.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الضحاك، في قوله :﴿ ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم ﴾ قال : خروجهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ قال : حبسهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن زيد، في قوله :﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ قال : هؤلاء المنافقون في غزوة تبوك. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله :﴿ ولأَوْضَعُواْ خلالكم ﴾ قال : لأسرعوا بينكم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿ ولأَوْضَعُوا خلالكم ﴾ قال : لأرفضوا ﴿ يَبْغُونَكُمُ الفتنة ﴾ يبطئونكم : عبد الله بن نبتل، وعبد الله بن أبيّ بن سلول، ورفاعة بن تابوت، وأوس بن قيظي ﴿ وَفِيكُمْ سماعون لَهُمْ ﴾ محدّثون لهم بأحاديثكم غير منافقين، وهم عيون للمنافقين.
وأخرج ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة، عن ابن عباس، قال : لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى غزوة تبوك، قال لجدّ بن قيس : يا جدّ بن قيس، ما تقول في مجاهدة بني الأصفر ؟ فقال : يا رسول الله، إني امرؤ صاحب نساء، ومتى أرى نساء بني الأصفر أفتتن، فأذن لي ولا تفتني، فأنزل الله :﴿ وَمِنْهُمْ من يَقُولُ ائذن لي ﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن عائشة، نحوه أيضاً. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿ وَلاَ تَفْتِنّي ﴾ قال : لا تخرجني ﴿ أَلا فِي الفتنة سَقَطُواْ ﴾ يعني : في الخروج. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿ وَلاَ تَفْتِنّي ﴾ قال : لا تؤثمني ﴿ أَلا فِي الفتنة ﴾ قال : ألا في الإثم، وقصة تبوك مذكورة في كتب الحديث والسير فلا نطول بذكرها.

﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ﴾ في القعود عن الجهاد، والتخلف عنه :﴿ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر ﴾ وهم : المنافقون، وذكر الإيمان بالله أوّلا، ثم باليوم الآخر ثانياً في الموضعين، لأنهما الباعثان على الجهاد في سبيل الله.
قوله :﴿ وارتابت قُلُوبُهُمْ ﴾ عطف على قوله :﴿ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ وجاء بالماضي للدلالة على تحقق الريب في قلوبهم، وهو : الشك. قوله :﴿ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ أي : في شكهم الذي حلّ بقلوبهم يتحيرون، والتردّد : التحير. والمعنى : فهؤلاء الذين يستأذنونك ليسوا بمؤمنين، بل مرتابين حائرين لا يهتدون إلى طريق الصواب، ولا يعرفون الحق.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:
وقد أخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن جرير عن عمرو بن ميمون، قال : اثنتان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمر فيهما بشيء : إذنه للمنافقين، وأخذه من الأسارى، فأنزل الله :﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عون بن عبد الله، قال : ما سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا ؟ بدأ بالعفو قبل المعاتبة. فقال :﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله :﴿ عَفَا الله عَنكَ ﴾ الآية قال : ناس قالوا استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أذن لكم، فاقعدوا. وإن لم يأذن لكم، فاقعدوا. وأخرج النحاس في ناسخه، عن ابن عباس في قوله :﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ الثلاث الآيات، قال : نسخها :﴿ فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ ﴾.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في ناسخه، عنه، في قوله :﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله ﴾ الآية قال : هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوا في القعود عن الجهاد بغير عذر، وعذر الله المؤمنين فقال :﴿ فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ ﴾. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عنه أيضاً في قوله :﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ﴾ الآيتين قال : نسختها الآية التي في سورة النور :﴿ إِنَّمَا المؤمنون الذين آمَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ﴾ إلى ﴿ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾. فجعل الله النبي صلى الله عليه وسلم بأعلى النظرين في ذلك، من غزا غزا في فضيلة، ومن قعد قعد في غير حرج إن شاء الله.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الضحاك، في قوله :﴿ ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم ﴾ قال : خروجهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ قال : حبسهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن زيد، في قوله :﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ قال : هؤلاء المنافقون في غزوة تبوك. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله :﴿ ولأَوْضَعُواْ خلالكم ﴾ قال : لأسرعوا بينكم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿ ولأَوْضَعُوا خلالكم ﴾ قال : لأرفضوا ﴿ يَبْغُونَكُمُ الفتنة ﴾ يبطئونكم : عبد الله بن نبتل، وعبد الله بن أبيّ بن سلول، ورفاعة بن تابوت، وأوس بن قيظي ﴿ وَفِيكُمْ سماعون لَهُمْ ﴾ محدّثون لهم بأحاديثكم غير منافقين، وهم عيون للمنافقين.
وأخرج ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة، عن ابن عباس، قال : لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى غزوة تبوك، قال لجدّ بن قيس : يا جدّ بن قيس، ما تقول في مجاهدة بني الأصفر ؟ فقال : يا رسول الله، إني امرؤ صاحب نساء، ومتى أرى نساء بني الأصفر أفتتن، فأذن لي ولا تفتني، فأنزل الله :﴿ وَمِنْهُمْ من يَقُولُ ائذن لي ﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن عائشة، نحوه أيضاً. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿ وَلاَ تَفْتِنّي ﴾ قال : لا تخرجني ﴿ أَلا فِي الفتنة سَقَطُواْ ﴾ يعني : في الخروج. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿ وَلاَ تَفْتِنّي ﴾ قال : لا تؤثمني ﴿ أَلا فِي الفتنة ﴾ قال : ألا في الإثم، وقصة تبوك مذكورة في كتب الحديث والسير فلا نطول بذكرها.

قوله :﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج لأعَدُّواْ لَهُ عِدَّةَ ﴾ أي : لو كانوا صادقين فيما يدّعونه ويخبرونك به من أنهم يريدون الجهاد معك، ولكن لم يكن معهم من العدّة للجهاد ما يحتاج إليه، لما تركوا إعداد العدّة وتحصيلها قبل وقت الجهاد، كما يستعدّ لذلك المؤمنون، فمعنى هذا الكلام : أنهم لم يريدوا الخروج أصلاً ولا استعدّوا للغزو. والعدّة ما يحتاج إليه المجاهد من الزاد والراحلة والسلاح. قوله :﴿ ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم ﴾ أي : ولكن كره الله خروجهم، فتثبطوا عن الخروج، فيكون المعنى : ما خرجوا ولكن تثبطوا، لأن كراهة الله انبعاثهم تستلزم تثبطهم عن الخروج، والانبعاث : الخروج، أي حبسهم الله عن الخروج معك وخذلهم، لأنهم قالوا : إن لم يؤذن لنا في الجلوس، أفسدنا وحرّضنا على المؤمنين. وقيل : المعنى : لو أرادوا الخروج لأعدّوا له عدّة، ولكن ما أرادوه لكراهة الله له قوله :﴿ وَقِيلَ اقعدوا مَعَ القاعدين ﴾ قيل : القائل لهم هو الشيطان بما يلقيه إليهم من الوسوسة، وقيل : قاله بعضهم لبعض. وقيل : قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم غضباً عليهم. وقيل : هو عبارة عن الخذلان، أي أوقع الله في قلوبهم القعود خذلاناً لهم. ومعنى ﴿ مَعَ القاعدين ﴾ أي : مع أولي الضرر من العميان، والمرضى، والنساء، والصبيان، وفيه من الذمّ لهم والإزراء عليهم والتنقص بهم ما لا يخفى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:
وقد أخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن جرير عن عمرو بن ميمون، قال : اثنتان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمر فيهما بشيء : إذنه للمنافقين، وأخذه من الأسارى، فأنزل الله :﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عون بن عبد الله، قال : ما سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا ؟ بدأ بالعفو قبل المعاتبة. فقال :﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله :﴿ عَفَا الله عَنكَ ﴾ الآية قال : ناس قالوا استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أذن لكم، فاقعدوا. وإن لم يأذن لكم، فاقعدوا. وأخرج النحاس في ناسخه، عن ابن عباس في قوله :﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ الثلاث الآيات، قال : نسخها :﴿ فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ ﴾.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في ناسخه، عنه، في قوله :﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله ﴾ الآية قال : هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوا في القعود عن الجهاد بغير عذر، وعذر الله المؤمنين فقال :﴿ فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ ﴾. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عنه أيضاً في قوله :﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ﴾ الآيتين قال : نسختها الآية التي في سورة النور :﴿ إِنَّمَا المؤمنون الذين آمَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ﴾ إلى ﴿ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾. فجعل الله النبي صلى الله عليه وسلم بأعلى النظرين في ذلك، من غزا غزا في فضيلة، ومن قعد قعد في غير حرج إن شاء الله.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الضحاك، في قوله :﴿ ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم ﴾ قال : خروجهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ قال : حبسهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن زيد، في قوله :﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ قال : هؤلاء المنافقون في غزوة تبوك. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله :﴿ ولأَوْضَعُواْ خلالكم ﴾ قال : لأسرعوا بينكم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿ ولأَوْضَعُوا خلالكم ﴾ قال : لأرفضوا ﴿ يَبْغُونَكُمُ الفتنة ﴾ يبطئونكم : عبد الله بن نبتل، وعبد الله بن أبيّ بن سلول، ورفاعة بن تابوت، وأوس بن قيظي ﴿ وَفِيكُمْ سماعون لَهُمْ ﴾ محدّثون لهم بأحاديثكم غير منافقين، وهم عيون للمنافقين.
وأخرج ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة، عن ابن عباس، قال : لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى غزوة تبوك، قال لجدّ بن قيس : يا جدّ بن قيس، ما تقول في مجاهدة بني الأصفر ؟ فقال : يا رسول الله، إني امرؤ صاحب نساء، ومتى أرى نساء بني الأصفر أفتتن، فأذن لي ولا تفتني، فأنزل الله :﴿ وَمِنْهُمْ من يَقُولُ ائذن لي ﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن عائشة، نحوه أيضاً. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿ وَلاَ تَفْتِنّي ﴾ قال : لا تخرجني ﴿ أَلا فِي الفتنة سَقَطُواْ ﴾ يعني : في الخروج. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿ وَلاَ تَفْتِنّي ﴾ قال : لا تؤثمني ﴿ أَلا فِي الفتنة ﴾ قال : ألا في الإثم، وقصة تبوك مذكورة في كتب الحديث والسير فلا نطول بذكرها.

قوله :﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين عن تخلف المنافقين، والخبال : الفساد والنميمة، وإيقاع الاختلاف والأراجيف. قيل : هذا الاستثناء منقطع : أي ما زادوكم قوّة، ولكن طلبوا الخبال. وقيل المعنى : لا يزيدونكم فيما تردّدون فيه من الرأي إلا خبالاً فيكون متصلاً. وقيل : هو استثناء من أعمّ العام : أي ما زادوكم شيئاً إلا خبالاً. فيكون الاستثناء من قسم المتصل ؛ لأن الخبال من جملة ما يصدق عليه الشيء. قوله :﴿ ولأَوْضَعُواْ خلالكم يَبْغُونَكُمُ الفتنة ﴾ الإيضاع : سرعة السير، ومنه قوله ورقة بن نوفل :
يا ليتني فيها جذع *** أخبّ فيها وأضع
يقال : أوضع البعير : إذا أسرع السير. وقيل : الإيضاع : سير الخبب، والخلل : الفرجة بين الشيئين، والجمع الخلال : أي الفرج التي تكون بين الصفوف. والمعنى : لسعوا بينكم بالإفساد بما يختلقونه من الأكاذيب المشتملة على الإرجاف والنمائم الموجبة لفساد ذات البين. قوله :﴿ يَبْغُونَكُمُ الفتنة ﴾ يقال : بغيته كذا : طلبته له، وأبغيته كذا : أعنته على طلبه. والمعنى : يطلبون لكم الفتنة في ذات بينكم بما يصنعونه من التحريش والإفساد. وقيل : الفتنة هنا الشرك. وجملة :﴿ وَفِيكُمْ سماعون لَهُمْ ﴾ في محل نصب على الحال، أي والحال أنّ فيكم من يستمع ما يقولونه من الكذب، فينقله إليكم فيتأثر من ذلك الاختلاف بينكم، والفساد لإخوانكم ﴿ والله عَلِيمٌ بالظالمين ﴾ وبما يحدث منهم لو خرجوا معكم، لذلك اقتضت حكمته البالغة أن لا يخرجوا معكم، وكره انبعاثهم معكم، ولا ينافي حالهم هذا لو خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تقدّم من عتابه على الإذن لهم في التخلف ؛ لأنه سارع إلى الإذن لهم، ولم يكن قد علم من أحوالهم لو خرجوا أنهم يفعلون هذه الأفاعيل، فعوتب صلى الله عليه وسلم على تسرّعه إلى الإذن لهم قبل أن يتبين له الصادق منهم في عذره من الكاذب، ولهذا قال الله سبحانه فيما يأتي في هذه السورة :﴿ فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَائِفَةٍ مّنْهُمْ فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِي أَبَدًا ﴾ الآية، وقال في سورة الفتح :﴿ سَيَقُولُ المخلفون إِذَا انطلقتم إلى مَغَانِمَ ﴾ إلى قوله :﴿ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا ﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:
وقد أخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن جرير عن عمرو بن ميمون، قال : اثنتان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمر فيهما بشيء : إذنه للمنافقين، وأخذه من الأسارى، فأنزل الله :﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عون بن عبد الله، قال : ما سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا ؟ بدأ بالعفو قبل المعاتبة. فقال :﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله :﴿ عَفَا الله عَنكَ ﴾ الآية قال : ناس قالوا استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أذن لكم، فاقعدوا. وإن لم يأذن لكم، فاقعدوا. وأخرج النحاس في ناسخه، عن ابن عباس في قوله :﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ الثلاث الآيات، قال : نسخها :﴿ فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ ﴾.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في ناسخه، عنه، في قوله :﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله ﴾ الآية قال : هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوا في القعود عن الجهاد بغير عذر، وعذر الله المؤمنين فقال :﴿ فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ ﴾. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عنه أيضاً في قوله :﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ﴾ الآيتين قال : نسختها الآية التي في سورة النور :﴿ إِنَّمَا المؤمنون الذين آمَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ﴾ إلى ﴿ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾. فجعل الله النبي صلى الله عليه وسلم بأعلى النظرين في ذلك، من غزا غزا في فضيلة، ومن قعد قعد في غير حرج إن شاء الله.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الضحاك، في قوله :﴿ ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم ﴾ قال : خروجهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ قال : حبسهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن زيد، في قوله :﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ قال : هؤلاء المنافقون في غزوة تبوك. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله :﴿ ولأَوْضَعُواْ خلالكم ﴾ قال : لأسرعوا بينكم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿ ولأَوْضَعُوا خلالكم ﴾ قال : لأرفضوا ﴿ يَبْغُونَكُمُ الفتنة ﴾ يبطئونكم : عبد الله بن نبتل، وعبد الله بن أبيّ بن سلول، ورفاعة بن تابوت، وأوس بن قيظي ﴿ وَفِيكُمْ سماعون لَهُمْ ﴾ محدّثون لهم بأحاديثكم غير منافقين، وهم عيون للمنافقين.
وأخرج ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة، عن ابن عباس، قال : لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى غزوة تبوك، قال لجدّ بن قيس : يا جدّ بن قيس، ما تقول في مجاهدة بني الأصفر ؟ فقال : يا رسول الله، إني امرؤ صاحب نساء، ومتى أرى نساء بني الأصفر أفتتن، فأذن لي ولا تفتني، فأنزل الله :﴿ وَمِنْهُمْ من يَقُولُ ائذن لي ﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن عائشة، نحوه أيضاً. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿ وَلاَ تَفْتِنّي ﴾ قال : لا تخرجني ﴿ أَلا فِي الفتنة سَقَطُواْ ﴾ يعني : في الخروج. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿ وَلاَ تَفْتِنّي ﴾ قال : لا تؤثمني ﴿ أَلا فِي الفتنة ﴾ قال : ألا في الإثم، وقصة تبوك مذكورة في كتب الحديث والسير فلا نطول بذكرها.

قوله :﴿ لَقَدِ ابتغوا الفتنة مِن قَبْلُ ﴾ أي : لقد طلبوا الإفساد والخبال وتفريق كلمة المؤمنين وتشتيت شملهم من قبل هذه الغزوة التي تخلفوا عنك فيها. كما وقع من عبد الله بن أبيّ وغيره ﴿ ويأبى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون ﴾. قوله :﴿ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأمور ﴾ أي : صرّفوها من أمر إلى أمر، ودبروا لك الحيل والمكائد، ومنه قول العرب حوّل قلب إذا كان دائراً حول المكائد والحيل، يدير الرأي فيها ويتدبره. وقرئ «وقلبوا » بالتخفيف ﴿ حتى جَاء الحق ﴾ أي : إلى غاية هي مجيء الحق، وهو النصر لك والتأييد ﴿ وَظَهَرَ أَمْرُ الله ﴾ بإعزاز دينه، وإعلاء شرعه، وقهر أعدائه. وقيل : الحق : القرآن ﴿ وَهُمْ كارهون ﴾ أي : والحال أنهم كارهون لمجيء الحق وظهور أمر الله، ولكن كان ذلك على رغم منهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:
وقد أخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن جرير عن عمرو بن ميمون، قال : اثنتان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمر فيهما بشيء : إذنه للمنافقين، وأخذه من الأسارى، فأنزل الله :﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عون بن عبد الله، قال : ما سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا ؟ بدأ بالعفو قبل المعاتبة. فقال :﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله :﴿ عَفَا الله عَنكَ ﴾ الآية قال : ناس قالوا استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أذن لكم، فاقعدوا. وإن لم يأذن لكم، فاقعدوا. وأخرج النحاس في ناسخه، عن ابن عباس في قوله :﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ الثلاث الآيات، قال : نسخها :﴿ فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ ﴾.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في ناسخه، عنه، في قوله :﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله ﴾ الآية قال : هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوا في القعود عن الجهاد بغير عذر، وعذر الله المؤمنين فقال :﴿ فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ ﴾. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عنه أيضاً في قوله :﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ﴾ الآيتين قال : نسختها الآية التي في سورة النور :﴿ إِنَّمَا المؤمنون الذين آمَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ﴾ إلى ﴿ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾. فجعل الله النبي صلى الله عليه وسلم بأعلى النظرين في ذلك، من غزا غزا في فضيلة، ومن قعد قعد في غير حرج إن شاء الله.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الضحاك، في قوله :﴿ ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم ﴾ قال : خروجهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ قال : حبسهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن زيد، في قوله :﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ قال : هؤلاء المنافقون في غزوة تبوك. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله :﴿ ولأَوْضَعُواْ خلالكم ﴾ قال : لأسرعوا بينكم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿ ولأَوْضَعُوا خلالكم ﴾ قال : لأرفضوا ﴿ يَبْغُونَكُمُ الفتنة ﴾ يبطئونكم : عبد الله بن نبتل، وعبد الله بن أبيّ بن سلول، ورفاعة بن تابوت، وأوس بن قيظي ﴿ وَفِيكُمْ سماعون لَهُمْ ﴾ محدّثون لهم بأحاديثكم غير منافقين، وهم عيون للمنافقين.
وأخرج ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة، عن ابن عباس، قال : لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى غزوة تبوك، قال لجدّ بن قيس : يا جدّ بن قيس، ما تقول في مجاهدة بني الأصفر ؟ فقال : يا رسول الله، إني امرؤ صاحب نساء، ومتى أرى نساء بني الأصفر أفتتن، فأذن لي ولا تفتني، فأنزل الله :﴿ وَمِنْهُمْ من يَقُولُ ائذن لي ﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن عائشة، نحوه أيضاً. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿ وَلاَ تَفْتِنّي ﴾ قال : لا تخرجني ﴿ أَلا فِي الفتنة سَقَطُواْ ﴾ يعني : في الخروج. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿ وَلاَ تَفْتِنّي ﴾ قال : لا تؤثمني ﴿ أَلا فِي الفتنة ﴾ قال : ألا في الإثم، وقصة تبوك مذكورة في كتب الحديث والسير فلا نطول بذكرها.

﴿ وَمِنْهُمُ ﴾ أي : من المنافقين ﴿ مَن يِقُولُ ﴾ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ائذن لّي ﴾ في التخلف عن الجهاد ﴿ وَلاَ تَفْتِنّي ﴾ أي : لا توقعني في الفتنة، أي الإثم، إذا لم تأذن لي فتخلفت بغير إذنك ؛ وقيل : معناه : لا توقعني في الهلكة بالخروج ﴿ أَلا فِي الفتنة سَقَطُواْ ﴾ أي : في نفس الفتنة سقطوا، وهي : فتنة التخلف عن الجهاد، والاعتذار الباطل. والمعنى : أنهم ظنوا أنهم بالخروج أو بترك الإذن لهم يقعون في الفتنة، وهم بهذا التخلف سقطوا في الفتنة العظيمة. وفي التعبير بالسقوط ما يشعر بأنهم وقعوا فيها وقوع من يهوي من أعلى إلى أسفل، وذلك أشدّ من مجرّد الدخول في الفتنة، ثم توعدهم على ذلك فقال :﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين ﴾ أي : مشتملة عليهم من جميع الجوانب لا يجدون عنها مخلصاً، ولا يتمكنون من الخروج منها بحال من الأحوال.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:
وقد أخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن جرير عن عمرو بن ميمون، قال : اثنتان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمر فيهما بشيء : إذنه للمنافقين، وأخذه من الأسارى، فأنزل الله :﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عون بن عبد الله، قال : ما سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا ؟ بدأ بالعفو قبل المعاتبة. فقال :﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله :﴿ عَفَا الله عَنكَ ﴾ الآية قال : ناس قالوا استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أذن لكم، فاقعدوا. وإن لم يأذن لكم، فاقعدوا. وأخرج النحاس في ناسخه، عن ابن عباس في قوله :﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ الثلاث الآيات، قال : نسخها :﴿ فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ ﴾.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في ناسخه، عنه، في قوله :﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله ﴾ الآية قال : هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوا في القعود عن الجهاد بغير عذر، وعذر الله المؤمنين فقال :﴿ فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ ﴾. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عنه أيضاً في قوله :﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ﴾ الآيتين قال : نسختها الآية التي في سورة النور :﴿ إِنَّمَا المؤمنون الذين آمَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ﴾ إلى ﴿ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾. فجعل الله النبي صلى الله عليه وسلم بأعلى النظرين في ذلك، من غزا غزا في فضيلة، ومن قعد قعد في غير حرج إن شاء الله.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الضحاك، في قوله :﴿ ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم ﴾ قال : خروجهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ قال : حبسهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن زيد، في قوله :﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ قال : هؤلاء المنافقون في غزوة تبوك. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله :﴿ ولأَوْضَعُواْ خلالكم ﴾ قال : لأسرعوا بينكم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿ ولأَوْضَعُوا خلالكم ﴾ قال : لأرفضوا ﴿ يَبْغُونَكُمُ الفتنة ﴾ يبطئونكم : عبد الله بن نبتل، وعبد الله بن أبيّ بن سلول، ورفاعة بن تابوت، وأوس بن قيظي ﴿ وَفِيكُمْ سماعون لَهُمْ ﴾ محدّثون لهم بأحاديثكم غير منافقين، وهم عيون للمنافقين.
وأخرج ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة، عن ابن عباس، قال : لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى غزوة تبوك، قال لجدّ بن قيس : يا جدّ بن قيس، ما تقول في مجاهدة بني الأصفر ؟ فقال : يا رسول الله، إني امرؤ صاحب نساء، ومتى أرى نساء بني الأصفر أفتتن، فأذن لي ولا تفتني، فأنزل الله :﴿ وَمِنْهُمْ من يَقُولُ ائذن لي ﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن عائشة، نحوه أيضاً. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿ وَلاَ تَفْتِنّي ﴾ قال : لا تخرجني ﴿ أَلا فِي الفتنة سَقَطُواْ ﴾ يعني : في الخروج. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿ وَلاَ تَفْتِنّي ﴾ قال : لا تؤثمني ﴿ أَلا فِي الفتنة ﴾ قال : ألا في الإثم، وقصة تبوك مذكورة في كتب الحديث والسير فلا نطول بذكرها.

الْآيَتَيْنِ قَالَ: نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النُّورِ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَعْلَى النَّظَرَيْنِ فِي ذَلِكَ، مَنْ غَزَا غَزَا فِي فَضِيلَةٍ، وَمَنْ قَعَدَ قَعَدَ فِي غَيْرِ حَرَجٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ: وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ قَالَ: خُرُوجَهُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: فَثَبَّطَهُمْ قَالَ: حَبَسَهُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ ابْنِ زَيْدٍ فِي قوله: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا قَالَ: هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ قَالَ: لَأَسْرَعُوا بَيْنَكُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ قَالَ: لأوفضوا يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ يُبَطِّئُونَكُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وَرِفَاعَةُ بْنُ تَابُوتَ، وَأَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ مُحَدِّثُونَ لَهُمْ بِأَحَادِيثِكُمْ غَيْرُ مُنَافِقِينَ، وَهُمْ عُيُونٌ لِلْمُنَافِقِينَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمَعْرِفَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ قَالَ لِجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: يَا جَدُّ بْنَ قَيْسٍ مَا تَقُولُ فِي مُجَاهَدَةِ بَنِي الْأَصْفَرِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي امْرُؤٌ صَاحِبُ نِسَاءٍ، وَمَتَى أَرَى نِسَاءَ بَنِي الْأَصْفَرِ أَفْتَتِنُ، فَأْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ أَيْضًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَلا تَفْتِنِّي قَالَ: لَا تُخْرِجْنِي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا يَعْنِي:
فِي الْخُرُوجِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ وَلا تَفْتِنِّي قَالَ: لَا تُؤَثِّمْنِي أَلا فِي الْفِتْنَةِ قَالَ: أَلَا فِي الْإِثْمِ، وَقِصَّةُ تَبُوكَ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالسِّيَرِ، فَلَا نُطَوِّلُ بذكرها.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٥٠ الى ٥٧]
إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ (٥٣) وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ (٥٤)
فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)
قَوْلُهُ: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ أَيُّ حَسَنَةٍ كَانَتْ، بِأَيِّ سَبَبٍ اتَّفَقَ، كَمَا يُفِيدُهُ وُقُوعُهَا فِي حَيِّزِ الشَّرْطِ،
(١). النور: ٦٢.
420
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْمُصِيبَةِ، وَتَدْخُلُ الْحَسَنَةُ وَالْمُصِيبَةُ الْكَائِنَةُ فِي الْقِتَالِ كَمَا يُفِيدُهُ السِّيَاقُ دُخُولًا أَوَّلِيًّا، فَمِنْ جُمْلَةِ مَا تَصْدُقُ عَلَيْهِ الْحَسَنَةُ: الْغَنِيمَةُ وَالظَّفَرُ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا تَصْدُقُ عَلَيْهِ الْمُصِيبَةُ: الْخَيْبَةُ وَالِانْهِزَامُ، وَهَذَا ذِكْرُ نَوْعٍ آخَرَ مِنْ خُبْثِ ضَمَائِرِ الْمُنَافِقِينَ وَسُوءِ أَفْعَالِهِمْ، وَالْإِخْبَارِ بِعَظِيمِ عَدَاوَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ الْمُسَاءَةَ بِالْحَسَنَةِ، وَالْفَرَحَ بِالْمُصِيبَةِ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ فِي الْعَدَاوَةِ قَدْ بَلَغُوا إِلَى الْغَايَةِ، وَمَعْنَى:
يَتَوَلَّوْا يرجعوا إِلَى أَهْلِهِمْ عَنْ مَقَامَاتِ الِاجْتِمَاعِ وَمُوَاطِنِ التَّحَدُّثِ حَالَ كَوْنِهِمْ فَرِحِينَ بِالْمُصِيبَةِ الَّتِي أَصَابَتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ: قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ أَيِ: احْتَطْنَا لِأَنْفُسِنَا، وَأَخَذْنَا بِالْحَزْمِ، فَلَمْ نَخْرُجْ إِلَى الْقِتَالِ كَمَا خَرَجَ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى نَالَهُمْ مَا نَالَهُمْ مِنَ الْمُصِيبَةِ، ثُمَّ لَمَّا قَالُوا هَذَا الْقَوْلَ أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بِأَنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا أَيْ: فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، أَوْ فِي كِتَابِهِ الْمُنَزَّلِ عَلَيْنَا، وَفَائِدَةُ هَذَا الْجَوَابِ: أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا عَلِمَ أَنَّ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ كَائِنٌ، وَأَنَّ كُلَّ مَا نَالَهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ إِنَّمَا هُوَ بِقَدَرِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ هَانَتْ عَلَيْهِ الْمَصَائِبُ، وَلَمْ يَجِدْ مَرَارَةَ شَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ، وَتَشَفِّي الْحَسَدَةِ هُوَ مَوْلانا أَيْ:
نَاصِرُنَا، وَجَاعِلُ الْعَاقِبَةِ لَنَا، وَمُظْهِرٌ دِينَهُ عَلَى جَمِيعِ الْأَدْيَانِ، وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ: تَفْوِيضُ الْأُمُورِ إِلَيْهِ وَالْمَعْنَى:
أَنَّ مِنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَجْعَلُوا تَوَكُّلَهُمْ مُخْتَصًّا بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ، لَا يَتَوَكَّلُونَ عَلَى غَيْرِهِ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ يُصَيِّبَنَا بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ. وَقَرَأَ أَعْيَنُ قَاضِي الرّ�