تفسير سورة سورة التوبة

رشيد رضا

تفسير المنار

رشيد رضا (ت 1354 هـ)

مقدمة التفسير
سورة التوبة أو براءة
هي السورة التاسعة
وآياتها ١٢٩ عند الكوفيين و١٣٠ عند الجمهور
هي مدنية بالاتفاق، قيل إلا قوله تعالى : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى [ الأنفال : ١١٣ ] الآية لما روي في الحديث المتفق عليه من نزولها في النهي عن استغفاره صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب كما سيأتي تفصيله في تفسيرها. ويجاب عنه بجواز أن يكون نزولها تأخر عن ذلك، وبما يقوله العلماء في مثل هذا المقام من جواز نزول الآية مرتين : مرة منفردة ومرة في أثناء السورة.
واستثنى ابن الفرس قوله تعالى : لقد جاءكم رسول إلى آخر الآيتين في آخرها فزعم أنهما مكيتان، ويرده ما رواه الحاكم وأبو الشيخ في تفسيره عن ابن عباس من أن هاتين الآيتين آخر ما نزل من القرآن، وقول الكثيرين إنها نزلت تامة. وما يعارض هذا مما ورد في أسباب نزول بعض الآيات يجاب عنه بأن أكثر ما روي في أسباب النزول كان يراد به أن الآية نزلت في حكم كذا، أعني أن الرواة كانوا يذكرونها كثيرا في مقام الاستدلال، وهذا لا يدل على نزولها وحدها، ولا على كون النزول كان عند حدوث ما استدل بها عليه كما قلنا آنفا في احتمال نزول آية استنكار الاستغفار للمشركين في المدينة، وإن كان ما ذكروه من سببها حدث بمكة قبل الهجرة.
ولم يكتب الصحابة ولا من بعدهم البسملة في أولها ؛ لأنها لم تنزل معها كما نزلت مع غيرها من السور. هذا هو المعتمد المختار في تعليله، وقيل رعاية لمن كان يقول إنها مع الأنفال سورة واحدة، والمشهور أنه لنزولها بالسيف ونبذ العهود، وقيل غير ذلك مما في جعله سببا وعلة نظر، وقد يقال : إنه حكمة لا علة، ومما قاله بعض العلماء في هذه الحكمة : إنها تدل على أن البسملة آية من كل سورة أي ؛ لأن الاستثناء بالفعل كالاستثناء بالقول معيار العموم.
وقد ورد لها أسماء كثيرة هي صفات لأهم ما اشتملت عليه : فمنها سورة الفاضحة لما فضحته من سرائر المنافقين وإنبائهم بما في قلوبهم من الكفر وسوء النيات، وهذا الاسم روي عن عمر وابن عباس رضي الله عنهما، ومنها المنفرة والمعبرة والمبعثرة والمثيرة والبحوث ( كصبور ) لتنفيرها وتعبيرها عما في القلوب وبحث ذلك وإثارته وبعثرته، وكذا المدمدمة والمخزية والمنكلة والمشردة، ومعاني هذه الألقاب ظاهرة في معنى فضيحتها للمنافق، وما يترتب عليها من الدمدمة عليهم والخزي والنكال والتشريد بهم، ومنها المقشقشة، قال الزمخشري : وهي تقشقش من النفاق، أي تبرئ منه. وأشهرها الثابت التوبة وبراءة، وسائر الأسماء ألقاب لبيان معانيها. وقد نزل معظمها بعد غزوة تبوك وهي آخر غزواته صلى الله عليه وسلم، وفي حال الاستعداد لها في زمن العسرة والخروج إليها في القيظ، وفي أثنائها ظهر من آيات نفاق المنافقين ما كان خفيا من قبل.
وقد صرحوا بأن أولها نزل سنة تسع بعد فتح مكة، فأرسل النبي صلوات الله وسلامه عليه عليا عليه السلام ليقرأها على المشركين في الموسم كما يذكر مفصلا في محله.
وفي صحيح البخاري وغيره عن البراء قال : آخر آية نزلت يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة وآخر سورة نزلت براءة١. وهو رأي له، لا رواية مرفوعة، ويحمل قوله في الآية على أنها آخر ما نزل في الكلالة، فهي بعد آيات المواريث وفي السورة على بعضها أو معظمها. وأرجح ما ورد في آخر آية نزلت أنه قوله تعالى : واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله [ البقرة : ٢٨١ ]، أو ما قبلها من آيات الربا من دونها، والأرجح أن يقال معها. وتقدم تفصيل المسألة في آخر سورة البقرة ( ج ٣ )، وأما آخر سورة نزلت تامة فالأرجح أنه سورة النصر، وقد عاش صلى الله عليه وسلم بعدها أياما قليلة.
وأما التناسب بينها وبين ما قبلها فإنه أظهر من التناسب بين سائر السور بعضها مع بعض، فهي كالمتممة لسورة الأنفال في معظم ما فيهما من أصول الدين وفروعه والسنن الإلهية والتشريع وجله في أحكام القتال وما يتعلق به من الاستعداد له وأسباب النصر فيه وغير ذلك من الأمور الروحية والمالية وأحكام المعاهدات والمواثيق- من حفظها ونبذها عند وجود المقتضي له - وأحكام الولاية في الحرب وغيرها بين المؤمنين بعضهم مع بعض والكافرين بعضهم مع بعض، وكذا أحوال المؤمنين الصادقين والكفار والمذبذبين من المنافقين ومرضى والقلوب، فما بدئ به في الأول أتم في الثانية. ولولا أن أمر القرآن في سوره ومقاديرها موقوف على النص لكان هذا الذي ذكرناه مؤيدا من جهة المعاني لمن قال : إنهما سورة واحدة، كما يؤيده من ناحية ترتيب السور بحسب طولها وقصرها، وتوالي السبع الطول منها، ويليها المئون، والأنفال دونها.
مثال ذلك :
١ إن العهود ذكرت في سورة الأنفال، وافتتحت سورة التوبة بتفصيل الكلام فيها، ولا سيما نبذها الذي قيد في الأول بخوف خيانة الأعداء.
٢ تفصيل الكلام في قتال المشركين وأهل الكتاب في كل منهما.
٣ ذكر في الأولى صد المشركين عن المسجد الحرام، وأنهم ليسوا بأوليائه إن أولياؤه إلا المتقون [ الأنفال : ٣٤ ] أي من المؤمنين، وجاء في الثانية ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله [ الأنفال : ١٧ ] الخ الآيات.
٤ ذكر في أول الأولى صفات المؤمنين الكاملين، وذكر بعد ذلك بعض صفات الكافرين، ثم ذكر في آخرها حكم الولاية بين كل من الفريقين كما تقدم، وجاء في الثانية مثل هذا في مواضع أيضا.
٥ ذكر في الأولى الترغيب في إنفاق المال في سبيل الله، وجاء مثل هذا الترغيب بأبلغ من ذلك وأوسع في الثانية، وذكرت في الأولى مصارف الغنائم من هذه الأموال، وفي الثانية مصارف الصدقات.
٦ ورد ذكر المنافقين والذين في قلوبهم مرض في الأولى في آية واحدة، وفصل في الثانية أوسع تفصيل حتى كانت أجدر بأن تسمى سورة المنافقين من سورة إذا جاءك المنافقون لو كانت تسمية السور بالرأي.
١ ـ أخرجه البخاري في تفسير سورة ٩، باب ١، وتفسير سورة ٤، باب ٢٧..
براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين( ١ ) فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين ( ٢ ) وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ( ٣ ) إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين ( ٤ )
من المشهور القطعي الذي لا خلاف فيه أن الله تعالى بعث محمدا رسوله وخاتم النبيين بالإسلام الذي أكمل به الدين، وجعل آيته الكبرى هذا القرآن المعجز للبشر من وجوه كثيرة ذكرنا كلياتها في تفسير( ٢ : ٢٣ ج ١ )، وأقام بناء الدعوة إليه على أساس البراهين العقلية والعلمية المقنعة والملزمة، ومنع الإكراه فيه والحمل عليه بالقوة كما بيناه في تفسير ( ٢ : ٢٥٦ج ٣ )، فقاومه المشركون، وفتنوا المؤمنين بالتعذيب والاضطهاد لصدهم عنه، وصدوه صلى الله عليه وسلم عن تبليغه للناس بالقوة، ولم يكن أحد ممن اتبعه يأمن على نفسه من القتل أو التعذيب، إلا بتأمين حلف أو قريب. فهاجر من هاجر منهم المرة بعد المرة، ثم اشتد إيذاؤهم للرسول صلى الله عليه وسلم حتى ائتمروا بحبسه الدائم أو نفيه أو قتله علنا في دار الندوة، ورجحوا في آخر الأمر قتله، فأمره الله تعالى بالهجرة، كما تقدم في تفسير وإذ يمكر بك الذين كفروا [ الأنفال : ٣٠ ] ج ٩، فهاجر صلى الله عليه وسلم، وصار يتبعه من قدر على الهجرة من أصحابه إلى حيث وجدوا من مهاجرهم بالمدينة المنورة أنصارا لله ولرسوله يحبون من هاجر إليهم، ويؤثرونهم على أنفسهم، وكانت الحال بينهم وبين مشركي مكة وغيرهم من العرب حال حرب بالطبع، ومقتضى العرف العام في ذلك العصر، وعاهد صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب من يهود المدينة وما حولها على السلم والتعاون فخانوا وغدروا، ونقضوا عهودهم له بما كانوا يوالون المشركين ويظاهرونهم كلما حاربوه، كما تقدم بيان ذلك كله في تفسير سورة الأنفال من هذا الجزء.
وقد عاهد صلى الله عليه وسلم المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروط تساهل معهم فيها منتهى التساهل عن قوة وعزة، لا عن ضعف وذلة، ولكن حبا بالسلم ونشر دينه بالإقناع والحجة، ودخلت خزاعة في عهده صلى الله عليه وسلم كما دخلت بنو بكر في عهد قريش، ثم عدا هؤلاء على أولئك وإعانتهم قريش بالسلاح فنقضوا عهدهم، فكان ذلك سبب عودة حال الحرب العامة معهم، وفتحه صلى الله عليه وسلم لمكة، الذي خضد شوكة الشرك وأذل أهله، ولكنهم ما زالوا يحاربونه حيث قدروا، وثبت بالتجربة لهم - في حالي قوتهم وضعفهم- أنهم لا عهود لهم، ولا يؤمن نقضهم وانتقاضهم، كما يأتي في قوله تعالى : كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلى قوله في آخر آية ١٢ فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون أي لا عهود لهم يرعونها ويفون بها. والمراد أنه لا يمكن أن يعيش المسلمون معهم بحكم المعاهدات المرعية فيأمن كل منهم شر الآخر وعدوانه مع بقائهم على شركهم الذي ليس له شرع يدان به، فيجب الوفاء بالعهد بإيجابه، كيف وقد سبقهم إلى الغدر ونقض الميثاق من كانوا أجدر بالوفاء وهم أهل الكتاب.
هذا هو الأصل الشرعي الذي بني عليه ما جاءت به هذه السورة من نبذ عهودهم المطلقة، وإتمام مدة عهدهم المؤقتة لمن استقام منهم عليها، وأما حكمة ذلك فهي محو بقية الشرك من جزيرة العرب بالقوة، وجعلها خالصة للمسلمين، مع مراعاة الأصول السابقة في قوله تعالى : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم [ البقرة : ١٩ ] وقوله : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها [ الأنفال : ٦١ ] بقدر الإمكان، وإن قال الجمهور بنسخ هذا بآية السيف من هذه السورة ونبذ عهود الشرك، وسيأتي تفصيله في تفسيرها.
براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين( ١ ) فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين ( ٢ ) وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ( ٣ ) إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين ( ٤ )
من المشهور القطعي الذي لا خلاف فيه أن الله تعالى بعث محمدا رسوله وخاتم النبيين بالإسلام الذي أكمل به الدين، وجعل آيته الكبرى هذا القرآن المعجز للبشر من وجوه كثيرة ذكرنا كلياتها في تفسير( ٢ : ٢٣ ج ١ )، وأقام بناء الدعوة إليه على أساس البراهين العقلية والعلمية المقنعة والملزمة، ومنع الإكراه فيه والحمل عليه بالقوة كما بيناه في تفسير ( ٢ : ٢٥٦ج ٣ )، فقاومه المشركون، وفتنوا المؤمنين بالتعذيب والاضطهاد لصدهم عنه، وصدوه صلى الله عليه وسلم عن تبليغه للناس بالقوة، ولم يكن أحد ممن اتبعه يأمن على نفسه من القتل أو التعذيب، إلا بتأمين حلف أو قريب. فهاجر من هاجر منهم المرة بعد المرة، ثم اشتد إيذاؤهم للرسول صلى الله عليه وسلم حتى ائتمروا بحبسه الدائم أو نفيه أو قتله علنا في دار الندوة، ورجحوا في آخر الأمر قتله، فأمره الله تعالى بالهجرة، كما تقدم في تفسير وإذ يمكر بك الذين كفروا [ الأنفال : ٣٠ ] ج ٩، فهاجر صلى الله عليه وسلم، وصار يتبعه من قدر على الهجرة من أصحابه إلى حيث وجدوا من مهاجرهم بالمدينة المنورة أنصارا لله ولرسوله يحبون من هاجر إليهم، ويؤثرونهم على أنفسهم، وكانت الحال بينهم وبين مشركي مكة وغيرهم من العرب حال حرب بالطبع، ومقتضى العرف العام في ذلك العصر، وعاهد صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب من يهود المدينة وما حولها على السلم والتعاون فخانوا وغدروا، ونقضوا عهودهم له بما كانوا يوالون المشركين ويظاهرونهم كلما حاربوه، كما تقدم بيان ذلك كله في تفسير سورة الأنفال من هذا الجزء.
وقد عاهد صلى الله عليه وسلم المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروط تساهل معهم فيها منتهى التساهل عن قوة وعزة، لا عن ضعف وذلة، ولكن حبا بالسلم ونشر دينه بالإقناع والحجة، ودخلت خزاعة في عهده صلى الله عليه وسلم كما دخلت بنو بكر في عهد قريش، ثم عدا هؤلاء على أولئك وإعانتهم قريش بالسلاح فنقضوا عهدهم، فكان ذلك سبب عودة حال الحرب العامة معهم، وفتحه صلى الله عليه وسلم لمكة، الذي خضد شوكة الشرك وأذل أهله، ولكنهم ما زالوا يحاربونه حيث قدروا، وثبت بالتجربة لهم - في حالي قوتهم وضعفهم- أنهم لا عهود لهم، ولا يؤمن نقضهم وانتقاضهم، كما يأتي في قوله تعالى : كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلى قوله في آخر آية ١٢ فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون أي لا عهود لهم يرعونها ويفون بها. والمراد أنه لا يمكن أن يعيش المسلمون معهم بحكم المعاهدات المرعية فيأمن كل منهم شر الآخر وعدوانه مع بقائهم على شركهم الذي ليس له شرع يدان به، فيجب الوفاء بالعهد بإيجابه، كيف وقد سبقهم إلى الغدر ونقض الميثاق من كانوا أجدر بالوفاء وهم أهل الكتاب.
هذا هو الأصل الشرعي الذي بني عليه ما جاءت به هذه السورة من نبذ عهودهم المطلقة، وإتمام مدة عهدهم المؤقتة لمن استقام منهم عليها، وأما حكمة ذلك فهي محو بقية الشرك من جزيرة العرب بالقوة، وجعلها خالصة للمسلمين، مع مراعاة الأصول السابقة في قوله تعالى : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم [ البقرة : ١٩ ] وقوله : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها [ الأنفال : ٦١ ] بقدر الإمكان، وإن قال الجمهور بنسخ هذا بآية السيف من هذه السورة ونبذ عهود الشرك، وسيأتي تفصيله في تفسيرها.
فسيحوا في الأرض أربعة أشهر خطاب للمؤمنين مرتب على البراءة مبين لما يجب أن يقولوه للمشركين الذين برىء الله ورسوله من عهودهم، ويجوز أن يكون خطابا للمشركين أنفسهم بطريق الالتفات. والسياحة في الأرض الانتقال والتجوال الواسع فيها، ورجل سائح وسياح، وهو مجاز من ساح الماء سيحا، وسيح الناس نهرا. والمراد من الأمر بالسياحة حرية السير والانتقال مع الأمان مدة أربعة أشهر، لا يعرض المسلمون لهم فيها بقتال، فلهم فيها سعة من الوقت للنظر في أمرهم والتفكر في عاقبتهم، والتخير بين الإسلام وبين الاستعداد للمقاومة والصدام، إذا هم أصروا على شركهم وعدوانهم. وهذا من غرائب رحمة هذا الدين، وإعذاره إلى أعدى أعدائه المحاربين، ولولاه لأمكن أن يقال إنه أخذهم على غرة، ودانهم بما كانوا يدينونه عند القدر، فإن كان هذا من العدل فأين ما امتاز به من الفضل ؟
وهذه الأربعة الأشهر تبتدئ من عاشر ذي الحجة من سنة تسع - وهو عيد النحر الذي بلغوا فيه هذه الدعوة كما يأتي- وتنتهي في عاشر ربيع الآخر من سنة عشر. وقال الزهري : إنها الأشهر الحرم ؛ لأن البراءة نزلت في أول شوال سنة تسع وتنتهي بانتهاء المحرم أول السنة العاشرة، وهو غلط يقتضي أن تكون مدة الأربعة الأشهر بعد التبليغ شهرين لما سيأتي من كون تبليغهم البراءة كان يوم النحر في منى، ولا يعقل أن يحاسبوا بالمدة قبل العلم بها.
واعلموا أنكم غير معجزي الله أي وكونوا على علم قطعي بأنكم لا تعجزون الله تعالى بسياحتكم في الأرض، ولا تجدون لكم مهربا من رسوله وعباده المؤمنين إذا أصررتم على شرككم وعدوانكم لله ولرسوله، بل هو يسلطهم عليكم، ويؤيدهم بنصره الذي وعدهم، كما نصرهم في كل قتال لكم معهم بدءا أو انتهاء، والعاقبة للمتقين.
وأن الله مخزي الكافرين أي واعلموا كذلك أن الله تعالى هو المخزي لجميع الكافرين منكم ومن غيركم في معاداتهم وقتالهم لرسله وعباده المؤمنين، يخزيهم في الدنيا بذل الخيبة والفضيحة، ثم يخزيهم في الآخرة أيضا، فتلك سنته تعالى فيهم كما قال في مشركي مكة ومن اقتدى بهم : كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون [ الزمر : ٢٥، ٢٦ ] وقال في عاد قوم هود فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون [ فصلت : ١٥ ] والظاهر أن المراد بالخزي هنا ما يكون لهم في الدنيا للتصريح بعذاب الآخرة في آخر قوله : وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ( ٣ ) .
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد ورد في تنفيذ أمر الله تعالى بهذه البراءة والأذان بها- أي التبليغ العام العلني لها- أحاديث في الصحاح والسنن وكتب التفسير المأثور فيها شيء من الخلاف والتعارض نقتصر على أمثلها وأثبتها، وما يجمع بين الروايات ويزيل تعارضها. فجملة تلك الروايات تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أبا بكر رضي الله عنه أميرا على الحج سنة تسع، وأمره أن يبلغ المشركين الذين يحضرون الحج أنهم يمنعون منه بعد ذلك العام، ثم أردفه بعلي( ع. م ) ليبلغهم عنه نبذ عهودهم المطلقة، وإعطائهم مهلة أربعة أشهر لينظروا في أمرهم، وأن العهود المؤقتة أجلها نهاية وقتها. ويتلو عليهم الآيات المتضمنة لمسألة نبذ العهود وما يتعلق بها من أول سورة براءة وهي ٤٠ أو ٣٣ آية، وما ذكر في بعض الروايات من التردد بين ٣٠ و٤٠ فتعبير بالأعشار، مع إلغاء كسرها من زيادة ونقصان، وذلك لأن من عادة العرب أن العهود ونبذها إنما تكون من عاقدها أو أحد عصبته القريبة، وأن عليا كان مختصا بذلك مع بقاء إمارة الحج لأبي بكر الذي كان يساعده على ذلك ويأمر بعض الصحابة كأبي هريرة بمساعدته.
أما الشيخان فقد أخرجا في هذا الباب حديث أبي هريرة الذي رواه عنه حميد بن عبد الرحمن بن عوف في كتاب الحج، وكرره البخاري في كتب الطهارة والحج والجزية والمغازي والتفسير، فنذكر لفظه في تفسير فسيحوا في الأرض أربعة أشهر الآية : عن حميد أن أبا هريرة قال : بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى : أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد : ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب، وأمره أن يؤذن ببراءة. قال أبو هريرة : فأذن معنا علي يوم النحر في أهل منى ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان١ اهـ.
قال الحافظ في الفتح عند قوله :" قال أبو هريرة فأذن معنا علي " ما نصه :
هو موصول بالإسناد المذكور، وكان حميد بن عبد الرحمن حمل قصة توجه علي من المدينة إلى أن لحق بأبي بكر عن غير أبي هريرة، وحمل بقية القصة عن أبي هريرة. وقوله : فأذن معنا علي في منى يوم النحر الخ قال الكرماني : فيه إشكال ؛ لأن عليا كان مأمورا بأن يؤذن ببراءة، فكيف يؤذن بأن لا يحج بعد العام مشرك ؟ ثم أجاب بأنه أذن ببراءة، ومن جملة ما اشتملت عليه أن لا يحج بعد العام مشرك من قوله تعالى : إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا [ التوبة : ٢٨ ]
ويحتمل أن يكون أمر أن يؤذن ببراءة وبما أمر أبو بكر أن يؤذن به أيضا، قلت : وفي قوله : يؤذن ببراءة تجوز ؛ لأنه أمر أن يؤذن ببضع وثلاثين آية منتهاها عند قوله : ولو كره المشركون [ التوبة : ٣٣ ]، فروى الطبري من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب وغيره قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الحج سنة تسع، وبعث عليا بثلاثين أو أربعين آية من براءة. وروى الطبري من طريق أبي الصهباء قال : سألت عليا عن يوم الحج الأكبر، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر يقيم للناس الحج، وبعثني بعده بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفة فخطب ثم التفت إلي فقال : يا علي قم فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت فقرأت أربعين آية من براءة، ثم صدرنا حتى رميت الجمرة، فطفقت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم ؛ لأن الجميع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة.
ثم قال الحافظ : وأما ما وقع في حديث جابر فيما أخرجه الطبري وإسحاق في مسنده والنسائي والدارمي كلاهما عنه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان من طريق ابن جريج : حدثني عبد الله بن عثمان بن خيثم عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم حين رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحج، فأقبلنا معه، حتى إذا كنا بالعرج ثوَّب بالصبح، فسمعنا رغوة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا علي عليها، فقال له : أمير أو رسول ؟ فقال : بل أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة أقرؤها على الناس، فقدمنا مكة، فلما كان قبل يوم التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس بمناسكهم، حتى إذا فرغ منها قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم كان يوم النحر كذلك، ثم يوم النفر كذلك، فيجمع بأن عليا قرأها كلها في المواطن الثلاثة، وأما في سائر الأوقات فكان يؤذن بالأمور المذكورة : أن لا يحج بعد العام مشرك الخ، وكان يستعين بأبي هريرة وغيره في الأذان بذلك.
« وقد وقع في حديث مقسم عن ابن عباس عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر. الحديث، وفيه فقام علي أيام التشريق فنادى : ذمة الله وذمة رسوله بريئة من كل مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل مؤمن. فكان علي ينادي بها، فإذا بح قام أبو هريرة فنادى بها ٢».
وأخرج أحمد بسند حسن عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة قال « لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي »، فبعث بها مع علي. قال الترمذي : حسن غريب. ووقع في حديث يعلى عند أحمد عن علي : لما نزلت عشر آيات من براءة بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال :( أدرك أبا بكر، فحيثما لقيته فخذ منه الكتاب. فرجع أبو بكر فقال : يا رسول الله نزل في شيء فقال « لا» إلا أنه لن يؤدي عني ـ أو لكن جبريل قال : لا يؤدي عنك- إلا أنت أو رجل منك )، قال العماد ابن كثير : ليس المراد أن أبا بكر رجع من فوره ؛ بل المراد رجع من حجته. ( قلت ) : ولا مانع من حمله على ظاهره لقرب المسافة. وأما قوله : عشر آيات، فالمراد أولها إنما المشركون نجس اهـ.
هذا ما لخصه الحافظ من الروايات، وأقول إن ابن كثير قال في حديث علي في نزول عشر آيات المذكور أخيرا، وقد ذكر إسناده عن عبد الله بن أحمد : هذا إسناد فيه ضعف.
وأزيد عليه انتقاد متنه ؛ إذ لا يصح أن يكون نزل منها عشر آيات وأنه صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر ثم عليا بها، فهذا مخالف لسائر الروايات المتضافرة المتفقة التي أطلق في بعضها أول سورة براءة ـ وفي بعضها عدد ثلاثين أو أربعين آية منها ـ أي بالتقريب، وفي بعضها سورة براءة، وهي لا تنافي بينها، فقد نزلت سورة براءة كلها أو أكثرها عقب غزوة تبوك، وقد كانت في رجب سنة تسع من الهجرة. وقد قال ابن إسحاق : إن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بعد أن رجع من تبوك رمضان وشوال وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج، وذكر أن أبا بكر خرج في ذي القعدة. فإن أمكن حمل ما رواه ابن سعد عن مجاهد من أن حج أبي بكر كان في ذي القعدة على هذا كان صحيحا وإلا فلا.
وأما ضعف إسناده الذي ذكره ابن كثير فمن حنش بن المعتمر الكناني الكوفي. قال ابن حبان : كان كثير الوهم في الأخبار، ينفرد عن علي بأشياء لا تشبه حديث الثقات، حتى صار ممن لا يحتج بحديثه، وقال البزار : حدث عنه سماك بحديث منكر، وقال ابن حزم في المحلى : ساقط مطرح، ولأئمة الجرح في تضعيفه أقوال أخرى. ولعل الحديث المنكر الذي رواه عنه سماك هو هذا، على أن سماك بن حرب هذا لم يسلم من جرح، وإن روى عنه مسلم، ومما قيل عنه : إنه خرف في آخر عمره. والعجب من الحافظ ابن حجر كيف سكت عن ضعف إسناد هذا الحديث مع تذكر عبارة ابن كثير فيه.
وأما اختلافهم في تعيين يوم الحج الأكبر ففيه ما رواه البخاري في تفسير إلا الذين عاهدتم من المشركين من رواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب أن حميد بن عبد الرحمن أخبره عن أبي هريرة أنه أخبر أن أبا بكر رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها قبل حجة الوداع يؤذن في الناس أن لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، فكان حميد يقول : يوم النحر يوم الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة. وتقدم الحديث في كتاب الجزية عن شعيب عن الزهري بلفظ : بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى : لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر. وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر. فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج في حجة الوداع التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم مشرك اهـ.
قال الحافظ في الكلام على رواية صالح من الفتح بعد أن ذكر رواية شعيب ما نصه : وقوله : ويوم الحج الأكبر يوم النحرـ وهو قول حميد بن عبد الرحمن- استنبطه من قوله تعالى : وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكر يوم النحر. وسياق رواية شعيب يوهم أن ذلك مما نادى به أبو بكر وليس كذلك، فقد تضافرت الروايات عن أبي هريرة بأن الذي كان ينادي به هو ومن معه من قبل أبي بكر شيئان : منع حج المشركين، ومنع طواف العريان. وأن عليا أيضا كان ينادي بهما، وكان يزيد : من كان له عهد فعهده إلى مدته، وأن لا يدخل الجنة إلا مسلم. وكان هذه الأخيرة كالتوطئة لأن لا يحج البيت مشرك. وأما التي قبلها فهي التي اختص علي بتبليغها، ولهذا قال العلماء : إن الحكمة في إرسال علي بعد أبي بكر أن عادة العرب جرت بأن لا ينقض العهد إلا من عقده أو من هو منه بسبيل من أهل بيته، فأجراهم في ذلك على عادتهم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم :( لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل من أهل بيتي ).
وروى أحمد والنسائي من طريق محرز بن أبي هريرة عن أبيه قال : كنت مع علي حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ببراءة، فكنا ننادي أن لا يدخل الجنة إلا كل نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج بعد العام مشرك. فكنت أنادي حتى صحل صوتي.
ثم قال الحافظ : وقوله : وإنما قيل الأكبر الخ في حديث ابن عمر عند أبي داود وأصله في هذا الصحيح رفعه : أي يوم هذا ؟ قالوا : هذا يوم النحر، قال « هذا يوم الحج الأكبر».
واختلف في المراد بالحج الأصغر، فالجمهور على أنه العمرة، وصل ذلك عبد الرازق من طريق عبد الله بن شداد -أحد كبار التابعين-، ووصله الطبري عن جماعة منهم عطاء والشعبي، وعن مجاهد : الحج الأكبر القران، والأصغر الإفراد. وقيل : يوم الحج الأصغر يوم عرفة، ويوم الحج الأكبر يوم النحر ؛ لأن فيه تتكمل بقية المناسك، وعن الثوري : أيام الحج تسمى يوم الحج الأكبر، كما يقال يوم الفتح، وأيده السهيلي بأن عليا أمر بذلك في الأيام كلها، وقيل : لأن أهل الجاهلية كانوا يقفون بعرفة، وكانت قريش تقف بالمزدلفة، فإذا كان صبيحة النحر وقف الجميع بالمزدلفة، فقيل له الأكبر لاجتماع الكل فيه.
وعن الحسن سمي بذلك لاتفاق حج جميع الملل فيه، وروى الطبري من طريق أبي جحيفة وغيره أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، ومن طريق سعيد بن جبير أنه يوم النحر، واحتج بأن يوم التاسع وهو يوم عرفة إذا انسلخ قبل الوقوف لم يفت الحج بخلاف العاشر، فإن الليل إذا انسلخ قبل الوقوف فات، وفي رواية الترمذي من حديث علي مرفوعا وموقوفا :( يوم الحج الأكبر يوم النحر )٣ ورجح الموقوف. وقوله : فنبذ أبو بكر الخ هو أيضا مرسل من قول حميد بن عبد الرحمن، والمراد أن أبا بكر أفصح لهم بذلك، وقيل إنما لم يقتصر النبي صلى الله عليه و

براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين( ١ ) فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين ( ٢ ) وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ( ٣ ) إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين ( ٤ )
من المشهور القطعي الذي لا خلاف فيه أن الله تعالى بعث محمدا رسوله وخاتم النبيين بالإسلام الذي أكمل به الدين، وجعل آيته الكبرى هذا القرآن المعجز للبشر من وجوه كثيرة ذكرنا كلياتها في تفسير( ٢ : ٢٣ ج ١ )، وأقام بناء الدعوة إليه على أساس البراهين العقلية والعلمية المقنعة والملزمة، ومنع الإكراه فيه والحمل عليه بالقوة كما بيناه في تفسير ( ٢ : ٢٥٦ج ٣ )، فقاومه المشركون، وفتنوا المؤمنين بالتعذيب والاضطهاد لصدهم عنه، وصدوه صلى الله عليه وسلم عن تبليغه للناس بالقوة، ولم يكن أحد ممن اتبعه يأمن على نفسه من القتل أو التعذيب، إلا بتأمين حلف أو قريب. فهاجر من هاجر منهم المرة بعد المرة، ثم اشتد إيذاؤهم للرسول صلى الله عليه وسلم حتى ائتمروا بحبسه الدائم أو نفيه أو قتله علنا في دار الندوة، ورجحوا في آخر الأمر قتله، فأمره الله تعالى بالهجرة، كما تقدم في تفسير وإذ يمكر بك الذين كفروا [ الأنفال : ٣٠ ] ج ٩، فهاجر صلى الله عليه وسلم، وصار يتبعه من قدر على الهجرة من أصحابه إلى حيث وجدوا من مهاجرهم بالمدينة المنورة أنصارا لله ولرسوله يحبون من هاجر إليهم، ويؤثرونهم على أنفسهم، وكانت الحال بينهم وبين مشركي مكة وغيرهم من العرب حال حرب بالطبع، ومقتضى العرف العام في ذلك العصر، وعاهد صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب من يهود المدينة وما حولها على السلم والتعاون فخانوا وغدروا، ونقضوا عهودهم له بما كانوا يوالون المشركين ويظاهرونهم كلما حاربوه، كما تقدم بيان ذلك كله في تفسير سورة الأنفال من هذا الجزء.
وقد عاهد صلى الله عليه وسلم المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروط تساهل معهم فيها منتهى التساهل عن قوة وعزة، لا عن ضعف وذلة، ولكن حبا بالسلم ونشر دينه بالإقناع والحجة، ودخلت خزاعة في عهده صلى الله عليه وسلم كما دخلت بنو بكر في عهد قريش، ثم عدا هؤلاء على أولئك وإعانتهم قريش بالسلاح فنقضوا عهدهم، فكان ذلك سبب عودة حال الحرب العامة معهم، وفتحه صلى الله عليه وسلم لمكة، الذي خضد شوكة الشرك وأذل أهله، ولكنهم ما زالوا يحاربونه حيث قدروا، وثبت بالتجربة لهم - في حالي قوتهم وضعفهم- أنهم لا عهود لهم، ولا يؤمن نقضهم وانتقاضهم، كما يأتي في قوله تعالى : كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلى قوله في آخر آية ١٢ فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون أي لا عهود لهم يرعونها ويفون بها. والمراد أنه لا يمكن أن يعيش المسلمون معهم بحكم المعاهدات المرعية فيأمن كل منهم شر الآخر وعدوانه مع بقائهم على شركهم الذي ليس له شرع يدان به، فيجب الوفاء بالعهد بإيجابه، كيف وقد سبقهم إلى الغدر ونقض الميثاق من كانوا أجدر بالوفاء وهم أهل الكتاب.
هذا هو الأصل الشرعي الذي بني عليه ما جاءت به هذه السورة من نبذ عهودهم المطلقة، وإتمام مدة عهدهم المؤقتة لمن استقام منهم عليها، وأما حكمة ذلك فهي محو بقية الشرك من جزيرة العرب بالقوة، وجعلها خالصة للمسلمين، مع مراعاة الأصول السابقة في قوله تعالى : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم [ البقرة : ١٩ ] وقوله : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها [ الأنفال : ٦١ ] بقدر الإمكان، وإن قال الجمهور بنسخ هذا بآية السيف من هذه السورة ونبذ عهود الشرك، وسيأتي تفصيله في تفسيرها.
وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، مصرحة بالتبليغ الصريح الجهري العام للبراءة من المشركين، أي من عهودهم وسائر خرافات شركهم وضلالاته، ومبينة لوقته الذي لا يسهل تعميمه إلا فيه، وهو يوم الحج الأكبر، وفي تعيينه خلاف سيذكر مع ترجيح أنه عيد النحر الذي تنتهي فيه فرائض الحج وأركانه، ويجتمع الحاج فيه لإتمام واجبات المناسك وسننها في منى. والأذان النداء الذي يطرق الآذان، بالإعلام بما ينبغي أن يعلمه الخاص والعام، وهو اسم من التأذين، قال تعالى : فأذن مؤذن بينهم أيتها العير إنكم لسارقون [ يوسف : ٧٠ ]، ومنه الأذان للصلاة. وأذن بها أعلم، وآذنه بالشيء إيذانا أعلمه به. وأذن بالشيء ( كعلم ) علمه، وأذن له ( كتعب ) استمع. وأعاد التصريح في هذا الأذان بكونه من الله باسم الذات، ومن رسوله بصفة التبليغ الذي تقتضيه الرسالة، كما صرح بهما في البراءة، وصرح في الموضعين بذكر المشركين بعنوان الشرك ووصفه، وذلك لتأكيد هذا الحكم، وتأكيد تبليغه من جميع وجوهه.
ثم أكد ما يجب أن يبلغوه من ذلك بما أوجب أن يخاطبوا به من غير تأخير بقوله : فإن تبتم أي قولوا لهم : فإن تبتم بالرجوع عن شرككم وما زينه لكم من الخيانة والغدر بنقض العهود، وقبلتم هداية الإسلام.
فهو خير لكم في الدنيا والآخرة ؛ لأن هداية الإسلام هي السبب لسعادتهما.
وإن توليتم أي أعرضتم عن إجابة هذه الدعوة إلى التوبة.
فاعلموا أنكم غير معجزي الله أي غير فائتيه بأن تفلتوا من حكم سننه ووعده لرسله والمؤمنين بالنصر كما تقدم آنفا.
وبشر الذين كفروا بعذاب أليم وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه نبأ عن الغيب الذي لا يمكن علمه إلا بوحي الله عز وجل، وقد تقدم في هذا التفسير أن البشارة ما يؤثر في البشرة من الأنباء، إما بالتهلل وإشراق الوجه وهو السرور الذي تنبسط به أسارير الجبهة وتتمدد، وإما بالعبوس والبسور وتقطيب الوجه من الكدر أو الحزن أو الخوف. وغلب في الأول حتى ذهب الأكثرون إلى كونه حقيقة فيه، وأن استعماله فيما يسوء ويكدر إنما يقال من باب التهكم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد ورد في تنفيذ أمر الله تعالى بهذه البراءة والأذان بها- أي التبليغ العام العلني لها- أحاديث في الصحاح والسنن وكتب التفسير المأثور فيها شيء من الخلاف والتعارض نقتصر على أمثلها وأثبتها، وما يجمع بين الروايات ويزيل تعارضها. فجملة تلك الروايات تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أبا بكر رضي الله عنه أميرا على الحج سنة تسع، وأمره أن يبلغ المشركين الذين يحضرون الحج أنهم يمنعون منه بعد ذلك العام، ثم أردفه بعلي( ع. م ) ليبلغهم عنه نبذ عهودهم المطلقة، وإعطائهم مهلة أربعة أشهر لينظروا في أمرهم، وأن العهود المؤقتة أجلها نهاية وقتها. ويتلو عليهم الآيات المتضمنة لمسألة نبذ العهود وما يتعلق بها من أول سورة براءة وهي ٤٠ أو ٣٣ آية، وما ذكر في بعض الروايات من التردد بين ٣٠ و٤٠ فتعبير بالأعشار، مع إلغاء كسرها من زيادة ونقصان، وذلك لأن من عادة العرب أن العهود ونبذها إنما تكون من عاقدها أو أحد عصبته القريبة، وأن عليا كان مختصا بذلك مع بقاء إمارة الحج لأبي بكر الذي كان يساعده على ذلك ويأمر بعض الصحابة كأبي هريرة بمساعدته.
أما الشيخان فقد أخرجا في هذا الباب حديث أبي هريرة الذي رواه عنه حميد بن عبد الرحمن بن عوف في كتاب الحج، وكرره البخاري في كتب الطهارة والحج والجزية والمغازي والتفسير، فنذكر لفظه في تفسير فسيحوا في الأرض أربعة أشهر الآية : عن حميد أن أبا هريرة قال : بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى : أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد : ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب، وأمره أن يؤذن ببراءة. قال أبو هريرة : فأذن معنا علي يوم النحر في أهل منى ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان١ اهـ.
قال الحافظ في الفتح عند قوله :" قال أبو هريرة فأذن معنا علي " ما نصه :
هو موصول بالإسناد المذكور، وكان حميد بن عبد الرحمن حمل قصة توجه علي من المدينة إلى أن لحق بأبي بكر عن غير أبي هريرة، وحمل بقية القصة عن أبي هريرة. وقوله : فأذن معنا علي في منى يوم النحر الخ قال الكرماني : فيه إشكال ؛ لأن عليا كان مأمورا بأن يؤذن ببراءة، فكيف يؤذن بأن لا يحج بعد العام مشرك ؟ ثم أجاب بأنه أذن ببراءة، ومن جملة ما اشتملت عليه أن لا يحج بعد العام مشرك من قوله تعالى : إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا [ التوبة : ٢٨ ]
ويحتمل أن يكون أمر أن يؤذن ببراءة وبما أمر أبو بكر أن يؤذن به أيضا، قلت : وفي قوله : يؤذن ببراءة تجوز ؛ لأنه أمر أن يؤذن ببضع وثلاثين آية منتهاها عند قوله : ولو كره المشركون [ التوبة : ٣٣ ]، فروى الطبري من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب وغيره قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الحج سنة تسع، وبعث عليا بثلاثين أو أربعين آية من براءة. وروى الطبري من طريق أبي الصهباء قال : سألت عليا عن يوم الحج الأكبر، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر يقيم للناس الحج، وبعثني بعده بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفة فخطب ثم التفت إلي فقال : يا علي قم فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت فقرأت أربعين آية من براءة، ثم صدرنا حتى رميت الجمرة، فطفقت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم ؛ لأن الجميع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة.
ثم قال الحافظ : وأما ما وقع في حديث جابر فيما أخرجه الطبري وإسحاق في مسنده والنسائي والدارمي كلاهما عنه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان من طريق ابن جريج : حدثني عبد الله بن عثمان بن خيثم عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم حين رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحج، فأقبلنا معه، حتى إذا كنا بالعرج ثوَّب بالصبح، فسمعنا رغوة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا علي عليها، فقال له : أمير أو رسول ؟ فقال : بل أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة أقرؤها على الناس، فقدمنا مكة، فلما كان قبل يوم التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس بمناسكهم، حتى إذا فرغ منها قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم كان يوم النحر كذلك، ثم يوم النفر كذلك، فيجمع بأن عليا قرأها كلها في المواطن الثلاثة، وأما في سائر الأوقات فكان يؤذن بالأمور المذكورة : أن لا يحج بعد العام مشرك الخ، وكان يستعين بأبي هريرة وغيره في الأذان بذلك.
« وقد وقع في حديث مقسم عن ابن عباس عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر. الحديث، وفيه فقام علي أيام التشريق فنادى : ذمة الله وذمة رسوله بريئة من كل مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل مؤمن. فكان علي ينادي بها، فإذا بح قام أبو هريرة فنادى بها ٢».
وأخرج أحمد بسند حسن عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة قال « لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي »، فبعث بها مع علي. قال الترمذي : حسن غريب. ووقع في حديث يعلى عند أحمد عن علي : لما نزلت عشر آيات من براءة بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال :( أدرك أبا بكر، فحيثما لقيته فخذ منه الكتاب. فرجع أبو بكر فقال : يا رسول الله نزل في شيء فقال « لا» إلا أنه لن يؤدي عني ـ أو لكن جبريل قال : لا يؤدي عنك- إلا أنت أو رجل منك )، قال العماد ابن كثير : ليس المراد أن أبا بكر رجع من فوره ؛ بل المراد رجع من حجته. ( قلت ) : ولا مانع من حمله على ظاهره لقرب المسافة. وأما قوله : عشر آيات، فالمراد أولها إنما المشركون نجس اهـ.
هذا ما لخصه الحافظ من الروايات، وأقول إن ابن كثير قال في حديث علي في نزول عشر آيات المذكور أخيرا، وقد ذكر إسناده عن عبد الله بن أحمد : هذا إسناد فيه ضعف.
وأزيد عليه انتقاد متنه ؛ إذ لا يصح أن يكون نزل منها عشر آيات وأنه صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر ثم عليا بها، فهذا مخالف لسائر الروايات المتضافرة المتفقة التي أطلق في بعضها أول سورة براءة ـ وفي بعضها عدد ثلاثين أو أربعين آية منها ـ أي بالتقريب، وفي بعضها سورة براءة، وهي لا تنافي بينها، فقد نزلت سورة براءة كلها أو أكثرها عقب غزوة تبوك، وقد كانت في رجب سنة تسع من الهجرة. وقد قال ابن إسحاق : إن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بعد أن رجع من تبوك رمضان وشوال وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج، وذكر أن أبا بكر خرج في ذي القعدة. فإن أمكن حمل ما رواه ابن سعد عن مجاهد من أن حج أبي بكر كان في ذي القعدة على هذا كان صحيحا وإلا فلا.
وأما ضعف إسناده الذي ذكره ابن كثير فمن حنش بن المعتمر الكناني الكوفي. قال ابن حبان : كان كثير الوهم في الأخبار، ينفرد عن علي بأشياء لا تشبه حديث الثقات، حتى صار ممن لا يحتج بحديثه، وقال البزار : حدث عنه سماك بحديث منكر، وقال ابن حزم في المحلى : ساقط مطرح، ولأئمة الجرح في تضعيفه أقوال أخرى. ولعل الحديث المنكر الذي رواه عنه سماك هو هذا، على أن سماك بن حرب هذا لم يسلم من جرح، وإن روى عنه مسلم، ومما قيل عنه : إنه خرف في آخر عمره. والعجب من الحافظ ابن حجر كيف سكت عن ضعف إسناد هذا الحديث مع تذكر عبارة ابن كثير فيه.
وأما اختلافهم في تعيين يوم الحج الأكبر ففيه ما رواه البخاري في تفسير إلا الذين عاهدتم من المشركين من رواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب أن حميد بن عبد الرحمن أخبره عن أبي هريرة أنه أخبر أن أبا بكر رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها قبل حجة الوداع يؤذن في الناس أن لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، فكان حميد يقول : يوم النحر يوم الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة. وتقدم الحديث في كتاب الجزية عن شعيب عن الزهري بلفظ : بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى : لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر. وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر. فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج في حجة الوداع التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم مشرك اهـ.
قال الحافظ في الكلام على رواية صالح من الفتح بعد أن ذكر رواية شعيب ما نصه : وقوله : ويوم الحج الأكبر يوم النحرـ وهو قول حميد بن عبد الرحمن- استنبطه من قوله تعالى : وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكر يوم النحر. وسياق رواية شعيب يوهم أن ذلك مما نادى به أبو بكر وليس كذلك، فقد تضافرت الروايات عن أبي هريرة بأن الذي كان ينادي به هو ومن معه من قبل أبي بكر شيئان : منع حج المشركين، ومنع طواف العريان. وأن عليا أيضا كان ينادي بهما، وكان يزيد : من كان له عهد فعهده إلى مدته، وأن لا يدخل الجنة إلا مسلم. وكان هذه الأخيرة كالتوطئة لأن لا يحج البيت مشرك. وأما التي قبلها فهي التي اختص علي بتبليغها، ولهذا قال العلماء : إن الحكمة في إرسال علي بعد أبي بكر أن عادة العرب جرت بأن لا ينقض العهد إلا من عقده أو من هو منه بسبيل من أهل بيته، فأجراهم في ذلك على عادتهم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم :( لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل من أهل بيتي ).
وروى أحمد والنسائي من طريق محرز بن أبي هريرة عن أبيه قال : كنت مع علي حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ببراءة، فكنا ننادي أن لا يدخل الجنة إلا كل نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج بعد العام مشرك. فكنت أنادي حتى صحل صوتي.
ثم قال الحافظ : وقوله : وإنما قيل الأكبر الخ في حديث ابن عمر عند أبي داود وأصله في هذا الصحيح رفعه : أي يوم هذا ؟ قالوا : هذا يوم النحر، قال « هذا يوم الحج الأكبر».
واختلف في المراد بالحج الأصغر، فالجمهور على أنه العمرة، وصل ذلك عبد الرازق من طريق عبد الله بن شداد -أحد كبار التابعين-، ووصله الطبري عن جماعة منهم عطاء والشعبي، وعن مجاهد : الحج الأكبر القران، والأصغر الإفراد. وقيل : يوم الحج الأصغر يوم عرفة، ويوم الحج الأكبر يوم النحر ؛ لأن فيه تتكمل بقية المناسك، وعن الثوري : أيام الحج تسمى يوم الحج الأكبر، كما يقال يوم الفتح، وأيده السهيلي بأن عليا أمر بذلك في الأيام كلها، وقيل : لأن أهل الجاهلية كانوا يقفون بعرفة، وكانت قريش تقف بالمزدلفة، فإذا كان صبيحة النحر وقف الجميع بالمزدلفة، فقيل له الأكبر لاجتماع الكل فيه.
وعن الحسن سمي بذلك لاتفاق حج جميع الملل فيه، وروى الطبري من طريق أبي جحيفة وغيره أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، ومن طريق سعيد بن جبير أنه يوم النحر، واحتج بأن يوم التاسع وهو يوم عرفة إذا انسلخ قبل الوقوف لم يفت الحج بخلاف العاشر، فإن الليل إذا انسلخ قبل الوقوف فات، وفي رواية الترمذي من حديث علي مرفوعا وموقوفا :( يوم الحج الأكبر يوم النحر )٣ ورجح الموقوف. وقوله : فنبذ أبو بكر الخ هو أيضا مرسل من قول حميد بن عبد الرحمن، والمراد أن أبا بكر أفصح لهم بذلك، وقيل إنما لم يقتصر النبي صلى الله عليه و

وقد ورد في تنفيذ أمر الله تعالى بهذه البراءة والأذان بها- أي التبليغ العام العلني لها- أحاديث في الصحاح والسنن وكتب التفسير المأثور فيها شيء من الخلاف والتعارض نقتصر على أمثلها وأثبتها، وما يجمع بين الروايات ويزيل تعارضها. فجملة تلك الروايات تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أبا بكر رضي الله عنه أميرا على الحج سنة تسع، وأمره أن يبلغ المشركين الذين يحضرون الحج أنهم يمنعون منه بعد ذلك العام، ثم أردفه بعلي( ع. م ) ليبلغهم عنه نبذ عهودهم المطلقة، وإعطائهم مهلة أربعة أشهر لينظروا في أمرهم، وأن العهود المؤقتة أجلها نهاية وقتها. ويتلو عليهم الآيات المتضمنة لمسألة نبذ العهود وما يتعلق بها من أول سورة براءة وهي ٤٠ أو ٣٣ آية، وما ذكر في بعض الروايات من التردد بين ٣٠ و٤٠ فتعبير بالأعشار، مع إلغاء كسرها من زيادة ونقصان، وذلك لأن من عادة العرب أن العهود ونبذها إنما تكون من عاقدها أو أحد عصبته القريبة، وأن عليا كان مختصا بذلك مع بقاء إمارة الحج لأبي بكر الذي كان يساعده على ذلك ويأمر بعض الصحابة كأبي هريرة بمساعدته.
أما الشيخان فقد أخرجا في هذا الباب حديث أبي هريرة الذي رواه عنه حميد بن عبد الرحمن بن عوف في كتاب الحج، وكرره البخاري في كتب الطهارة والحج والجزية والمغازي والتفسير، فنذكر لفظه في تفسير فسيحوا في الأرض أربعة أشهر الآية : عن حميد أن أبا هريرة قال : بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى : أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد : ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب، وأمره أن يؤذن ببراءة. قال أبو هريرة : فأذن معنا علي يوم النحر في أهل منى ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان١ اهـ.
قال الحافظ في الفتح عند قوله :" قال أبو هريرة فأذن معنا علي " ما نصه :
هو موصول بالإسناد المذكور، وكان حميد بن عبد الرحمن حمل قصة توجه علي من المدينة إلى أن لحق بأبي بكر عن غير أبي هريرة، وحمل بقية القصة عن أبي هريرة. وقوله : فأذن معنا علي في منى يوم النحر الخ قال الكرماني : فيه إشكال ؛ لأن عليا كان مأمورا بأن يؤذن ببراءة، فكيف يؤذن بأن لا يحج بعد العام مشرك ؟ ثم أجاب بأنه أذن ببراءة، ومن جملة ما اشتملت عليه أن لا يحج بعد العام مشرك من قوله تعالى : إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا [ التوبة : ٢٨ ]
ويحتمل أن يكون أمر أن يؤذن ببراءة وبما أمر أبو بكر أن يؤذن به أيضا، قلت : وفي قوله : يؤذن ببراءة تجوز ؛ لأنه أمر أن يؤذن ببضع وثلاثين آية منتهاها عند قوله : ولو كره المشركون [ التوبة : ٣٣ ]، فروى الطبري من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب وغيره قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الحج سنة تسع، وبعث عليا بثلاثين أو أربعين آية من براءة. وروى الطبري من طريق أبي الصهباء قال : سألت عليا عن يوم الحج الأكبر، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر يقيم للناس الحج، وبعثني بعده بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفة فخطب ثم التفت إلي فقال : يا علي قم فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت فقرأت أربعين آية من براءة، ثم صدرنا حتى رميت الجمرة، فطفقت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم ؛ لأن الجميع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة.
ثم قال الحافظ : وأما ما وقع في حديث جابر فيما أخرجه الطبري وإسحاق في مسنده والنسائي والدارمي كلاهما عنه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان من طريق ابن جريج : حدثني عبد الله بن عثمان بن خيثم عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم حين رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحج، فأقبلنا معه، حتى إذا كنا بالعرج ثوَّب بالصبح، فسمعنا رغوة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا علي عليها، فقال له : أمير أو رسول ؟ فقال : بل أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة أقرؤها على الناس، فقدمنا مكة، فلما كان قبل يوم التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس بمناسكهم، حتى إذا فرغ منها قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم كان يوم النحر كذلك، ثم يوم النفر كذلك، فيجمع بأن عليا قرأها كلها في المواطن الثلاثة، وأما في سائر الأوقات فكان يؤذن بالأمور المذكورة : أن لا يحج بعد العام مشرك الخ، وكان يستعين بأبي هريرة وغيره في الأذان بذلك.
« وقد وقع في حديث مقسم عن ابن عباس عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر. الحديث، وفيه فقام علي أيام التشريق فنادى : ذمة الله وذمة رسوله بريئة من كل مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل مؤمن. فكان علي ينادي بها، فإذا بح قام أبو هريرة فنادى بها ٢».
وأخرج أحمد بسند حسن عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة قال « لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي »، فبعث بها مع علي. قال الترمذي : حسن غريب. ووقع في حديث يعلى عند أحمد عن علي : لما نزلت عشر آيات من براءة بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال :( أدرك أبا بكر، فحيثما لقيته فخذ منه الكتاب. فرجع أبو بكر فقال : يا رسول الله نزل في شيء فقال « لا» إلا أنه لن يؤدي عني ـ أو لكن جبريل قال : لا يؤدي عنك- إلا أنت أو رجل منك )، قال العماد ابن كثير : ليس المراد أن أبا بكر رجع من فوره ؛ بل المراد رجع من حجته. ( قلت ) : ولا مانع من حمله على ظاهره لقرب المسافة. وأما قوله : عشر آيات، فالمراد أولها إنما المشركون نجس اهـ.
هذا ما لخصه الحافظ من الروايات، وأقول إن ابن كثير قال في حديث علي في نزول عشر آيات المذكور أخيرا، وقد ذكر إسناده عن عبد الله بن أحمد : هذا إسناد فيه ضعف.
وأزيد عليه انتقاد متنه ؛ إذ لا يصح أن يكون نزل منها عشر آيات وأنه صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر ثم عليا بها، فهذا مخالف لسائر الروايات المتضافرة المتفقة التي أطلق في بعضها أول سورة براءة ـ وفي بعضها عدد ثلاثين أو أربعين آية منها ـ أي بالتقريب، وفي بعضها سورة براءة، وهي لا تنافي بينها، فقد نزلت سورة براءة كلها أو أكثرها عقب غزوة تبوك، وقد كانت في رجب سنة تسع من الهجرة. وقد قال ابن إسحاق : إن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بعد أن رجع من تبوك رمضان وشوال وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج، وذكر أن أبا بكر خرج في ذي القعدة. فإن أمكن حمل ما رواه ابن سعد عن مجاهد من أن حج أبي بكر كان في ذي القعدة على هذا كان صحيحا وإلا فلا.
وأما ضعف إسناده الذي ذكره ابن كثير فمن حنش بن المعتمر الكناني الكوفي. قال ابن حبان : كان كثير الوهم في الأخبار، ينفرد عن علي بأشياء لا تشبه حديث الثقات، حتى صار ممن لا يحتج بحديثه، وقال البزار : حدث عنه سماك بحديث منكر، وقال ابن حزم في المحلى : ساقط مطرح، ولأئمة الجرح في تضعيفه أقوال أخرى. ولعل الحديث المنكر الذي رواه عنه سماك هو هذا، على أن سماك بن حرب هذا لم يسلم من جرح، وإن روى عنه مسلم، ومما قيل عنه : إنه خرف في آخر عمره. والعجب من الحافظ ابن حجر كيف سكت عن ضعف إسناد هذا الحديث مع تذكر عبارة ابن كثير فيه.
وأما اختلافهم في تعيين يوم الحج الأكبر ففيه ما رواه البخاري في تفسير إلا الذين عاهدتم من المشركين من رواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب أن حميد بن عبد الرحمن أخبره عن أبي هريرة أنه أخبر أن أبا بكر رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها قبل حجة الوداع يؤذن في الناس أن لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، فكان حميد يقول : يوم النحر يوم الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة. وتقدم الحديث في كتاب الجزية عن شعيب عن الزهري بلفظ : بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى : لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر. وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر. فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج في حجة الوداع التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم مشرك اهـ.
قال الحافظ في الكلام على رواية صالح من الفتح بعد أن ذكر رواية شعيب ما نصه : وقوله : ويوم الحج الأكبر يوم النحرـ وهو قول حميد بن عبد الرحمن- استنبطه من قوله تعالى : وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكر يوم النحر. وسياق رواية شعيب يوهم أن ذلك مما نادى به أبو بكر وليس كذلك، فقد تضافرت الروايات عن أبي هريرة بأن الذي كان ينادي به هو ومن معه من قبل أبي بكر شيئان : منع حج المشركين، ومنع طواف العريان. وأن عليا أيضا كان ينادي بهما، وكان يزيد : من كان له عهد فعهده إلى مدته، وأن لا يدخل الجنة إلا مسلم. وكان هذه الأخيرة كالتوطئة لأن لا يحج البيت مشرك. وأما التي قبلها فهي التي اختص علي بتبليغها، ولهذا قال العلماء : إن الحكمة في إرسال علي بعد أبي بكر أن عادة العرب جرت بأن لا ينقض العهد إلا من عقده أو من هو منه بسبيل من أهل بيته، فأجراهم في ذلك على عادتهم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم :( لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل من أهل بيتي ).
وروى أحمد والنسائي من طريق محرز بن أبي هريرة عن أبيه قال : كنت مع علي حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ببراءة، فكنا ننادي أن لا يدخل الجنة إلا كل نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج بعد العام مشرك. فكنت أنادي حتى صحل صوتي.
ثم قال الحافظ : وقوله : وإنما قيل الأكبر الخ في حديث ابن عمر عند أبي داود وأصله في هذا الصحيح رفعه : أي يوم هذا ؟ قالوا : هذا يوم النحر، قال « هذا يوم الحج الأكبر».
واختلف في المراد بالحج الأصغر، فالجمهور على أنه العمرة، وصل ذلك عبد الرازق من طريق عبد الله بن شداد -أحد كبار التابعين-، ووصله الطبري عن جماعة منهم عطاء والشعبي، وعن مجاهد : الحج الأكبر القران، والأصغر الإفراد. وقيل : يوم الحج الأصغر يوم عرفة، ويوم الحج الأكبر يوم النحر ؛ لأن فيه تتكمل بقية المناسك، وعن الثوري : أيام الحج تسمى يوم الحج الأكبر، كما يقال يوم الفتح، وأيده السهيلي بأن عليا أمر بذلك في الأيام كلها، وقيل : لأن أهل الجاهلية كانوا يقفون بعرفة، وكانت قريش تقف بالمزدلفة، فإذا كان صبيحة النحر وقف الجميع بالمزدلفة، فقيل له الأكبر لاجتماع الكل فيه.
وعن الحسن سمي بذلك لاتفاق حج جميع الملل فيه، وروى الطبري من طريق أبي جحيفة وغيره أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، ومن طريق سعيد بن جبير أنه يوم النحر، واحتج بأن يوم التاسع وهو يوم عرفة إذا انسلخ قبل الوقوف لم يفت الحج بخلاف العاشر، فإن الليل إذا انسلخ قبل الوقوف فات، وفي رواية الترمذي من حديث علي مرفوعا وموقوفا :( يوم الحج الأكبر يوم النحر )٣ ورجح الموقوف. وقوله : فنبذ أبو بكر الخ هو أيضا مرسل من قول حميد بن عبد الرحمن، والمراد أن أبا بكر أفصح لهم بذلك، وقيل إنما لم يقتصر النبي صلى الله عليه و
فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ( ٥ ) وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ( ٦ )
هذا شروع في بيان ما يترتب على الأذان بنبذ عهود المشركين على الوجه الذي سبق تفصيله في الموقت منها وغير الموقت، وهو مفصل لكل حال يكونون عليها بعد هذا الأذان العام من إيمان وكفر، ووفاء وغدر، ينتهي بالآية الخامسة عشرة. وانسلاخ الأشهر انقضاؤها والخروج منها، وهو مجاز مستعار من انسلاخ الحية، وهو خروجها من جلدها، ويسمى بعد خروجها منه المسلاخ، يقولون سلخ فلان الشهر وانسلخ منه وآية لهم الليل نسلخ منه النهار [ يس : ٣٧ ] وقال الشاعر :
إذا ما سلخت الشهر أهلكت مثله***كفى قاتلاً سلخي الشهور وإهلالي١
والحرم بضمتين جمع الحرام ( كسحاب وسحب ) وهي الأشهر التي حرم الله فيها قتالهم في الأذان والتبليغ الذي بينت الآية ما يترتب عليه من الأحكام بقوله : فسيحوا في الأرض أربعة أشهر أي آمنين لا يعرض لكم أحد بقتال فيها، فالتعريف فيها للعهد، ولولا هذا السياق لوجب تفسير الأشهر الحرم بالأربعة التي كانوا يحرمون فيها القتال من قبل، إذا لم يستحلوا شيئا منها بالنسيء، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب كما سيأتي بيانه في تفسير الآيتين ٣٦ و٣٧، على أن بعض المفسرين قال : إنها هي المرادة هنا أو الثلاثة المتوالية منها، وتقدم أن بعضهم قال : إن الأربعة الأشهر التي ضربت لهم لحرية السياحة في الأرض هي من شوال إلى المحرم. والتحقيق ما قلناه هنا وهناك، وقد رواه ابن جرير عن السدي ومجاهد وعمرو بن شعيب وابن زيد وابن إسحاق ؛ ولكنه اعتمد قبله أن المراد بها ذو القعدة وذو الحجة والمحرم.
قال تعالى : فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم أي فإذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرم عليكم قتال المشركين فيها فاقتلوهم في أي مكان وجدتموهم فيه من حل وحرم ؛ لأن الحالة بينكم وبينهم عادت حالة حرب كما كانت، وإنما كان تأمينهم مدة أربعة أشهر منحة منكم، ومن قال إن الآية مخصوصة بما عدا أرض الحرم فهو غالط.
وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد أي وافعلوا بهم كل ما ترونه موافقا للمصلحة من تدابير القتال وشؤون الحرب المعهودة، وأهمها وأشهرها هذه الثلاثة :
وأولها أخذهم أسارى، فكانوا يعبرون عن الأسر بالأخذ، ويسمون الأسير ( أخيذا )، والأخذ أعم من الأسر، فإن معنى الثاني الشد بالأسار كما تقدم في سورة الأنفال، فالأسير في أصل اللغة هو الأخيذ الذي يشد. وقد أبيح هنا الأسر الذي حظر بقوله تعالى في سورة الأنفال ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض [ الأنفال : ٦٧ ] لحصول شرطه وهو الإثخان الذي هو عبارة عن الغلب والقوة والسيادة، فمن يسمي مثل هذا نسخا فله أن يقول به هنا، والصواب أنه من المقيد بالشرط أو الوقت أو الأذن.
والثاني الحصر، وهو حبس العدو حيث يعتصمون من معقل وحصن بأن يحاط بهم ويمنعوا من الخروج والانقلاب، إذا كان في مهاجمتهم فيه خسارة كبيرة فاحصروهم إلى أن يسلموا وينزلوا على حكمكم بشرط ترضونه، أو بغير شرط.
والثالث قعود المراصد، أي الرصد العام، وهو مراقبة العدو بالقعود لهم في كل مكان يمكن الإشراف عليهم، ورؤية تجوالهم وتقلبهم في البلاد منه. فالمرصد اسم مكان، وخصه بعضهم بطرق مكة والفجاج التي تنتهي إليها لئلا يعودوا إليها لإخراج المسلمين منها، أو للشرك في البيت والطواف فيه عراة. والصواب أنه عام وهذا أهم أفراده. ولعل القائل بهذا التخصيص لم يذكر المدينة- وهي العاصمة- لأنه لا خوف عليها يومئذ من المشركين بعد أن عجزوا عنها في عهد قوتهم وكثرتهم.
وهذه الآية هي التي يسمونها آية السيف، واعتمد بعضهم أن آية السيف هي قوله الآتي وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة [ الأنفال : ٣٨ ]، وقال بعضهم إنها تطلق على كل منهما أو على كلتيهما. ويكثر في كلام الذين كثروا الآيات المنسوخة أن آية كذا وآية كذا من آيات العفو والصفح والإعراض عن المشركين والجاهلين والمسالمة وحسن المعاملة منسوخة بآية السيف. والصواب أن ما ذكروه من هذا القبيل ليس من النسخ الأصولي في شيء، قال السيوطي في أقسام النسخ من الاتقان ما نصه :
الثالث : ما أمر به لسبب ثم يزول السبب، كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والصفح ثم نسخ بإيجاب القتال، وهذا في الحقيقة ليس نسخا ؛ بل هو من قسم المنسأ كما قال تعالى : أو ننسأها ، فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى، وبهذا يضعف ما لهج به كثيرون من أن الآية في ذلك منسوخة بآية السيف، وليس كذلك ؛ بل هي من المنسأ بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة تقتضي ذلك الحكم ؛ بل ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر، وليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثاله، وقال مكي : ذكر جماعة أن ما ورد من الخطاب مشعرا بالتوقيت والغاية مثل قوله في البقرة فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره [ البقرة : ١٠٩ ] محكم غير منسوخ ؛ لأنه مؤجل بأجل، والمؤجل بأجل لا نسخ فيه اه.
وقال بعضهم وعزاه الألوسي إلى الجمهور : إن الآية تدل بعمومها على جواز قتال الترك والحبشة، كأنه قيل فاقتلوا الكفار مطلقا. يعنون أنها ناسخة أو مخصصة لحديث ( اتركوا الترك ما تركوكم، فإن أول من يسلب أمتي ملكهم وما خولهم الله بنو قنطوراء ) رواه الطبراني من حديث ابن مسعود كما في الجامع الصغير. وفي فتح الباري أنه رواه من حديث معاوية، قال الحافظ وكان هذا الحديث مشهورا بين الصحابة.
وقتال المسلمين للترك ثابت في الصحيحين. وروى أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا ( اتركوا الحبشة ما تركوكم، فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة )٢، وقال العلماء : إن هذا يكون قبيل قيام الساعة إذ يبطل أمن الحرم.
وروى أبو داود والنسائي عن رجل كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم )٣.
قال الخطابي إن الجمع بين قوله تعالى : وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة وبين هذا الحديث أن الآية مطلقة والحديث مقيد، فيحمل المطلق على المقيد، ويجعل الحديث مخصصا لعموم الآية كما خص ذلك في حق المجوس فإنهم كفرة، ومع ذلك أخذ منهم الجزية لقوله صلى الله عليه وسلم :( سنوا بهم سنة أهل الكتاب )٤، قال الطيبي : ويحتمل أن تكون الآية ناسخة للحديث لضعف الإسلام.
وأقول : قد غفل هؤلاء الذين حاولوا الجمع بين الحديث والآية عن كون الآية في مشركي العرب الذي لا عهد لهم، والذين نبذت عهودهم، وضرب لهم موعد الأربعة الأشهر، والحبشة نصارى من أهل الكتاب، وفيهم نزل قوله تعالى : ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى [ المائدة : ٨٢ ] الآيات، ومن المجمع عليه التفرقة بين المشركين وأهل الكتاب، والترك كانوا وثنيين عند نزول هذه الآيات كمشركي العرب، ولكنهم لا يدخلون في عموم الآية، ثم إن الأمر بترك قتال الترك والحبشة جاء تحذيرا من بدئهم بالقتال لما علم النبي صلى الله عليه وسلم أن خطرا على العرب وبلادهم سيقع منهم، والأمن بقتال مشركي العرب في هذه الآيات مبني على كونهم هم الذين بدؤوا المسلمين ونكثوا عهودهم كما سيأتي قريبا في قوله : ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة [ التوبة : ١٣ ]، وعلى كون قتالهم كافة جزاء بالمثل كما قال : وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة [ التوبة : ٣٦ ] فكيف يدخل وثنيو الترك ونصارى الحبشة في عموم هؤلاء المشركين الموصوفين بما ذكر حتى يحتاج إلى الجمع بين الآية والأحاديث المذكورة ؟ ولا تأتي هنا قاعدة كون العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو ظاهر ؛ لأن المراد بها أن اللفظ العام يتناول كل ما وضع له، سواء وجد ما كان سببا لوروده أو لم يوجد، ولفظ المشركين في هذه الآيات لم يوضع لأهل الكتاب المعروفين بالقطع، ولا لأمثالهم كالمجوس مثلا، وقد بينا تحقيق هذه المسألة في مواضع أبسطها تفسير ولا تنكحوا المشركات [ البقرة : ٢٢١ ] الآية ( ج ٢ )، ثم تفسير وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم [ المائدة : ٥ ] الآية ( ج٦ )، ويليه مباحث في موضوع الآية. ولولا أن هؤلاء المفسرين وشراح الأحاديث ينظرون في كتاب الله وحديث رسوله من وراء حجب المذاهب الفقهية لما وقعوا في أمثال هذه الأغلاط الواضحة، ولكننا في غنى عن الإطالة في التفسير لبيانها.
فإن تابوا أي فإن تابوا عن الشرك وهو الذي يحملهم على عداوتكم وقتالكم، بأن دخلوا في الإسلام وعنوانه العام النطق بالشهادتين، وكان يكتفي منهم بإحداهما وأقاموا الصلاة المفروضة معكم كما يقيمونها في أوقاتها الخمسة، وهي مظهر الإيمان، وأكبر أركانه المطلوبة في كل يوم من الأيام، ويتساوى في طلبها وجماعتها الغني والفقير، والمأمور والأمير، وهي حق العبودية لله تعالى على عباده، وأفضل مزك لأنفسهم يؤهلهم للقائه، وأفعل مهذب لأخلاقهم يعدها للقيام بحقوق عباده، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر [ العنكبوت : ٤٥ ].
وآتوا الزكاة المفروضة في أموال الأغنياء للفقراء وللمصالح العامة، وهي الركن المالي الاجتماعي من أركان الإسلام، التي يقوم بها نظامه العام.
فخلُّوا سبيلهم فاتركوا لهم طريق حريتهم بالكف عن قتالهم إذا كانوا مقاتلين، وعن حصرهم إن كانوا محصورين، وعن رصد مسالكهم إلى البيت الحرام وغيره حيث يكونون مراقبين.
إن الله غفور رحيم يغفر لهم ما سبق من الشرك وأعماله، ويرحمهم فيمن يرحم من عباده المؤمنين ؛ لأن الإسلام يجب ما قبله.
والآية تفيد دلالة إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على الإسلام، وتوجب لمن يؤديهما حقوق المسلمين من حفظ دمه وماله إلا بما يوجبه عليه شرعه من جناية تقتضي حدا معلوما، أو جريمة توجب تعزيرا أو تغريما.
واستدل بها بعض أئمة الفقه على كفر من يترك الصلاة ويمتنع عن أداء الزكاة، وذلك أنها اشترطت في صحة إسلام المشركين وعصمة دمائهم مجموع الثلاثة الأشياء : ترك الشرك وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فإذا فقد شرط منها لم يتحقق الإسلام الذي يعصم دم المشرك المقاتل، ومفهوم الشرط من ضروريات اللغة، ومراء بعض الجدليين من الأصوليين فيه مردود لا قيمة له، وقال بعضهم : بل يكفر تارك الصلاة دون مانع الزكاة لإمكان أخذها منه بالقهر، ووجوب قتال مانعيها كما فعل أبو بكر.
وقد عززوا هذا الاستدلال بالأحاديث الصحيحة في معناها كحديث عبد الله بن عمر مرفوعا :( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله )٥ رواه الشيخان، وحديث أنس عند البخاري وأصحاب السنن الثلاثة :( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها
١ ـ البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في لسان العرب (سلخ)، وتهذيب اللغة ٧ / ١٧١، وتاج العروس (سلخ)، وأساس البلاغة (سلخ)..
٢ ـ أخرجه أبو داود في الملاحم باب ١١..
٣ ـ أخرجه أبو داود في الملاحم باب ٨..
٤ ـ أخرجه مالك في الزكاة حديث ٤٢..
٥ ـ روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في الإيمان باب ١٧، والاعتصام باب ٢٨، ومسلم في الإيمان حديث ٣٤ ـ ٣٦، والترمذي في الإيمان باب ١، وتفسير سورة ٨٨، والنسائي في الجهاد باب١، والتحريم باب ١، وابن ماجه في الفتن باب ١، وأحمد في المسند ١/ ١١، ١٩، ٣٦، ٤٨، ٢/ ٣١٤، ٣٧٧، ٤٢٣، ٤٣٩، ٤٧٥، ٤٨٢، ٥٠٢، ٥٢٨، ٣/ ٢٩٥، ٣٠٠، ٣٣٢، ٣٩٤، ٥/ ٢٤٦..
وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه الخطاب في هذه الآية للنبي صلى الله عليه وسلم وهي مخصصة لما في قوله تعالى قبلها فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم الخ من معنى العموم، فهي تستثني منهم من طلب منهم الأمان، ليعلم ما أنزله الله وأمر به من دعوة الإسلام، ذلك بأن بعض المشركين لم تبلغهم الدعوة بلاغا تاما مقنعا، ولم يسمعوا شيئا من القرآن وهو الآية المعجزة للبشر، الدالة بذاتها على كونه من عند الله لا من كلام محمد الأمي صلى الله عليه وسلم أو لم يسمعوا منه ما تقوم به الحجة، وإنما أعرضوا وعادوا الداعي وقاتلوه ؛ لأنه جاء بتفنيد ما هم عليه من الشرك وما كان عليه آباؤهم منه، وقد طبعوا على نعرة العصبية لهم والنضال دونهم، حتى إنه لو لم تتضمن الدعوة الحكم بجهلهم وتسفيه أحلامهم، لما احتموا عليها كل ذلك الاحتماء، وقابلوها بكل ذلك العداء، ويليها في ذلك تحقير آلهتهم.
وأما اختلاف العقيدة وحده فلم يكن يقتضي عندهم كل ذلك، وقد قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ودوا لو تدهن فيدهنون [ القلم : ٩ ] وإذا كان تبليغ الدعوة هو الواجب الأول الأهم المقصود من الرسالة وإنما كان وجوب القتال لحمايتها والحرية في تبليغها والعمل بما تتضمنه، ومنع أهلها وصيانهم من الفتنة والاضطهاد لأجلها وجب التبليغ قبله وكف القتال عمن يظهر الرغبة في سماع كلام الله تعالى للعلم بمضمونها، والوقوف على ما نهى وأمر، وبشر وأنذر، وتأمينه في مجيئه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ثم العودة إلى دار قومه حيث يأمن على نفسه ويكون حرا فيما يختار لها، وبهذا يكون المشركون الذين بلغوا نبذ عهودهم أو انتهاء مدتها ثلاثة أقسام : ١ مصر على الشرك وعداوة المسلمين، و٢ مسترشد طالب للعلم وسماع القرآن، و٣ تائب يدخل في الإسلام.
الاستجارة طلب الجوار، وهو الحماية والأمان، فقد كان من أخلاق العرب حماية الجار والدفاع عنه، حتى صاروا يسمون النصير جارا، ومنه وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم [ الأنفال : ٤٨ ].
ومعنى الجملة : وإن استأمنك أيها الرسول أحد من المشركين لكي يسمع كلام الله ويعلم منه حقيقة ما تدعو إليه، أو ليلقاك مطلقا وإن لم يذكر سببا، فيجب أن تجيره وتؤمنه لكي يسمع -أو إلى أن يسمع- كلام الله، فإن هذه فرصة للتبليغ والاستماع، فإذا اهتدى به وآمن عن علم واقتناع فذاك، وإلا فالواجب أو تبلغه المكان الذي يأمن به على نفسه، ويكون حرا في عقيدته، حيث لا يكون للمسلمين عليه سلطان قهر، ولا إكراه على أمر ؟ وتعود حالة الحرب إلى ما كانت من غير غدر.
وسماع «كلام الله » يحصل بالقليل والكثير منه، ولكن المراد الذي يقتضيه المقام أن يسمع منه تعالى ما يراه هو ونراه نحن كافيا للعلم بدعوة الإسلام، أو القدر الذي تقوم به الحجة منه وهو ما يتبين به بطلان الشرك وحقيقة التوحيد والبعث وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغه عن الله عزَّ وجلَّ، وكان العربي منهم يفهم القرآن ويشعر من نفسه بأنه معجز للبشر، ويفهم حججه العقلية والعلمية على التوحيد والرسالة، والبعث، فإذا ألقى إليه السمع، وهو شهيد، لا يلبث أن يظهر له الحق في هذه الأصول، فإن لم تصده العصبية والتزام العداوة للداعي لا يلبث أن يؤمن، فإن لم يفعل كان له شأنه وحريته، ولكنه يمنع من مساكنة المسلمين في دار الإسلام والحال والدار ما علمنا. وقيل : إن المراد بالقرآن آيات التوحيد منه، وقيل : سورة التوبة خاصة أو ما بلغوه منها في الموسم ؛ إذ لم يكن كل مشرك سمعه، والظاهر ما قلناه.
وقد قال بعضهم : إن هذا منسوخ بقوله تعالى في الآية الآتية : وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة [ التوبة : ٣٦ ]، وقال بعضهم : بل محكم، وهو الحق، قال الحسن : هذه الآية محكمة إلى يوم القيامة، واعتمده ابن جرير وعليه الجمهور، والقول الأول مما لا يصح أن يحكى إلا لرده وإبطاله، لأنه يتضمن عدم وجوب تبليغ الدعوة حتى لطالبها، بل منع طالبها من سماعها والعلم بها.
وقد ذكر الرازي وأبو السعود وغيرهما عن ابن عباس أنه قال : إن رجلا من المشركين قال لعلي : إذا أراد الرجل منا أن يأتي محمدا بعد انقضاء هذا الأجل لسماع كلام الله أو لحاجة قتل ؟ قال : لا، لأن الله تعالى يقول : وإن أحد من المشركين استجارك فأجره . فإن صحت هذه الرواية كانت دليلا على أن طلب المشرك للأمان والجوار يقبل وإن لم يكن لأجل سماع كلام الله تعالى، وإن قال بعض المفسرين : إن الحاجة في الرواية لا تعدو غرض الدين ؛ لأن لقاء الرسول صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا لذلك، أي فلا يجاب طلبه إن علم أنه لحاجة دنيوية، وهذا القول غير مسلم، فقد كانوا يطلبون لقاءه صلى الله عليه وسلم لأجل الكلام في الصلح وغيره من مصالح دنياهم، والمتبادر من قوله تعالى : حتى يسمع كلام الله أنه غاية أو تعليل للإجارة لاتصاله بها وحدها، وأن الاستجارة على إطلاقها.
وقول أبي السعود : إن تعلق الإجارة بسماع كلام الله بأحد المعنيين يستلزم تعلق الاستجارة أيضا بذلك أو بما في معناه من أمور الدين غير مسلم، ولكنه محتمل إذا جاز أن تتعلق «حتى » بفعلي الاستجارة والإجارة معا، والذي عليه النحاة في باب تنازع العاملين أن العمل يكون لأحدهما، والمختار عند البصريين الثاني وعند الكوفيين الأول.
ويترتب على جعل «حتى » للتعليل أنه لا يجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤمن مشركا إلا لأجل سماع كلام الله وتبليغه الدعوة به، وغيره من أئمة المسلمين وقواد جيوشهم أولى وأجدر أن لا يجب عليهم ذلك، وحاصل معناها أن المستجير يجار ويؤمن مهما يكن غرضه من الاستجارة، ويمتد جواره إلى أن يسمع كلام الله وتقوم عليه الحجة به فيكون وجوده في دار الإسلام فرصة لتبليغه دعوته على أكمل وجه، ولا يأبى هذا المعنى الأمر بإبلاغه مأمنه بعد ذلك كما ادعى بعضهم، ولا يظهر جعل الأمر بالإجارة والأمان للوجوب إلا بهذا القصد، وفيما عداه يكون جائزا يعمل فيه الإمام بالمصلحة. ويجوز الجمع بين الغاية ومعنى التعليل على القول بجواز الجمع بين معنيي المشترك.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤمن الرسل التي ترد من قبل الأعداء وهذا مجمع عليه. وكان يجير من أجاره أي مسلم أو مسلمة، وذكر من مزايا المؤمنين أنهم «تتكافأ دماؤهم ويجير عليهم أدناهم »١ كما ثبت في الصحيح، ولا يبعد أن يقال : إن حكم المشركين في تقييد إجارة مستجيرهم في ذلك العهد خاص بهم، والأمر في معاملة غيرهم من الكفار بعد ذلك أوسع، وهو كما يذكر في كتاب الأمان من الفقه.
قال العماد ابن كثير في تفسير الآية : والغرض أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة أو تجارة أو طلب صلح أو مهادنة أو حمل جزية أو نحو ذلك من الأسباب وطلب من الإمام أو نائبه أمانا، أعطي أمانا، ما دام مترددا في دار الإسلام وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه. لكن قال العلماء : لا يجوز أن يمكن من الإقامة في دار الإسلام سنة، ويجوز أن يمكن من الإقامة أربعة أشهر، وفيما بين ذلك فيما زاد على أربعة أشهر ونقص عن سنة قولان عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء رحمهم الله تعالى اه.
وأقول : إن ما ذكره هو المعروف عن أصحابه الشافعية. وفي الترغيب من كتب الحنابلة : ويشترط لصحة الأمان عدم الضرر علينا، وأن لا تزيد مدته على عشر سنين، وفي جواز إقامتهم بدارنا هذه المدة بلا جزية وجهان اه من كتاب الفروع. والتحقيق أن مثل هذه الأحكام التي لا نص فيها من الشارع تناط بالمصلحة وتفوض إلى أولي الأمر من الأئمة والسلاطين وقواد الجيوش.
قال تعالى : ذلك بأنهم قوم لا يعلمون أي ذلك الأمر بإجارة المستجير من المشركين ليسمع كلام الله أو إلى أن يسمع كلام الله بسبب أنهم قوم جاهلون لا يدرون ما الكتاب وما الإيمان، فأعرضوا عن دعوة الإسلام بجهل وعصبية وكانوا مغترين بقوتهم، مصرين على جفوتهم، فإذا كان شعورهم بضعفهم لصدق وعد الله بنصر المؤمنين عليهم قد أعدهم للعلم بما كانوا يجهلون وطلبوا الأمان لأجل ذلك، أو لغرض آخر يترتب عليه إمكان تبليغهم الدعوة وإسماعهم كلامه عزَّ وجلَّ وهو الحجة البالغة والشفاء لما في الصدور لمن سمعه باستقلال فكر أجيبوا إليه ؛ لأنه هو الطريقة المثلى لتعليمهم وهدايتهم، وإنما بعثت أيها الرسول مبشرا ونذيرا، ورؤوفا رحيما.
وتدل الآية على أن الاعتقاد بأصل الدين يجب أن يكون علما يقينيا لا شك فيه ولا احتمال وإن لم يكن منطقيا. ولا يكتفى فيه بالظن الراجح كالفروع العلمية ولا بالتقليد لأنه ليس بعلم، والآيات المفرقة بين العلم والظن متعددة كقوله تعالى : إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا [ النجم : ٢٨ ] وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا [ يونس : ٣٦ ] وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون [ الجاثية : ٢٤ ].
وقال الفخر الرازي في تفسير الآية : اعلم أن هذه الآية تدل على أن التقليد غير كاف في الدين، وأنه لا بد من النظر والاستدلال، وذلك لأنه لو كان التقليد كافيا لوجب أن لا يمهل هذا الكافر بل يقال له : إما أن تؤمن وإما أن نقتلك، فلما لم يقل له ذلك، بل أمهلناه وأزلنا الخوف عنه ووجب علينا أن نبلغه مأمنه، علمنا أن ذلك إنما كان لأجل أن التقليد في الدين غير كاف ؛ بل لا بد من الحجة والدليل، فأمهلناه وأخرناه ليحصل له مهلة النظر والاستدلال، إذا ثبت هذا فنقول ليس في الآية ما يدل على مقدار هذه المهلة كم يكون، ولعله لا يعرف مقداره إلا بالعرف، فمتى ظهر على المشرك علامات كونه طالبا للحق باحثا عن وجه الاستدلال أمهل وترك، ومتى ظهر عليه كونه معرضا عن الحق دافعا للزمان بالأكاذيب لم يلتفت إليه والله أعلم اه.
١ ـ أخرجه أبو داود في الديات باب ١١، وابن ماجه في الديات باب ٣١..
كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين( ٧ ) كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون( ٨ )
برىء الله ورسوله من المشركين الذين عاهدهم المسلمون على ترك القتال وأمهلهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض أحرارا آمنين، وأمر تعالى بالأذان العام إلى الناس في يوم عيد النحر من الموسم العام ببراءة الله ورسوله من المشركين، ودعوتهم إلى التوبة من الشرك وعداوة الإسلام، وإنذارهم سوء عاقبة الإعراض، واستثنى من المعاهدين الذين نبذت إليهم عهودهم من وفوا بعهدهم ولم ينقصوا منه شيئا ولم يظاهروا على المؤمنين أحدا من أعدائهم، فأمر بإتمام عهدهم إلى مدتهم، ثم أمر بما يترتب على النبذ والتوقيت فيه وعود حالة الحرب معهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم التي وقتت بها العهود وهو مناجزة المشركين بكل نوع من أنواع القتال المعروفة في ذلك العصر من قتل وأسر وحصر وقطع طرق المواصلات، واستثنى منهم من يستجير الرسول صلى الله عليه وسلم وأمره بإجارته حتى يسمع كلام الله.
ومن المعلوم من قواعد الإسلام العملية تعظيم شأن العهود على اختلاف أنواعها، وعد الوفاء بها من أصول البر ومقتضى الإيمان، كما قال تعالى في آية البر وأهله من سورة البقرة بعد ذكر الإيمان والصلاة والزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا [ البقرة : ١٧٧ ]، وكما قال في الوصايا الأساسية لهذا الدين من سورة الإسراء وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا [ الإسراء : ٣٤ ] إلى آيات أخرى ذكرنا قارئ تفسيرنا بها في مواضع منه بمناسبة ذكر العهد، والمناسب منها لما هنا ما ورد في سورة الأنفال من وجوب الوفاء بالعهد وتحريم الخيانة كالآية ٥٦ و٥٨، وفي معناها أحاديث كثيرة حسبك منها حديث ( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر )١ متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا.
ولما كان للوفاء بالعهد كل هذا الشأن في الإسلام كان نبذ عهود المشركين مما قد يظن بادي الرأي أنه مخل به، أو مما قد يظن قليل العلم بالقرآن والجمع بين نصوصه بالفهم الصحيح أن هذا النبذ ناسخ لوجوبه كما زعم بعضهم، أو أن ذلك التعظيم للوفاء بالعهد وتأكيده كان مقيدا بحال ضعف المسلمين كما قال آخرون مثل هذا في آيات العفو والصفح عن المشركين ؛ بل لما كان هذا النبذ مما يفتح باب الدس أو الطعن للمنافقين والتأويل للمرجفين في عصر التنزيل -وقد يعظم على بعض المسلمين ويخفى عليهم الجمع بينه وبين تلك الآيات الكثيرة التي هي نصوص في أن الوفاء بالعهد من فضائل الدين الأساسية ـ لما كان كل ما ذكر كما ذكر، بين الله تعالى لنا في هاتين الآيتين وما بعدهما كون هذا النبذ وما يترتب عليه لا ينافي ولا يجافي شيئا من تلك النصوص المحكمة، وإنما هو معاملة للأعداء بمثل ما عاملوا به المؤمنين أو بدونه.
كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين( ٧ ) كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون( ٨ )
برىء الله ورسوله من المشركين الذين عاهدهم المسلمون على ترك القتال وأمهلهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض أحرارا آمنين، وأمر تعالى بالأذان العام إلى الناس في يوم عيد النحر من الموسم العام ببراءة الله ورسوله من المشركين، ودعوتهم إلى التوبة من الشرك وعداوة الإسلام، وإنذارهم سوء عاقبة الإعراض، واستثنى من المعاهدين الذين نبذت إليهم عهودهم من وفوا بعهدهم ولم ينقصوا منه شيئا ولم يظاهروا على المؤمنين أحدا من أعدائهم، فأمر بإتمام عهدهم إلى مدتهم، ثم أمر بما يترتب على النبذ والتوقيت فيه وعود حالة الحرب معهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم التي وقتت بها العهود وهو مناجزة المشركين بكل نوع من أنواع القتال المعروفة في ذلك العصر من قتل وأسر وحصر وقطع طرق المواصلات، واستثنى منهم من يستجير الرسول صلى الله عليه وسلم وأمره بإجارته حتى يسمع كلام الله.
ومن المعلوم من قواعد الإسلام العملية تعظيم شأن العهود على اختلاف أنواعها، وعد الوفاء بها من أصول البر ومقتضى الإيمان، كما قال تعالى في آية البر وأهله من سورة البقرة بعد ذكر الإيمان والصلاة والزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا [ البقرة : ١٧٧ ]، وكما قال في الوصايا الأساسية لهذا الدين من سورة الإسراء وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا [ الإسراء : ٣٤ ] إلى آيات أخرى ذكرنا قارئ تفسيرنا بها في مواضع منه بمناسبة ذكر العهد، والمناسب منها لما هنا ما ورد في سورة الأنفال من وجوب الوفاء بالعهد وتحريم الخيانة كالآية ٥٦ و٥٨، وفي معناها أحاديث كثيرة حسبك منها حديث ( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر )١ متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا.
ولما كان للوفاء بالعهد كل هذا الشأن في الإسلام كان نبذ عهود المشركين مما قد يظن بادي الرأي أنه مخل به، أو مما قد يظن قليل العلم بالقرآن والجمع بين نصوصه بالفهم الصحيح أن هذا النبذ ناسخ لوجوبه كما زعم بعضهم، أو أن ذلك التعظيم للوفاء بالعهد وتأكيده كان مقيدا بحال ضعف المسلمين كما قال آخرون مثل هذا في آيات العفو والصفح عن المشركين ؛ بل لما كان هذا النبذ مما يفتح باب الدس أو الطعن للمنافقين والتأويل للمرجفين في عصر التنزيل -وقد يعظم على بعض المسلمين ويخفى عليهم الجمع بينه وبين تلك الآيات الكثيرة التي هي نصوص في أن الوفاء بالعهد من فضائل الدين الأساسية ـ لما كان كل ما ذكر كما ذكر، بين الله تعالى لنا في هاتين الآيتين وما بعدهما كون هذا النبذ وما يترتب عليه لا ينافي ولا يجافي شيئا من تلك النصوص المحكمة، وإنما هو معاملة للأعداء بمثل ما عاملوا به المؤمنين أو بدونه.
كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة والمعنى كيف يكون للمشركين غير هؤلاء الذين جربتم وفاءهم عهد مشروع عند الله مرعي بالوفاء عند رسوله والحال المعهود منهم المعروف من أخلاقهم وأعمالهم أنهم إن يظهروا عليكم في القوة والغلب لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ؟ فالاستفهام واحد ووجه إنكار العهد ونفيه فيه مقيد بهذه الحال، وإنما أعيدت أداة الاستفهام للفصل المذكور.
يقال : ظهر عليه غلبه وظفر به، وأصله علاه، وأظهره عليه أعلاه عليه وجعله فوقه، ومنه ليظهره على الدين كله [ التوبة : ٣٣ ] وكذا أعلمه به. ورقب الشيء رعاه وحاذره وانتظره، قال في الأساس : ورقبه وراقبه حاذره ؛ لأن الخائف يرقب العقاب ويتوقعه، ومنه : فلان لا يراقب الله في أموره لا ينظر إلى عقابه فيركب رأسه في المعصية. وبات يرقب النجوم ويراقبها كقولك يرعاها ويراعيها اه. والإل القرابة. والذمة والذمام العهد الذي يلزم من ضيعه الذم كما في الأساس، وكان خفر الذمام ونقض العهد عندهم من العار، هذا أشهر الأقوال المأثورة في تفسيرهما هنا، وهو مروي عن ابن عباس من عدة طرق عند ابن جرير وغيره. وروي عن مجاهد أن الإل اسم الله عز وجل، والمعنى أنهم لا يرقبون الله في نقض عهدهم، وقد ورد لفظ إل وإيل من أسماء الله تعالى في العربية وشقيقتيها السريانية والعبرانية، وهو اسم إله من آلهة الكلدانيين كما بيناه بالتفصيل في فصل المسائل المتممة للآيات التي وردت في محاجة إبراهيم لقومه في أربابهم وشركهم ( ج٧ تفسير )، وروي عن قتادة تفسير الإل بالحلف والعقد والعهد وهي متقاربة المعنى.
وقد ذكر أبو جعفر بن جرير الروايات في هذه المعاني ثم قال : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء المشركين - الذين أمر نبيه والمؤمنين بقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم، وحصرهم، والقعود لهم على كل مرصد أنهم لو ظهروا على المؤمنين لم يرقبوا فيهم إلا، والإل اسم يشتمل على معان ثلاثة : وهي العهد والعقد والحلف والقرابة وهو أيضا بمعنى الله، فإذا كانت الكلمة تشمل هذه المعاني الثلاثة ولم يكن الله خص من ذلك معنى دون معنى فالصواب أن يعم ذلك كما عم بها جل ثناؤه معانيها الثلاثة فقال : لا يرقبون في مؤمن الله ولا قرابة ولا عهدا ولا ميثاقا. ومن الدلالة على أن يكون بمعنى القرابة قول ابن مقبل :
أفسد الناس خلوف خلفوا قطعوا الإل وأعراق الرحم
بمعنى قطعوا القرابة، وقول حسان بن ثابت :
لعمرك إن إلك من قريش كإل السقب من رأل النعامِ١
وأما معناه إذا كان بمعنى العهد فقول القائل :
وجدناهم كاذبا إلهم وذو الإل والعهد لا يكذب
وقد زعم بعض من ينسب إلى معرفة كلام العرب من البصريين أن الإل والعهد والميثاق واليمين واحد، وأن الذمة في هذا الموضع التذمم ممن لا عهد له والجمع ذمم. وكان ابن إسحاق يقول : عنى بهذه الثلاثة أهل العهد العام اه.
وأقول : إن ألفاظ الإل والعهد والميثاق واليمين يختلف مفهومها اللغوي، وقد تتوارد مع هذا على حقيقة واحدة بضروب من التخصيص، فالعهد ما يتفق رجلان أو فريقان من الناس على التزامه بينهما لمصلحتهما المشتركة، فإن أكداه ووثقاه بما يقتضي زيادة العناية بحفظه والوفاء به سمي ميثاقا وهو مشتق من الوثاق بالفتح وهو الحبل والقيد، وإن أكداه باليمين خاصة سمي يمينا، وقد يسمى بذلك لوضع كل من المتعاقدين يمينه في يمين الآخر عند عقده، واليمين في الأصل اليد المقابلة للشمال والخلف. والظاهر أن من استعمل الإل بمعنى العهد أراد به المطلق منه، ومن هذه الألفاظ الحلف بالكسر وهو المحالفة، أصله من مادة الحلف أي اليمين. وقول ابن إسحاق : إن الكلام هنا في أهل العهد العام أراد بهم غير من استثناهم الله تعالى في الآية السابقة والآية الرابعة، والصواب أنه يشمل أهل العهد الذين غدروا، ويشمل من لا عهد لهم من المشركين بالأولى ؛ لأنهم لشدة عداوتهم للمؤمنين لم يريدوا في وقت من الأوقات أن يقيدوا أنفسهم معهم بعهد سلم مطلق ولا موقت، فإن لم يشملهم بالنص شملهم بالحكم.
يرضونكم بأفواههم أي يخادعونكم في حال الضعف بما ينبذون به من الكلام العذب الذي يرون أنه يرضيكم، سواء كان عهدا أو وعدا أو يمينا مؤكدة لهما.
وتأبى قلوبهم المملوءة بالحقد والضغن أن تصدق أفواههم : يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم [ الفتح : ١١ ]، فهم إن ظهروا عليكم نكثوا العهود، وحنثوا بالأيمان، وفتكوا بكم جهد طاقتهم.
وأكثرهم فاسقون أي خارجون من قيود العهود والمواثيق، متجاوزون لحدود الصدق والوفاء، فالفسق على معناه في أصل اللغة وهو الخروج والانفصال، يقولون فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرتها، ويفسر في كل مقام بها يناسبه، وإنما وصف أكثرهم بالفسوق لأنهم الناكثون الناقضون لعهودهم، وأقلهم الموفون، وهم الذين استثناهم الله تعالى، وأمر المؤمنين بالاستقامة لهم ما استقاموا لهم.
١ ـ البيت من الوافر، وهو لحسان بن ثابت في ديوانه ص ١٠٥، ولسان العرب (ألل)، وديوان الأدب ٤/ ١٥٥، وكتاب الجيم ٣/ ٢٢٦، وتاج العروس (ألل)، وبلا نسبة في مقاييس اللغة ١/ ٢١، وكتاب العين ٨/ ٣٦١، والمخصص ٣/ ١٥١..
اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون( ٩ ) لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون( ١٠ )
هذا بيان مستأنف لمن عساه يستغرب غلبة الفسق والخروج من دائرة الفضائل الفطرية والتقليدية على أكثرهم حتى مراعاة القرابة والوفاء بالعهد الممدوحين عندهم، ويسأل عن سببه، وجوابه : اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا أي إنهم استبدلوا بآيات الله الدالة على وجوب توحيده بالعبادة، وعلى بعثه للناس وجزائهم على أعمالهم وعلى الوحي والرسالة وما فيها من الهداية، ثمنا قليلا من متاع الدنيا، وهو ما هم فيه من أسباب المعيشة، وكثيره عند كبرائهم قليل بالنسبة إلى ما عند غيرهم من أمم الحضارة، وما عند أغنى هؤلاء قليل بالإضافة إلى ما وعد الله تعالى المؤمنين في الدنيا، وأن ما وعدهم به في الآخرة لهو خير وأبقى.
وقيل : إن المراد بآيات الله تعالى العهود والأيمان أو ما دل على وجوب الوفاء بها من كتابه، وروي أن أبا سفيان لما أراد حمل قريش وحلفائها على نقض عهد الحديبية صنع لهم طعاما استمالهم به فأجابوه إليه، فهو المراد بالثمن القليل، وعن ابن عباس أن أهل الطائف أمدوهم بالمال لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأول هو الظاهر، وهو المناسب لما بعده المعطوف عليه بفاء السببية من قوله تعالى : فصدوا عن سبيله الخ، وصد يستعمل لازما فيقال صد فلان عن الشيء صدودا بمعنى أعرض عنه وانصرف فلم يلو عليه، ومتعديا فيقال : صده عنه إذا صرفه ولفته عنه وزهده فيه أو منعه منه بالقوة، ويصح إرادة المعنيين هنا أي فصدوا بسبب هذا الشراء الخسيس، وأعرضوا عن سبيل الله وهو الإسلام وما يقتضيه من الوفاء بالعهود، وصدوا غيرهم وصرفوهم عنه أيضا.
إنهم ساء ما كانوا يعملون أي إنهم ساء عملهم الذي كانوا يعملونه من اشتراء الكفر بالإيمان والضلالة بالهدى، والصدود والصد عن دين الله وما جاء به رسوله من البينات والحق.
لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة أي من أجل هذا الكفر والصدود والصد عن الإيمان لا يرعون في مؤمن يظهرون عليه ويقدرون على الفتك به ربا يحرم الغدر، ولا قرابة تقتضي الود، ولا ذمة توجب الوفاء اتقاء للذم، لأن ذنب المؤمن في هذا عندهم كونه مؤمنا، وقد علموا أنه لا ينقض عهدا، ولا يستحل غدرا، ولا يقطع رحما، وهذا أعم من قوله : إنهم إن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة لأنه غير مشروط بالظهور والغلب، ولأنه يشمل كل مؤمن من المخاطبين وغيرهم من حيث إنه مؤمن، وذاك خاص بالمخاطبين الذين كان بينهم وبين المشركين ما كان من الحروب والدماء، وربما كان فيهم بقية من المنافقين.
وأولئك هم المعتدون لحدود العهود من دونكم والبادئون لكم بالقتال كما فعلوا فيما مضى، وكذلك يفعلون فيما يأتي، والعلة في اعتدائهم وتجاوزهم هو رسوخهم في الشرك، وكراهتهم للإيمان وأهله لا لكم وحدكم، فلا علاج لهم إذا إلا الرجوع عن كفرهم والاعتصام معكم بعروة التوحيد والإيمان، وما تقتضيه من الأعمال الصالحة وفضائل الأخلاق.
فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون( ١١ ) وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون( ١٢ )
هذا بيان لما سيكون من أمر هؤلاء المشركين بعد تلك العداوة للإسلام وأهله، وهو لا يعدو أمرين فصلهما تعالى وبين حكم كل منهما في هاتين الآيتين.
فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون( ١١ ) وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون( ١٢ )
هذا بيان لما سيكون من أمر هؤلاء المشركين بعد تلك العداوة للإسلام وأهله، وهو لا يعدو أمرين فصلهما تعالى وبين حكم كل منهما في هاتين الآيتين.
وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم هذا بيان للأمر الثاني من أحوال المشركين. نكث الغزل أو الحبل ضد إبرامه، وهو نقض فتله وحل الخيوط التي تألف منها وإرجاعها إلى أصلها، ومنه ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا [ النحل : ٩٢ ] والأيمان العهود، يضع كل من العاقدين للعهد يمينه في يمين الآخر، أو ما يوثق منها بالقسم كما تقدم. ونكث الأيمان هنا يقابل فيما قبله استقامتهم عليها، والطعن في ديننا في الجملة التالية يقابل فيما قبله توبتهم من الكفر به بدخولهم في جماعته، والمعنى : وإن نكث هؤلاء المشركون ما أبرمته أيمانهم أو ما أقسموا عليه أيمانهم من الوفاء بعد عهدهم الذي عقدوه معكم.
وطعنوا في دينكم أي عابوه وثلبوه بالاستهزاء به وصد الناس عنه وهو الذي عابه عليهم في الآيات المقابلة لهذه، ومنه الطعن في القرآن وفي النبي صلى الله عليه وسلم كما كان يفعل شعراؤهم الذين أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دماءهم، فهذا العطف بيان للواقع وإيذان بأن الطعن في الإسلام ضرب من ضروب نكث الأيمان، ونقض السلم والولاء، كالقتال ومظاهرة الأعداء، فهو من عطف الخاص على العام، وليس المراد به تقييد حل قتالهم بالجمع بين الأمرين، بل هو كقوله : ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا [ التوبة : ٤ ].
فقاتلوا أئمة الكفر أي قادة أهله وحملة لوائه، فوضع الاسم الظاهر المبين لشر صفاتهم موضع ضميرهم، وقيل : إن المراد بأئمة الكفر رؤساء المشركين وصناديدهم الذين كانوا يغرونهم بعداوة النبي صلى الله عليه وسلم ويقوونهم لقتاله، وذكر بعض من قال هذا منهم أبا سفيان وأبا جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف ممن كان قتل في بدر أو بعدها، وذلك من الغفلة بمكان لأن السورة نزلت بعد غزوة تبوك وبعد فتح مكة وفي أثنائه أسلم أبو سفيان، وهذه الأحكام إنما تثبت بعد أربعة أشهر من تاريخ تبليغها في يوم النحر من سنة تسع كما تقدم. وحملها بعضهم على الخوارج، وبعضهم على فارس والروم، وبعضهم على المرتدين بجعل الضمائر فيها راجعة إلى الذين تابوا وأقاموا الصلاة الخ، واختاره الزمخشري إذ قال في تفسير فقاتلوا أئمة الكفر : فقاتلوهم، فوضع أئمة الكفر موضع ضميرهم إشعارا بأنهم إذا نكثوا في حال الشرك تمردا وطغيانا وطرحا لعادات الكرام الأوفياء من العرب ثم آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وصاروا إخوانا للمسلمين في الدين، ثم رجعوا فارتدوا عن الإسلام ونكثوا ما بايعوا عليه من الإيمان والوفاء بالعهود، وقعدوا يطعنون في دين الله ويقولون ليس دين محمد بشيء، فهم أئمة الكفر وذوو الرياسة والتقدم فيه، لا يشق كافر غبارهم، وقالوا : إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعنا ظاهرا جاز قتله ؛ لأن العهد معقود معه على أن لا يطعن، فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة اه.
ولا أدري ما الذي حمل هؤلاء المفسرين على إخراج الآية عن ظاهرها حتى إنهم رووا عن علي وحذيفة رضي الله عنهما أنهما قالا : ما قوتل أهل هذه الآية بعد، يعنون أنها نزلت في قوم يأتون بعد، وزعم بعضهم أنهم الدجال وقومه من اليهود، والحق أنها صريحة في مشركي العرب أصحاب العهود مع المؤمنين من بقي منهم، ويدخل في حكمها كل من كانت حاله مع المؤمنين كحالهم. فكل من يجمع بين عداوتهم بنكث عهودهم والطعن في دينهم فيجب عده من أئمة الكفر ولهم حكمهم، ومن لم يرهم أهلا لعقد العهد معه على قاعدة المساواة فهو أعدى وأظلم ممن ينكثون الأيمان، وذلك ما نشاهده من الجامعين بين الاعتداء على شعوبنا وبلادنا وبث الدعاة فيها للطعن في ديننا لصدنا عنه واستبدال دينهم به، أو جعلنا معطلين لا دين لهم.
وقد علل تعالى الأمر بقتالهم بقوله : إنهم لا أيمان لهم أي إن عهودهم كلا عهود، لأنها مخادعة لسانية لم يقصدوا الوفاء بها يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم [ الفتح : ١١ ] فهم ينقضونها في أول وهلة يستطيعون فيها ذلك بالظهور أو المظاهرة عليكم.
وقرأ ابن عامر إيمان بكسر الهمزة على أنها مصدر آمنه إيمانا بمعنى إعطاء الأمان. وقرأ هو وعاصم وحمزة والكسائي وروح عن يعقوب أئمة بتحقيق الهمزتين على الأصل والباقون بتليين الثانية، وأما قلبها ياء فليس قراءة ولا لغة ؛ بل هو لحن لا يجوز كما قالوا.
لعلهم ينتهون أي قاتلوهم راجين بقتالكم إياهم أن ينتهوا عن كفرهم وشركهم وما يحملهم عليه من نكث أيمانهم ونقض عهودهم والضراوة بقتالكم كلما قدروا عليه، وهو يتضمن النهي عن القتال اتباعا لهوى النفس أو إرادة منافع الدنيا من سلب وكسب وانتقام محض بالأولى، وتقدم نظيره في تفسير فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون [ الأنفال : ٥٧ ] وهذا مما امتاز به الإسلام على جميع شرائع الأمم وقوانينها من جعل الحرب ضرورة مقيدة بإرادة منع الباطل، وتقرير الحق والفضائل.
واستدل الحنفية بالآية على أن يمين الكافر لا تنعقد، ولو كان كذلك لما وجب علينا الوفاء لمن وفى بها منهم واستقام على وفائه، والآيات صريحة في الوجوب، وإنما نفاها عن الناكثين، وأعلمنا أنهم كانوا عازمين على النكث من أول وهلة وهو علام الغيوب، ولو لم يكن لهم أيمان على الإطلاق لما كان لهم نكث، وقد أثبتتهما لهم الآية التالية.
ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين( ١٣ ) قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين( ١٤ ) ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم( ١٥ )
لعل الله علم أن في نفس جماعة من المؤمنين كرها لقتال من بقي من المشركين بعد فتح مكة وظهور الإسلام لأمنهم من ظهورهم عليهم ورجائهم في إيمانهم، وعلم أنهم يعتذرون لأنفسهم في سرائرهم بما ليس بحق ولا مصلحة للإسلام، وعلم الله أنه يوجد فيهم من المنافقين ومرضى القلوب من يزين ذلك لهم، والله يريد بهذه الأحكام تطهير جزيرة العرب من الشرك وخرافاته وتمحيص المؤمنين من النفاق ودناءاته ؛ لهذا أعاد الكرة إلى إقامة الأدلة على وجوب قتال الناكثين المعتدين منهم بهذه الآيات الجامعة.
ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين( ١٣ ) قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين( ١٤ ) ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم( ١٥ )
لعل الله علم أن في نفس جماعة من المؤمنين كرها لقتال من بقي من المشركين بعد فتح مكة وظهور الإسلام لأمنهم من ظهورهم عليهم ورجائهم في إيمانهم، وعلم أنهم يعتذرون لأنفسهم في سرائرهم بما ليس بحق ولا مصلحة للإسلام، وعلم الله أنه يوجد فيهم من المنافقين ومرضى القلوب من يزين ذلك لهم، والله يريد بهذه الأحكام تطهير جزيرة العرب من الشرك وخرافاته وتمحيص المؤمنين من النفاق ودناءاته ؛ لهذا أعاد الكرة إلى إقامة الأدلة على وجوب قتال الناكثين المعتدين منهم بهذه الآيات الجامعة.
فقوله : قاتلوهم معناه باشروا قتالهم كما أمرتم، فإنكم إن تقاتلوهم يعذبهم الله يأيديكم بتمكينها من رقابهم قتلا، ومن صدورهم ونحورهم طعنا، يعقبهم في قلوبهم يأسا، لا يدع في أنفسهم بأسا، فالظاهر أنه تعالى أسند التعذيب إلى اسمه ؛ لأنه أمر زائد على أسبابه من الطعن والضرب، وما يفضيان إليه من القتل والجرح، وكل قوم يقاتلون فإنهم يصابون بالطعن والضرب، ويقتل بعضهم ويجرح بعض، ولا يسمون معذبين بذلك وحده فإن الغالب والمغلوب فيه سواء، وإنما يدل هذا الإسناد على أنه تعالى سيحدث في أنفس المشركين في هذا القتال ألما نفسيا لعل أظهر أسبابه اليأس، ولذلك قال : ويخزهم بذل الأسر والقهر والفقر لمن لم يقتل منهم.
وينصركم عليهم أكمل النصر وأتمه، بحيث لا يعود لهم بعد هذه المرة قوة ولا سلطان يعودون به إلى قتالكم، كما كان شأنهم بعد نصركم عليهم في بدر وغيرها.
ويشف صدور قوم مؤمنين كان هؤلاء المشركون قد نالوا منهم ما نالوا في سلطانهم، فكان في صدورهم من موجدة القهر والذل ما لا شفاء له إلا بهذا النصر عليهم، وهؤلاء المؤمنون هم الذين غدر بهم المشركون كخزاعة، والذين كانوا في دار الشرك عاجزين عن الهجرة.
ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين( ١٣ ) قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين( ١٤ ) ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم( ١٥ )
لعل الله علم أن في نفس جماعة من المؤمنين كرها لقتال من بقي من المشركين بعد فتح مكة وظهور الإسلام لأمنهم من ظهورهم عليهم ورجائهم في إيمانهم، وعلم أنهم يعتذرون لأنفسهم في سرائرهم بما ليس بحق ولا مصلحة للإسلام، وعلم الله أنه يوجد فيهم من المنافقين ومرضى القلوب من يزين ذلك لهم، والله يريد بهذه الأحكام تطهير جزيرة العرب من الشرك وخرافاته وتمحيص المؤمنين من النفاق ودناءاته ؛ لهذا أعاد الكرة إلى إقامة الأدلة على وجوب قتال الناكثين المعتدين منهم بهذه الآيات الجامعة.
ويذهب غيظ قلوبهم الذي كان وقر فيها إلى هذا العهد من غدر المشركين، ومن ظلمهم لمن لم يكن له مجير من المسلمين، فشفاء الصدور بعز الإسلام بالنصر العام الشامل لهؤلاء ولغيرهم هو غير ذهاب ما في قلوبهم من الغيظ والحقد على من غدرهم وظلمهم.
ولما كان من أسباب كراهة المؤمنين لقتالهم حرصهم بعد ظهور الإسلام بفتح مكة على إيمانهم بالإقناع كما تقدم قريبا أخبرهم الله تعالى بأن هذا التعذيب والخزي الذي سينزله بهم لا يعمهم، وإنما هو خاص بمن استحوذ عليهم الكفر وأحاط بهم حتى لم يبق فيهم استعداد للإيمان، وأن غيرهم سيتوب من شركه ويقبل، فقال : ويتوب الله على من يشاء منهم، فيوفقه للإيمان ويقبله منه.
والله عليم حكيم يعلم ما لا تعلمون من استعدادهم في حالهم ومستقبل أمرهم، ويشرع لكم من الأحكام فيهم ما تقتضيه حكمته في إقامة دينه وإظهاره على الدين كله، فمشيئته في التائبين والمصرين تجري بمقتضى علمه المحيط بشؤون خلقه وحكمته البالغة في السنن التي وضعها لسير الاجتماع البشري وفي الأحكام التي شرعها لهداية الناس.
ومن سنته تفاوت البشر في العقائد والأخلاق والأعمال، وقابلية التحول من حال إلى حال، كدرجات تأثير الشرك في أنفس الأفراد من قوة يترتب عليها الإصرار إلى الممات، وضعف قابل للزوال في بعض الأوقات، بما يطرأ على أصحابها من الأسباب والمؤثرات، وليست مشيئته تعالى في التوبة على من يتوب عليه منهم إكراها على الإيمان كما تزعمه الجبرية، ولا من الخلق الأُنُف الذي تزعمه القدرية. بل هو بحسب المقادير الإلهية الثابتة بآيات التنزيل ونظام الاجتماع، فلو كان بالجبر والإكراه لما كان لهم فيه اختيار، يستحقون به دخول الجنة والنجاة من النار، ولو كان بالخلق المستأنف لكان من قبيل المحاباة في التفضيل الإلهي المحض لبعضهم على بعض، وذلك ينافي العدل والحكمة. وحاش لله من ذلك، ما كان لله أن يحابي أعدى أعداء رسوله وأبغضهم إليه صلى الله عليه وسلم كوحشي قاتل حمزة أخيه في الرضاع وعمه، وأبي سفيان المحرض الأكبر للعرب على قتاله، وعكرمة بن أبي جهل فرعون هذه الأمة، فيخلق لهم الإيمان ويجبرهم عليه، من حيث يحرم منه أبا طالب عمه وناصره بعصبة النسب وهو أحبهم إليه.
وقد استدلت المجبرة -ومنهم جمهور الأشعرية- بهذه الآية على الجبر ونفي الاختيار فيما هو أظهر مما ذكر، وهو إخباره تعالى بأنه هو الذي يعذب المشركين، فيقتل بعضهم ويجرح آخرين بأيدي المؤمنين، فهذا يدل بزعمهم على أن أيديهم كسيوفهم ورماحهم ليست إلا آلات لا تأثير لها ألبتة، وأن الكسب الذي هو مناط التكليف اسم لا مسمى له، ودلالة هذه الجملة عندهم أقوى في المسألة من دلالة قوله تعالى : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى [ الأنفال : ١٧ ]، فإن في هذا إثباتا لإسناد الرمي إلى النبي صلى الله عليه وسلم من جهة مباشرته لأخذ التراب من الأرض، وإلقائه على المشركين، أو في جهتهم مع نفيه عنه ثم إسناده إلى الله تعالى من جهة أثر، ه وهو وصول التراب إلى وجوههم، وأما ههنا فقد أسند التعذيب إلى الله وحده وأنه يفعله بأيدي المؤمنين. وقد بينا آنفا أن لهذا التعذيب معنى وراء القتل والجرح الذي هو كسب المؤمنين وعملهم هو فعل الله وحده، على أن الحق فوق المذهبين وإن أريد بالتعذيب القتل والجرح، كما تعلم من قول كبيري نظارهم، وما نقفي به عليه تأييده للمأثور عن السلف :
أجاب الجبائي إمام المعتزلة عن الآية محتجا على المجبرة بأنه لو جاز أن يقال : إنه تعالى يعذب الكافرين بأيدي المؤمنين، لجاز أن يقال : إنه يعذب المؤمنين بأيدي الكافرين، ولجاز أن يقال : إنه يكذب أنبياءه على ألسنة الكفار، ويلعن المؤمنين على ألسنتهم، لأنه تعالى خالق لذلك، فلما لم يجز ذلك عند المجبرة علم أنه تعالى لم يخلق أعمال العباد، وإنما نسب ما ذكر إلى نفسه على سبيل التوسع، من حيث إنه حصل بأمره وألطافه، كما يضيف جميع الطاعات إليه بهذا التفسير اه.
حكى عنه هذا الجواب الرازي مدره١ الأشاعرة في تفسير للآية، وقال : إن أصحابه يجيبون عنه بما خلاصته أنهم يلتزمون كل ما ألزمهم إياه اعتقادا، وإن كانوا لا ينطقون به أدبا مع الله تعالى، والرازي جبري قح، ولا يلتزم كل الأشاعرة ما يلتزمه ويسنده إليهم، فهذا البيضاوي من فحولهم يفسر تعذيب المشركين بأيدي المؤمنين بتمكينهم منهم، وقد سبق لنا في مواضع من هذا التفسير تفنيد المذهبين، وبيان أن خلقه تعالى لكل شيء لا ينافي خلقه الإرادة والاختيار للعباد فيما أقدرهم عليه من الأفعال. وإنما أعدناه هنا لأن شبهة المجبرة في جملة يعذبهم الله بأيديكم أقوى منها في كل ما سبق من الآيات التي يستدلون بها على الجبر، وسيأتي مثلها في قوله تعالى : أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون [ الواقعة : ٦٣، ٦٤ ]، وفهم القرآن لا يكون صحيحا إلا بالجمع بين الآيات المتقابلة في الموضوع الواحد الذي يختلف التعبير فيه باختلاف الوجوه والاعتبارات التي ضلت الفرق بنظر كل منها إلى إحداها دون الأخرى مطلقا أو جعلها ما وافق مذهبها أصلا يرد غيره إليه بالتأويل قريبا كان أو بعيدا، ومثل الجبرية مع القدرية هنا كمثل المرجئة مع الوعيدية من الخوارج وغيرهم في آيات الوعد والوعيد، فهؤلاء كلهم من الذين جعلوا القرآن عضين [ الحجر : ٩١ ] وضربوا بعضه ببعض.
والذي حققناه في مسألة أفعال العباد مرارا أنه قد ثبت بالحس والوجدان، وبالمئات من آيات القرآن، أن للناس أفعالا يأتونها بإرادتهم وقدرتهم واختيارهم تسند إليهم ويشتق منها صفات لهم، ويستحقون الجزاء عليها في الدنيا والآخرة، وأن الله تعالى الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى هو الذي أعطاهم القدرة والإرادة والاختيار، كما أعطاهم الأعضاء والحواس، وهو الذي سخر لهم ما تتعلق به أعمالهم في معايشهم ومنافعهم، وهو يسند إليهم هذه الأعمال ويصفهم بها في مواضع كثيرة في المقامات التي تقتضي هذا الإسناد أو الوصف، ويسند بعضها إلى ذاته وإلى مشيئته ويصف نفسه بما يليق به وصفه منها في المقامات التي تقتضي ذلك، فكما قال : أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون [ الواقعة : ٦٤ ] قال : يعجب الزراع [ الفتح : ٢٩ ] ولكل مقام مقال. ووصف الزارع لم يرد في أسماء الله الحسنى، ولا في صفاته مستقلا، كما أنه لا يوصف تعالى بأمثاله من صفات أفعال العباد، ولا تسند إليه كالأكل والشرب والقيام والقعود، وأخص أفعال الضعف والنقص كالنوم والتعب والألم، وإنما يسند إليه تعالى بعض أعمالهم التي لا نقص فيها بأسلوب إقامة الحجة وتقرير بعض المسائل، كقوله في الاستدلال بخلقهم على قدرته على بعثهم أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ؟ [ الواقعة : ٥٨. ٥٩ ] الخ الآيات، فاستدل أولا بخلقه للمني الذي يولدون منه، فأسند إليهم فعل إخراجه بالجماع، وإلى ذاته خلق مادته، ثم استدل بالنبات فأسند إليهم حرثه، وأسند إليه زرعه أي إنباته وجعله حبا وثمرا يؤكل، فيتولد ذلك المني منه بدون فعل لهم فيه، ثم بالماء، فأسند إليهم شربه وأسند إليه إنزاله، ثم بالنار التي يعالجون بها طعامهم المؤلف غالبا من النبات والماء، فأسند إليهم إيراءها وإيقادها بحك الزندين من شجرتها، وأسند إليه إنشاء الشجرة.
فعلم من السياق كله أن المراد بالزرع في قوله : أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ؟ الإنبات لما يزرع حتى يصير حبا وثمرا يؤكل، ولم يفهم أحد من العرب الذين نزلت هذه الآيات لتقرب من عقولهم ما كانوا يستبعدونه من البعث بعد الموت أن الله تعالى ينفي عنهم فعل زرع الحبوب في الأرض التي يحرثونها ويثبتها لذاته وحده، أو يريد أنه هو الذي يحرك أيديهم بفعل الزرع بدون إرادة لهم ولا اختيار فيه كما يحرك الدم في أجسادهم، ويحرك أعضاء الجهاز الهضمي من المعدة والأمعاء في هضم طعامهم، وإنما كانوا يفهمون منه أنه هو الذي جعل الأرض منبتة لما يبذرونه فيها، بل هو الذي خلق الأرض والحب والماء والهواء، وسخر هذه الأسباب لهم، ولولا ذلك كله لما أمكنهم أن يزرعوا، ولولا أنه يزيل موانع الإنبات والآفات التي تفسد الزرع لما أمكن أي يستفيدوا منه بعد زرعه ونباته، ولذلك قال : لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون إنا لمغرمون بل نحن محرومون [ الواقعة : ٦٥، ٦٧ ] ويستحيل أن يكون فعلهم في الحرث والزرع مما يجعل حطاما، فإنه عرض زال، وإنما المراد الحاصل منه الذي يؤكل.
وقد روي عن مجاهد تفسير تزرعونه بقوله : تنبتونه، وبه أخذ البغوي وابن كثير، وهو تفسير له بما لولاه لم يكن له فائدة. وقال ابن جرير في تفسيره : أأنتم تصيرونه زرعا أم نحن نجعله كذلك ؟ اه. فأنت ترى أن أهل التفسير المأثور ورواته لم يقولوا إن في الآية كلمة تدل على الجبر، وكذلك فحول المفسرين بالمعقول، وحاصل كلامهم أن الزرع أطلق على غايته وهو إخراج نبته وسلامته من الهلاك، لا على بدئه الذي هو شق الأرض وإلقاء البزر فيها.
ويقال مثله في قوله تعالى : قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم وهو أن المراد بالتعذيب غاية القتال وفائدته وهو فعل الله وحده، لا مبدؤه وهو كسب المؤمنين من قتل وجرح، فهو كقوله تعالى في النصر يوم بدر فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم [ الأنفال : ١٧ ]، وقد تقدم أنه لا دليل فيه على بدعة الجبر التي لم تكن تخطر في بال أحد من الصحابة رضي الله عنهم ( راجع ج ٩ تفسير )، على أن معنى التعذيب إيجاد العذاب الذي هو الشعور بالألم، وهو من فعل الله لا من كسب البشر، فهذه الآية أبعد من آية الأنفال عن الجبر وأهله، وللعذاب هنا معنى آخر غير الشعور بالألم خطر لنا الآن، وهو أن ما يصيب الجماعات والأمم من الآلام والشدائد يكون لبعضها تربية وتمحيصا تهذب به أفرادها، ويرتقى بها مجموعها، وهو جدير بأن يسمى رحمة لا عذابا، ويكون لبعض آخر نقمة وقصاصا عادلا يمحى به باطل الجماعة ويمحق به طغاتها الفاسدون والمفسدون، وهو الجدير باسم العذاب، الذي وعد الله هنا بجعله عاقبة القتال لمن يقتل فقط، دون من يتوب ويؤمن، والحمد لله أنه كان الأكثر. وهو لا يتعارض مع وصف أكثرهم بالفسق في هذا السياق نفسه، فإنما كان ذلك حال أكثرهم عند نزول الآيات، وهذا ما انتهى إليه أمرهم بعد تربية مجموعهم بالقتال.
واستشكل بعض المفسرين تعذيب الله إياهم مع قوله تعالى من سورة الأنفال وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم [ الأنفال : ٣٣ ]، وأجاب عنه بأن المراد بالعذاب المنفي هنالك عذاب الاستئصال، ونقول : إنه لا محل للاستشكال ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن في هؤلاء الذي وعد تعالى هنا بتعذيبهم كما كان في مكة بين مشركيها حين قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم [ الأنفال : ٣٢ ]، يعنون عذابا كعذاب أقوام الرسل الذين كذبوهم جحودا وعنادا وخوفهم الله تعالى بمثله في كتابه، وهو العذاب الذي نفى الله وقوعه كما قال المستشكل هنا حيث لا مجال للاستشكال. فإن التعذيب هنالك نقمة محضة، وما كان ليقع على قوم نبي الرحمة، وأما هنا فإنه انتقام من بعضهم بما هو رحمة لمجموعهم، فهو كقطع العضو المجذوم من الجسد لأجل سلامة جملته، كما قال في حكمة ما لقوا من
١ ـ مدْرَه، كمنبر: السيد الشريف، والمقدم في اللسان واليد عند الخصومة والقتال، وهو ذو تَُدرَههم، بالضم: أي الدافع عنهم..
أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون( ١٦ )
هذه الآية خاتمة هذا السياق في الحث على جهاد المشركين لتطهير جزيرة العرب من الشرك وطغيانه وخرافاته، وإصرار الراسخين فيه على عداوة الإسلام والمسلمين، وقد كان الكلام في الآيات التي قبلها في بيان حال المشركين في مواصلة ما بدؤوا به من قتال المؤمنين لأجل دينهم، وقتال هؤلاء لهم إلى حد الفصل التام بين الفريقين على الوجه الذي قامت به الحجج الناصعة على كون المؤمنين على الحق في هذا القتال التي لو عرضت على المنصفين من أهل كل ملة لحكموا للمؤمنين عليهم، وقد بسطت في الآيات السابقة بالتفصيل المسهب الذي ليس وراءه غاية، وإنني لا أذكر أنه يوجد في الكتاب العزيز سياق فيه من الإسهاب والتأكيد والتكرار مثل ما في هذا السياق، ولم أر فيما اطلعت عليه من التفاسير من سبق إلى ما وفقني تعالى له من بيان نكتته، والإفصاح بحكمته، والتكرار الذي يقتضيه المقام أعظم أركان البلاغة ؛ لأنه أعظم أسباب إقناع العقل والتأثير في الوجدان. وأما الكلام في هذه الآية فهو في بيان حال جماعة المسلمين وشأنهم في الجهاد الحق الذي يتوقف عليه تمحيصهم من ضعف الإيمان، والهوادة في حقوق الإسلام.
ويقول الجمهور إن«أم » في مثل هذه الجملة هي المنقطعة التي تفيد معنى الإضراب والاستفهام، والمراد بالإضراب هنا تحويل سياق الكلام عن بيان ما يوجب على المؤمنين قتال الكافرين من بدئهم بالقتال لمحض عداوة الإيمان وأهله، ومن نكثهم للأيمان والعهود بعد إبرامها وتوثيقها وغير ذلك مما تقدم، والانتقال منه إلى ما يتعلق بحال المؤمنين أنفسهم، وما لهم من الفائدة العظيمة في الجهاد الحق للمشركين. وتقدم في تفسير آية أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء [ البقرة : ١٤ ] من سورة البقرة أن شيخنا رحمه الله تعالى قال : إن «أم » فيها لمحض الاستفهام، مراعى فيها معادلته لاستفهام آخر يؤخذ من سياق الكلام، وليس فيها من معنى الإضراب شيء، ثم فصل القول في المسألة في تفسير آية آل عمران أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين [ آل عمران : ١٤٢ ] ورأينا أبا جعفر ابن جرير قد جرى في تفسيره على أن الاستفهام في هذه الآيات في مقابلة استفهام آخر.
ونفي العلم الإلهي في هذه الآيات يراد به نفي المعلوم الذي هو متعلقه بالطريقة البرهانية كما تقدم تحقيقه في تفسير آية آل عمران. والوليجة ما يلج في الأمر أو القوم مما ليس منه أو منهم كالدخيلة، وهو يطلق على الواحد والكثير وقد يجمع على ولائج ويشمل السريرة الفاسدة والنية الخبيثة، وبطانة السوء من المنافقين والمشركين، وهو المراد هنا ؛ لأنه هو الذي يتخذ.
والخطاب لمجموع المسلمين الذين كانوا لا يخلون من بقية من المنافقين ومرضى القلوب الذين يثبطون عن القتال. والمعنى على هذا : هل جاهدتم المشركين حق الجهاد وأمنتم عودتهم إلى قتالكم كما بدؤوكم أول مرة، وأمنتم نكث من عاهدتم منهم لأيمانهم كما نكثوا من قبل ؟ وهل علمتم أنهم تركوا الطعن في دينكم وصد الناس عنه كما هو دأبهم منذ ظهر الإسلام ؟ وهل نسيتم ما اعتذر به المنافقون الذين تخلفوا عن الخروج مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تبوك من الأعذار الملفقة الباطلة، وما كان من خبث الذين خرجوا معكم إليها، وتثبيطهم إياكم عن القتال، وغير ذلك مما فضحتهم به هذه السورة ؟
أم حسبتم أن تتركوا وشأنكم بغير امتحان ولا افتتان.
ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم أي والحال أنه لم يظهر فيكم إلى الآن ما يمتاز به أولئك الذين جاهدوا منكم في الله حق جهاده من المنافقين ومرضى القلوب.
ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة أي ولم يتخذوا لأنفسهم دخيلة وبطانة من المشركين الذين يحادون الله تعالى بالشرك به، ويحادون رسوله بالصد عن دعوته، ويقاتلون المؤمنين أنصار الله ورسوله، يطلعون أولئك الولائج على أسرار الملة، ويقفونهم على سياسة الأمة، كما فعل ويفعل المنافقون ومرضى القلوب فيكم. فهو بمعنى قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر [ آل عمران : ١١٨ ] عبر عن عدم ظهور هؤلاء المجاهدين الصادقين وتميزهم من المنافقين وضعفاء الإيمان بعدم علمه بهم ؛ لأن عدم علمه تعالى بالشيء برهان على عدم ثبوته أو وجوده، ولا يوجد هؤلاء ممتازين ظاهرين إلا بما مضت به السنة في الاجتماع من الابتلاء بالشدائد، كما قال في أول سورة العنكبوت الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين [ العنكبوت : ١-٣ ].
وقد ثبت في الصحيح أن حاطب بن أبي بلتعة -وهو من أهل بدر- قد تودد إلى مشركي مكة، وكتب إليهم كتابا يخبرهم به بما عزم عليه النبي صلى الله عليه وسلم من قتالهم بعد نقضهم لعهده الذي كان في الحديبية، ليكافئوه على ذلك بعدم الاعتداء على ما كان له لديهم في مكة من أهل ومال، فما القول في المنافقين، ومن دون مثل حاطب من ضعفاء المؤمنين ؟ إن ما فشا بين المسلمين في ذلك العهد من كراهة قتال المشركين لم يكن كل سببه ما تقدم من كراهة بعض المؤمنين للقتال بنية صحيحة، بل كان من أسبابه دسائس يلقيها المشركون إلى أصدقاء لهم أو أولي قربى من المنافقين وضعفاء الإيمان، حتى قال بعض المفسرين : إن هذه الآية خطاب لهم من دون المؤمنين الصادقين، والصواب أن الخطاب لجماعة المسلمين كما تقدم، ذكر به الغافل، وأنذر به المنافق، فبين لهم أن منهم من يتخذ وليجة من أعدائهم، وأنه لا بد من التمييز بين الخبيث والطيب منهم، بما دل عليه النفي ب( لما ) الدال على توقع المنفي لقرب وقوعه، وأكد هذا الإخبار والإنذار بقوله :
والله خبير بما تعملون أي عالم بخفايا ما تعملون الآن وبعد الآن، محيط بدقائقه، وقد مضت سنته بأن يكون التكليف الذي يشق على الأنفس هو الذي يمحص ما في القلوب، ويطهر السرائر، ويزكي الأنفس بقدر استعداد معدنها، وأنه هو الذي يبرز السرائر الخبيثة ويظهر سوء معدنها، والواو في الجملة حالية، أي أحسبتم وظننتم أن تتركوا قبل أن يتم هذا التمحيص والتمييز بين الذين صدقوا في جهادهم والكاذبين من فاسدي السريرة، ومتخذي الوليجة، وهو إلى الآن لم يعلم هؤلاء المجاهدين منكم ؛ لأنهم لم يتميزوا من غيرهم بالفعل، وإن ما لا يعلمه الله هو الذي لا وجود له، لأنه لا يخفى عليه شيء من أمركم، وكيف ذلك والله خبير بما تعملون.
فهذه الآية بمعنى آيات أول سورة العنكبوت وآيتي البقرة وآل عمران اللتين أشرنا إليهما وإلى ما تقدم من تفسيرهما، فليرجع إليه من شاء الوقوف على ما فيهما من العلم والعبرة، والموازنة بين مسلمي عصرنا ومسلمي العصر الأول. وقد ثبت بالاختبار أن للحروب على ما يكون فيها من العدوان والشرور فوائد عظيمة في ترقية الأمم ورفع شأنها بقدر استعدادها، وناهيك بالحرب إذا التزم فيها ما قرره الإسلام من إحقاق الحق وإبطال الباطل، ومراعاة قواعد العدل والفضيلة، كاحترام العهود، وتحريم الخيانة، وتقدير الضرورة فيها بقدرها، ووضع كل من الشدة والرحمة في موضعها، كما تقدم بيانه في تفسير آيات هذه السورة وآيات سورة الأنفال قبلها، وكذا آيات القتال من سورتي البقرة وآل عمران، وكذلك كان المسلمون الأولون في جميع حروبهم على تفاوت بين سلفهم وخلفهم، وقد شهد لهم بذلك علماء التاريخ والاجتماع من الإفرنج المنصفين على قلتهم حتى قال حكيم كبير١ منهم : ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب.
١ ـ هو الدكتور غوستاف لوبون حكيم الأمة الفرنسوية وصاحب كتاب حضارة العرب (المؤلف)..
ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون( ١٧ ) إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين( ١٨ )
للتناسب والاتصال بين هاتين الآيتين ( وما بعدهما إلى الآية ٢٢ ) وما قبلهما وجه وجيه واضح، وإن غفل عنه الرازي وأبو السعود وأمثالهما ممن يعنون بالغوص على التناسب بين الآيات، وهاك بيانه :
قال الله تعالى : إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين [ آل عمران : ٩٦ ] وقال : وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود [ البقرة : ١٢٥ ]، وقص علينا تعالى في سورة البقرة خبر بناء إبراهيم وإسماعيل لهذا البيت وما كانا يدعوان به عند رفع قواعده من جعلهما مسلمين ومن ذريتهما أمة مسلمة له، وبعث رسول منهم يتلو عليهم آياتهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، وقد استجاب الله تعالى دعاءهما كله فكان من ذريتهما أمة مسلمة موحدة له تعالى تقيم دينه في بيته وفي غيره كما أمر، ثم طال عليهم الأمد فطرأت عليهم الوثنية، وترك جماهيرهم ملة إبراهيم الحنيفية، حتى بعث فيهم منهم محمدا رسول الله وخاتم النبيين، تكملة لدعوة جده إبراهيم، فقاوم المشركون دعوته، وصدوه ومن آمن به عن المسجد الحرام وأخرجوهم من ديارهم بجواره، ثم ما زالوا يقاتلونهم في دار هجرتهم إلى أن صدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، ومكنهم من فتح مكة، وأدال للتوحيد من الشرك، وللحق من الباطل.
فلما زالت ولاية المشركين عن المسجد الحرام، وطهره الرسول صلى الله عليه وسلم مما كان فيه من الأصنام، بقي أن يطهره من العبادة الباطلة التي كان المشركون يأتونها فيه، وأن يبين لهم الوجه في كون المسلمين أحق به منهم، فلما آذنهم بنبذ عهودهم وأمر عليا كرم الله وجهه أن يتلو أوائل سورة براءة على مسامع وفودهم في يوم الحج الأكبر من سنة تسع للهجرة، كان من مقاصد هذا البلاغ العام أن يعلموا أن عبادتهم الشركية ستمنع من المسجد الحرام بعد ذلك العام بالتبع لزوال ولايتهم العارضة عليه، فكان علي وأعوانه ينادون في يوم النحر بمنى : لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وإنما أمهلهم إلى موسم السنة التالية لفتح مكة لسببين فيما يظهر :
أحدهما : أنه كان فيهم أصحاب عهد مع المسلمين من قبل الفتح، كان من شروطه أن لا يمنع من المسجد الحرام أحد من الفريقين، والوفاء بالعهد من أهم أحكام الإسلام فأمهلهم إلى انقضاء عهودهم بنبذ ما جاز نبذه، وإتمام ما وجب إتمامه، ولم يمكن إعلامهم بذلك إلا في موسم السنة التاسعة كما أمر الله تعالى.
وثانيهما : أنه كان يتعذر منع من لا عهد لهم في موسمي العامين الثامن والتاسع بدون قتال في أرض الحرم ؛ لأنهم كانوا بمقتضى التقاليد يأتون للحج من كل فج وهم، كثيرون ولا يمكن التمييز بين المشرك والمسلم، ولا المعاهد وغير المعاهد، إلا بعد وصولهم إلى البيت، وشروعهم في الطواف فيه، فكيف السبيل إلى منع المشرك منهم بعد ذلك بغير قتال فيه فضلا عن سائر الحرم، والقتال محرم فيه ؟
وقد قال صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : إنها أحلت له ساعة من نهار ولم تحل لأحد قبله، ولن تحل لأحد بعده ؟ فعلم من هذا أن منع عبادة الشرك من المسجد الحرام، وإبطال ما كان المشركون يدعونه ويفخرون به من حق عمارته الحسية، وإيئاسهم من الاشتراك فيها، كان يتوقف على ما ذكر من نبذ عهودهم، ومن العدل الواجب في الإسلام إعلامهم بذلك قبل تنفيذه بزمن طويل يكفي لعلم الجماهير منهم به، وهذا المنع هو ما تضمنته هاتان الآيتان على أكمل وجه، وفسره علي كرم الله وجهه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم من الجهة الخاصة، فحسن أن يوضع هو وما يتلوه بعد آيات ذلك النبذ والأذان، وما تلاه من التهديد بالقتال بعد عود حالته إلى ما كانت عليه قبل العهود، وهو المقصود بالذات بقسميه السلبي والإيجابي. وسيأتي النهي عن تمكينهم من القرب من المسجد الحرام أيضا في الآية ( ٢٨ )
ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون( ١٧ ) إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين( ١٨ )
للتناسب والاتصال بين هاتين الآيتين ( وما بعدهما إلى الآية ٢٢ ) وما قبلهما وجه وجيه واضح، وإن غفل عنه الرازي وأبو السعود وأمثالهما ممن يعنون بالغوص على التناسب بين الآيات، وهاك بيانه :
قال الله تعالى : إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين [ آل عمران : ٩٦ ] وقال : وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود [ البقرة : ١٢٥ ]، وقص علينا تعالى في سورة البقرة خبر بناء إبراهيم وإسماعيل لهذا البيت وما كانا يدعوان به عند رفع قواعده من جعلهما مسلمين ومن ذريتهما أمة مسلمة له، وبعث رسول منهم يتلو عليهم آياتهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، وقد استجاب الله تعالى دعاءهما كله فكان من ذريتهما أمة مسلمة موحدة له تعالى تقيم دينه في بيته وفي غيره كما أمر، ثم طال عليهم الأمد فطرأت عليهم الوثنية، وترك جماهيرهم ملة إبراهيم الحنيفية، حتى بعث فيهم منهم محمدا رسول الله وخاتم النبيين، تكملة لدعوة جده إبراهيم، فقاوم المشركون دعوته، وصدوه ومن آمن به عن المسجد الحرام وأخرجوهم من ديارهم بجواره، ثم ما زالوا يقاتلونهم في دار هجرتهم إلى أن صدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، ومكنهم من فتح مكة، وأدال للتوحيد من الشرك، وللحق من الباطل.
فلما زالت ولاية المشركين عن المسجد الحرام، وطهره الرسول صلى الله عليه وسلم مما كان فيه من الأصنام، بقي أن يطهره من العبادة الباطلة التي كان المشركون يأتونها فيه، وأن يبين لهم الوجه في كون المسلمين أحق به منهم، فلما آذنهم بنبذ عهودهم وأمر عليا كرم الله وجهه أن يتلو أوائل سورة براءة على مسامع وفودهم في يوم الحج الأكبر من سنة تسع للهجرة، كان من مقاصد هذا البلاغ العام أن يعلموا أن عبادتهم الشركية ستمنع من المسجد الحرام بعد ذلك العام بالتبع لزوال ولايتهم العارضة عليه، فكان علي وأعوانه ينادون في يوم النحر بمنى : لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وإنما أمهلهم إلى موسم السنة التالية لفتح مكة لسببين فيما يظهر :
أحدهما : أنه كان فيهم أصحاب عهد مع المسلمين من قبل الفتح، كان من شروطه أن لا يمنع من المسجد الحرام أحد من الفريقين، والوفاء بالعهد من أهم أحكام الإسلام فأمهلهم إلى انقضاء عهودهم بنبذ ما جاز نبذه، وإتمام ما وجب إتمامه، ولم يمكن إعلامهم بذلك إلا في موسم السنة التاسعة كما أمر الله تعالى.
وثانيهما : أنه كان يتعذر منع من لا عهد لهم في موسمي العامين الثامن والتاسع بدون قتال في أرض الحرم ؛ لأنهم كانوا بمقتضى التقاليد يأتون للحج من كل فج وهم، كثيرون ولا يمكن التمييز بين المشرك والمسلم، ولا المعاهد وغير المعاهد، إلا بعد وصولهم إلى البيت، وشروعهم في الطواف فيه، فكيف السبيل إلى منع المشرك منهم بعد ذلك بغير قتال فيه فضلا عن سائر الحرم، والقتال محرم فيه ؟
وقد قال صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : إنها أحلت له ساعة من نهار ولم تحل لأحد قبله، ولن تحل لأحد بعده ؟ فعلم من هذا أن منع عبادة الشرك من المسجد الحرام، وإبطال ما كان المشركون يدعونه ويفخرون به من حق عمارته الحسية، وإيئاسهم من الاشتراك فيها، كان يتوقف على ما ذكر من نبذ عهودهم، ومن العدل الواجب في الإسلام إعلامهم بذلك قبل تنفيذه بزمن طويل يكفي لعلم الجماهير منهم به، وهذا المنع هو ما تضمنته هاتان الآيتان على أكمل وجه، وفسره علي كرم الله وجهه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم من الجهة الخاصة، فحسن أن يوضع هو وما يتلوه بعد آيات ذلك النبذ والأذان، وما تلاه من التهديد بالقتال بعد عود حالته إلى ما كانت عليه قبل العهود، وهو المقصود بالذات بقسميه السلبي والإيجابي. وسيأتي النهي عن تمكينهم من القرب من المسجد الحرام أيضا في الآية ( ٢٨ )
إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله بعد أن بين عدم استحقاق المشركين لعمارة مساجد الله أثبتها للمسلمين الكاملين، وجعلها مقصورة عليهم بالفعل لا بمجرد الشأن والاستحقاق، وهو الذي يقتضيه مقام الإيجاب، وهم الجامعون بين الإيمان بالله على الوجه الحق الذي بينه في كتابه من توحيده وتنزيهه واختصاصه بالعبادة والاستعانة والتوكل، والإيمان باليوم الآخر الذي يحاسب الله فيه العباد ويجزي كل نفس ما كسبت، وبين إقامة الصلاة المفروضة بأركانها وآدابها وتدبر تلاوتها وأذكارها التي تكسب مقيمها مراقبة الله تعالى وحبه والخشوع له والإنابة إليه، وإعطاء زكاة الأموال -من نقد وزرع وتجارة لمستحقيها من الفقراء والمساكين والغارمين وغيرهم ممن يأتي ذكرهم في هذه السورة- وبين خشية الله دون غيره ممن لا ينفع ولا يضر، كالأصنام وسائر ما عبد من دون الله خوفا من ضرره، أو رجاء في نفعه، فالمراد بالخشية الديني منها دون الغريزي، كخشية أسباب الضرر الحقيقية، فإن هذا لا ينافي خشية الله، ولا يقتضي خشية الطاغوت. والدليل عليها طاعة الله تعالى فيما أمر به ونهى عنه، رضي الناس أم سخطوا.
فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين أي فأولئك الجامعون لهذه الخمس من أركان الإيمان والإسلام التي يلزمها سائر أركانها هم الذين يرجون بحق- أو يرجى لهم بحسب سنن الله في أعمال البشر وتأثيرها في إصلاحهم- أن يكونوا من جماعة المهتدين إلى ما يحب الله ويرضى من عمارة مساجده حسا ومعنى، واستحقاق الجزاء عليها بالجنة خالدين فيها، دون غيرهم من المشركين الجامعين لأضدادها - من الإيمان بالطاغوت والشرك بالله والكفر بما جاء به رسوله- الذين دنسوا مسجده الحرام بالأصنام، والاستقسام بالأزلام، وصدوا المسلمين عن الحج والاعتمار والصلاة فيه، ولم تكن صلاة هؤلاء المشركين عنده إلا مكاء وتصدية كعبث الأطفال، وكانوا ينفقون أموالهم للصد عن سبيل الله، ومنع الناس من الإسلام، وتقدم في هذا المعنى من سورة الأنفال، فشرور هؤلاء وضلالهم وطغيانهم التي هي لوازم الشرك تحبط كل عمل حسن عملوه كما تقدم.
كلمة عسى تفيد الرجاء دون القطع، وقال الواحدي وغيره : إنها للتقريب والإطماع، ثم استعملت بمعنى «لعل » أي للرجاء. وقال سيبويه : لعل كلمة ترجية وتطميع، أي للمخاطب بها. فالرجاء هنا ما يكون للمتصفين بما ذكر من الأمور الخمسة من الأمل والطمع بالفعل أو الشأن في الوصول إلى مقام المتقين الكاملين بالثبات عليها، وما يترتب عليه من الثواب كما قررناه، ولا يصح هنا كون الرجاء من الله عز وجل، فإنه هو الذي يُرجى ولا يرجو، وحقيقة الرجاء ظن بحصول أمر وقعت أسبابه واتخذت وسائله من مبتغيه، ولم يبق لحصوله إلا أن تكون وقعت على وجهها المؤدي إلى الغاية، وأن لا تعارضها الموانع التي تكون راجحة على المقتضي، كالزارع يحرث الأرض ويبذر الحب في الوقت المناسب ويتعاهد زرعه بما يحتاج إليه من عذق وسقي وسماد فيكون من المظنون الراجح أن يأتي بثمرة طيبة، ولكن لا يمكن القطع بذلك لما يخشى من وقوع الجوائح المهلكة له مثلا.
وكذلك من يطيع الله تعالى بفعل المستطاع مما أمر به وترك ما نهى عنه، فإنه حقيق بأن يرجو بذلك تزكية نفسه ورفعها إلى مقام المتقين أولياء الله تعالى، وما يترتب على ذلك من مثوبته ورضوانه في دار كرامته، ولكنه لا يمكن أن يجزم بذلك لما يخشى على نفسه من التقصير وشوائب الرياء والسمعة، أو عدم الثبات على الطاعة حتى يموت عليها، وغير ذلك مما يحبط الأعمال أو يمنع من قبولها، والخير للمؤمن أن يكون بين الخوف الذي يصده عن التقصير، والرجاء الذي يبعثه على التشمير، وأن يرجح الخوف في حال الصحة والرجاء في حال المرض، ولا سيما مرض الموت. ومن أراد نعيم الآخرة ولم يسع لها سعيها الذي جعله الله سببا لها فهو من الحمقى أصحاب الأماني، لا من أصحاب الرجاء، فهو كمن أحب أن تنبت له أرضه غلة حسنة كثيرة ولم يزرعها الخ. فسنة الله في الدنيا والآخرة واحدة كما قال أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى.
ومن قال : إن عسى هنا وعد من الله تعالى، قالوا : إنها منه تعالى للإيجاب والقطع، وهو منزه عن التوقع والظن وعن الإطماع في الشيء وإخلافه بعد تقريبه. ورووا هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنه في الآيات الصريحة في وعد الله تعالى وخبره. كقوله تعالى : فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده [ المائدة : ٥٢ ] وقوله : عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة [ الممتحنة : ٧ ]، فكل من هذين وعد قطعي عنده تعالى، فعلى هذا تكون نكتة التعبير عنه بعسى إبهامه، وعدم إعلام المخاطبين بالوقت الذي يقع فيه، ومن أمعن النظر رأى أن هذا قد يرجع إلى ما فسرنا به عسى هنا، وهو أن كلا من الإتيان بالفتح أو أمر آخر يترتب عليه ندم المشركين، ومن وقوع المودة بين المؤمنين ومن عادوهم من المشركين قريب الوقوع، فهو مرجو ومتوقع في نفسه بوقوع أسبابه ومقدماته، فينبغي أن يعدوا له عدته ويحسبوا له حسابا في معاملتهم، وفي معنى هذا ما اختاره شيخنا من أن معنى لعل في كلام الله تعالى الإعداد لمتعلقها، وتقدم تفصيله( راجع ج١ تفسير ).
وقد استشكل بعضهم وصف عمار المساجد بإيتاء الزكاة ؛ لأنه ليس من الأعمال التي تشرع في المساجد، وأجاب عنه الفخر الرازي بقوله : واعلم أن اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في عمارة المسجد كأنه يدل على أن عمارة المسجد الحضور فيه، وذلك لأن الإنسان إذا كان مقيما للصلاة فإنه يحضر في المسجد، فتحصل به عمارة المسجد، وإذا كان مؤتيا للزكاة فإنه يحضر في المسجد طوائف الفقراء والمساكين لطلب أخذ الزكاة فتحصل عمارة المسجد به. وأما إذا حملنا العمارة على مصالح البناء فإيتاء الزكاة معتبر في هذا الباب أيضا ؛ لأن إيتاء الزكاة واجب، وبناء المسجد نافلة، والإنسان ما لم يفرغ عن الواجب لا يشتغل بالنافلة، والظاهر أن الإنسان ما لم يكن مؤديا للزكاة لم يشتغل ببناء المساجد اه بنصه.
والذي نراه أن المراد بهذه الصفات بيان الإسلام الكامل الذي يقوم أهله بعمارة المساجد الحسية والمعنوية بالفعل، كما أنهم هم أصحاب الحق فيها، وهذه أسسه التي دعا إليها جميع رسل الله تعالى وعليها مدار النجاة كما قال تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون [ البقرة : ٦٢ ]، وقد ذكر هنا من العمل الصالح أعظم أركانه التي كان المشركون مجردين منها، واشترط في صحة إسلامهم قبولها كلها أو ما عدا الباطن منها وهو الخشية كما تقدم، وهي الصلاة أعظم العبادات البدنية الروحية الاجتماعية، والزكاة أعظم العبادات المالية الاجتماعية، وخشية الله وحده أعظم ثمرات الإيمان والعبادات النفسية، ولم يذكر الإيمان بالرسل لأن رسالتهم وسيلة إلى هذه المقاصد ولا تحصل على الوجه الصحيح بدونها فهي تستلزمها، وإقامة الصلاة تتوقف عليها لأن الشهادتين من فرائضها، ومن كلمات الأذان لها.
وقول الرازي : إن مانع الزكاة لا يبني المساجد حق، كقول بعض الناس : إن الذي يزكي لا يسرق، وإنما يصح هذا وذاك فيمن يعمل عمله خالصا لوجه الله، ولكن من الناس من يبني مسجدا بالمال الحرام وهو لا يصلي، وإنما يبنيه رياء وسمعة، أو ليجعل فيه أو في قبة بجانبه قبرا له يذكر به اسمه من بعده، ومنهم من يتصدق على الفقراء ويساعد الجمعيات الخيرية والعلمية بالمال الحرام ويأكل الحرام، ولا يؤدي جميع ما يجب عليه من الزكاة، لأنه مراء يبتغي بإنفاقه السمعة والصيت الحسن، لا مثوبة الله ومرضاته.
وقد ورد في عمارة المساجد الحسية والمعنوية أحاديث كثيرة منها في المعنى الأول ما رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه من حديث عثمان رضي الله عنه أنه لما بني مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولامه الناس قال : إنكم أكثرتم، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( من بني لله مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة )١، وهو يدل على أن توسيع المسجد كابتدائه.
وروى أحمد عن ابن عباس مرفوعا ( من بنى لله مسجدا - ولو كمفحص قطاة لبيضها- بنى الله له بيتا في الجنة )٢، وسنده صحيح، وروي مثله بدون وصف للمسجد، وروي بلفظ ( بنى الله له بيتا أوسع منه )، وبألفاظ أخرى.
وروى أحمد والترمذي –وصححه- من حديث سمرة بن جندب قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتخذ المساجد في ديارنا، وأمرنا أن ننظفها٣، وفي معناه من حديث عائشة ( وأن تطيب ).
وفي الصحيحين وسنن أبي داود وابن ماجه أن امرأة كانت تقمُّ المسجد- أي تكنسه- فماتت فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عنها، فقيل له : ماتت. فقال :( أفلا كنتم آذنتموني بها ؟ ) أي أعلمتموني بموتها لأصلي عليها ( دلوني على قبرها )، فأتى قبرها فصلى عليها٤.
وفي الصحيحين وبعض السنن أيضا أن البزاق في المسجد خطيئة٥، وأنه صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في المسجد فحكها ورؤي الغضب في وجهه، ونهى عن ذلك٦. فإزالة القذر من المساجد وتطهيره واجب، وإتباع أثر القذر بالطيب مستحب.
ومنها في المعنى الثاني ما رواه الشيخان وأصحاب السنن -إلا النسائي- من حديث أبي هريرة مرفوعا :« صلاة الجميع وفي رواية الجماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمسا وعشرين درجة، فإن أحدكم إذا توضأ وأحسن الوضوء وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه خطيئة، حتى يدخل المسجد، وإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت تحبسه، وتصلي عليه الملائكة ما دام في مجلسه الذي يصلي فيه : اللهم اغفر له، اللهم ارحمه ما لم يؤذ بحدث »٧، أي بحدث له رائحة كريهة. ومنه رائحة الثوم والبصل ونحوهما كالدخان المعروف في هذا الزمان، فقد روى أحمد والشيخان من حديث جابر مرفوعا ( من أكل الثوم والبصل والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم )٨، واستدل العلماء به على منع من أكل الثوم ونحوه من دخول المسجد، وإن لم يكن فيه أحد، إلا أن يزيل الرائحة قبل ذلك، والظاهرية يحرمون أكل ما ذكر ؛ لأنه يمنع من صلاة الجماعة وهي عندهم فرض عين كالحنابلة، والصواب أن فرضيتها لا تقتضي تحريم ما ذكر مطلقا ؛ لأنه يمكن أكلها في الأوقات التي لا جماعة فيها كأول النهار وبعد العشاء، إذ تزول الرائحة في الغالب قبل الظهر في الحالة الأولى وقبل الفجر في الثانية، ويمكن إزالتها قبل ذلك بتنظيف الفم بالسواك ونحوه، وأكل بعض الأشياء المعطرة كأقراص النعنع المعروفة في هذا الزمن وغيرها من الحبوب العطرية التي تمتص لتطييب الفم.
وجماهير أئمة السلف والخلف على إباحة أكل الثوم والبصل. ومن أدلتهم ما رواه الشيخان وأبو داود والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بقدر فيها خضرات من بقول فوجد لها ريحا، فسأل فأخبر بما فيها من البقول فقال :( قربوها )، [ وأشار ] إلى بعض أصحابه كان معه، فلما رآه كره أكلها قال :( كل، فإني أناجي من لا تناجي )٩، وفي بعض الروايات عند مسلم وغيره أن
١ ـ روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في الصلاة باب ٦٥، ومسلم في المساجد حديث ٢٤، ٢٥، والمسافرين حديث ١٠٣، والزهد حديث ٤٣، ٤٤، وأبو داود في التطوع باب ١، والترمذي في الصلاة باب١٢٠، ١٨٩، ٢٠٤، والنسائي في المساجد باب ١، وقيام الليل باب ٦٦، ٦٧، وابن ماجه في الإقامة باب ١٠٠، ١٨٥، والمساجد باب ١، ٩، والتجارات باب٤٠، والدارمي في الصلاة باب ١١٣، وأحمد في المسند ١/ ٢٠، ٥٣، ٦١، ٧٠، ٢٤١، ٢/ ٢٢١، ٢٩٦، ٣٨٦، ٤١٣، ٤٩٨، ٦/ ٣٢٦، ٣٢٧، ٤٢٦، ٤٢٨، ٤٦١..
٢ ـ أخرجه ابن ماجه في المساجد باب ١، وأحمد في المسند ١/ ٢٤١..
٣ ـ أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١٧..
٤ ـ أخرجه البخاري في الصلاة باب ٧٤، ومسلم في الجنائز حديث ٧١، وابن ماجه في الجنائز باب ٣٢..
٥ ـ أخرجه البخاري في الصلاة باب ٣٧، ومسلم في المساجد حديث ٥٥، ٥٧، وأبو داود في الصلاة باب ٢٢، والترمذي في الجمعة باب ٤٩، والدارمي في الصلاة باب ١١٦، وأحمد في المسند ٣/ ٢٣٢، ٢٧٤، ٢٧٧..
٦ ـ روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في الصلاة باب ٣٤، ٣٥، ٣٦، ٣٩، والأذان باب ٩٤، والعمل في الصلاة باب١٢، والأدب باب ٧٥، ومسلم في المساجد حديث ٥٠ ـ ٥٣، والزهد حديث ٤، وأبو داود في الصلاة باب ٢٢، والنسائي في المساجد باب ٣٢، ٣٥، وابن ماجه في المساجد باب ١٠، والإقامة باب ٦١، والدارمي في الصلاة باب ١١٦، وأحمد في المسند ٢/ ٦، ١٨، ٢٩، ٣٢، ٣٤، ٥٣، ٧٢، ١٤١، ٢٥٠، ٤١٥، ٣/ ٦، ٩، ٢٣٨، ٢٥٢، ٦/ ١٤٨..
٧ ـ أخرجه البخاري في الصلاة باب ٨٧، والأذان باب ٣٦، والبيوع باب ٤٩، وبدء الخلق باب ٧، ومسلم في المساجد حديث ٢٧٢، ٢٧٣، وأبو داود في الصلاة باب ٢٠، وابن ماجه في المساجد باب ١٤، ١٩، ومالك في السفر حديث ٥٢، وأحمد في المسند ٢/ ٢٥٢، ٣١٩، ٤٨٦، ٥٣٢، ٥٣٣..
٨ ـ أخرجه مسلم في المساجد حديث ٧٤، والترمذي في الأطعمة باب ١٣، والنسائي في المساجد باب ١٦..
٩ ـ أخرجه البخاري في الاعتصام باب ٢٤، ومسلم في المساجد حديث ٧٣، وأبو داود في الأطعمة باب ٤٠..
*أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين( ١٩ ) الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون( ٢٠ ) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم( ٢١ ) خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم( ٢٢ )
هذه الآيات تكملة لموضوع الآيتين اللتين قبلها في بيان كون الحق في عمارة المسجد الحرام بنوعيها للمسلمين دون المشركين، وكون إيمانهم وإسلامهم أفضل مما كان يفخر به المشركون من عمارته وسقاية الحاج فيه، وإن قام بهما المسلمون أنفسهم خلافا لما توهم بعضهم في الأعمال التي بعد الإسلام، فقد روى مسلم وأبو داود وابن حبان وبعض رواة التفسير المأثور من حديث النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم : ما أبالي أن لا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر : بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر : بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم. فزجرهم عمر وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وذلك يوم الجمعة ـ ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. [ فدخل بعد الصلاة فاستفتاه ]، فأنزل الله أجعلتم سقاية الحاج ـ إلى قوله ـ لا يهدي القوم الظالمين }١.
وروى الفريابي عن ابن سيرين قال : قدم علي بن أبي طالب مكة فقال للعباس : أي عم ألا تهاجر ؟ ألا تلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أعمر المسجد وأحجب البيت، فأنزل الله أجعلتم سقاية الحاج الآية.
وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : قال العباس حين أسر يوم بدر : إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفك العاني ( أي الأسير ) فأنزل الله أجعلتم سقاية الحاج .
وروى أبو جعفر بن جرير عن كعب القرظي قال : افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار وعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، فقال طلحة : أنا صاحب البيت معي مفتاحه، ولو أشاء بت فيه، وقال العباس : أنا صاحب السقاية والقائم عليها، ولو أشاء بت في المسجد، فقال علي رضي الله عنه : ما أدري ما تقولان، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد. فأنزل الله أجعلتم سقاية الحاج الآية كلها. فهذه الروايات في أسباب النزول وقائع في تفسير الآيات، وإن لم تكن أسبابا.
والمعتمد من هذه الروايات حديث النعمان لصحة سنده وموافقة متنه لما دلت عليه الآيات من كون موضوعها في المفاضلة أو المساواة بين خدمة البيت وحجاجه ـ من أعمال البر البدنية الهينة المستلذة ـ وبين الإيمان والجهاد بالمال والنفس والهجرة، وهي أشق العبادات النفسية البدنية المالية، والآيات تتضمن الرد عليها كلها.
وفي أثر علي أن العباس ذكر حجابة البيت، وهي لم تكن له دون السقاية التي كانت له، وأثر ابن عباس فيه تقدم معناه في تفسير الآيتين السابقتين.
تقدم تفسير عمارة المسجد في اللغة والاصطلاح. والسقاية في اللغة الموضع الذي يسقى فيه الماء وغيره، وكذا الإناء الذي يسقى به ؛ ومنه جعل السقاية في رحل أخيه [ يوسف : ٧٠ ]، سميت سقاية لأنها يسقى بها، وصواعا ؛ لأنها يكال بها كالصاع وهو يؤنث ويذكر. قال في اللسان ( كغيره ) : والسقاية الموضع الذي يتخذ فيه الشراب في المواسم وغيرها، ( ثم قال ) : وفي الحديث ( كل مأثرة من مآثر الجاهلية تحت قدمي إلا سقاية الحاج وسدانة البيت )٢، هي ما كانت قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يليها العباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام اهـ والحديث الذي ذكره ورد في بعض روايات خطبته صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع.
وقال النووي في الأسماء واللغات ما نصه : سقاية العباس رضي الله عنه موضع بالمسجد الحرام زاده الله تعالى شرفا، يستقي فيها الماء ليشربه الناس، وبينها وبين زمزم أربعون ذراعا، حكى الأزرقي في كتابه تاريخ مكة وغيره من العلماء أن السقاية حياض من أدم كانت على عهد قصي بن كلاب توضع بفناء الكعبة، ويستقى فيها الماء العذب من الآبار على الإبل، ويسقاه الحاج، فجعل قصي عند موته أمر السقاية لابنه عبد مناف، ولم تزل مع عبد مناف يقوم بها، فكان يسقي الماء من بئر كرادم وغيره إلى أن مات ومن حصون خيبر اهـ.
أقول وقد بني هذا المكان المسمى بسقاية العباس، ولا يزال ماثلا إلى الآن، وهو حجرة كبيرة في جهة الجنوب من بئر زمزم، وصف مؤرخو مكة مساحتها وبُعدها عن زمزم وعن الكعبة المشرفة.
ويؤخذ من استعمال الكلمة أنها صارت اسم حرفة، وكذا الحجابة وهي سدانة البيت، وهما أفضل مآثر قريش، ولذلك أقرهما الإسلام، ومن المعلوم بالبداهة أن قول العباس : أنا صاحب السقاية، وقول الناس فيه كقوله لا يراد به أنه صاحب الموضع الذي كان يوضع فيه الماء المحلى بالزبيب أو التمر المنبوذ فيه، ولا ذلك الماء، وإنما المراد به أنه هو الذي يتولى إدارة هذا العمل وهو الإتيان بالزبيب أو التمر ونبذه بالماء ووضع أوانيه في المواضع التي يردها الحجاج فيشربون منها، ومن العجب أن يغفل أي لغوي أو مفسر عن هذا المعنى ويقول بعضهم : إنها اسم لمكان السقي، وبعضهم إنها مصدر سقى أو أسقى الخ.
*أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين( ١٩ ) الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون( ٢٠ ) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم( ٢١ ) خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم( ٢٢ )
هذه الآيات تكملة لموضوع الآيتين اللتين قبلها في بيان كون الحق في عمارة المسجد الحرام بنوعيها للمسلمين دون المشركين، وكون إيمانهم وإسلامهم أفضل مما كان يفخر به المشركون من عمارته وسقاية الحاج فيه، وإن قام بهما المسلمون أنفسهم خلافا لما توهم بعضهم في الأعمال التي بعد الإسلام، فقد روى مسلم وأبو داود وابن حبان وبعض رواة التفسير المأثور من حديث النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم : ما أبالي أن لا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر : بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر : بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم. فزجرهم عمر وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وذلك يوم الجمعة ـ ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. [ فدخل بعد الصلاة فاستفتاه ]، فأنزل الله أجعلتم سقاية الحاج ـ إلى قوله ـ لا يهدي القوم الظالمين }١.
وروى الفريابي عن ابن سيرين قال : قدم علي بن أبي طالب مكة فقال للعباس : أي عم ألا تهاجر ؟ ألا تلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أعمر المسجد وأحجب البيت، فأنزل الله أجعلتم سقاية الحاج الآية.
وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : قال العباس حين أسر يوم بدر : إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفك العاني ( أي الأسير ) فأنزل الله أجعلتم سقاية الحاج .
وروى أبو جعفر بن جرير عن كعب القرظي قال : افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار وعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، فقال طلحة : أنا صاحب البيت معي مفتاحه، ولو أشاء بت فيه، وقال العباس : أنا صاحب السقاية والقائم عليها، ولو أشاء بت في المسجد، فقال علي رضي الله عنه : ما أدري ما تقولان، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد. فأنزل الله أجعلتم سقاية الحاج الآية كلها. فهذه الروايات في أسباب النزول وقائع في تفسير الآيات، وإن لم تكن أسبابا.
والمعتمد من هذه الروايات حديث النعمان لصحة سنده وموافقة متنه لما دلت عليه الآيات من كون موضوعها في المفاضلة أو المساواة بين خدمة البيت وحجاجه ـ من أعمال البر البدنية الهينة المستلذة ـ وبين الإيمان والجهاد بالمال والنفس والهجرة، وهي أشق العبادات النفسية البدنية المالية، والآيات تتضمن الرد عليها كلها.
وفي أثر علي أن العباس ذكر حجابة البيت، وهي لم تكن له دون السقاية التي كانت له، وأثر ابن عباس فيه تقدم معناه في تفسير الآيتين السابقتين.
تقدم تفسير عمارة المسجد في اللغة والاصطلاح. والسقاية في اللغة الموضع الذي يسقى فيه الماء وغيره، وكذا الإناء الذي يسقى به ؛ ومنه جعل السقاية في رحل أخيه [ يوسف : ٧٠ ]، سميت سقاية لأنها يسقى بها، وصواعا ؛ لأنها يكال بها كالصاع وهو يؤنث ويذكر. قال في اللسان ( كغيره ) : والسقاية الموضع الذي يتخذ فيه الشراب في المواسم وغيرها، ( ثم قال ) : وفي الحديث ( كل مأثرة من مآثر الجاهلية تحت قدمي إلا سقاية الحاج وسدانة البيت )٢، هي ما كانت قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يليها العباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام اهـ والحديث الذي ذكره ورد في بعض روايات خطبته صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع.
وقال النووي في الأسماء واللغات ما نصه : سقاية العباس رضي الله عنه موضع بالمسجد الحرام زاده الله تعالى شرفا، يستقي فيها الماء ليشربه الناس، وبينها وبين زمزم أربعون ذراعا، حكى الأزرقي في كتابه تاريخ مكة وغيره من العلماء أن السقاية حياض من أدم كانت على عهد قصي بن كلاب توضع بفناء الكعبة، ويستقى فيها الماء العذب من الآبار على الإبل، ويسقاه الحاج، فجعل قصي عند موته أمر السقاية لابنه عبد مناف، ولم تزل مع عبد مناف يقوم بها، فكان يسقي الماء من بئر كرادم وغيره إلى أن مات ومن حصون خيبر اهـ.
أقول وقد بني هذا المكان المسمى بسقاية العباس، ولا يزال ماثلا إلى الآن، وهو حجرة كبيرة في جهة الجنوب من بئر زمزم، وصف مؤرخو مكة مساحتها وبُعدها عن زمزم وعن الكعبة المشرفة.
ويؤخذ من استعمال الكلمة أنها صارت اسم حرفة، وكذا الحجابة وهي سدانة البيت، وهما أفضل مآثر قريش، ولذلك أقرهما الإسلام، ومن المعلوم بالبداهة أن قول العباس : أنا صاحب السقاية، وقول الناس فيه كقوله لا يراد به أنه صاحب الموضع الذي كان يوضع فيه الماء المحلى بالزبيب أو التمر المنبوذ فيه، ولا ذلك الماء، وإنما المراد به أنه هو الذي يتولى إدارة هذا العمل وهو الإتيان بالزبيب أو التمر ونبذه بالماء ووضع أوانيه في المواضع التي يردها الحجاج فيشربون منها، ومن العجب أن يغفل أي لغوي أو مفسر عن هذا المعنى ويقول بعضهم : إنها اسم لمكان السقي، وبعضهم إنها مصدر سقى أو أسقى الخ.
ولما كان نفي استواء الفريقين ونفي اهتداء الظالمين إلى الحكم الصحيح في موضوع المفاضلة بينهما وإن اقتضيا بمعونة السياق تفضيل فريق المؤمنين المجاهدين على فريق السدنة والسقائين لا يعرف منهما كنه هذا الفضل ولا درجة أهله عند الله تعالى، وكان ذلك مما يستشرف له التالي والسامع، بينه تبارك اسمه بيانا مستأنفا يتضمن الرد على المؤمنين الذين تنازعوا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأعمال بعد الإسلام أفضل ؟ فقال : الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله هذه العندية حكمية شرعية ومكانية جزائية، أي أعظم درجة وأعلى مقاما في الفضل والكمال في حكم الله، وأكبر مثوبة في جوار الله، من أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، الذين رأى بعض المسلمين أن عملهم أفضل القربات بعد هداية الإسلام، ومن غيرهم من أهل البر والصلاح، الذين لم ينالوا فضل الهجرة والجهاد بنوعيه المالي والنفسي، يدل على هذا العموم في التفضيل عدم ذكر المفضل عليه.
( فإن قيل ) : إن هذا التفسير يدل على أن ما يفتخر به المشركون على المؤمنين من السقاية والعمارة له درجة عند الله تعالى، ولكن درجة الإيمان مع الهجرة والجهاد أعظم- وقد سبق في الآيتين اللتين قبل هذه الآية خلاف ذلك-( قلنا ) : لا مراء في كون هذين العملين من أعمال البر التي يكون لصاحبها درجة عند الله تعالى إذا فعلا كما يرضى الله، ولذلك أقرهما الإسلام دون غيرهما من وظائف الجاهلية، ولكن الشرك بالله تعالى يحبطهما ويحبط غيرهما من أعمال البر التي كانوا يفعلونها كما تقدم.
وأولئك هم الفائزون أي وأولئك المؤمنون المهاجرون المجاهدون هم الفائزون بمثوبة الله الفضلى، وكرامته العليا المبينة في الآية التالية، دون من لم يكن مستجمعا لهذه الصفات الثلاث، وإن سقى الحاج وعمر المسجد الحرام، فثواب المؤمن على هذين العملين دون ثوابه على الهجرة والجهاد المذكورين، ولا ثواب للكافر عليهما في الآخرة، فإن الكفر بالله ورسله وباليوم الآخر يحبط أمثال هذه الأعمال البدنية، وإن فرض فيها حسن النية، وقلما يفعلها الكافر إلا لأجل الرياء والسمعة.
*أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين( ١٩ ) الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون( ٢٠ ) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم( ٢١ ) خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم( ٢٢ )
هذه الآيات تكملة لموضوع الآيتين اللتين قبلها في بيان كون الحق في عمارة المسجد الحرام بنوعيها للمسلمين دون المشركين، وكون إيمانهم وإسلامهم أفضل مما كان يفخر به المشركون من عمارته وسقاية الحاج فيه، وإن قام بهما المسلمون أنفسهم خلافا لما توهم بعضهم في الأعمال التي بعد الإسلام، فقد روى مسلم وأبو داود وابن حبان وبعض رواة التفسير المأثور من حديث النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم : ما أبالي أن لا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر : بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر : بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم. فزجرهم عمر وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وذلك يوم الجمعة ـ ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. [ فدخل بعد الصلاة فاستفتاه ]، فأنزل الله أجعلتم سقاية الحاج ـ إلى قوله ـ لا يهدي القوم الظالمين }١.
وروى الفريابي عن ابن سيرين قال : قدم علي بن أبي طالب مكة فقال للعباس : أي عم ألا تهاجر ؟ ألا تلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أعمر المسجد وأحجب البيت، فأنزل الله أجعلتم سقاية الحاج الآية.
وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : قال العباس حين أسر يوم بدر : إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفك العاني ( أي الأسير ) فأنزل الله أجعلتم سقاية الحاج .
وروى أبو جعفر بن جرير عن كعب القرظي قال : افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار وعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، فقال طلحة : أنا صاحب البيت معي مفتاحه، ولو أشاء بت فيه، وقال العباس : أنا صاحب السقاية والقائم عليها، ولو أشاء بت في المسجد، فقال علي رضي الله عنه : ما أدري ما تقولان، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد. فأنزل الله أجعلتم سقاية الحاج الآية كلها. فهذه الروايات في أسباب النزول وقائع في تفسير الآيات، وإن لم تكن أسبابا.
والمعتمد من هذه الروايات حديث النعمان لصحة سنده وموافقة متنه لما دلت عليه الآيات من كون موضوعها في المفاضلة أو المساواة بين خدمة البيت وحجاجه ـ من أعمال البر البدنية الهينة المستلذة ـ وبين الإيمان والجهاد بالمال والنفس والهجرة، وهي أشق العبادات النفسية البدنية المالية، والآيات تتضمن الرد عليها كلها.
وفي أثر علي أن العباس ذكر حجابة البيت، وهي لم تكن له دون السقاية التي كانت له، وأثر ابن عباس فيه تقدم معناه في تفسير الآيتين السابقتين.
تقدم تفسير عمارة المسجد في اللغة والاصطلاح. والسقاية في اللغة الموضع الذي يسقى فيه الماء وغيره، وكذا الإناء الذي يسقى به ؛ ومنه جعل السقاية في رحل أخيه [ يوسف : ٧٠ ]، سميت سقاية لأنها يسقى بها، وصواعا ؛ لأنها يكال بها كالصاع وهو يؤنث ويذكر. قال في اللسان ( كغيره ) : والسقاية الموضع الذي يتخذ فيه الشراب في المواسم وغيرها، ( ثم قال ) : وفي الحديث ( كل مأثرة من مآثر الجاهلية تحت قدمي إلا سقاية الحاج وسدانة البيت )٢، هي ما كانت قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يليها العباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام اهـ والحديث الذي ذكره ورد في بعض روايات خطبته صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع.
وقال النووي في الأسماء واللغات ما نصه : سقاية العباس رضي الله عنه موضع بالمسجد الحرام زاده الله تعالى شرفا، يستقي فيها الماء ليشربه الناس، وبينها وبين زمزم أربعون ذراعا، حكى الأزرقي في كتابه تاريخ مكة وغيره من العلماء أن السقاية حياض من أدم كانت على عهد قصي بن كلاب توضع بفناء الكعبة، ويستقى فيها الماء العذب من الآبار على الإبل، ويسقاه الحاج، فجعل قصي عند موته أمر السقاية لابنه عبد مناف، ولم تزل مع عبد مناف يقوم بها، فكان يسقي الماء من بئر كرادم وغيره إلى أن مات ومن حصون خيبر اهـ.
أقول وقد بني هذا المكان المسمى بسقاية العباس، ولا يزال ماثلا إلى الآن، وهو حجرة كبيرة في جهة الجنوب من بئر زمزم، وصف مؤرخو مكة مساحتها وبُعدها عن زمزم وعن الكعبة المشرفة.
ويؤخذ من استعمال الكلمة أنها صارت اسم حرفة، وكذا الحجابة وهي سدانة البيت، وهما أفضل مآثر قريش، ولذلك أقرهما الإسلام، ومن المعلوم بالبداهة أن قول العباس : أنا صاحب السقاية، وقول الناس فيه كقوله لا يراد به أنه صاحب الموضع الذي كان يوضع فيه الماء المحلى بالزبيب أو التمر المنبوذ فيه، ولا ذلك الماء، وإنما المراد به أنه هو الذي يتولى إدارة هذا العمل وهو الإتيان بالزبيب أو التمر ونبذه بالماء ووضع أوانيه في المواضع التي يردها الحجاج فيشربون منها، ومن العجب أن يغفل أي لغوي أو مفسر عن هذا المعنى ويقول بعضهم : إنها اسم لمكان السقي، وبعضهم إنها مصدر سقى أو أسقى الخ.
وههنا تستشرف النفس لمعرفة هذا الفوز المجمل فبينه تعالى بقوله : يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم في كتابه المنزل على لسان نبيه المرسل، ثم على لسان ملائكته عند الموت.
برحمة منه أي رحمة عظيمة خاصة من لدنه عز وجل.
ورضوان أي نوع من الرضى التام الكامل الذي لا يشوبه ولا يعقبه سخط، يدل على هذا المعنى زيادة لفظ رضوان في المبنى على لفظ رضى مع تنكيره، ويؤيده الحديث الصحيح الآتي.
وجنات تجري من تحتها الأنهار في دار الكرامة وجوار الرحمن.
لهم فيها نعيم مقيم أي لهم فيهما نعيم عظيم خاص بهم دون من لم يؤمن، ولم يهاجر هجرتهم، ولم يجاهد جهادهم، مقيم دائم لا يزول على عظمه وكماله الذي يدل عليه تنكير لفظه في هذا السياق أيضا.
آية رقم ٢٢
*أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين( ١٩ ) الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون( ٢٠ ) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم( ٢١ ) خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم( ٢٢ )
هذه الآيات تكملة لموضوع الآيتين اللتين قبلها في بيان كون الحق في عمارة المسجد الحرام بنوعيها للمسلمين دون المشركين، وكون إيمانهم وإسلامهم أفضل مما كان يفخر به المشركون من عمارته وسقاية الحاج فيه، وإن قام بهما المسلمون أنفسهم خلافا لما توهم بعضهم في الأعمال التي بعد الإسلام، فقد روى مسلم وأبو داود وابن حبان وبعض رواة التفسير المأثور من حديث النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم : ما أبالي أن لا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر : بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر : بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم. فزجرهم عمر وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وذلك يوم الجمعة ـ ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. [ فدخل بعد الصلاة فاستفتاه ]، فأنزل الله أجعلتم سقاية الحاج ـ إلى قوله ـ لا يهدي القوم الظالمين }١.
وروى الفريابي عن ابن سيرين قال : قدم علي بن أبي طالب مكة فقال للعباس : أي عم ألا تهاجر ؟ ألا تلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أعمر المسجد وأحجب البيت، فأنزل الله أجعلتم سقاية الحاج الآية.
وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : قال العباس حين أسر يوم بدر : إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفك العاني ( أي الأسير ) فأنزل الله أجعلتم سقاية الحاج .
وروى أبو جعفر بن جرير عن كعب القرظي قال : افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار وعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، فقال طلحة : أنا صاحب البيت معي مفتاحه، ولو أشاء بت فيه، وقال العباس : أنا صاحب السقاية والقائم عليها، ولو أشاء بت في المسجد، فقال علي رضي الله عنه : ما أدري ما تقولان، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد. فأنزل الله أجعلتم سقاية الحاج الآية كلها. فهذه الروايات في أسباب النزول وقائع في تفسير الآيات، وإن لم تكن أسبابا.
والمعتمد من هذه الروايات حديث النعمان لصحة سنده وموافقة متنه لما دلت عليه الآيات من كون موضوعها في المفاضلة أو المساواة بين خدمة البيت وحجاجه ـ من أعمال البر البدنية الهينة المستلذة ـ وبين الإيمان والجهاد بالمال والنفس والهجرة، وهي أشق العبادات النفسية البدنية المالية، والآيات تتضمن الرد عليها كلها.
وفي أثر علي أن العباس ذكر حجابة البيت، وهي لم تكن له دون السقاية التي كانت له، وأثر ابن عباس فيه تقدم معناه في تفسير الآيتين السابقتين.
تقدم تفسير عمارة المسجد في اللغة والاصطلاح. والسقاية في اللغة الموضع الذي يسقى فيه الماء وغيره، وكذا الإناء الذي يسقى به ؛ ومنه جعل السقاية في رحل أخيه [ يوسف : ٧٠ ]، سميت سقاية لأنها يسقى بها، وصواعا ؛ لأنها يكال بها كالصاع وهو يؤنث ويذكر. قال في اللسان ( كغيره ) : والسقاية الموضع الذي يتخذ فيه الشراب في المواسم وغيرها، ( ثم قال ) : وفي الحديث ( كل مأثرة من مآثر الجاهلية تحت قدمي إلا سقاية الحاج وسدانة البيت )٢، هي ما كانت قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يليها العباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام اهـ والحديث الذي ذكره ورد في بعض روايات خطبته صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع.
وقال النووي في الأسماء واللغات ما نصه : سقاية العباس رضي الله عنه موضع بالمسجد الحرام زاده الله تعالى شرفا، يستقي فيها الماء ليشربه الناس، وبينها وبين زمزم أربعون ذراعا، حكى الأزرقي في كتابه تاريخ مكة وغيره من العلماء أن السقاية حياض من أدم كانت على عهد قصي بن كلاب توضع بفناء الكعبة، ويستقى فيها الماء العذب من الآبار على الإبل، ويسقاه الحاج، فجعل قصي عند موته أمر السقاية لابنه عبد مناف، ولم تزل مع عبد مناف يقوم بها، فكان يسقي الماء من بئر كرادم وغيره إلى أن مات ومن حصون خيبر اهـ.
أقول وقد بني هذا المكان المسمى بسقاية العباس، ولا يزال ماثلا إلى الآن، وهو حجرة كبيرة في جهة الجنوب من بئر زمزم، وصف مؤرخو مكة مساحتها وبُعدها عن زمزم وعن الكعبة المشرفة.
ويؤخذ من استعمال الكلمة أنها صارت اسم حرفة، وكذا الحجابة وهي سدانة البيت، وهما أفضل مآثر قريش، ولذلك أقرهما الإسلام، ومن المعلوم بالبداهة أن قول العباس : أنا صاحب السقاية، وقول الناس فيه كقوله لا يراد به أنه صاحب الموضع الذي كان يوضع فيه الماء المحلى بالزبيب أو التمر المنبوذ فيه، ولا ذلك الماء، وإنما المراد به أنه هو الذي يتولى إدارة هذا العمل وهو الإتيان بالزبيب أو التمر ونبذه بالماء ووضع أوانيه في المواضع التي يردها الحجاج فيشربون منها، ومن العجب أن يغفل أي لغوي أو مفسر عن هذا المعنى ويقول بعضهم : إنها اسم لمكان السقي، وبعضهم إنها مصدر سقى أو أسقى الخ.
خالدين فيها أبدا أي مقيمين في تلك الجنات إقامة دائمة أبدية، أكد الخلود بالأبدية لأن معناه اللغوي طول المكث والإقامة كما قال{ عطاء غير مجذوذ ] [ هود : ١٠٨ ]، وتقدم تفسير الخلود والأبد في مثل هذا اللفظ مرارا.
إن الله عنده أجر عظيم أي لأن ما عند الله تعالى من الأجر على الإيمان والعمل الصالح وأعظمه وأنفعه وأشقه الهجرة والجهاد عظيم جدا، لا يقدر قدره غيره جل جلاله وعم نواله، وناهيك بالإيمان الكامل الباعث على هجر الوطن، ومفارقة الأهل والسكن، وإنفاق المال الذي هو مناط رغائب الدنيا ونعيمها، وبذل النفس التي هي العلة الغائية للبشر من وجودهم، جهادا في سبيل الله وهي الطريق التي شرعها، والسنن التي سنها لإعلاء كلمته ونصر رسوله، وإقامة ما شرعه من الحق والعدل لعباده، فلا غرو أن يبشرهم بجميع أنواع الأجر والجزاء الروحية والجسدية.
فالأجر الروحاني قسمان عبر عنهما بالرحمة والرضوان، وهما رتبتان أو درجتان نكرهما للدلالة على التنويع والتعظيم الذي نطقت به الآية الثانية. فهذه الرحمة الخاصة، تشمل ما يخصهم به من العطف والإحسان في الدنيا والآخرة، مما هو فوق رحمته العامة لكل الخلق التي وسعت كل شيء، وأما الرضوان -وهو الاسم لكمال الرضاء كما تقدم- فهو فوق نعيم الجنة كله، فإن الله يرحم من رضي عنه ومن لم يرض عنه، وإن كانت رحمته لمن رضي عنه أعلى وأعظم، والدليل على أن هذا الرضوان أعلى النعيم، وأكمل الجزاء، وأنه يكون في الجنة أكبر نعيمها قوله تعالى في هذه السورة وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم [ التوبة : ٧٢ ] فقد عطف الرضوان على ما قبله عطف جملة لا عطف مفرد، للدلالة على أنه فضل مستقل فوق الجزاء الذي تقدمه في الوعد وهو الجنات وما فيها، فهذه الآية أبلغ في تعظيم شأن الرضوان الإلهي في الجنة من آية هذا السياق ومن آية آل عمران التي أنزلت قبلهما : قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد [ آل عمران : ١٥ ] ويؤيد ما قلناه من أن رضوان الله تعالى في الجنة فوق نعيمها كله ما رواه الشيخان والترمذي والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الله يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة ! فيقولون : لبيك ربنا وسعديك، فيقول هل رضيتم ؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك ؟ فيقول : أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا : يا ربنا وأي شيء أفضل من ذلك ؟ فيقول : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا »١.
ومن تنطع بعض الصوفية في فلسفتهم أنهم لا يطلبون من الله النجاة من النار ولا الفوز بالجنة وإنما يطلبون النعيم الروحاني الأعلى فقط، وهو لقاؤه ورضوانه ورؤيته عز وجل، وإنها لفلسفة جهلية من نزغات منكري البعث الجسماني، مخالفة لنصوص كتاب الله تعالى وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم كما تقدم بيانه في غير هذا الموضع.
وأكبر العبر للمسلم في هذا السياق أن البدع الطارئة على الدين يقصد بها في أول أمرها أن تكون مزيد كمال في الدين، تقوي أصوله وما شرع لأجله، ثم ينتهي ذلك بهدم أصوله وما شرع له وإقامة البدعة مقامها، كما يعلم مما رواه البخاري عن ابن عباس في سبب عبادة قوم نوح لود وسواع ويغوث ويعوق ونسر من أنهم كانوا قوما صالحين، فصوروهم بعد موتهم لأجل الذكرى والاتباع، ثم عبدوهم وعبدوا صورهم بالتعظيم والدعاء والتوسل والاستشفاع وغير ذلك، ثم صارت عبادة الله وحده منكرة عندهم، ثم سرى ذلك الشرك في العرب وغيرهم، حتى آل الأمر إلى منع عبادة الله تعالى وحده في بيته الحرام ومنع المسلمين من دخوله لعبادته وحده كما تقدم، وهكذا شأن كل بدعة : يؤول أمر أهلها إلى محاربة السنة وعداوة من يعتصم بها، وينكر البدع المحدثة التي لعن الرسول صلى الله عليه وسلم أهلها، كما فعل ويفعل المبتدعون في تكفير الوهابية وغيرهم من دعاة السنة والمعتصمين بها أو تضليلهم، وقتالهم عند الإمكان.
١ ـ أخرجه البخاري في التوحيد باب ٣٧، والرقاق باب ٥١، ومسلم في الإيمان حديث ٣٠٢، والجنة حديث ٩، والترمذي في الجنة باب١٨، وأحمد في المسند ٣/ ٨٨، ٩٥..
يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون( ٢٣ ) قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين( ٢٤ )
قد علم مما تقدم أنه لما أعلن الله تعالى براءته وبراءة رسوله من المشركين، وآذنهم بنبذ عهودهم، وبعود حال القتال بينهم وبين المؤمنين كما كانت، بعد أن تبث بالتجربة أنهم لا عهود لهم يوفى بها، ولا أيمان يبرونها، بل يعقدونها عند الخوف، وينقضونها عند الشعور بالقدرة على الفتك ـ كما تقدم شرحه مفصلا ـ عز ذلك على بعض المسلمين، وفتح به باب لدسائس المنافقين وتبرم ضعفاء الإيمان، وكان أكثرهما من الطلقاء الذين أعتقهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، كان هو السبب لما تقدم من تكرار الأمر بقتال المصرين على الشرك، الناقضين للعهد، وتأكيده، وإقامة الدلائل على وجوبه، وكونه مقتضى الحق والعدل والمصلحة، وإنما كان موضع الضعف من بعض المسلمين في ذلك نعرة القرابة، ورحمة الرحم، وبقية عصبية النسب، إذ كان لا يزال لكثير منهم أولو قربى من المشركين يكرهون قتالهم، ويتمنون إيمانهم، ويرجونه إذا تركوا وشأنهم، بل كان لبعض ضعفاء الإيمان منهم بطانة ووليجة منهم.
فبعد أن بين الله تعالى لهم ما تقدم مما أشرنا إليه آنفا، وقفى عليه بفضل الإيمان والجهاد والهجرة، وحبوط أعمال المشركين حتى ما كان منها خيرا في نفسه، كسقاية الحاج والعمارة الصورية للمسجد الحرام، بعد هذا بين لهم أن ما ذكر من فضل الإيمان والهجرة والجهاد، وما بشر الله به أهله من رحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم، لا يتم إلا بترك ولاية الكافرين، وإيثار حب الله ورسوله والجهاد في سبيله على حب الوالد والولد، والأخ والزوج والعشيرة والمال والسكن.
يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون( ٢٣ ) قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين( ٢٤ )
قد علم مما تقدم أنه لما أعلن الله تعالى براءته وبراءة رسوله من المشركين، وآذنهم بنبذ عهودهم، وبعود حال القتال بينهم وبين المؤمنين كما كانت، بعد أن تبث بالتجربة أنهم لا عهود لهم يوفى بها، ولا أيمان يبرونها، بل يعقدونها عند الخوف، وينقضونها عند الشعور بالقدرة على الفتك ـ كما تقدم شرحه مفصلا ـ عز ذلك على بعض المسلمين، وفتح به باب لدسائس المنافقين وتبرم ضعفاء الإيمان، وكان أكثرهما من الطلقاء الذين أعتقهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، كان هو السبب لما تقدم من تكرار الأمر بقتال المصرين على الشرك، الناقضين للعهد، وتأكيده، وإقامة الدلائل على وجوبه، وكونه مقتضى الحق والعدل والمصلحة، وإنما كان موضع الضعف من بعض المسلمين في ذلك نعرة القرابة، ورحمة الرحم، وبقية عصبية النسب، إذ كان لا يزال لكثير منهم أولو قربى من المشركين يكرهون قتالهم، ويتمنون إيمانهم، ويرجونه إذا تركوا وشأنهم، بل كان لبعض ضعفاء الإيمان منهم بطانة ووليجة منهم.
فبعد أن بين الله تعالى لهم ما تقدم مما أشرنا إليه آنفا، وقفى عليه بفضل الإيمان والجهاد والهجرة، وحبوط أعمال المشركين حتى ما كان منها خيرا في نفسه، كسقاية الحاج والعمارة الصورية للمسجد الحرام، بعد هذا بين لهم أن ما ذكر من فضل الإيمان والهجرة والجهاد، وما بشر الله به أهله من رحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم، لا يتم إلا بترك ولاية الكافرين، وإيثار حب الله ورسوله والجهاد في سبيله على حب الوالد والولد، والأخ والزوج والعشيرة والمال والسكن.
ثم انتقل من بيان هذه الدركة من الإخلال بحقوق الإيمان ومقتضياته إلى الدركة التي من شأنها أن تكون سببا لها، فقال قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره .
وجّه الله عز وجل الخطاب في النهي عن الجريمة الكبرى وهي ولاية الكافرين المعادين لله ورسوله إلى المؤمنين بعنوانهم مباشرة، ثم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخاطبهم في أمر الجريمة الثانية والوعيد عليها على فرض وقوعها منهم، ولم يشأ أن يعطف هذا على ما قبله فيكون خطابا منه بعنوان صفة الإيمان المنافي لمضمونه، ولذلك عبر عنه بأداة الشرط التي من شأن شرطها أن يكون مشكوكا في وقوعه، أو من شأنه أن لا يقع، وهي«إن »، ولم يرتب هذه المؤاخذة على أصل الحب لما ذكر في الآية من مجامع حظوظ الدنيا ولذاتها ؛ لأنه غريزي، بل رتبه على تفضيل هذه الحظوظ والشهوات الدنيوية في الحب على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله الموعود عليه بما تقدم آنفا من أنواع السعادة الأبدية في الآخرة، وكذا ما دونه كما يدل عليه تنكير كلمة جهاد هنا. وذكر الأبناء والأزواج هنا دون آية النهي عن الولاية ؛ لأن من شأن الإنسان أن يتولى في الحرب من فوقه كالأب ومن هو مثله كالأخ دون من هو دونه، ومن شأنه أن يكون تابعا له كابنه وزوجه، ولكنهما في المرتبة الأولى في الحب، وإننا نبين مراتب هذه الأصناف الثمانية في الحب، ونقفي عليها بمعنى حب الله ورسوله، وكون المؤمن الصادق لا يؤثرعليهما شيئا منها، ولا يعلو حبهما عنده حب شيء سواهما :
١ حب الأبناء للآباء له مناشئ من غرائز النفس وشعورها وعواطفها وعوارفها ومعارفها وطباعها، ومن عُرف الأقوام وآدابهم الاجتماعية وشرائعهم ودينهم، فالولد بضعة من أبيه يرث بعض صفاته وطباعه وشمائله من جسدية ونفسية وعقلية، وأول شيء يشعر به، وينمي في نفسه بنماء تمييزه وعقله إحسان والديه إليه، واقتران صورتهما في خياله بكل محبوب له. ويتلو هذا شعوره بما هما عليه من الحنان والعطف والحدب عليه والحب الخالص له الذي لا يشوبه رياء ولا تهمة، وللوالدة القدح المعلى في هذين، ويفوقها الوالد بما يحدث للولد بعد هذا من شعور الإعجاب بالعظمة والكمال والقدرة وهو من الغرائز، والطفل يشعر بأن أباه أعظم الناس وأحقهم بالإجلال والتعظيم. وهذا الشعور إما أن ينمي ويزداد في الكبر إذا كان الوالد مستحقا له ولو من بعض الوجوه، وإما أن يضعف، ولكنه قلما يزول عينا وأثرا وإن كان في غير محله.
وقد كان العرب يتفاخرون بآبائهم في أسواقهم وفي معاهد الحج، حتى قال الله تعالى : فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا [ البقرة : ٢٠٠ ]، يتلو ذلك شعور عزة الحماية والصيانة له من والده والذود عنه والانتقام له إذا ضيم، وفوق هذا شعور الشرف، فهو يشرف بشرفه، ويحقر بضِعَته وخسته. فإن أهين بقول أو فعل ترجف أعصابه ويتبيغ دمه، ولا تكاد تهدأ ثائرته إلا بالانتقام له.
تؤيد هذه الأنواع من الشعور والغرائز ملكات تطبعها الحقوق العرفية والآداب الاجتماعية والشرائع الدينية، فالله تعالى قد قرن الإحسان بالوالدين بتوحيده وعبادته وحده بمثل قوله : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا [ الإسراء : ٢٣ ] الخ، وقرن شكرهما بشكره في قوله : ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير [ لقمان : ١٢ ]، ثم إنه أمر بمعاملتهما بالمعروف وإن كانا مشركين مع نهيه عن طاعتهما إذا دعواه إلى الشرك، فقال { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ] [ لقمان : ١٥ ].
فهذه مجامع نوازع حب الولد الوالد، والوالدة تفوقه في بعضها وتتخلف عنه في بعض. ولما كان الوالدون هم الذين يقاتلون ويحتاجون إلى الموالاة والمناصرة دون الوالدات اقتصر على ذكرهم، تبعا لنهيه عن موالاتهم ؛ لأن موالاتهم لهم من قبيل طاعتهم في الشرك الذي نهاهم عنه، ونصر الشرك وأهله لأجله شرك، بل اتفق العلماء على أن الرضاء بالكفر كفر، فكيف بنصر الكفر على الإيمان بموالاة الكافرين ونصرهم على المؤمنين ؟ ولكنه لم ينههم عن حب آبائهم المشركين ؛ بل حذرهم أن يكونوا أحب إليهم من الله ورسوله وجهاد ما في سبيله، لأن هذا لا يجتمع مع الإيمان الصحيح كما سيأتي. كذلك نهاهم في سورة المجادلة عن موادة من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم إذا كانت لأجل المحادة كما يفيده ترتيب النهي على فعلها، فإن المودة هي المعاملة الحبية، والمحادة شدة العداوة والبغضاء، فاشتراك المؤمن المحب لله ورسوله مع المحاد لله ولرسوله في المودة المرتبة على صفتيهما جمع بين الضدين، فهو في معنى موالاتهم بل أخص منها.
٢ حب الآباء للأبناء له جميع تلك المناشئ الغريزية والطبيعية، وأنواع الشعور والعواطف النفسية، وبعض تلك الحقوق العرفية والآداب الاجتماعية والأحكام الشرعية لا جميعها، ولكن حب الوالد للولد أحر وأقوى وأنمى وأبقى من عكسه، وهو أشد شعورا بمعنى كون ولده بضعة منه، وكون وجوده مستمدا من وجوده، ويشعر ما لا يشعر من معنى كونه نسخة ثانية منه، يرجى لها من البقاء ما لا يرجى للنسخة الأولى، فهو يحرص على بقائه كما يحرص على نفسه أو أشد، ويحرم نفسه من كثير من الطيبات إيثارا له بها في حاضر أمره ومستقبله، ويكابد الأهوال ويركب الصعاب وكثيرا ما يقترف الحرام في سبيل السعي والإدخار له، وقد بينا في تفسير قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا [ الأنعام : ١٥١ ] الآية أن عاطفة البنوة ونعرتها من أقوى غرائز الفطرة، وناهيك بما ينميها في النفس من قيام الوالد بشؤون الولد من التربية والتعليم، وما يحدثه ذلك من العواطف في الحال، والذكريات في الاستقبال، وكونه مناط الآمال، قال الله تعالى : المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا [ الكهف : ٤٢ ]، قالوا المعنى أن الأعمال الصالحة التي يبقى ثوابها للإنسان بعد الحياة الدنيا خير من زينة المال فيها ثوابا، وخير من البنين فيها أملا، فهو نشر على ترتيب اللف. وقد بينا أسباب حب الآباء للبنين بالتفصيل في تفسير زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين [ آل عمران : ١٣ ] الخ.
٣ حب الأخوة يلي في المرتبة حب البنوة والأبوة، والأخوان صنوان في وشيجة الرحم، فالأخ الصغير كالولد، والكبير كالوالد، ويختلفان عنهما بشعور المساواة في المنبت وطبقة القرابة، وقد يماري فيه بعض الذين أفسدت فطرتهم نزغات الفلسفة المادية فيزعمون أنه من التقاليد العادية لا منشأ له من غرائز النفس ولا مقتضيات الطبع، بل يقول بعضهم إن عداوة الأخوة أعرق في الغريزة من محبتها، ويستدلون عليه بما ورد في الكتب الإلهية من قتل أحد ولدي آدم لأخيه في أول النشأة، وعهد سلامة الفطرة من تأثير التنازع في شؤون الحياة، ومن فعلة إخوة يوسف به وهم من أسلم الناس أخلاقا وخيرهم وراثة.
والحق فيما قصه علينا الوحي من قتل قابيل لأخيه هابيل أنه بيان لما في استعداد البشر من التنازع بين غرائز الفطرة بالتعارض بين عاطفة وشيجة الرحم وحب العلو، والرجحان والامتياز على الأقران في رغائب النفس ومنافعها، وما قد يلد من الحسد، وما قد يتبع الحسد من البغي والعدوان، فضرب الله لنا مثلا لبيان هاتين الحقيقتين ليرتب عليه بيان كون غريزة الدين بل هدايته هي المهذبة للفطرة البشرية بترجيح الحق على الباطل، والخير على الشر، فكان قابيل مثلا لمن غلبت عليه النزعة الثانية، وهابيل مثلا لمن غلبت عليه الأولى بترجيح هداية الدين، وذلك قوله تعالى حكاية عنه لئن بسطت إليَّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العلمين إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين [ المائدة : ٣١، ٣٢ ]. والدليل على محبة الأخوة ووشيجة الرحم في نفس قابيل، وتنازعها مع حب العلو والرجحان على أخيه، أو مساواته وحسده لتقبل قربانه دونه قوله تعالى : فطوَّعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين [ المائدة : ٣٣ ]، فإن التعبير عن ترجيح داعية الشر المتولدة من الحسد العارض على عاطفة حب الأخوة ورحمة الرحم«بالتطويع » من أبلغ تحديد القرآن لدقائق الحقائق باللفظ المفرد، فإن معنى صيغة التفعيل التكرار والتدريج في محاولة الشيء كترويض الفرس الجموح، وتذليل البعير الصعب، فهي تدل على أن قابيل كان يجد من نوازع الفطرة في نفسه الأمارة بالسوء مانعا يصدها عما زينه له الحسد من قتل أخيه، وأنها ما زالت تأمره ويعصيها حتى حملته على طاعتها بعد جهد وعناء. وقد شرحنا هذا المعنى شرحا واسعا في تفسير الآيات ( ج ٦ تفسير ).
وقد وقع مثل هذا الحسد من إخوة يوسف : كبر عليهم إقبال أبيهم يعقوب بكل وجهه وكل نفسه على هذا الابن الصغير الذي لم يبلغ أن ينفعه أو ينفع الأسرة بخدمة ولا حماية ولا غيرها من مواضع آمال الآباء في الأبناء، وإعراضه عنهم على قوتهم وقيامهم بكل ما يحتاج إليه الأب والأسرة، فزين لهم الحسد أن يقتلوه أو يغربوه ليجتمع الشمل، ويخلو لهم وجه أبيهم بالإقبال عليهم، ويكونوا بذلك قوما صالحين بزوال سبب الشقاق والفساد فيهم، ولكنهم بعد التشاور رجحوا تغريبه وإبعاده عن أبيه عندما أشار به بعضهم، ولولا عاطفة الرحم وهداية الدين لما رضي العشرة برأي الواحد في ترك قتله. ولماذا نحفظ هذه الوقائع الشاذة وننسى الأمر الغالب الأعم، وهو تواد الإخوة وتعاونهم وتناصرهم بباعث الغريزة ولوازمها ؟ ومنه ما كان من إحسان يوسف إلى إخوته ثم عفوه عنهم ثم معيشته معهم ؟
بعد هذا أذكر القارئ الذي أخاف عليه فساد الأفكار المادية المغرية بعداوة الأخوة للجهل بالدين والحرمان من هدايته، بما هو معهود في هذه البلاد من إهمال تعليمه وتربيته، أذكره بما لا يستطيع العالم المادي إنكاره أو المكابرة فيه من منشأ حب الأخوة في النفس، وما تقتضيه من التواد والتناصر في نظام الاجتماع البدوي والمدني، وهو أن المعهود من أخلاق البشر وآدابهم وعاداتهم المنبعثة عن طباعهم وغرائزهم أن المحبة والعطف فيما بينهم يكون على قدر ما بين أفرادهم وجماعاتهم من الاشتراك في صفات النفس الموروثة، وعواطفها المكتسبة بالتربية والمعاشرة، وفي شؤون الحياة من طبيعية واجتماعية، وفي الحقوق والآداب الشرعية والعادية، وللأخوة من جملة هذه الأمور ما ليس لمن دونهم من الأقارب، بله من بعد عنهم من الأجانب، فالأخ صنو أخيه، منبتهما واحد، ودمهما واحد، ووراثتهما النفسية والجسدية تتسلسل من أرومة واحدة، وإن تفاوتوا فيها، وكل منهما يشعر بالاعتزاز بعزة الآخر إلا أن يفسد فطرته الحسد، ويحفظ من ذكريات الطفولة والصبا ما له سلطان عظيم على النفس، وتأثير كبير في آصرة الرحمة والحب، وما زال أهل الوسط من بيوت الناس الذين سلمت فطرتهم، وكرمت أخلاقهم، يحبون إخوتهم كحبهم أنفسهم وأولادهم، وي
لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين( ٢٥ ) ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين( ٢٦ ) ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم( ٢٧ )
هذه الآيات تذكير للمؤمنين بنصر الله لهم على أعدائهم في مواطن القتال الكثيرة معهم ؛ إذ كان عددهم وعتادهم قليلا لا يرجى معه النصر بحسب الأسباب والعادة، وابتلائه إياهم بالتولي والهزيمة يوم حنين على عجبهم بكثرتهم ورضاهم عنها، ونصرهم من بعد ذلك بعناية خاصة من لدنه ليتذكروا أن عنايته تعالى وتأييده لرسوله وللمؤمنين بالقوى المعنوية أعظم شأنا وأدنى إلى النصر من القوة المادية، كالكثرة العددية وما يتعلق بها، وجعل هذا التذكير تاليا للنهي عن ولاية آبائهم وإخوانهم من الكفار، وللوعيد على إيثار حب القرابة والزوجية والعشيرة-ولو كانوا مؤمنين- والمال والسكن على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله، تفنيدا لوسوسة شياطين الجن والإنس ـ من المنافقين ومرضى القلوب ـ لهم وإغرائهم باستنكار عود حالة الحرب مع المشركين وتنفيرهم من قتالهم لكثرتهم، ولقرابة بعضهم، ولكساد التجارة التي تكون معهم، وذلك بعد إقامة الدلائل على كون ذلك من الحق والعدل والمصلحة العامة في الدين والدنيا، وفي هذه الغزوة من العبر والحكم والأحكام ما ليس في غيرها، وسنبين المهم منه في إثر تفسير الآيات.
لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين( ٢٥ ) ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين( ٢٦ ) ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم( ٢٧ )
هذه الآيات تذكير للمؤمنين بنصر الله لهم على أعدائهم في مواطن القتال الكثيرة معهم ؛ إذ كان عددهم وعتادهم قليلا لا يرجى معه النصر بحسب الأسباب والعادة، وابتلائه إياهم بالتولي والهزيمة يوم حنين على عجبهم بكثرتهم ورضاهم عنها، ونصرهم من بعد ذلك بعناية خاصة من لدنه ليتذكروا أن عنايته تعالى وتأييده لرسوله وللمؤمنين بالقوى المعنوية أعظم شأنا وأدنى إلى النصر من القوة المادية، كالكثرة العددية وما يتعلق بها، وجعل هذا التذكير تاليا للنهي عن ولاية آبائهم وإخوانهم من الكفار، وللوعيد على إيثار حب القرابة والزوجية والعشيرة-ولو كانوا مؤمنين- والمال والسكن على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله، تفنيدا لوسوسة شياطين الجن والإنس ـ من المنافقين ومرضى القلوب ـ لهم وإغرائهم باستنكار عود حالة الحرب مع المشركين وتنفيرهم من قتالهم لكثرتهم، ولقرابة بعضهم، ولكساد التجارة التي تكون معهم، وذلك بعد إقامة الدلائل على كون ذلك من الحق والعدل والمصلحة العامة في الدين والدنيا، وفي هذه الغزوة من العبر والحكم والأحكام ما ليس في غيرها، وسنبين المهم منه في إثر تفسير الآيات.
ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين السكينة اسم للحالة والهيأة النفسية الحاصلة من السكون والطمأنينة، وهي ضد الاضطراب والانزعاج، وتطلق كما في المصباح على الرزانة والمهابة والوقار. والمعنى أن الله تعالى أفرغ من سماء عزته وقدرته سكينته اللدنية على رسوله بعد أن عرض له ما عرض من الأسف والحزن على أصحابه عند وقوع الهزيمة لهم، على أنه ثبت كالطود الراسي نفسا، ولم يزدد إلا شجاعة وإقداما وبأسا، وعلى المؤمنين الذين ثبتوا معه وأحاطوا ببغلته- وقليل ما هم في ذلك الجيش اللهام- كما يعلم هذا وذاك من الروايات الصحيحة الآتية، ثم على سائر المؤمنين الصادقين فأذهب روعهم، وأزال حيرتهم واضطرابهم، وعاد إليهم ما كان زال أو زلزل من ثباتهم وشجاعتهم، ولا سيما عند ما سمعوا نداءه صلى الله عليه وسلم ونداء العباس يدعوهم إلى نبيهم بأمره كما يأتي، وإنما قال :( وعلى المؤمنين ) ولم يقل وعليكم لأن الخطاب للجماعة، وفيهم بقية من المنافقين وضعفاء الإيمان كما تقدم، وستأتي شواهده في الروايات الصحيحة. فيا لله العجب من هذه الدقة في بلاغة القرآن.
وأنزل جنودا لم تروها أي وأنزل مع هذه السكينة جنودا روحانية من الملائكة لم تروها بأبصاركم، وإنما وجدتم أثرها في قلوبكم، بما عاد إليها من ثبات الجأش، وشدة البأس.
وعذّب الذين كفروا بالقتل والأسر والسبي، وذلك منتهى الغلب والخزي.
وذلك جزاء الكافرين في الدنيا بكفرهم ما داموا يستحبون الكفر على الإيمان ويعادون أهله ويقاتلونهم عليه، كما وعدكم فيمن بقي منهم بقوله من هذا السياق أو البلاغ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم [ التوبة : ١٤ ] الآية. ويدخل في هذا الجزاء من كان حاله مثل حال أولئك الكافرين في قتال من كان على هدي أولئك المؤمنين إلى يوم الدين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:فصل في أصح الروايات المفسرة لإجمال هذه الآيات

الخروج إلى حنين والقتال والهزيمة :

قال الحافظ في أول الكلام على هذه الغزوة من الفتح : قال أهل المغازي : خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حنين لست خلت من شوال. وقيل : لليلتين بقيتا من رمضان. وجمع بعضهم بأنه بدأ بالخروج في أواخر رمضان وسار سادس شوال، وكان وصوله إليها في عاشره. وكان السبب في ذلك أن مالك بن عوف النضري جمع القبائل من هوازن، ووافقه على ذلك الثقفيون، وقصدوا محاربة المسلمين، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم، قال عمر بن شيبة في كتاب مكة : حدثنا الحزامي - يعني إبراهيم بن المنذر ـ حدثنا ابن وهب عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة أنه كتب إلى الوليد : أما بعد فإنك كتبت إلي تسألني عن قصة الفتح ـ فذكر له وقتها ـ فأقام عامئذ بمكة نصف شهر ولم يزد على ذلك حتى أتاه أن هوازن وثقيفا قد نزلوا حنينا يريدون قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا قد جمعوا إليه ورئيسهم عوف بن مالك. ولأبي داود بإسناد حسن من حديث سهل ابن الحنظلية أنهم ساروا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى حنين فأطنبوا السير، فجاء رجل فقال : إني انطلقت من بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشائهم قد اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :)تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله تعالى ). وعند ابن إسحاق من حديث جابر ما يدل على أن هذا الرجل هو عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي اهـ.
وقد أخرج البيهقي في الدلائل حديث الربيع بن أنس المتقدم عن يونس بن بكر، وزاد فيه أنهم -أي المسلمين- كانوا اثني عشر ألفا منهم ألفان من أهل مكة، أقول : وأما العشرة الآلاف فهم أصحابه الذين فتح بهم مكة. وفي البخاري من حديث هشام بن زيد عن أنس عبارة مبهمة ؛ بل غلط في هذا العدد، قال : لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بنعمهم وذراريهم، ومع النبي عشرة آلاف من الطلقاء، فأدبروا عنه حتى بقي وحده، فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما فقال :( يا معشر الأنصار )، فقالوا لبيك يا رسول الله نحن معك. ثم التفت عن يساره ( فذكر مثل ذلك ) الخ، فقوله من الطلقاء غلط، وفي رواية له : ومن الطلقاء، وهي مبهمة كما يعلم من رواية مسلم وهي «ومعه الطلقاء» الخ، ومن رواية البيهقي التي تقدمت آنفا. وهؤلاء الطلقاء كانوا ألفين. وكان حال بعض الألفين وخفة بعض الشبان هما السبب الأول للهزيمة، إذ كان بعضهم منافقا أظهر الإسلام لما غلب على أمره ووطنه ومهد دينه ومعهد عزه وكبريائه، وبعضهم ضعيف الإيمان، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتألفهم إلى أن يظهر لهم نور الإسلام وفضله بالعمل ومعاشرته صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين الصادقين، ويزول ما كان في قلوبهم من ألفة الشرك وعداوة الإسلام، حتى إن بعضهم أظهر الشماتة- بل الكفر- عند ما وقعت الهزيمة، وكان منهم من ينوي قتل النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمكنته الفرصة، كما يعلم من الروايات الصحيحة الآتية في القصة.
وأما السبب الثاني للهزيمة فهو مثل ما سبق في وقعة أحد من ظهور المسلمين على المشركين، وإقبالهم على الغنائم واشتغالهم بها عن القتال، وعند ذلك استقبلتهم هوازن وبنو نصر بالسهام، وكانوا رماة لا يكاد يخطئ لهم سهم.
روى الشيخان وغيرهما من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه وسأله رجل من قيس : أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ؟ فقال : لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، كانت هوازن رماة، وأنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء ـ وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بلجامها ـ وهو يقول :
أنــا النبـي لا كـذبْ أنــا ابن عـبد المطـلب
وفي رواية لمسلم قال : جاء رجل إلى البراء فقال : أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة ؟ فقال : أشهد على نبي الله صلى الله عليه وسلم ما ولى. ولكنه انطلق إخفاء من الناس، وحسر إلى هذا الحي من هوازن- وهم قوم رماة- فرموهم برشق من نبل -كأنها رجل من جراد- فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغتة، فنزل ودعا واستنصر، وهو يقول :
أنــا النـبـي لا كـذب أنــا ابن عبـد المطـلب
( اللهم انزل نصرك ). قال البراء : كنا والله إذا احمّر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي صلى الله عليه وسلم.
وروى مسلم أيضا من حديث سلمة بن الأكوع قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا، فلما واجهنا العدو وتقدمت فأعلو ثنية فاستقبلني رجل من العدو فأرميه بسهم فتوارى عني، فما دريت ما أصنع، ونظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوا هم وصحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فولى صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وأرجع منهزما وعلي بردتان مئتزرا بأحدهما، مرتديا بالأخرى، فاستطلق إزاري فجمعتهما جميعا، ومررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهزما - وهو على بغلته الشهباء- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لقد رأى ابن الأكوع فزعا )، فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض ثم استقبل به وجوههم فقال :( شاهت الوجوه )، فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله عز وجل، وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين. ١ اهـ.
عدد من ثبت معه صلى الله عليه وسلم في حنين :
قال الحافظ في شرح حديث البراء من فتح الباري عند قوله : وأبو سفيان بن الحارث آخذ برأس بغلته البيضاء- بعد بيان أن الحارث هذا هو ابن عبد المطلب عمه صلى الله عليه وسلم- ما نصه : وعند ابن أبي شيبة من مرسل الحكم بن عتيبة قال : لما فر الناس يوم حنين جعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول :
أنا النبـي لا كـذب أنا ابـن عبد المطلـب
فلم يبق معه إلا أربعة نفر : ثلاثة من بني هاشم ورجل من غيرهم : علي والعباس بين يديه، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان، وابن مسعود من الجانب الأيسر، ( قال ) : وليس يقبل نحوه أحد إلا قتل.
وروى الترمذي من حديث ابن عمر بإسناد حسن قال : لقد رأيتنا يوم حنين وإن الناس لمولون، وما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة رجل، وهذا أكثر ما وقفت عليه من عدد من ثبت يوم حنين.
وروى أحمد والحاكم من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين فولى عنه الناس، وثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين والأنصار، فكنا على أقدامنا ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة. وهذا لا يخالف حديث ابن عمر فإنه نفي أن يكونوا مائة، وابن مسعود أثبت أنهم كانوا ثمانين.
وأما ما ذكره النووي في شرح مسلم أنه ثبت معه اثنا عشر رجلا فكأنه أخذه مما ذكره ابن إسحاق في حديثه أنه ثبت معه العباس وابنه الفضل وعلي وأبو سفيان بن الحارث وأخوه ربيعة وأسامة بن زيد وأخوه من أمه أيمن ابن أم أيمن، ومن المهاجرين أبو بكر وعمر، فهؤلاء تسعة، وقد تقدم ذكر ابن مسعود في مرسل الحاكم فهؤلاء عشرة، ووقع في شعر العباس بن عبد المطلب أن الذين ثبتوا معه كانوا عشرة فقط وذلك قوله :
نصرنا رسول الله في الحرب تسعة وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا٢
وعاشرنا وافى الحمـام بنفســه لمـا مسه في الله لا يتوجـع
ولعل هذا هو الثبت، ومن وزاد على ذلك يكون عجل في الرجوع، فعد فيمن لم ينهزم، وممن ذكر الزبر بن بكار وغيره أنه ثبت يوم حنين جعفر بن أبي سفيان بن الحارث وقثم بن العباس وعتبة ومتعب ابنا أبي لهب وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب وشيبة بن عثمان الحجبي فقد ثبت عنه أنه لما رأى الناس قد انهزموا استدبر النبي صلى الله عليه وسلم ليقتله، فأقبل عليه فضربه في صدره، وقال له :( قاتل الكفار )، فقاتلهم حتى انهزموا. اهـ.
ونقل ابن القيم عن ابن إسحاق بسنده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط إنما ننحدر فيه انحدارا، قال : وفي عماية الصبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي فكمنوا لنا في شعابه وأجنابه ومضايقه، قد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا، فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد، وانشمر الناس راجعين لا يلوي أحد منهم على أحد. وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات الميين ثم قال :( إلى أين أيها الناس ؟ هلم إلي أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله )، وبقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من المهاجرين وأهل بيته، وفيمن ثبت معه من المهاجرين أبو بكر وعمر، ومن أهل بيته علي والعباس وأبو سفيان بن الحارث وابنه والفضل بن العباس وربيعة بن الحارث وأسامة بن زيد وأيمن ابن أم أيمن ـ وقتل يومئذ ـ.

ظهور شماتة المنافقين بالهزيمة :

قال ابن إسحاق : ولما انهزم المسلمون ورأى من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم من جفاة أهل مكة الهزيمة تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الطعن، فقال أبو سفيان بن حرب : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وإن الأزلام لمعه في كنانته. وصرح جبلة بن الجنيد ـ وقال ابن هشام : صوابه كلدة ـ : ألا قد بطل السحر اليوم. فقال له صفوان أخوه لأمه -وكان بعد مشركا- : اسكت، فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن.
وذكر ابن سعد عن شيبة بن عثمان الحجبي قال : لما كان عام الفتح دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة، قلت : أسير مع قريش إلى هوازن بحنين، فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمد غرة فأثأر منه، فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها، وأقول : لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدا ما تبعته أبدا. وكنت مرصدا لما خرجت له، لا يزداد الأمر في نفسي إلا قوة. فلما اختلط الناس اقتحم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بغلته فأصلتُّ السيف، فدنوت أريد ما أريد منه، ورفعت سيفي حتى كدت أشعره إياه، فرفع لي شواظ من نار كالبرق يكاد يمحشني، فوضعت يدي على بصري خوفا عليه، فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فناداني ( يا شيب ادن مني )، فدنوت منه فمسح صدري، ثم قال ( اللهم أعذه من الشيطان )، قال : فوالله لهو كان ساعتئذ أحب إلي من سمعي وبصري ونفسي، وأذهب الله ما كان في نفسي. ثم قال :( ادن فقاتل )، فتقدمت أمامه أضرب بسيفي، الله أعلم أني أحب أن أقيه بنفسي كل شيء- ولو لقيت تلك الساعة أبي لو كان حيا لأوقعت به السيف- فجعلت ألزمه فيمن لزمه حتى تراجع المسلمون فكروا كرة رجل واحد، وقربت بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستوى عليها، وخرج في إثرهم حتى تفرقوا في كل وجه، ورجع إلى معسكره فدخل خباءه فدخلت عليه ما دخل عليه أحد غيري حبا لرؤية وجهه وسرورا به، فقال :( يا شيب ! الذي أراد الله بك خير مما أردت لنفسك )، ثم حدثني بكل ما أضمرت في نفسي مما لم أكن أذكره لأحد قط. ( قال ) : فقلت : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. ثم قلت : استغفر لي، فاستغفر لي فقال :( غفر الله لك ) اهـ. وروي نحو من هذا عن النضر

فصل في أصح الروايات المفسرة لإجمال هذه الآيات

الخروج إلى حنين والقتال والهزيمة :

قال الحافظ في أول الكلام على هذه الغزوة من الفتح : قال أهل المغازي : خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حنين لست خلت من شوال. وقيل : لليلتين بقيتا من رمضان. وجمع بعضهم بأنه بدأ بالخروج في أواخر رمضان وسار سادس شوال، وكان وصوله إليها في عاشره. وكان السبب في ذلك أن مالك بن عوف النضري جمع القبائل من هوازن، ووافقه على ذلك الثقفيون، وقصدوا محاربة المسلمين، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم، قال عمر بن شيبة في كتاب مكة : حدثنا الحزامي - يعني إبراهيم بن المنذر ـ حدثنا ابن وهب عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة أنه كتب إلى الوليد : أما بعد فإنك كتبت إلي تسألني عن قصة الفتح ـ فذكر له وقتها ـ فأقام عامئذ بمكة نصف شهر ولم يزد على ذلك حتى أتاه أن هوازن وثقيفا قد نزلوا حنينا يريدون قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا قد جمعوا إليه ورئيسهم عوف بن مالك. ولأبي داود بإسناد حسن من حديث سهل ابن الحنظلية أنهم ساروا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى حنين فأطنبوا السير، فجاء رجل فقال : إني انطلقت من بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشائهم قد اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :)تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله تعالى ). وعند ابن إسحاق من حديث جابر ما يدل على أن هذا الرجل هو عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي اهـ.
وقد أخرج البيهقي في الدلائل حديث الربيع بن أنس المتقدم عن يونس بن بكر، وزاد فيه أنهم -أي المسلمين- كانوا اثني عشر ألفا منهم ألفان من أهل مكة، أقول : وأما العشرة الآلاف فهم أصحابه الذين فتح بهم مكة. وفي البخاري من حديث هشام بن زيد عن أنس عبارة مبهمة ؛ بل غلط في هذا العدد، قال : لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بنعمهم وذراريهم، ومع النبي عشرة آلاف من الطلقاء، فأدبروا عنه حتى بقي وحده، فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما فقال :( يا معشر الأنصار )، فقالوا لبيك يا رسول الله نحن معك. ثم التفت عن يساره ( فذكر مثل ذلك ) الخ، فقوله من الطلقاء غلط، وفي رواية له : ومن الطلقاء، وهي مبهمة كما يعلم من رواية مسلم وهي «ومعه الطلقاء» الخ، ومن رواية البيهقي التي تقدمت آنفا. وهؤلاء الطلقاء كانوا ألفين. وكان حال بعض الألفين وخفة بعض الشبان هما السبب الأول للهزيمة، إذ كان بعضهم منافقا أظهر الإسلام لما غلب على أمره ووطنه ومهد دينه ومعهد عزه وكبريائه، وبعضهم ضعيف الإيمان، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتألفهم إلى أن يظهر لهم نور الإسلام وفضله بالعمل ومعاشرته صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين الصادقين، ويزول ما كان في قلوبهم من ألفة الشرك وعداوة الإسلام، حتى إن بعضهم أظهر الشماتة- بل الكفر- عند ما وقعت الهزيمة، وكان منهم من ينوي قتل النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمكنته الفرصة، كما يعلم من الروايات الصحيحة الآتية في القصة.
وأما السبب الثاني للهزيمة فهو مثل ما سبق في وقعة أحد من ظهور المسلمين على المشركين، وإقبالهم على الغنائم واشتغالهم بها عن القتال، وعند ذلك استقبلتهم هوازن وبنو نصر بالسهام، وكانوا رماة لا يكاد يخطئ لهم سهم.
روى الشيخان وغيرهما من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه وسأله رجل من قيس : أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ؟ فقال : لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، كانت هوازن رماة، وأنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء ـ وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بلجامها ـ وهو يقول :
أنــا النبـي لا كـذبْ أنــا ابن عـبد المطـلب
وفي رواية لمسلم قال : جاء رجل إلى البراء فقال : أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة ؟ فقال : أشهد على نبي الله صلى الله عليه وسلم ما ولى. ولكنه انطلق إخفاء من الناس، وحسر إلى هذا الحي من هوازن- وهم قوم رماة- فرموهم برشق من نبل -كأنها رجل من جراد- فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغتة، فنزل ودعا واستنصر، وهو يقول :
أنــا النـبـي لا كـذب أنــا ابن عبـد المطـلب
( اللهم انزل نصرك ). قال البراء : كنا والله إذا احمّر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي صلى الله عليه وسلم.
وروى مسلم أيضا من حديث سلمة بن الأكوع قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا، فلما واجهنا العدو وتقدمت فأعلو ثنية فاستقبلني رجل من العدو فأرميه بسهم فتوارى عني، فما دريت ما أصنع، ونظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوا هم وصحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فولى صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وأرجع منهزما وعلي بردتان مئتزرا بأحدهما، مرتديا بالأخرى، فاستطلق إزاري فجمعتهما جميعا، ومررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهزما - وهو على بغلته الشهباء- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لقد رأى ابن الأكوع فزعا )، فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض ثم استقبل به وجوههم فقال :( شاهت الوجوه )، فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله عز وجل، وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين. ١ اهـ.
عدد من ثبت معه صلى الله عليه وسلم في حنين :
قال الحافظ في شرح حديث البراء من فتح الباري عند قوله : وأبو سفيان بن الحارث آخذ برأس بغلته البيضاء- بعد بيان أن الحارث هذا هو ابن عبد المطلب عمه صلى الله عليه وسلم- ما نصه : وعند ابن أبي شيبة من مرسل الحكم بن عتيبة قال : لما فر الناس يوم حنين جعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول :
أنا النبـي لا كـذب أنا ابـن عبد المطلـب
فلم يبق معه إلا أربعة نفر : ثلاثة من بني هاشم ورجل من غيرهم : علي والعباس بين يديه، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان، وابن مسعود من الجانب الأيسر، ( قال ) : وليس يقبل نحوه أحد إلا قتل.
وروى الترمذي من حديث ابن عمر بإسناد حسن قال : لقد رأيتنا يوم حنين وإن الناس لمولون، وما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة رجل، وهذا أكثر ما وقفت عليه من عدد من ثبت يوم حنين.
وروى أحمد والحاكم من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين فولى عنه الناس، وثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين والأنصار، فكنا على أقدامنا ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة. وهذا لا يخالف حديث ابن عمر فإنه نفي أن يكونوا مائة، وابن مسعود أثبت أنهم كانوا ثمانين.
وأما ما ذكره النووي في شرح مسلم أنه ثبت معه اثنا عشر رجلا فكأنه أخذه مما ذكره ابن إسحاق في حديثه أنه ثبت معه العباس وابنه الفضل وعلي وأبو سفيان بن الحارث وأخوه ربيعة وأسامة بن زيد وأخوه من أمه أيمن ابن أم أيمن، ومن المهاجرين أبو بكر وعمر، فهؤلاء تسعة، وقد تقدم ذكر ابن مسعود في مرسل الحاكم فهؤلاء عشرة، ووقع في شعر العباس بن عبد المطلب أن الذين ثبتوا معه كانوا عشرة فقط وذلك قوله :
نصرنا رسول الله في الحرب تسعة وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا٢
وعاشرنا وافى الحمـام بنفســه لمـا مسه في الله لا يتوجـع
ولعل هذا هو الثبت، ومن وزاد على ذلك يكون عجل في الرجوع، فعد فيمن لم ينهزم، وممن ذكر الزبر بن بكار وغيره أنه ثبت يوم حنين جعفر بن أبي سفيان بن الحارث وقثم بن العباس وعتبة ومتعب ابنا أبي لهب وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب وشيبة بن عثمان الحجبي فقد ثبت عنه أنه لما رأى الناس قد انهزموا استدبر النبي صلى الله عليه وسلم ليقتله، فأقبل عليه فضربه في صدره، وقال له :( قاتل الكفار )، فقاتلهم حتى انهزموا. اهـ.
ونقل ابن القيم عن ابن إسحاق بسنده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط إنما ننحدر فيه انحدارا، قال : وفي عماية الصبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي فكمنوا لنا في شعابه وأجنابه ومضايقه، قد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا، فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد، وانشمر الناس راجعين لا يلوي أحد منهم على أحد. وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات الميين ثم قال :( إلى أين أيها الناس ؟ هلم إلي أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله )، وبقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من المهاجرين وأهل بيته، وفيمن ثبت معه من المهاجرين أبو بكر وعمر، ومن أهل بيته علي والعباس وأبو سفيان بن الحارث وابنه والفضل بن العباس وربيعة بن الحارث وأسامة بن زيد وأيمن ابن أم أيمن ـ وقتل يومئذ ـ.

ظهور شماتة المنافقين بالهزيمة :

قال ابن إسحاق : ولما انهزم المسلمون ورأى من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم من جفاة أهل مكة الهزيمة تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الطعن، فقال أبو سفيان بن حرب : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وإن الأزلام لمعه في كنانته. وصرح جبلة بن الجنيد ـ وقال ابن هشام : صوابه كلدة ـ : ألا قد بطل السحر اليوم. فقال له صفوان أخوه لأمه -وكان بعد مشركا- : اسكت، فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن.
وذكر ابن سعد عن شيبة بن عثمان الحجبي قال : لما كان عام الفتح دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة، قلت : أسير مع قريش إلى هوازن بحنين، فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمد غرة فأثأر منه، فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها، وأقول : لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدا ما تبعته أبدا. وكنت مرصدا لما خرجت له، لا يزداد الأمر في نفسي إلا قوة. فلما اختلط الناس اقتحم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بغلته فأصلتُّ السيف، فدنوت أريد ما أريد منه، ورفعت سيفي حتى كدت أشعره إياه، فرفع لي شواظ من نار كالبرق يكاد يمحشني، فوضعت يدي على بصري خوفا عليه، فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فناداني ( يا شيب ادن مني )، فدنوت منه فمسح صدري، ثم قال ( اللهم أعذه من الشيطان )، قال : فوالله لهو كان ساعتئذ أحب إلي من سمعي وبصري ونفسي، وأذهب الله ما كان في نفسي. ثم قال :( ادن فقاتل )، فتقدمت أمامه أضرب بسيفي، الله أعلم أني أحب أن أقيه بنفسي كل شيء- ولو لقيت تلك الساعة أبي لو كان حيا لأوقعت به السيف- فجعلت ألزمه فيمن لزمه حتى تراجع المسلمون فكروا كرة رجل واحد، وقربت بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستوى عليها، وخرج في إثرهم حتى تفرقوا في كل وجه، ورجع إلى معسكره فدخل خباءه فدخلت عليه ما دخل عليه أحد غيري حبا لرؤية وجهه وسرورا به، فقال :( يا شيب ! الذي أراد الله بك خير مما أردت لنفسك )، ثم حدثني بكل ما أضمرت في نفسي مما لم أكن أذكره لأحد قط. ( قال ) : فقلت : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. ثم قلت : استغفر لي، فاستغفر لي فقال :( غفر الله لك ) اهـ. وروي نحو من هذا عن النضر
يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم( ٢٨ )
تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر رضي الله عنه إذ أمَّره على الحج سنة تسع أن يبلغ الناس أنه لا يحج بعد ذك العام مشرك، ثم أمر علياً رضي الله عنه أن يتبع أبا بكر فيقرأ على الناس أوائل سورة براءة يوم الحج الأكبر، وأن ينادي بأن لا يحج بعد ذلك العام مشرك. وقد كانت هذه الآية من الآيات الأربعين التي أمر علي كرم الله وجهه بالنداء بها وهي أبلغ من منع المشركين من الحج كما سيأتي.
ولفظ ( نجس ) فيها بالتحريك مصدر نجس الشيء( من باب تعب )، فهو نجس- بكسر الجيم إذا كان قذراً غير نظيف، والاسم النجاسة. والوصف بالمصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع من كل منهما، ويراد به المبالغة في الوصف بجعل الموصوف كأنه عين الصفة. وإذا وصف الإنسان بأنه نجس أريد به أنه شرير خبيث النفس، وإن كان طاهر البدن والثوب في الحس. وإذا وصف به الداء أو صاحبه أريد به أنه عضال لا يبرأ، ولم يذكر هذا اللفظ ولا كلمة من هذه المادة في غير هذه الآية من التنزيل، وهو يستعمل في اللغة بمعنى القذر والخبيث حسا أو معنى كالرجس الذي تكرر ذكره فيه كما تقدم في تفسير آية التحريم الخمر من سورة المائدة ( ج٧ تفسير ).
وفي لسان العرب : النجس والنجس ( بالفتح والكسر ) والنجس بالتحريك القذر من الناس ومن كل شيء قذرته، ثم قال : وداء نجس وناجس ونجيس عقام لا يبرأ منه، وقد يوصف به صاحب الداء. والنجس اتخاذ عوذة للصبي وقد نجَّس له ونجَّسه عوذه. ( قال )الجوهري : والتنجيس شيء كانت العرب تفعله كالعوذة تدفع بها العين. ( وقال ) الليث : المنجس الذي يعلق عليه عظام أو خرق. ويقال للمعوذ : منجّس، وكان أهل الجاهلية يعلقون على الصبي ومن يخاف عليه عيون الجن الأقذار من خرق المحيض ويقولون الجن لا تقربها اه ملخصا بحروفه، وفيه أن المراد من التنجس رفع النجس يعني ضرر الجن كالتحرج والتأثم والتحنث، وهو الفعل الذي يخرج به فاعله من الحرج والإثم والحنث.
وقال الراغب : النجاسة القذارة، وذلك ضربان : ضرب يدرك بالحاسة وضرب يدرك بالبصيرة. والثاني وصف الله به المشركين فقال : إنما المشركون نجس ويقال نجسه إذا جعله نجساً، ونجسه أيضا أزال نجسه. ومنه تنجيس العرب، وهو شيء كانوا يفعلونه من تعليق عوذة على الصبي ليدفعوا عنه نجاسة الشيطان. والناجس والنجيس داء خبيث لا دواء له اه.
أقول : لا تزال سلائل العرب في البدو والحضر يقولون فلان نجس بمعنى خبيث ضار مؤذ. كما أن الجاهلين منهم بالإسلام لا يزالون يعلقون التناجيس والتعاويذ على الأولاد لوقايتهم من الجن والعين الخبيثة من الإنس. وكذلك العبرانيون يسمون الداء العضال نجساً وصاحبه نجساً وشفاءه طهارة.
وظاهر كلام الراغب وغيره أن إطلاق النجس على القذر والخبث الحسي والمعنوي حقيقة فيهما، وهو الذي أفهمه، ومنه المعاصي والداء العضال، وقد ذكرهما الزمخشري في قسم الحقيقة، ونقل قول الحسن في رجل تزوج امرأة قد زنى بها : هو أنجسها، فهو أحق بها. وقولهم في الداء وذكر منها شاهداً في البيت قول ساعدة بن جؤية :
والشيب داء نجيس لا دواء له للمرء كان صحيحا صائب القحَم١
وفسره بقوله : أي هو داء عياء للرجل الصحيح الجلد الذي إذا تقحم في الشدائد صاب فيها ولم يخطئ.
قال : ومن المجاز الناس أجناس، وأكثرهم أنجاس، ونجسته الذنوب إنما المشركون نجس وتقول لا ترى أنجس من الكافر، ولا أنجس من الفاجر اه.
هذا تحقيق معنى النجس والنجاسة في اللغة. وأما في عرف الفقهاء فالنجس ما يجب التطهير لما يصيبه، سواء أكان قذراً في الحس كالبول والغائط أم لا كالخمر والخنزير والكلب عند من يقول بنجاسة أعيانها وهم الأكثرون. ومن ثم قال بعضهم بنجاسة أعيان المشركين ووجوب تطهير ما تصيبه أبدانهم مع البلل. وحكي هذا القول عن ابن عباس والحسن البصري ومالك، وعن الهادي والقاسم والناصر من أئمة العترة، وهو مذهب جمهور الظاهرية والشيعة الإمامة. وجمهور السلف والخلف على خلافه، ومنهم أهل المذاهب الأربعة، والآية ليست نصا ولا ظاهراً راجحاً فيه، والسنة العملية لا تؤيده بل تنفيه، ولا سيما قول من يجعل أهل الكتاب مشركين كالإمامية، فإن إباحة طعام أهل الكتاب ونكاح نسائهم نزل في سورة المائدة وهي آخر ما نزل، فهي بعد سورة التوبة بالإجماع، وإباحتهما تستلزم طهارتهما.
ومن المعلوم القطعي لكل مطلع على السيرة النبوية وتاريخ ظهور الإسلام بالضرورة أن المسلمين كانوا يعاشرون المشركين ويخالطونهم- ولا سيما بعد صلح الحديبية- إذ امتنع اضطهاد المشركين وتعذيبهم لمن لا عصبية له ولا جوار يمنعه منهم، وكانت رسلهم ووفودهم ترد على النبي صلى الله عليه وسلم ويدخلون مسجده، وكذلك أهل الكتاب كنصارى نجران واليهود، ولم يعامل أحد أحداً منهم معاملة الأنجاس، ولم يأمر بغسل شيء مما أصابته أبدانهم، بل روي عنه ما يدل على خلاف ذلك مما احتج به الجمهور على طهارة أبدانهم من الأحاديث الصحيحة، ومنها أنه صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة مشركة، وأكل من طعام اليهود، وربط ثمامة بن أثال وهو مشرك بسارية من سواري المسجد، ومنها إطعامه هو وأصحابه للوفد من الكفار ولم يأمر صلى الله عليه وسلم بغسل الأواني التي كانوا يأكلون ويشربون فيها، وروى أحمد وأبو داود من حديث جابر بن عبد الله قال : كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم فنستمتع بها ولا يعيب ذلك علينا.
وقد استدل القائلون بنجاسة الكافر بمفهوم حديث( إن المؤمن لا ينجس )٢، وقد رواه الجماعة كلهم من حديث أبي هريرة وجاء بلفظ«المسلم » من حديث حذيفة رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي، وهو مفهوم لقب وليس بحجة عند الجمهور القائلين بمفهوم المخالفة، وأبو حنيفة لا يقول به. واستدلوا أيضا بحديث الأمر بغسل آنية أهل الكتاب والأكل فيها إن لم يوجد غيرها وهو في الصحيحين من حديث أبي ثعلبة، وقد بين أبو داود علته وهو قوله : إنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر. وكذا حديث إنقاء أواني المجوس غسلاً والطبخ فيها، وهذا كله من الأمر بالنظافة، ولا دلالة فيه على نجاسة أعيان الناس بمعنى القذر الذي يزال بالغسل.
وجملة القول : إن لفظ النجس في القرآن جاء بالمعنى اللغوي المعروف عند العرب لا بالمعنى العرفي عند الفقهاء، وكانت العرب تصف بعض الناس بالنجس وتريد به الخبث المعنوي كالشر والأذى، وإلا لما وصفوا به بعض الناس دون بعض، كما تقدم في قول الأساس : الناس أجناس، وأكثرهم أنجاس. ولا يطلقون النجس بمعنى القذر الذي يطلب غسله حتى إذا زال سمي طاهراً إلا فيما يدرك قذره وخبثه بالحس كالرائحة القبيحة.
هذا هو الحق الظاهر. وما أفك عنه من أفك إلا بتحكيم الاصطلاحات الفقهية وغيرها في استعمال اللغة الفصحى التي نزل بها القرآن، ومن الغريب أخذ الرازي الشافعي المذهب بالقول الشاذ المخالف للحس، واستعمال اللغة في نجاسة المشركين بعد بيان الشافعي العربي وأصحابه لبطلانه، وقد اتبعه الألوسي في ذلك على سعة اطلاعه في الفقه واللغة وكان شافعيا ثم صار مفتيا للحنفية. وما أطلت في هذا البحث اللغوي، إلا لتفنيد رأيهما حتى لا يغتر به أحد في هذا العصر الذي صار فيه الكثيرون من الشعوب غير الإسلامية أشد عناية من المسلمين بالنظافة التي جعلها المقلدون أحكاما تعبدية يكابرون فيها الحس واللغة والقياس وحكمة الشارع. ويوقعون مقلديهم في أشد الحرج في السفر، وفي عداوة البشر. إذا فهمت هذا فهاك تفسير الآية.
يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا أي ليس المشركون كما تعلمون من حالهم إلا أنجاسا فاسدي الاعتقاد، يشركون بالله ما لا ينفع ولا يضر، فيعبدون الرجس من الأوثان والأصنام، ويدينون بالخرافات والأوهام، ولا يتنزهون عن النجاسات ولا الآثام، ويأكلون الميتة والدم من الأقذار الحسية، ويستحلون القمار والزنا من الأرجاس المعنوية، ويستبيحون الأشهر الحرم. وقد تمكنت صفات النجس منهم حساً ومعنى حتى كأنهم عينه وحقيقته، فلا تمكنوهم بعد هذا العام أن يقربوا المسجد الحرام بدخول أرض الحرم فضلاً عن دخول البيت نفسه وطوافهم عراة فيه، يشركون بربهم في التلبية، وإذا صلوا لم تكن صلاتهم عنده إلا مكاء وتصدية. وقيل المراد بنجاستهم تلبسهم بها دائما لعدم تعبدهم بالطهارة كالمسلمين، وقول الجمهور بأن المراد النجاسة المعنوية أظهر، والجمع بين القولين أولى لأنه أعم.
وأما القول بنجاسة أعيانهم فهو لا معنى له في لغة القرآن إلا قذارتها الذاتية ونتنها، وذوات المشركين كذوات سائر البشر بشهادة الحس، ومن كابر شهادة الحس كابر دلالة النظر العقلي واللغوي بالأولى. ولا يصح أن تكون نجاسة تعبدية إلا بنص صريح في إيجاب غسل ما اتصل بها مع البلل، وهو لا وجود له وإنما الموجود خلافه كما تقدم. وقد اتبع القائلون به سنن بعض وثنيي الهند وبعض متعصبي النصارى الذين يعدون كل من لم يعتمد نجساً وما هذا بمذهب، ولكنه من سخافات التعصب، وقد كان هؤلاء ولا يزالون يرون أن هذه المعمودية٣ تغني صاحبها على الغسل من الجنابة أو مطلقا، وحكي لنا عن كثير منهم أنه تمر عليه الشهور والأحوال ولا يغتسل فيها لأجل ذلك، ويعلل بعض قسوسهم المتعصبين عناية المسلمين بالطهارة من الأحداث والأنجاس بأن أبدانهم يخرج منها الدود دائما لعدم تعمدهم، وقد حدثنا فضلاء المصريين أنه كان في فرنسة فرأى أن غلاما لصاحب الفندق الذي كان فيه ينظر في الماء الذي يتوضأ فيه الوضوء الشرعي أو اللغوي ثم يذهب إلى والدته فيوشوشها، فلما تكرر ذلك منه سأل والدته عن ذلك وما يقوله لها ؟ فتمنعت فألح فأخبرته أنه يقول لها يا أمي إنني لا أرى في الماء الذي يغسل فيه هذا المسلم وجهه ويديه دودا كما قال لنا معلمنا القسيس ! ! !.
وقد اختلف الفقهاء في دخول غير المشركين من الكفار المسجد الحرام وغيره من المساجد وبلاد الإسلام، وقد لخص أقوالهم البغوي في تفسير الآية، ونقله عنه الخازن ببعض تصرف وبغير عزو، فقال :
وجملة بلاد الإسلام في حق الكفار ثلاثة أقسام :
أحدها : الحرم فلا يجوز لكافر أن يدخله بحال، ذمياً كان أو مستأمناً، لظاهر هذه الآية، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك، فلو جاء رسول من دار الكفر والإمام في الحرم فلا يأذن له في دخول الحرم ؛ بل يخرج إليه بنفسه، أو يبعث إليه من يسمع رسالته خارج الحرم، وجوز أبو حنيفة وأهل الكوفة للمعاهد دخول الحرم.
القسم الثاني من بلاد الإسلام : الحجاز، وحده ما بين اليمامة واليمن ونجد، والمدينة الشريفة قيل : نصفها تهامي ونصفها حجازي، وقيل : كلها حجازي. وقال الكلبي : حد الحجاز ما بين جبلي طيء وطريق العراق، سمي حجازا لأنه حجز بين تهامة ونجد، وقيل : لأنه حجز بين نجد والسراة، وقيل : لأنه حجز بين نجد وتهامة والشام. قال الحربي : وتبوك من الحجاز. فيجوز للكفار دخول أرض الحجاز بالإذن، ولكن لا يقيمون فيها أكثر من مقام الم
١ ـ البيت من البسيط، وهو لساعدة بن جؤية في شرح أشعار الهذليين ص ١١٢٢، ولسان العرب (قحم)، وتهذيب اللغة ٤/ ٧٨، ومجمل اللغة ٤/ ٣٧٩، ومقاييس اللغة ٥/٣٩٤، وتاج العروس (نجس)،(قحم)، وأساس البلاغة (نجس)..
٢ ـ أخرجه البخاري في الغسل باب ٢٣، ٢٤، والجنائز باب ٨، ومسلم في الحيض حديث ١١٥، ١١٦، وأبو داود في الطهارة باب ٩١، والترمذي في الطهارة باب ٨٩، والنسائي في الطهارة باب ١٧١، وابن ماجه في الطهارة باب ٨٠، وأحمد في المسند ٢/ ٢٣٥، ٣٨٢، ٤٧١، ٥/ ٣٨٤، ٤٠٢..
٣ ـ في المعجم المسمى بالمنجد لليسوعيين: اعتمد قبل المعمودية. وفيه: المعمودية أول أسرار الدين المسيحي وباب النصرانية، وهي غسل الصبي وغيره بالماء باسم الآب والابن والروح القدس اهـ. ولم يذكر تقديس كهنتهم لهذا الماء (المؤلف)..
قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون( ٢٩ )
كان كل ما تقدم من أول السورة في أحكام قتال المشركين وما يتعلق بهم، وهذه الآية في حكم قتال أهل الكتاب والغاية التي ينتهي إليها، وهي تمهيد للكلام في غزوة تبوك مع الروم من أهل الكتاب بالشام، والخروج إليها في زمن العسرة والقيظ، وما يتعلق بها من فضيحة المنافقين، وهتك الأستار عن إسرارهم للكفر، ومن تمحيص المؤمنين، ولم يقاتل النبي صلى الله عليه وسلم فيها الروم الذين خرج لقتالهم بسببه الذي سيذكر بعد، وإنما حكمة وقوع ذلك بيان هذه الأحكام، والتزييل بين المؤمنين والمنافقين ممن كانت تقع عليهم أحكام الإسلام، قبل وفاته عليه أفضل الصلاة والسلام.
روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن زيد رضي الله عنه في هذه الآية : قال لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتال من يليه من العرب أمره ( تعالى ) بجهاد أهل الكتاب.
وروى ابن المنذر عن ابن شهاب قال : أنزلت في كفار قريش والعرب وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله [ البقرة : ١٩٣ ]، وأنزلت في أهل الكتاب قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى قوله حتى يعطوا الجزية ، فكان أول من أعطى الجزية أهل نجران، قبل وفاته عليه أفضل الصلاة والسلام.
وروى ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ابن حبان والبيهقي في سننه عن مجاهد قال : نزلت هذه الآية حين أمر محمد صلى الله عليه وسلم بغزوة تبوك، وروى ابن أبي شيبة والبيهقي في سننه عن مجاهد أيضا قال : يقاتَل أهل الأوثان على الإسلام، ويقاتل أهل الكتاب على الجزية.
وروى ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن الحسن قال : قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذه الجزيرة من العرب على الإسلام لم يقبل منهم غيره وكان أفضل الجهاد، وكان بعده جهاد آخر على هذه الآية في شأن أهل الكتاب قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله الآية. أقول : وهذا أصح وأدق مما قبله من رأي مجاهد ومن وافقه من الفقهاء في قتال الوثنيين، وأنه لا فرق بينهم وبين مشركي العرب في الحجاز والجزيرة، فقد بينا مرارا أن سياسة الإسلام في عرب الجزيرة خاصة بهم وبها.
واعلم أن هذه الآية في قتال أهل الكتاب، وما قبلها في قتال مشركي العرب ليس أول ما نزل في التشريع الحربي، وإنما هو في غايته. وأما أول ما نزل في ذلك فقد بينا مراراً أنه آيات سورة الحج أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا [ الحج : ٣٩ ] الخ ثم قوله تعالى من سورة البقرة وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا [ البقرة : ١٩٠ ] الآيات وفي تفسيرها ما اختاره شيخنا من أن القتال الواجب في الإسلام إنما شرع للدفاع عن الحق وأهله وحماية الدعوة ونشرها، ولذلك اشترط فيه أن يقدم عليه الدعوة إلى الإسلام، وقال : إن غزوات النبي صلى الله عليه وسلم كانت كلها دفاعا وكذلك حروب الصحابة في الصدر الأول، ثم كان القتال بعد ذلك من ضرورة الملك، وكان في الإسلام مثال الرحمة والعدل ( ج ٢ تفسير )، وسنفصل ذلك بعد تفسير هذه الآية.
قال تعالى : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب فوصف أهل الكتاب الذين بين حكم قتالهم بأربع صفات سلبية هي علة عداوتهم للإسلام ووجوب خضوعهم لحكمه في داره ؛ لأن إقرارهم على الاستقلال وحمل السلاح فيه يفضي إلى قتال المسلمين في دارهم ومساعدة من يهاجمهم فيها، كما فعل يهود المدينة وما حولها بعد تأمين النبي صلى الله عليه وسلم إياهم وجعلهم حلفاء له، وسمح لهم بالحكم فيما بينهم بشرعهم فوق السماح لهم بأمور العبادة كما تقدم في سورة الأنفال( ٤٨ ٦٠ ج ١٠ )، وكما فعل نصارى الروم في حدود البلاد العربية كما يأتي عند الكلام على غزوة تبوك. وهذه الأمور الأربعة التي أسند إليهم تركها هي أصول الدين الإلهي عند كل أمة -كما بينه تعالى في آية ( ٢ : ٦٢ )- وقد أمر هنا بقتال الذين لا يقيمونها عند ما يقوم السبب الشرعي لقتالهم حتى يعطوا الجزية بشرطها، فذكر الإيمان بالله واليوم الآخر، ووضع تركهم لتحريم ما حرم الله ورسوله وترك الخضوع لدين الحق في موضع العمل الصالح من تلك الآية، وسيأتي الكلام فيه.
وإنك ترى في بعض كتب التفسير المتداولة أن هذه الآية تدل على عدم إيمان أهل الكتاب بالله واليوم الآخر الخ، وزعم بعضهم أنها نص في ذلك، وغرضهم من هذا أن هذه الصفات ليست قيودا في شرعية قتالهم ؛ بل هي بيان للواقع لا مفهوم لها، فلا يقال إنه إذا وجد من أهل الكتاب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويحرم ما حرم الله ورسوله إليهم على المختار من أن المراد بالرسول عند كل منهم رسولهم، ويدين دين الحق باعتقادهم فإنهم لا يدخلون في هذا الحكم. وقالوا : إن أولئك الذين دلت آية سورة البقرة على إقامتهم لأركان الدين الإلهي هم الذين كانوا متبعين لأنبيائهم في زمانهم، أو قبل تحريفهم لكتابهم، والابتداع في دينهم حتى الشرك، أو الذين اتبعوا خاتم الرسل الذي نسخ كتابه الكتب التي قبله، والشرائع المخالفة لشرعه، بعد بعثته وبلغ دعوته. وقد بينا هذه الأقوال في تفسير تلك الآية. وصرح الفخر الرازي بأن هذه الصفات السلبية قيود تشترط في قتالهم ولكنهم فاقدون لها، فإن وجد منهم قوم متصفون بها حرم علينا بدؤهم بالقتال.
فأما الإيمان بالله تعالى فقد شهد القرآن بأن الفريقين فقدوه بهدم ركنه الأعظم وهو التوحيد، فإنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله يشرعون لهم العبادات والحلال والحرام فيتبعونهم، وذلك حق الرب وحده، فقد أشركوهم به في الربوبية، ومنهم من أشرك في الألوهية كالذين قالوا عزير ابن الله، والذين قالوا المسيح ابن الله، أو هو الله، وسيأتي هذا وذاك في هذا السياق من السورة.
وقد توسع الرازي في المسألة بأساليبه الكلامية فقال :«التحقيق أن أكثر اليهود مشبهة، والمشبه يزعم أن لا موجود إلا الجسم وما يحل فيه، فأما الموجود الذي لا يكون جسما ولا حالاً فيه فهو منكر له، وما ثبت بالدلائل أن الإله موجود ليس بجسم ولا حالا في جسم، فحينئذ يكون المشبه منكراً لوجود الإله، فثبت أن اليهود منكرون لوجود الإله.
«فإن قيل : فاليهود قسمان : منهم مشبهة ومنهم موحدة، كما أن المسلمين كذلك. فهب أن المشبهة منهم منكرون لوجود الإله فما قولكم في موحدة اليهود ؟ قلنا : أولئك لا يكونون داخلين تحت هذه الآية، ولكن إيجاب الجزية عليهم بأن يقال لما ثبت وجوب الجزية على بعضهم وجب القول به في حق الكل ضرورة أنه لا قائل بالفرق » اه بنصه.
وهذا الكلام الذي سماه تحقيقا ليس فيه شيء من التحقيق ولا من العلم الصحيح، وإنما هو نظريات كلامية مبنية على اصطلاحات جماعة الأشاعرة حتى في الألفاظ المفردة، فالجسم في اللغة هو الشيء الجسيم الضخم. وقال ابن دريد : هو كل شخص مدرك، وقال أبو زيد : الجسم الجسد. وفي التهذيب ما يوافقه قال : الجسم مجمع البدن وأعضاؤه من الناس والإبل والدواب ونحو ذلك مما عظم من الخلق الجسيم اه من المصباح. واليهود لا يقولون بأن الإله جسم بشيء من هذه المعاني. وتعريفه للجسم بما ذكره غير صحيح لغة ولا اصطلاحا، والإله في اللغة المعبود، واليهود لا تنكر وجود المعبود، والله هو الرب الخالق لكل شيء واليهود يثبتون هذا، وأنه واحد لا شريك له، ولكن لهم أفهاماً في نصوص التوراة يختلفون فيها كالمسلمين، ومنها ما ظاهره التشبيه، والذين يسميهم المجسمة من المسلمين ليسوا مجسمة بالمعنى الذي ذكره، وإنما يسميهم هو وأمثاله مجسمة لمخالفتهم لأمثاله المتكلمين في إثبات ما وصف الله به نفسه بلا تأويل، ولا تشبيه ولا تعطيل، وهو من متكلمي التأويل الذي يكفرون من يخالفهم في بعض تأويلاتهم لها بدعوى أن عدم تأويلها يستلزم كونه تعالى جسما، وهي دعوى باطلة ولازم المذهب ليس بمذهب عند الجمهور، ولو لم يصرح صاحبه بنفي اللزوم فكيف إذا صرح به كالسلف ومن تبعهم من الحنابلة الذين ينبزهم أمثاله بلفظ المجسمة بغير علم ولا هدى، وتأويلات أمثاله للكثير من تلك الآيات قد تستلزم التعطيل أو تخطئة التنزيل، أو قصوره عن بيان عقائد الدين وأصوله بدون كلامهم المبتدع، حتى إن بعضهم حرم قراءتها على العوام كما أنزلها الله تعالى غير مقرونة بتأويل يخرجها عن مدلول لغة القرآن، فإن كان لازم المذهب مذهباً مطلقا فهم الكافرون.
وهو قد انتقل في بحثه في اليهود واختلافهم في فهم صفات الإله إلى اختلاف المسلمين، مبتدئا بالاعتراف بأن حاصل كلامه «إن كل من نازع في صفة من صفات الله كان منكرا لوجود الله تعالى. قال : وحينئذ يلزم أن تقولوا إن أكثر المتكلمين منكرون لوجود الله ؛ لأن أكثرهم مختلفون في صفات الله تعالى ». وضرب الأمثال أولا في اختلاف أصحابه الأشعرية، ثم في اختلاف غيرهم، وتحكم في التكفير لبعض المختلفين دون بعض بالنظريات الكلامية الباطلة. وإنما أوردنا كلامه لتنفير المسلمين عن إضاعة الوقت في مثله، وفيما رتبه عليه من الحكم الشرعي المتعارض، وهو زعمه أن غير المجسمة من اليهود لا يدخلون تحت حكم هذه الآية في القتال، ولكن يدخلون تحتها في إيجاب الجزية عليهم، واستدلاله على هذا بأنه لما وجبت الجزية على بعضهم «وجب القول به في حق الكل ؛ إذ لا قائل بالفرق » !

ويرد عليه :

أولا : إنه لا قائل أيضا بالفرق بين حكم القتال وحكم الجزية الذي هو غاية له، فليت شعري ماذا يفعل بهم إذا امتنعوا عن أداء الجزية ؟
وثانيا : إنه لم يقل أحد بما قاله من تقسيم اليهود إلى مجسمة وغير مجسمة، وأن غير المجسمة لا يدخلون في حكم الآية.
وثالثا : إنه إذا قام الدليل من القرآن على ثبوت حكم فلا يجوز أن يتوقف قبوله على قول بعض الفقهاء أو المتكلمين به، وجعل عدم نقل ذلك عن أحد منهم سببا لتركه ! !
ورابعا : إن الشرك بالله تعالى في العبادة - كالدعاء مع الإيمان بأنه موجود ليس بجسم، ولا حالا في جسم، ينافي إيمان الأنبياء الذي دعوا إليه، ولكن النظريات الكلامية صرفته عن ذلك.
وما يقال في الموحدين من اليهود يقال في الموحدين من النصارى كأتباع آريوس من المتقدمين والعقليين المعاصرين من أهل أوروبا وغيرهم، ويبقى النظر في سائر ما اشترط في قتالهم.
وأما مخالفة جماهير النصارى للمسلمين ولجميع كتب الله ورسله في الإيمان بالله تعالى وما يجب من توحيده فهو ظاهر لا يحتاج إلى نظريات كلامية. فأصحاب المذاهب الرسمية منهم كلهم يقولون بألوهية المسيح وربوبيته، ويعبدونه جهرا بغير تأويل، ويقولون بالتثليث، ومنهم من يعبد أمه مريم وغيرها من الرسل والصالحين وتماثيلهم، ولا يعدون الموحدين منهم، وهؤلاء الموحدون لم يبلغوا أن يكونوا أمة، وأولي دولة، بل هم متفرقون في جميع أممهم، مع أن المسيح عليه السلام جاء مصدقاً للتوراة في جميع العقائد، وإنما نسخ بعض الأحكام العملية، كما نقل عنه رواة الأناجيل في قوله :« ما جئت لأنقض الناموس وإنما جئت لأتمم »، وأول ركن من أركان التوراة في الإيمان التوحيد المطلق، والوصية الأولى من وصاياها
وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون ( ٣٠ ) اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون( ٣١ ) يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ( ٣٢ ) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون( ٣٣ )
تقدم في الآية ٢٩ السابقة لهذه الآيات أن أهل الكتاب المراد بهم اليهود والنصارى لا يؤمنون بالله تعالى على الوجه الحق الذي جاءت به رسله من توحيد وتنزيه لذاته وصفاته، ولا باليوم الآخر على الوجه الصحيح من أن الناس يبعثون بشرا كما كانوا في الدنيا- أي أجسادا وأرواحاً- وأنهم يجزون بإيمانهم وأعمالهم، وعليها مدار سعادتهم وشقائهم، لا على أشخاص الأنبياء والصديقين، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله إلى كل منهم إيمانا وإذعانا وعملا، ولا يدينون دين الحق. أي إنما يتبعون تقاليد وجدوا عليها آباءهم وأحبارهم ورهبانهم، فلما بين تعالى هذا في سياق قتالهم وما ينتهي به إذا لم يؤمنوا بما جاء رسول الله وخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم- وهو أداء الجزية بشرطها - عطف عليه ما يبين مبهمه، ويفصل مجمله، ويبين غايته، وهو هذه الآيات الأربع.
وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون ( ٣٠ ) اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون( ٣١ ) يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ( ٣٢ ) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون( ٣٣ )
تقدم في الآية ٢٩ السابقة لهذه الآيات أن أهل الكتاب المراد بهم اليهود والنصارى لا يؤمنون بالله تعالى على الوجه الحق الذي جاءت به رسله من توحيد وتنزيه لذاته وصفاته، ولا باليوم الآخر على الوجه الصحيح من أن الناس يبعثون بشرا كما كانوا في الدنيا- أي أجسادا وأرواحاً- وأنهم يجزون بإيمانهم وأعمالهم، وعليها مدار سعادتهم وشقائهم، لا على أشخاص الأنبياء والصديقين، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله إلى كل منهم إيمانا وإذعانا وعملا، ولا يدينون دين الحق. أي إنما يتبعون تقاليد وجدوا عليها آباءهم وأحبارهم ورهبانهم، فلما بين تعالى هذا في سياق قتالهم وما ينتهي به إذا لم يؤمنوا بما جاء رسول الله وخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم- وهو أداء الجزية بشرطها - عطف عليه ما يبين مبهمه، ويفصل مجمله، ويبين غايته، وهو هذه الآيات الأربع.
تفسير بقية الآيات في اليهود والنصارى
اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم هذا استئناف بين به ما في قوله : يضاهئون قول الذين كفروا من قبل من الإجمال، فإن أهل الكتاب لو أطلقوا لقب ابن الله على عزير والمسيح إطلاقا مجازيا كما أطلق في كتبهم ولم يضاهئوا به من قبلهم من الوثنيين لما كانوا به كفارا، ً وإنما كانوا كفاراً بهذه الوثنية التي أشير إليها بهذه المضاهأة وبينها بهذه الآية.
الأحبار جمع حبر بفتح الحاء المهملة وكسرها، وهو العالم من أهل الكتاب، والرهبان جمع راهب، ومعناه في اللغة الخائف، وهو عند النصارى المتبتل المنقطع للعبادة، والرهبانية في النصرانية بدعة، كما قال تعالى : ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم [ الحديد : ٢٧ ]، وكانت نيتهم فيها صالحة كما قال تعالى : إلا ابتغاء رضوان الله [ الحديد : ٢٧ ]، ذلك بأن الأصل فيها تأثير مواعظ المسيح عليه السلام في الزهد والإعراض عن لذات الدنيا، ثم صار أكثر منتحليها من الجاهلين والكسالى، فكانت عبادتهم صورية أعقبتهم رياء وعجباً وغرورا بأنفسهم وبتعظيم العامة لهم، ولذلك قال تعالى : فما رعوها حق رعايتها [ الحديد : ٢٧ ]، ولما صارت النصرانية ذات تقاليد منظمة في القرن الرابع وضع رؤساؤهم نظماً وقوانين للرهبانية ولمعيشتهم في الأديار. وصار لها عندهم فرق كثيرة يشكو بعض أحرارهم من مفاسدهم فيها. فكان ذلك مصداقاً لقوله تعالى في سلفهم المخلصين فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم [ الحديد : ٢٧ ]، وفي خلفهم المرائين وكثير منهم فاسقون [ الحديد : ١٦ ]، وهذه الآية من تحرير القرآن للحقائق في المسائل الكبيرة بعبارة وجيزة، هي الحق المفيد فيها، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الرهبانية في الإسلام لما سنبينه في تفسير سورة الحديد إن شاء الله تعالى أن يحيينا ويوفقنا لتفسيرها.
والمعنى اتخذ كل من اليهود والنصارى رؤساء الدين فيهم أرباباً، فاليهود اتخذوا أحبارهم -وهم علماء الدين فيهم- أرباباً بما أعطوهم من حق التشريع فيهم وأطاعوهم فيه، والنصارى اتخذوا رهبانهم -أي عبادهم الذين يخضع العوام لهم- أربابا كذلك. والأظهر أن يكون المراد من الأحبار والرهبان جملة رجال الدين في الفريقين، أي من العلماء والعباد، فذكر من كل فريق ما حذف مقابله من الآخر على طريقة الاحتباك، أي اتخذ اليهود أحبارهم وربانيهم والنصارى قسوسهم ورهبانهم أرباباً غير الله وبدون إذنه، بإعطائهم حق التشريع الديني لهم وبغير ذلك مما هو حق الرب تعالى. والرهبان عند النصارى أدنى طبقات رجال الدين، فاتخاذهم أرباباً يستلزم اتخاذ من فوقهم من الأساقفة والمطارنة والبطاركة بالأولى، فالرهبان يخضعون لتشريع هؤلاء الرؤساء مدوناً كان أو غير مدوّن، والعوام يخضعون لتشريع الرهبان ولو غير مدوَّن، سواء قالوه بالتبع لمن فوقهم، أو من تلقاء أنفسهم، لثقتهم بدينهم. وكذلك اتخذوا المسيح ابن مريم رباً وإلهاً.
أشرك تعالى بين اليهود والنصارى في اتخاذ المسيح رباً وإلهاً يعبدونه، واليهود لم يعبدوا عزيراً، ولم يؤثر عمن قال منهم أنه ابن الله أنهم عنوا ما يعنيه النصارى من قولهم في المسيح أنه هو الله الخالق المدبر لأمور العباد، ومن النصارى من يعبدون أمه عبادة حقيقة ويصرحون بذلك، وجميع الكاثوليك والأرثوذكس يعبدون تلاميذه ورسله وغيرهم من القديسين في عرفهم، يتوسلون بهم، ويتخذون لهم الصور والتماثيل في كنائسهم، ولكنهم لا يسمون هذا عبادة في الغالب. والظاهر أن من كان قد تنصر من مشركي العرب لم يكونوا يعبدون هؤلاء الرؤساء والكبراء في الملة إلا قليلاً. وأما اتخاذهم أرباباً بالمعنى المأثور في تفسير الآية فقد كان عاما عند الفريقين، فإن اليهود لم يقتصروا في دينهم على أحكام التوراة ؛ بل لم يلتزموها ؛ بل أضافوا إليها من الشرائع اللسانية عن رؤسائهم ما كان خاصاً ببعض الأحوال من قبل أن يدونوه في المشنه والتلمود، ثم دونوه فكان هو الشرع العام، وعليه العمل عندهم.
وأما النصارى فقد نسخ رؤساؤهم جميع أحكام التوراة الدينية والدنيوية على إقرار المسيح لها، واستبدلوا بها شرائع كثيرة في العقائد والعبادات والمعاملات جميعا، وزادوا على ذلك انتحالهم حق مغفرة الذنوب لمن شاؤوا، أو حرمان من شاؤوا من رحمة الله وملكوته، وهذا حق الله وحده ومن يغفر الذنوب إلا الله ؟ [ آل عمران : ١٣٥ ] أي لا أحد. والقول بعصمة البابا رئيس الكنيسة في تفسير الكتب الإلهية، ووجوب طاعته في كل ما يأمر به من العبادات وتحريم المحرمات.
روى الترمذي –وحسنه- وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه وغيرهم عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ في سورة براءة اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ، فقال :( أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه )١، كذا في الدر المنثور.
قال ابن كثير : وروى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير من طرق عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه لما بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فر إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم منَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أخته وأعطاها فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم عدي المدينة، وكان رئيساً في قومه طيئ، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنق عدي صليب من فضة، وهو يقرأ هذه الآية اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله قال : فقلت : إنهم لم يعبدوهم، فقال :«بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم » وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يا عدي ما تقول ؟ أيضرك أن يقال : الله أكبر ؟ فهل تعلم شيئا أكبر من الله ؟ ما يضرك ؟ أيضرك أن يقال : لا إله إلا الله ؟ فهل تعلم إلهاً غير الله ). ثم دعاه إلى الإسلام فأسلم وشهد شهادة الحق، قال : فلقد رأيت وجهه استبشر، ثم قال :( إن اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون )٢، وهكذا قال حذيفة بن اليمان وعبد الله وغيرهما في تفسير هذه الآية. اه وسنذكر في إسلامه حديثا آخر قريباً.
ولبعض المفسرين أقوال في الآية جديرة بأن تنقل بنصها لما فيها من العبرة لأهل هذا العصر :
قال العلامة الشيخ سليمان بن عبد القوي الطوفي الحنبلي في تفسير هذه الآية من كتابه ( الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية )-أي ما يتعلق بأصول العقائد وأصول الفقه في القرآن- ما نصه :«أما المسيح فاتخذوه رباً معبوداً بالحقيقة، وأما الأحبار لليهود والرهبان للنصارى فإنما اتخذوهم أرباباً مجازاً، لأنهم أمروهم بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وإنكار رسالته فأطاعوهم، وغير ذلك مما أطاعوهم فيه فصاروا كالأرباب لهم بجامع الطاعة، والنصارى يزعمون أن المسيح قال لتلاميذه عند صعوده عنهم : ما حللتموه فهو محلول في السماء، وما ربطتموه فهو مربوط في السماء. فمن ثم إذا أذنب أحدهم ذنبا جاء بالقربان إلى البترك٣ أو الراهب، وقال : يا أبانا اغفر لنا، بناء على أن خلافة المسيح مستمرة فيهم، وأنهم أهل الحل والعقد في السماء والأرض على ما نقلوه عن المسيح وهو من ابتداعاتهم في الدين وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً [ التوبة : ٣١ ] الآية، بدليل قول المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم عليه الجنة ومأواه النار اه.
أقول : أما عبارته في الحل والربط فهي موافقة لترجمة اليسوعيين في التعبير بالفعل الماضي، وأما الترجمة الأميركانية فهي بالفعل المضارع هكذا :« الحق أقول لكم كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء، وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولاً في السماء ». وأما أمر المسيح إياهم بعبادة الله ربه وربهم وكذلك موسى عليه السلام فسيأتي.
وقال الإمام الرازي في تفسيره ( مفاتيح الغيب ) : الأكثرون من المفسرين قالوا : ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم، بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم. نقل أن عدي بن حاتم كان نصرانياً فانتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ سورة براءة فوصل إلى هذه الآية قال : فقلت : لسنا نعبدهم، فقال :( أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ؟ ويحلون ما حرم الله فتستحلونه ؟ قلت : بلى. قال : فتلك عبادتهم ). وقال الربيع : قلت لأبي العالية : كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل٤ ؟ فقال : إنهم ربما وجدوا في كتاب الله ما يخالف أقوال الأحبار والرهبان، فكانوا يأخذون بأقوالهم، وما كانوا يقبلون حكم كتاب الله تعالى.
( ثم قال الرازي ) : قال شيخنا ومولانا خاتمة المحققين والمجتهدين رضي الله عنه٥ : قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله تعالى في بعض مسائل، وكانت مذاهبهم بخلاف تلك الآيات، فلم يقبلوا تلك الآيات، ولم يلتفتوا إليها وبقوا ينظرون إلي كالمتعجب، يعني كيف يمكن العمل بظواهر هذه الآيات مع أن الرواية عن سلفنا وردت على خلافها ؟ ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا الداء سارياً في عروق الأكثرين من أهل الدنيا اه.
ثم قال :( فإن قيل ) : إنه تعالى لما كفرهم بسبب أنهم أطاعوا الأحبار والرهبان فالفاسق يطيع الشيطان فوجب الحكم بكفره كما هو قول الخوارج. والجواب : أن الفاسق وإن كان يقبل دعوة الشيطان إلا أنه لا يعظمه، لكن يلعنه ويستخف به، أما أولئك الأتباع كانوا( ؟ ) يقبلون قول الأحبار والرهبان ويعظمونهم فظهر الفرق.
قال :( والقول الثاني ) في تفسير هذه الربوبية : إن الجهال والحشوية إذا بالغوا في تعظيم شيخهم وقدوتهم فقد يميل طبعهم إلى القول بالحلول والاتحاد، وذلك الشيخ إذا كان طالباً للدنيا بعيداً عن الدين فقد يلقي إليهم أن الأمر كما يقولون ويعتقدون، وشاهدت بعض المزورين ممن كان بعيدا عن الدين كان يأمر أتباعه وأصحابه بأن يسجدوا له، وكان يقول لهم : أنتم عبيدي، فكان يلقي إليهم من حديث الحلول والاتحاد أشياء ولو خلا ببعض الحمقى من أتباعه فربما ادعى الأولوهية، فإذا كان هذا مشاهداً في هذه الأمة فكيف يبعد ثبوته في الأمم السالفة.
قال : وحاصل الكلام أن تلك الربوبية يحتمل أن يكون المراد منها أنهم أطاعوهم فيما كانوا مخالفين فيها لحكم الله، وأن يكون المراد منها أنهم قبلوا منهم أنواع الكفر فكفروا بالله، فصار ذلك جارياً مجرى أنهم اتخذوهم أربابا من دون الله، ويحتمل أنهم أثبتوا في حقهم الحلول والاتحاد، وكل هذه الوجوه الأربعة مشاهد وواقع في هذه الأمة اه كلام الرازي.
( يقول محمد رشيد ) : إننا أوردنا هذا عن هذين المفسرين من أشهر مفسري القرون الوسطى وأكبر نظارها ليعتبر به مسلمو هذا العصر الذين يقلدون شيوخ مذاهبهم الموروثة بغير علم في العبادات والحلال والحرام بدون نص من كتاب الله قطعي الدلالة، أو سنة رسوله القطعية المتبعة بالعمل المتواتر، ولا من حديث صحيح ظاهر الدلالة أيضاً،
١ ـ أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٩، باب ١..
٢ ـ أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٩، باب ١، وأحمد في المسند ٤/ ٣٧٨..
٣ ـ البترك: هو البطريرك..
٤ ـ الظاهر أنه إنما سأله عن الفريقين؛ لأنه موضوع الآية، ولذكر الرهبان في الجواب، وأنه سقط لفظ النصارى من السؤال بغلط الطبع أو النسخ من قبله، فإن تحقق أن السؤال عن بني إسرائيل دون النصارى فيوجه بأن اليهود موحدون لا يعبدون أحبارهم، والنصارى يعبدون رؤساءهم كما تقدم، وعلى هذا يكون ذكر الرهبان في الجواب سهوا من النساخ، أو مبينا على أن المراد بالرهبان العباد من اليهود والنصارى (المؤلف)..
٥ ـ من المعروف أن أشهر شيوخ الإمام الرازي والده عمر ضياء الدين، ومحيي السنة البغوي، ولم يوضح الرازي هنا من المقصود منهما..
وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون ( ٣٠ ) اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون( ٣١ ) يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ( ٣٢ ) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون( ٣٣ )
تقدم في الآية ٢٩ السابقة لهذه الآيات أن أهل الكتاب المراد بهم اليهود والنصارى لا يؤمنون بالله تعالى على الوجه الحق الذي جاءت به رسله من توحيد وتنزيه لذاته وصفاته، ولا باليوم الآخر على الوجه الصحيح من أن الناس يبعثون بشرا كما كانوا في الدنيا- أي أجسادا وأرواحاً- وأنهم يجزون بإيمانهم وأعمالهم، وعليها مدار سعادتهم وشقائهم، لا على أشخاص الأنبياء والصديقين، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله إلى كل منهم إيمانا وإذعانا وعملا، ولا يدينون دين الحق. أي إنما يتبعون تقاليد وجدوا عليها آباءهم وأحبارهم ورهبانهم، فلما بين تعالى هذا في سياق قتالهم وما ينتهي به إذا لم يؤمنوا بما جاء رسول الله وخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم- وهو أداء الجزية بشرطها - عطف عليه ما يبين مبهمه، ويفصل مجمله، ويبين غايته، وهو هذه الآيات الأربع.
ثم وصفهم الله تعالى بوصف ثالث في تفصيل حال كفرهم المجمل المتقدم بعد وصفهم باتخاذ ابن الله ورؤسائهم أرباباً من دون الله، وهو : يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم أي يريد اليهود والنصارى أن يطفئوا نور الله الذي أفاضه على البشر بهداية دينه الحق الذي أوحاه إلى موسى وعيسى وغيرهما من رسله، ثم أتمه وأكمله ببعثة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، بالطعن في الإسلام والصد عنه بالباطل، كما فعلوا من قبل بمثل تلك الأقوال في عزير والمسيح، التي لم تتجاوز أفواههم إلى معنى صحيح، وبما ابتدعه الرؤساء لهم من التشريع، حتى صار التوحيد الذي أمروا به عندهم شركا، والعبد المربوب رباً، والعابد المألوه إلهاً، على تفاوت بين فرقهم في ذلك، كما تقدم شرحه في تفسير الآيتين اللتين قبل هذه الآية.
والإرادة في الأصل القصد إلى الشيء، وقد تطلق على ما يفضي إليه وإن لم يتصوره فاعله. يقال في الرجل المسرف المبذر : يريد أن يخرب بيته. أو : أن يترك أولاده فقراء، أي أن تبذيره يفضي إلى ذلك فكأنه يقصده ؛ لأن فعله فعل من يقصد ذلك. وأهل الكتاب الذين عادوا الإسلام منذ البعثة المحمدية كانوا يقصدون إبطاله والقضاء عليه بالحرب والقتال من جهة، وبإفساد العقائد والطعن من جهة أخرى كما يأتي قريباً، وكل من الأمرين يصح التعبير عنه بإرادة إطفاء النور لأنه تمثيل لحالهم معه. وأما ما كان من إفسادهم في دينهم فمنه ما كان بقصد من المنافقين والمبتدعين فيه، ولا سيما الروم الذين اتخذوا النصرانية عصبية سياسية منذ عهد قسطنطين، ومنه ما كان بغير قصد إلى إطفاء نوره، بل كان بعضه بقصد خدمته، ( كما فعل بعض مبتدعة المسلمين الذين اتبعوا سننهم من حيث لا يشعرون بوضع الأحاديث، والعبادات المبتدعة، ونشر الخرافات ) وهو ما بيناه مراراً في مواضع آخرها وأقربها ما قلناه آنفا في هذا السياق.
قال السدي : المراد بالنور هنا الإسلام، وقال الضحاك : هو محمد صلى الله عليه وسلم. وقال الكلبي : هو القرآن. وقال بعض المفسرين : المراد بالنور الدلائل على التوحيد ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأنها يهتدى بها إلى الحق في العقليات، كما يهتدى بالنور في رؤية الحسيات ؟ وأقول : إن المعنى الجامع بين النور الحسي والنور المعنوي هو أنه الشيء الظاهر في نفسه المظهر لغيره، ولك أن تقول : إن النور المعنوي للبصيرة كالنور الحسي للبصر. وقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين [ المائدة : ١٦ ١٧ ] إن في هذا النور الأقوال الثلاثة التي ذكرناها آنفا، وبينا وجه كل منها، واخترنا الثالث منها، وهو القرآن، لموافقته لقوله تعالى : يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا [ النساء : ١٧٢ ]، وقوله تعالى في رسوله الأعظم : فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون [ الأعراف : ١٥١ ]، وقوله : فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا [ التغابن : ٨ ]، وأما التوراة والإنجيل فقد قال الله تعالى في كل منهما إن فيه نورا هدى ( ٥ : ٤٧ و٤٩ )، ولم يجعله عين النور كالقرآن. ونختار هنا القول الأول وهو دين الإسلام بالمعنى العام الشامل لكل ما جاء به رسل الله، ولا سيما دين التوراة والإنجيل والقرآن. وقد كان كل منها نورا لأهله في الزمن الذي نزل به بقدر حاجتهم، حتى إذا نزل القرآن كان هو النور الأعظم الكافي لهداية جميع البشر إلى آخر الزمان، ولله در البوصيري حيث قال في لاميته بعد ذكر تلك الكتب :
الله أكبر إن دين محمد وكتابه أقوى وأقوم قيلا
لا تذكروا الكتب السوالف عنده طلع الصباح فأطفئ القنديلا
نعم إن القوم قد أطفأوا جل ذلك النور، فزجوا بأنفسهم في ظلمات لا يلوح لهم فيها إلا وميض ضئيل منه، وهم يريدون إطفاء الآخر الأخير أيضا. والنور الحسي قد يطفأ بنفخ الفم كسرج الزيت القديمة وإطفاؤه إزالته، وإطفاء النار إزالة لهبها واتقاد جمرها معاً، فهو أبلغ من إخمادها ؛ لأن الإخماد إزالة اللهب فقط. وإذا كان إطفاء السراج سهلا فإطفاء نور الشمس غير ممكن.
وإنما اخترت هنا أن المراد بالنور دين الله الذي بعث به رسله في كل قوم بما يناسب حالهم في زمنهم ؛ لأنه هو الذي يقبل التمام المراد بقوله تعالى : ويأبى الله إلا أن يتم نوره الذي أضافه إلى اسمه ببعثة محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم إلى الخلق أجمعين، مبيناً لهم كل ما يحتاجونه من أمر الدين، من عقائد يؤيدها البرهان، ويطمئن لها الوجدان، وتبطل بها عبادة الإنسان للإنسان، فضلاً عن الأصنام والأوثان. وعبادات تتزكى بها النفس، وتطهر من كل رجس، وتجعل كفاية الأغنياء للفقراء حقوقا إلهية، تكفلها العقائد الوجدانية، ويبطل ثوابها المن والأذى، وآداب تطبع في الأنفس ملكات الفضائل، وتتوثق بها عرى المصالح، وتشريع سياسي وقضائي يجمع بين العدل والرحمة، ويجعل السلطان الحكمي للأمة، ويقرر المساواة بين جميع الناس في الحق، مع تعظيم شأن العلم والعقل، واحترام حرية الإرادة والرأي والوجدان، ومنع الإكراه على الأديان، والتوحيد المصلح للاجتماع البشري في العقائد والتعبد والتشريع واللغة، لإزالة التعادي بين الشعوب والقبائل، فمن لم يقبلها كلها كان تشريع المساواة بالعدل كافياً لحفظ حقوقه فيها.
أتم الله تعالى ذلك كله على لسان خاتم النبيين، الذي حفظها إلى آخر الزمان، ولم يكفل ذلك لكتاب آخر ؛ لأن سائر الكتب كانت أدياناً خاصة موقتة، وأنزل عليه بعد أن أتم الدعوة، وأقام الحجة، وأوضح المحجة اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً [ المائدة : ٩ ].
وجملة المعنى في هذا التركيب أنهم يريدون أن يطفئوا نور الله الذي شرعه لهداية عباده، وإنما قطبه الذي تدور عليه جميع عباداته توحيد الربوبية والألوهية، فتحولوا عنه إلى الشرك والوثنية، والله تعالى لا يريد ذلك، لا يريد في هذا الشأن إلا أن يتم هذا النور الذي بدا في الأجيال السابقة كالسراج على منارته، أو كنور الهلال في بزوغه، فالقمر في منازله، فيجعله بدرا كاملاً، بل شمساً ضاحية، يعم نوره الأرض كلها، وما يريده الله كائن لا مرد له.
ولو كره الكافرون ذلك بعد إتمامه، كما كانوا يكرهونه من قبل عند بدء ظهوره، وجواب لو محذوف للعلم به مما قبله كما يقول النحاة. فهم يكيدون له، ويفترون عليه ويطعنون فيه، وفيمن جاء به. ويحاولون إخفاءه، أو «خنق دعوته، وحصد نبتته »، كما قال شيخنا رحمه الله. فأما اليهود فكان من أمرهم في مقاومة دعوته، ومساعدة المشركين عابدي الأصنام في قتال أهله، ومن خذلان الله تعالى إياهم، ونصر رسوله والمؤمنين عليهم، ما بيناه في تفسير سورة الأنفال، فكانوا في أول الإسلام أشد الناس عداوة لأهله كمشركي العرب سواء، ولما عجزوا عن إطفاء نوره بمساعدة المشركين على قتال النبي صلى الله عليه وسلم قصدوا إطفاء نوره ببث البدع فيه، وتفريق كلمة أهله بما فعل عبد الله بن سبأ من ابتداع التشيع لعلي كرم الله وجهه، والغلو فيه، وإلقاء الشقاق بين المسلمين في مسألة الخلافة، وكان لشيعته من الدسائس في قتل عثمان رضي الله عنه، ثم في الفتنة بين علي ومعاوية أقبح التأثير، ولولاهم لما قتل أولئك الألوف الكثيرون من صناديد المسلمين، فإن السعي إلى الصلح والاتفاق نجح غير مرة فأفسدوه بدسائسهم، ثم كان لليهود الذين أظهروا الإسلام والقيام بفرائضه نفاقاً مكيدة أخرى لا تزال مفاسدها مبثوثة في كتب التفسير والحديث والتاريخ وهي الإسرائيليات التي بينا بعضها في مواضع من هذا التفسير، ولا نزال نبين ما يعرض لنا فيه وفي المنار.
وأما النصارى فقد كان الحبشة منهم أول من أظهر المودة لهم، وأكرم ملكهم النجاشي من لجأ إليه من مهاجريهم، ومنعهم من تعدي المشركين عليهم، بل أسلم هو على أيديهم، كما تقدم بيانه في تفسير لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى [ المائدة : ٨٢ ]، ثم انقلب الأمر وانعكست القضية بعد انتشار الإسلام وراء جزيرة العرب، فكان اليهود يتوددون للمسلمين لأنهم أنقذوهم من ظلم النصارى واستبدادهم، وصار نصارى أوروبا المستعمرون للممالك الشرقية هم الذين يقاتلون المسلمين ويعادونهم، دون نصارى هذه البلاد ولا سيما سورية ومصر الأصليين، فإنهم رأوا من عدل المسلمين وفضائلهم ما فضلوهم به على الروم الذين كانوا يظلمونهم ويحتقرونهم، حتى آل الأمر إلى ما بيناه في تفسير الآية السابقة من الحروب الصليبية، وغلو نصارى أوروبا في عداوة المسلمين، وما بيناه قبلها في تفسير قتال أهل الكتاب من حال مسلمي هذا العصر مع دول أوروبا المستولية على أكثر بلادهم، المهددة لهم فيما بقي لهم من مهد دينهم ومشاعره وحرم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وقد بين الله هذا المعنى في سورة الصف بمثل هذه الآية، إلا أنه قال هنالك : يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره [ الصف : ٨ ] وباقي الآية ونص الآية بعدها كآيتي براءة سواء. فأما قوله ليطفئوا فمن علماء العربية من يقول : إنه بمعنى " أن يطفئوا " لأن اللام فيه مصدرية أو بمعنى المصدرية، ومنهم من يقول : إنها للتعليل، والمعلل محذوف للعلم به من القرينة وهو التحقيق، وبيانه أنه قبل هذه الآية ذكر بشارة عيسى عليه السلام بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتكذيب اليهود له في رسالته وبشارته، وقال بعدها : ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين [ الصف : ٧ ]، فالمعنى على التعليل أن هؤلاء الضالين الظالمين لأنفسهم بإنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم الذي بشرهم به عيسى عليه السلام - سواء كانوا من بني إسرائيل أو من غيرهم- بعد بعثته ودعوته إياهم إلى الإسلام وظهور نوره بالحجج الساطعة الدالة على صدقه يريدون افتراء الكذب بإنكار تلك البشارات، وتأويلها بما يصرفها عن وجهها ؛ لأجل أن يطفئوا نور الله تعالى، بافترائهم الذي يخرج من أفواههم ظناً منهم أن الافتراء بإنكارها وتأويلها وبالطعن في محمد صلى الله عليه وسلم يطفئ هذا النور، ثم قال والله متم نوره أي والحال أن الله تعالى متم نوره بالفعل فلا يطفئه الافتراء، بل هو كمن ينفخ في نور قوي ليطفئه فيزيده بذلك اشتعالاً، أو كمن يحاول إطفاء نور الشمس فلا ينال منها منالاً. فالفرق بين الآيتين أن آية سورة الصف تعليل لافترائهم بإرادتهم إطفاء النور به، وآية براءة لما جاءت بعد بيان شركهم بمضاهأتهم لأقوال الوثنيين من قبلهم جعل ذلك نفسه بمعنى إرادة إطفاء النور بلا واسطة.
ثم إن بينهما فرقا آخر وهو التعبير في آية سورة الصف بقوله : والله متم نوره وفي سورة براءة بقوله : ويأبى الله إلا أن يتم نوره ، والأول يفيد أنه متمه بالفعل في الحال، والثاني وعد بأن يتمه في الاستقبال، فيجتمع منهما إثبات هذا الإتمام في الحال والاستقبال، فهو النور التام الكامل الذي لا ينطفئ بالقيل والقال،
وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون ( ٣٠ ) اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون( ٣١ ) يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ( ٣٢ ) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون( ٣٣ )
تقدم في الآية ٢٩ السابقة لهذه الآيات أن أهل الكتاب المراد بهم اليهود والنصارى لا يؤمنون بالله تعالى على الوجه الحق الذي جاءت به رسله من توحيد وتنزيه لذاته وصفاته، ولا باليوم الآخر على الوجه الصحيح من أن الناس يبعثون بشرا كما كانوا في الدنيا- أي أجسادا وأرواحاً- وأنهم يجزون بإيمانهم وأعمالهم، وعليها مدار سعادتهم وشقائهم، لا على أشخاص الأنبياء والصديقين، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله إلى كل منهم إيمانا وإذعانا وعملا، ولا يدينون دين الحق. أي إنما يتبعون تقاليد وجدوا عليها آباءهم وأحبارهم ورهبانهم، فلما بين تعالى هذا في سياق قتالهم وما ينتهي به إذا لم يؤمنوا بما جاء رسول الله وخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم- وهو أداء الجزية بشرطها - عطف عليه ما يبين مبهمه، ويفصل مجمله، ويبين غايته، وهو هذه الآيات الأربع.
هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق هذا بيان مستأنف للمراد من إتمام نور الله عزََّ وجلَّ، وهو أن الله الذي كفل إتمام هذا النور هو الذي أرسل رسوله الأكمل الذي أخذ العهد على النبيين من قبل ( ليؤمنن به ولينصرنه ) إن جاء في زمن أحد منهم، أرسله بالهدى الأتم الأكمل الأعم الأشمل، ودين الحق أي الثابت المتحقق الذي لا ينسخه دين آخر ولا يبطله شيء آخر الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه [ فصلت : ٤٢ ] وهو في مقابلة قوله في أهل الكتاب الذي ذكر في أول هذا السياق ولا يدينون دين الحق [ التوبة : ٢٩ ] ؛ لأنهم أضاعوا حظاً عظيماً من كتب أنبيائهم ومواعظهم، وحرفوا الباقي منها فلم يقيموه على وجهه، بل استبدلوا به تقاليد وضعها لهم الرؤساء بأهوائهم، كما تقدم شرحه في هذا السياق. فعلم بهذا أن المراد بالحق الأمر الثابت المتحقق، وأن إضافة الدين إليه من إضافة الموصوف إلى الصفة، كمسجد الجامع، وفيه وجه آخر صحيح يجامعه ولا يباينه وهو أن معناه دين الله المحض الذي لا شائبة فيه كالشوائب التي عرضت للأديان السابقة ولما بقي من كتبها. وكلمة الحق من أسماء الله تعالى كما قال : فذلكم الله ربكم الحق [ يونس : ٣٢ ].
ومن المعلوم عند جميع علماء التاريخ العام -ولا سيما تاريخ الأديان- أنه لا يوجد دين منقول عمن جاء به من رسل الله تعالى أو من غيرهم نقلاً صحيحاً متواتراً بالقول والفعل متصل الأسانيد إلا دين الإسلام. وقد ذكرنا في الفصل الذي عقدناه لإثبات ضياع كثير من الإنجيل وتحريف النصارى لكتبهم المقدسة في آخر تفسير ( ٥ : ١٥ ) من سورة المائدة أن فيلسوفا هنديا درس تواريخ الأديان كلها، وبحث فيها بحث حكيم منصف لا يريد إلا استبانة الحق، وأطال البحث في النصرانية لما للدول المنسوبة إليها من الملك وسعة السلطان، ونظر بعد ذلك كله في الإسلام، فكانت غاية ذلك الدرس أن عرف بالبرهان أن الإسلام هو الدين الحق، فأسلم وألف كتابا باللغة الإنكليزية عنوانه ( لماذا أسلمت )، أظهر فيه مزاياه على جميع الأديان وكان من أهمها عنده أنه هو الدين الوحيد الذي له تاريخ ثابت محفوظ... وكان من مثار العجب عنده أن ترضى أوروبا لنفسها ديناً ترفع من تنسبه إليه عن مرتبة البشر فتجعله إلهاً وهي لا تعرف من تاريخه شيئاً يعتد به...
ثم بين غاية إرسال خاتم النبيين والمرسلين بدين الحق أو علته بقوله : ليظهره على الدين كله يقال أظهر الشيء : أوضحه وأبانه فجعله ظاهرا لا خفاء فيه، وأظهر فلانا على الشيء أو على الخبر : أطلعه عليه وأخبره به. ومنه قوله تعالى : فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول [ الجن : ٢٧ ]، وقوله : وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه [ التحريم : ٣ ] الخ. وأظهره على الشيء أو على الشخص جعله فوقه مستعلياً عليه. والاستعلاء هنا بالعلم والحجة، أو السيادة والغلبة، أو الشرف والمنزلة، أو بها كلها، وهو المختار، وإن كان الوعد يصدق ببعضها، والدين جنس يشمل كل دين.
وفي الضمير المنصوب هنا قولان : أحدهما : أنه للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنه، والمعنى حينئذ أنه تعالى يظهر هذا الرسول على كل ما يحتاج إليه المرسل هو إليهم من أمور الدين : عقائده وآدابه، وسياسته وأحكامه، لأن ما أرسله به هو الدين الأخير الذي لا يحتاج البشر بعده إلى زيادة في الهداية الدينية. بل يوكلون فيما وراء نصوصه إلى اجتهادهم واختبارهم العلمي والعملي مع الاهتداء بها، حتى لا يضلوا ولا يتفرقوا بتركها. ونحن نعلم من كتب الأديان وتاريخهم أنها ليست كذلك ؛ بل لا تعدو كتب كل منها حاجة المخاطبين بها من قوم رسولها، فاليهودية دين شعب نسبي أراد الله تربيتهم بشريعة شديدة التضييق عليهم لتطهيرهم من الوثنية وعبادة البشر، ليقيموا التوحيد في بلاد مباركة استحوذ عليها الشرك، وقد كان ذلك زمناً ما، ثم فسدوا وصار أكثرهم وثنيين ماديين، فبعث الله إليهم المسيح عليه السلام بتعاليم شديدة المبالغة في الزهد ومقاومة المفاسد المادية، وكبح جماح الشهوات الجسدية، فكان له ما كان من التأثير فيهم وفي الروم وغيرهم زمنا ما، ولكن غلا بعضهم في الزهد وعرض لهم فيه الغرور مع الجهل، وعاد الأكثرون إلى الإسراف في الشهوات والعلو في الأرض. وكان هذا بعد ذلك تمهيدا للدين التام الوسط الجامع بين المصالح المادية والمعنوية، والمزايا الروحية والجسدية، ليكون عاماً للبشر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وهذه النصرانية التي يدعي أهلها أنها دين عام بالرغم مما في أناجيلها من قول المسيح لهم أنه لم يرسل ولم يرسلهم إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة، يعترفون بأنه قال :«مت ٥ : ١٧ لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل » الخ، ونقلوا عنه أيضا أنه مع هذا قال :« يو ١٦ : ١٢ إن لي أمورا كثيرة أيضا لأقول لكم ولكنكم لا تستطيعون أن تحتملوا الآن* وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية » الخ.
وهذا لا يصدق ولا يمكن تأويله إلا بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي أخبرهم وأخبر غيرهم بكل شيء من أمر الدين ما فرطنا في الكتاب من شيء [ الأنعام : ٣٨ ]، وإنما أخبر عن الله عزَّ وجلَّ لا من عند نفسه وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى [ النجم : ٣، ٤ ]، وأخبرهم بأمور آتية كثيرة جدا صريحة بعضها في القرآن، وأظهرها غلب الروم الفرس في مدى بضع سنين، وبعضها في الأحاديث الصحيحة، ومن المتواتر منها قوله صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر :( تقتلك الفئة الباغية )١، وفي روايات بالغيبة، أي قال هذا له ولغيره، وقوله على المنبر في الحسن عليه السلام :( ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين )٢، وإخباره فاطمة عليها السلام بموته، وبأنها أول من يلحق به، وإخباره بموت النجاشي يوم موته وصلاته عليه الخ الخ. ولا يزال الزمان يظهر صدقه في كل ما أخبر به في وقته، وقد مجد المسيح صلوات الله وسلامه عليهما بنفي طعن اليهود فيه وفي أمه، وإثبات كونه ولد طاهرا من الدنس بكلمة الله، وكونه من روح الله، ومؤيداً بآيات الله. وبينا كل ذلك في تفسير الآيات الواردة فيه، وقد سماه المسيح باسمه الدال على الحمد الكثير ( أحمد )، ومثله محمد، وهو في نسخ الإنجيل اليونانية والعربية القديمة البارقليط، ثم غيروه في التراجم الأخيرة فسموه المعزي، كما فصلنا ذلك في تفسير سورة الأعراف.
والوجه الثاني : أن الضمير لدين الحق الذي أرسل به صلى الله عليه وسلم، ومعناه أنه تعالى يعلي هذا الدين ويرفع شأنه على جميع الأديان بالحجة والبرهان، والهداية والعرفان، والعلم والعمران، وكذا السيادة والسلطان ( كما قلنا آنفا )، ولم يكن لدين من الأديان مثل هذا التأثير الروحي والعقلي والمادي والاجتماعي والسياسي إلا للإسلام وحده.
لا ننكر أن جميع أتباع الأنبياء قد صلحت حالهم باهتداء كل منهم بنبيهم مدة اهتدائهم به، ولكن التاريخ لم يرو لنا أنه كان لدين من الأديان كل هذه الفوائد بتأثيره فيهم.
أما ظهور الإسلام بالحجة والبرهان، فلا يختلف فيه عاقلان مستقلان، عرفاه وعرفا غيره من الأديان، وقد ذكرنا في هذا السياق بعض الشواهد عن هذا من كلام علماء الإفرنج المستقلين، وأشرنا إلى غير ما ذكرناه منها مما يمكن لمقتني مجلدات مجلة المنار أن يراجعوه في أكثرها بالاستعانة بالفهرس العام، ولا سيما لفظ الإسلام.
وأما ظهوره عليها بالعلم والعمران، والسيادة والسلطان، فالذي يتراءى للناس بادي الرأي في هذا الزمان أنه معارض بما عليه دول الإفرنج واليابان، وضعف ما بقي من دول الإسلام، وأنه إنما يظهر وجهه في دول العرب الأولى، وكذا دولة الترك في أول عهدها.
ونجيب عن ذلك بأن ما عليه دول الإفرنج واليابان وشعوبهما ليس من تأثير أديانهما في تعاليمها ولا في العمل بها، ولو كان كذلك لظهر عقب وجود الدين فيهم وأخذهم به. وقد نقلنا في هذا السياق عن علماء الإفرنج الأحرار المستقلين أن مدنيتهم الحاضرة، وما بنيت عليه من العلوم والفنون، لم يكن إلا من تأثير الحضارة الإسلامية والاقتباس من كتبها، ومن المعلوم لكل ملم بالتاريخ الحديث أن اليابان اقتبست حضارتها وقوتها من أوروبا في القرن الماضي، وحضارة العرب لا يمكن أن يكون لها سبب إلا هداية دينهم.
وقد قصر جميع المفسرين الذين اطلعنا على كتبهم في تفسير هذه الآيات ؛ لأنهم إنما يأخذون تفاسيرهم من معاني الألفاظ دون تحقيق لمدلولاتها في الخارج، ومن الروايات المأثورة على قلتها وقلة ما يصح منها، وقد صح في بعضها قوله صلى الله عليه وسلم :( إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها )٣، وهو حديث طويل رواه مسلم من حديث ثوبان، وفي مسند أحمد عن شاب من محارب مرفوعاً :( أنه ستفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها )٤، وهو مطلق غير مقيد بما زوي له صلى الله عليه وسلم وأطلعه الله عليه من الأرض، ومن علماء الأصول من يوجب حمل المطلق على المقيد، وفي بعضها تعيين مصر، وأوصى بالقبط خيراً والشام وملك كسرى وقيصر وكل هذا قديم. فإن كان شيء مما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سيفتح للمسلمين ولما يفتح فلا بد أن يفتح.
روى الإمام أحمد عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :( ياعدي أسلم تسلم ). قلت : إني من أهل دين، قال :( أنا أعلم بدينك منك ). فقلت : أنت أعلم بديني مني ؟ قال :( نعم. ألست من الركوسية٥، وأنت تأكل مرباع٦ قومك ؟ قلت : بلى، قال : فإن هذا لا يحل لك في دينك ). قال : فلم يعدُ أن قالها فتواضعت لها. قال :( أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام : تقول إنما اتبعه ضعفة الناس، ومن لا قوة له، وقد رمتهم العرب. ( أتعرف الحيرة ؟ قلت : لم أرها، ولكن سمعت بها. قال :( فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز ). قلت : كسرى بن هرمز ؟ قال :( نعم كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد ). قال عدي : فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت من غير جوار أحد٧. ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز. والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالها٨. اه من تفسير العماد ابن كثير.
ومن العلماء من يقول إن بعض هذه البشارات لا يتم إلا في آخر الزمان عند ظهور المهدي، وما يتلوه من نزول عيسى ابن مريم عليه السلام من السماء، وإقامته لدين الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وإظهاره بالحكم والعمل به، خلافا لما يتوقعه اليهود والنصارى على اختلافهما في صفته. وقد كان شيوع هذا بين المسلمين من أسباب تقاعدهم عما أوجبه الله تعالى في كل وقت من إعلاء دينه وإقامة حجته، وحماية دعوته، وتنفيذ شريعته، وتعزيز سلطته، اتكالا على أمور غيبية مستقبلة، لا تسقط عنهم فريضة حاضرة، وقد تقدم في الكلام على أشراط الساعة من تفسير سورة الأعراف أن أحاديث المهدي لا يصح منها شيء يحت
١ ـ روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في الصلاة باب ٦٣، ومسلم في الفتن حديث ٧٠، ٧٢، ٧٣، والترمذي في المناقب باب ٣٤، وأحمد في المسند ٢/ ١٦١، ١٦٤، ٢٠٦، ٣/ ٥، ٢٢، ٢٨، ٩١، ٤/ ١٩٧، ١٩٩، ٥/ ٢١٥، ٣٠٦، ٣٠٧، ٦/ ٢٨٩، ٣٠٠، ٣١١، ٣١٥..
٢ ـ أخرجه البخاري في الفتن باب ٢٠، والصلح باب ٩، وفضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باب ٧٢٢، والمناقب باب ٢٥، وأبو داود في السنة باب ١٢، والترمذي في المناقب باب ٢٥، النسائي في الجمعة باب ٢٧، وأحمد في المسند ٥/ ٣٨، ٤٤، ٤٩، ٥١..
٣ ـ أخرجه مسلم في الفتن حديث ١٩، وأبو داود في الفتن باب ١، والترمذي في الفتن باب ١٤، وابن ماجه في الفتن باب ٩، وأحمد في المسند ٤/ ١٢٣، ٥/ ٢٧٨، ٢٨٤..
٤ ـ المسند ٥/ ٢٧٨، ٢٨٤..
٥ ـ الركوسية، بالفتح: أهل دين بين الصابئين والنصارى، وقال ابن الأعرابي هو نعت للنصارى..
٦ ـ المرباع: ما كان يأخذه رئيس القوم وعصبته منهم أو من غنائمهم، وهو من عادات الجاهلية..
٧ ـ أي من غير حماية أحد لها في طريقها..
٨ ـ أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٣٧٨، ٣٧٩..
*يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم( ٣٤ ) يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون( ٣٥ )
هاتان الآيتان متصلتان بسياق الكلام في أهل الكتاب، متممتان له، ومقررتان لموعظة عامة تقتضيها المناسبة. ذلك بأنه تقدم في هذا السياق أن اليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وأنهم ما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً فعبدوا غيره من دونه، وأنهم يريدون أن يطفئوا نور الله الذي أفاضه على عباده برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الله لا يريد إطفاءه ؛ بل يريد إتمامه وقد فعل، فناسب أن يبين مع هذا شيئا من سيرة جمهور هؤلاء الرؤساء الدينيين العملية، ليعرف المسلمون حقيقة حالهم والأسباب التي تحملهم على محاولة إطفاء نور الله تعالى، وأن أكثرهم يعبدون أهواءهم وشهواتهم.
*يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم( ٣٤ ) يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون( ٣٥ )
هاتان الآيتان متصلتان بسياق الكلام في أهل الكتاب، متممتان له، ومقررتان لموعظة عامة تقتضيها المناسبة. ذلك بأنه تقدم في هذا السياق أن اليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وأنهم ما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً فعبدوا غيره من دونه، وأنهم يريدون أن يطفئوا نور الله الذي أفاضه على عباده برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الله لا يريد إطفاءه ؛ بل يريد إتمامه وقد فعل، فناسب أن يبين مع هذا شيئا من سيرة جمهور هؤلاء الرؤساء الدينيين العملية، ليعرف المسلمون حقيقة حالهم والأسباب التي تحملهم على محاولة إطفاء نور الله تعالى، وأن أكثرهم يعبدون أهواءهم وشهواتهم.
يوم يحمى عليها في نار جهنم الظرف هنا يتعلق بقوله تعالى قبله بعذاب أليم ، وقد بينا من قبل أن الأصل في البشارة الخبر المؤثر يظهر تأثيره في بشرة الوجه بالسرور أو الكآبة، ولكن غلب في الأول، ولذلك يحمل في مثل هذا المقام على التهكم والمراد به الإنذار، أي أخبرهم بعذاب أليم يصيبهم في ذلك اليوم الذي يحمى فيه على تلك الأموال المكنوزة في نار جهنم- أي دار العذاب- بأن توضع وتضرم عليها النار الحامية حتى تصير مثلها، فهو كقوله تعالى : وما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع [ الرعد : ١٧ ]، وهو أبلغ من " يوم تحمى "، فتكون من الإحماء عليها كالميسم. وظاهر العبارة أنه يحمى عليها بأعيانها والله قادر على إعادتها، وإن كان المعنى المراد من الإنذار يحصل بالإحماء عليها وعلى مثلها، وليس في أعيانها من المعنى ولا الحكمة ما في إعادة الأجساد، وأمور الآخرة من عالم الغيب، فلا ندرك كنهها وصفاتها من الألفاظ المعبرة عنها، فمذهب السلف الحق الإيمان بالنصوص مع تفويض أمر الكنه والصفة إلى عالم الغيب سبحانه، والواجب علينا مع الإيمان بالنص العبرة المرادة منه في إصلاح النفس.
ويرد عليه أن هذه الأموال تفنى بخراب الدنيا وصيرورة الأرض بقيام الساعة هباء منبثاً، ويجاب عنه بما أجيب عن القول بإعادة الأجساد بأعيانها من قدرة الله تعالى على ذلك. وأهون منه إيراد كون الدرهم أو الدينار الواحد قد يكنزه كثير من الناس بالتداول، وقد يقال : إنهم يكوون بها بالتناوب، وفي معناه إيرادهم على إعادة الأعيان أن جسد الإنسان الواحد قد يكون جسداً لكثير من الناس والحيتان والوحوش والأنعام، وتقدم تفصيل هذا في الكلام على بعث الأجساد من سورة الأعراف.
وفي بعض الآثار أن الدنانير والدراهم المكنوزة تحمى كلها وإن كثرت، ويتسع جسده لها كلها، حتى لا يوضع دينار مكان دينار، ولم يصح هذا مرفوعاً، وإنما صح عند مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا :( ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له يوم القيامة صفائح من نار فيكوى بها جنبه وجبهته وظهره )١ الحديث، والصفائح غير الدراهم والدنانير، وهي بالرفع نائب الفاعل لجعل، فيجوز أن تكون مما يخلقه الله يوم القيامة، ورواية الرفع هي المشهورة. قال الشراح : وفي رواية بالنصب. وفي البخاري والنسائي عنه مرفوعاً أيضا :( من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له شجاع أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، فيأخذ بلهزمته يقول : أنا مالك، أنا كنزك )٢، ثم تلا صلى الله عليه وسلم آية سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة [ آل عمران : ١٨٠ ]، وفي رواية للنسائي ( إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يخيل إليه ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان، فليزمه أو يطوقه. يقول : أنا كنزك إنا كنزك )٣، فهذا نص صحيح من النبي صلى الله عليه وسلم في أن ذلك التعذيب بجعل المال صفائح يكوى بها مانع الزكاة أو شجاعا ( وهو ذكر الحيات ) يطوقه، إنما هو ضرب من التمثيل أو التخييل، لا نفس ذلك المال الذي كان يكنزه في الدنيا، وبه يبطل كل إيراد ويزول كل إشكال، والتعذيب حقيقي على كل حال.
فتكوى بها جباههم التي كانوا يستقبلون بها الناس منبسطة أساريرها من الاغتباط بعظمة الثروة، ويستقبلون بها الفقراء منقبضة متغضنة من العبوس والتقطيب في وجوههم لينفروا ويحجموا عن السؤال.
وجنوبهم وظهورهم التي كانوا يتقلبون بها على النعمة اضطجاعا واستلقاء، ويعرضون بها عن لقاء المساكين وطلاب الحاجات ازوراراً وإدباراً، فلا يكون لهم في جهنم ارتفاق ولا استراحة فيما سوى الوقوف إلا بالانكباب على وجوههم، كما قال : يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر [ القمر : ٤٨ ] وكذلك قال هنا.
هذا ما كنزتم لأنفسكم أي تقول لهم ملائكة العذاب الذين يتولون كيهم : هذا العذاب الأليم الواقع بكم هو جزاء ما كنتم تكنزون في الدنيا، أو هذا الميسم الذي تكوون به هو المال الذي كنزتموه لأنفسكم لتنفرد بالتمتع به.
فذوقوا ما كنتم تكنزون أي ذوقوا وباله ونكاله، أو وبال كنزكم له، وإمساككم إياه عن النفقة في سبيل الله. وحاصل المعنى أن ما كنتم تظنون من منفعة كنزه لأنفسكم خاصة بها، لا يشارككم فيها أحد، قد كان لكم خُلفاً، وعليكم ضدا، فإنه صار في الدنيا لغيركم، وكان عذابه في الآخرة هو الخاص بكم، كدأب جميع أهل الباطل، فيما زين لهم من الرذائل، يرى البخلاء أن البخل حزم، كما يرى الجبناء أن الجبن حزم، وتلك خديعة الطبع اللئيم، واجتهاد الرأي الأفين، فالأولون من خوف الفقر في فقر، والآخرون يعرضون أنفسهم للأذى أو الموت بهربهم من الموت، فإن جبنهم هو الذي يغري المعتدين بإيذائهم، ويمكن المقاتلين من الفتك بهم.
وإن أكبر أسباب ضعف المسلمين في هذا العصر وتمكين أعدائهم من سلب ملكهم، ومحاولة تحويلهم عن دينهم هو بخل أغنيائهم، وجبن ملوكهم وأمرائهم، وقوادهم وزعمائهم، الذي جعلهم أعوانا لسالبي ملكهم على أنفسهم. وقد تقدم بيان هذا المعنى في تفسير قوله تعالى : وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة [ البقرة : ١٩٥ ]، فلو أسس الأغنياء مدارس للجمع بين تعليم العلوم الدينية والدنيوية، لاستغنوا بها عن مدارس دعاة النصرانية، ولأمكن للمصلحين منهم إذا تولوا إدارتها أن يخرجوا لهم فيها رجالاً يحفظون للأمة دينها وملكها، ويعيدون إليها مجدها، ويجذبون أقوام أولئك المعتدين عليها إلى الإسلام فيدخلون فيه أفواجا، ويعود الأمر كما بدأ.
١ ـ أخرجه مسلم في الزكاة حديث ٢٤، ٢٥، وأحمد في المسند ٢/ ٢٦٢، ٢٧٦، ٣٨٣..
٢ ـ أخرجه البخاري في الزكاة باب ٣، والنسائي في الزكاة باب ٢..
٣ ـ أخرجه النسائي في الزكاة باب ٩..
إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين( ٣٦ ) إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زُين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين( ٣٧ )
هاتان الآيتان عود إلى الكلام في أحوال المشركين وما يشرع من معاملتهم بعد الفتح، وسقوط عصبية الشرك، وكان الكلام في قتال أهل الكتاب وما يجب أن ينتهي به من إعطاء الجزية من قبيل الاستطراد، اقتضاه ما ذكر قبله من أحكام قتال المشركين ومعاملتهم. وقد ختم الكلام في أهل الكتاب ببيان حال كثير من رجال الدين الذين أفسدت عليهم دينهم المطامع المالية، التي هي وسيلة العظمة الدنيوية، والشهوات الحيوانية، وإنذار من كانت هذه حالهم بالعذاب الشديد يوم القيامة، وجعل هذا الإنذار موجها إلينا وإليهم جميعاً. ومن ثم كان التناسب بين الكلام فيما يشترك فيه المسلمون مع أهل الكتاب من الوعيد على أكل أموال الناس بالباطل وكنز النقدين، إلى ما يجب أن يخالفوا فيه المشركين من إبطال النسيء ومن أحكام القتال تناسبا ظاهرا قويا، وهنالك مناسبة دقيقة بين حساب الشهور القمرية عند العرب وحساب الشهور الشمسية عند أهل الكتاب، وإن لم يصرح فيه بمخالفتهم في حسابهم.
روى الشيخان وغيرهما من حديث أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض : السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان»٣، قال هذا في منى عام حجة الوداع. وله ألفاظ أخرى بزيادة عما هنا. والمراد من استدارة الزمان عودة حساب الشهور إلى ما كان عليه من أول نظام الخلق بعد أن كان قد تغير عند العرب بسبب النسيء في الأشهر.
قال الحافظ في شرحه من الفتح : وكانوا في الجاهلية على أنحاء منهم من يسمي المحرم صفرا فيحل فيه القتال، ويحرم القتال في صفر ويسميه المحرم. ومنهم من كان يجعل سنة هكذا وسنة هكذا. ومنهم من يجعله سنتين هكذا وسنتين هكذا، ومنهم من يؤخر صفر إلى ربيع الأول، وربيعا إلى ما يليه، وهكذا إلى أن يصير شوال ذا القعدة وذو القعدة ذا الحجة، ثم يعود فيعيد العدد على الأصل اهـ. وذكر عن الطبري أنهم كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرا، وفي رواية ١٢ شهرا و٢٥ يوما، فالمراد من استدارة الزمان إذا أن الحج قد وقع في تلك السنة في ذي الحجة الذي هو شهره الأصلي بما كان من تنقل الأشهر بالنسيء. ونقل عن الخطابي أنهم كانوا يخالفون بين أشهر السنة بالتحليل والتحريم والتقديم والتأخير لأسباب تعرض لهم : منها استعجال الحرب، فيستحلون الشهر الحرام ثم يحرمون بدله شهرا غيره، فتتحول في ذلك شهور السنة وتتبدل، فإذا أتي على ذلك عدة من السنين استدار الزمان وعاد الأمر إلى أصله، فاتفق وقوع حجة النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك اهـ.
وقال الحافظ في شرحه لألفاظ الحديث : إن المراد بالزمان السنة، وقوله«كهيئته» أي استدارة مثل حالته، ولفظ الزمان يطلق على قليل الوقت وكثيره. والمراد باستدارته وقوع تاسع ذي الحجة في الوقت الذي حلت فيه الشمس برج الحمل، حيث يستوي الليل والنهار اهـ.
وقد كان الأمر كذلك، ولعل حكمته الإشارة إلى تجديد الله تعالى لدينه وإكمال هدايته كما تجدد عمر الزمان بفصل الربيع الذي تحيا فيه الأرض بالنبات، فاستدارة الزمان حسابية وطبيعية ودينية، وإنني منذ سمعت هذا الحديث أشعر بأن له معنى غير الحساب الزمني.
وذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره للآية قول بعض المفسرين والمتكلمين في استدارة الزمان بمعنى ما سبق ثم قال : وزعموا أن حجة الصديق في سنة تسع كانت في ذي القعدة. وأغرب منه ما رواه الطبراني عن بعض السلف في جملة حديث أنه اتفق في حجة الوداع حج المسلمين واليهود والنصارى في يوم واحد وهو يوم النحر عام حجة الوداع والله أعلم اهـ. قلت : فإن صح هذا كان إشارة -أو بشارة- بتحقق ما شرع له الإسلام بإرسال خاتم النبيين إلى الناس كافة، وجمعه الكلمة، واهتداء الأمم به.
ولهذه الرواية ما يؤيدها من كتب التاريخ لخص بعضها محمد لبيب بك البتانوني في رحلته الحجازية قال : إن الكعبة كانت قبل الإسلام بنحو من ٢٧ قرنا ذات منزلة سامية عند العرب وثنييهم ويهودهم ونصاراهم، وقد تجاوزت مكانتها جزيرة العرب إلى بلاد الفرس الذي كانوا يعتقدون أن روح ( هرمز ) نقلت في الكعبة ثم إلى بلاد الهنود، وكانوا يعتقدون أن روح ( شبوه ) أحد آلهتهم قد تقمصت في الحجر الأسود، وقدماء المصريين كانوا يسمون الحجاز بالبلاد المقدسة. واليهود كانوا يحترمونها ويتعبدون فيها على دين إبراهيم، والنصارى من العرب لم يكن احترامهم لها بأقل من احترام اليهود إياها، وكان لهم فيها صور وتماثيل منها تمثال إبراهيم وإسماعيل وفي أيديهما الأزلام، وصورة العذراء والمسيح، إلى أن قال :
هكذا كان شأن الكعبة في الجاهلية قد أجمع جميع الناس على اختلاف دياناتهم على احترامها، واتخذها كل منهم معبداً يعبد الله فيه على حسب دينه أو مذهبه الخ.
يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل( ٣٨ ) إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير( ٣٩ ) إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم( ٤٠ )
هذا السياق من هنا إلى آخر السورة في غزوة تبوك- وما كانت وسيلة له من هتك أستار النفاق، وتطهير المؤمنين من عوامل الشقاق- إلا الآيتين في آخرها، وما يتخللها من بعض الحكم والأحكام على السنة والمعروفة في أسلوب القرآن. ومناسبته لما قبله أن المراد قتالهم في تبوك هم الروم وأتباعهم المستعبدون من عرب الشام، وكلهم من النصارى الذين نزلت الآيات الأخيرة في حكم قتال اليهود وقتالهم، وبيان حقيقة أحوالهم، وأهمها خروجهم عن هداية دين المسيح عليه السلام في كل من العقائد والفضائل والأعمال، وكان ذكر النسيء في آخره لما ذكرنا. وإننا نقدِّم على تفسير الآيات بيان سبب غزوة تبوك وفاء بما وعدنا به، فنقول :
غزوة تبوك وسببها.
تبوك مكان معروف في منتصف الطريق بين المدينة المنورة ودمشق تقريبا، وقالوا : إن بينها وبين المدينة أربع عشرة مرحلة، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة، واللفظ ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث على الأشهر.
قال الحافظ في فتح الباري : وكان السبب فيها -أي الغزوة- ما ذكره ابن سعد وشيخه وغيره قالوا : بلغ المسلمين من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم جمعت جموعا، وأجلبت معهم لخم وجذام وغيرهم من متنصرة العرب، وجاءت مقدمتهم إلى البلقاء. فندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى الخروج وأعلمهم بجهة غزوهم كما سيأتي في الكلام على حديث كعب بن مالك.
وروى الطبراني من حديث عمران بن حصين قال : كانت نصارى العرب كتبت إلى هرقل : إن هذا الرجل الذي خرج يدعي النبوة هلك وأصابتهم سنون فهلكت أموالهم، فبعث رجلا من عظمائهم يقال له قباذ، وجهز معه أربعين ألفا، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولم يكن للناس قوة، وكان عثمان قد جهز عيراً إلى الشام، فقال يا رسول الله : هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها ومائتا أوقية -أي من الفضة- قال : فسمعته يقول :( لا يضر عثمان ما عمل بعدها )، وأخرجه الترمذي والحاكم من حديث عبد الرحمن بن حباب نحوه.
وذكر أبو سعيد في ( شرف المصطفى ) والبيهقي في الدلائل من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم أن اليهود قالوا : يا أبا القاسم إن كنت صادقا فالحق بالشام، فإنها أرض المحشر وأرض الأنبياء. فغزا تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله تعالى : وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها [ الإسراء : ٧٦ ] الآية انتهى، وإسناده حسن مع كونه مرسلا. اهـ ما ذكره الحافظ.
والصحيح المعتمد في السبب هو الأول، وما ندري من هؤلاء اليهود الذي قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ما قالوا ؟ وكان هذا بعد الفراغ من يهود المدينة وإجلائهم. والعجيب من الحافظ كيف قال : إن هذا الحديث حسن مع قوله في شهر بن حوشب في التقريب : إنه كثير الإرسال والأوهام، وعلمه ونقله لما لهم فيه من المطاعن في تهذيب التهذيب ؟ وقد صرح السيوطي بضعف الحديث في أسباب النزول، وفي كتب السير أن ما بذله عثمان رضي الله عنه في تجهيز جيش العسرة أكثر مما ذكر في حديث عمران.
وقد كانت غزوة تبوك في شهر رجب من سنة تسع باتفاق الرواة، وهو موافق لما رواه ابن عائذ من حديث ابن عباس أنها كانت بعد الطائف بستة أشهر، بجعل الستة الأشهر بعد عودته صلى الله عليه وسلم من الطائف إلى المدينة، فهو صلى الله عليه وسلم قد دخل المدينة في شهر ذي الحجة من تلك السنة، قاله الحافظ.
والغرض من هذا التمهيد لتفسير الآيات أن سبب هذه الغزوة استعداد الروم لقتال النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وإعداد جيش كثيف للزحف به على المدينة، فهي كسائر غزواته صلى الله عليه وسلم دفاع لا اعتداء، ولما لم يجد من يقاتله عاد ولم يهاجم شيئا من بلاد الشام، وكان الأمر بها لما سيذكر من الحكم والأحكام.
يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل( ٣٨ ) إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير( ٣٩ ) إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم( ٤٠ )
هذا السياق من هنا إلى آخر السورة في غزوة تبوك- وما كانت وسيلة له من هتك أستار النفاق، وتطهير المؤمنين من عوامل الشقاق- إلا الآيتين في آخرها، وما يتخللها من بعض الحكم والأحكام على السنة والمعروفة في أسلوب القرآن. ومناسبته لما قبله أن المراد قتالهم في تبوك هم الروم وأتباعهم المستعبدون من عرب الشام، وكلهم من النصارى الذين نزلت الآيات الأخيرة في حكم قتال اليهود وقتالهم، وبيان حقيقة أحوالهم، وأهمها خروجهم عن هداية دين المسيح عليه السلام في كل من العقائد والفضائل والأعمال، وكان ذكر النسيء في آخره لما ذكرنا. وإننا نقدِّم على تفسير الآيات بيان سبب غزوة تبوك وفاء بما وعدنا به، فنقول :
غزوة تبوك وسببها.
تبوك مكان معروف في منتصف الطريق بين المدينة المنورة ودمشق تقريبا، وقالوا : إن بينها وبين المدينة أربع عشرة مرحلة، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة، واللفظ ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث على الأشهر.
قال الحافظ في فتح الباري : وكان السبب فيها -أي الغزوة- ما ذكره ابن سعد وشيخه وغيره قالوا : بلغ المسلمين من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم جمعت جموعا، وأجلبت معهم لخم وجذام وغيرهم من متنصرة العرب، وجاءت مقدمتهم إلى البلقاء. فندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى الخروج وأعلمهم بجهة غزوهم كما سيأتي في الكلام على حديث كعب بن مالك.
وروى الطبراني من حديث عمران بن حصين قال : كانت نصارى العرب كتبت إلى هرقل : إن هذا الرجل الذي خرج يدعي النبوة هلك وأصابتهم سنون فهلكت أموالهم، فبعث رجلا من عظمائهم يقال له قباذ، وجهز معه أربعين ألفا، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولم يكن للناس قوة، وكان عثمان قد جهز عيراً إلى الشام، فقال يا رسول الله : هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها ومائتا أوقية -أي من الفضة- قال : فسمعته يقول :( لا يضر عثمان ما عمل بعدها )، وأخرجه الترمذي والحاكم من حديث عبد الرحمن بن حباب نحوه.
وذكر أبو سعيد في ( شرف المصطفى ) والبيهقي في الدلائل من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم أن اليهود قالوا : يا أبا القاسم إن كنت صادقا فالحق بالشام، فإنها أرض المحشر وأرض الأنبياء. فغزا تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله تعالى : وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها [ الإسراء : ٧٦ ] الآية انتهى، وإسناده حسن مع كونه مرسلا. اهـ ما ذكره الحافظ.
والصحيح المعتمد في السبب هو الأول، وما ندري من هؤلاء اليهود الذي قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ما قالوا ؟ وكان هذا بعد الفراغ من يهود المدينة وإجلائهم. والعجيب من الحافظ كيف قال : إن هذا الحديث حسن مع قوله في شهر بن حوشب في التقريب : إنه كثير الإرسال والأوهام، وعلمه ونقله لما لهم فيه من المطاعن في تهذيب التهذيب ؟ وقد صرح السيوطي بضعف الحديث في أسباب النزول، وفي كتب السير أن ما بذله عثمان رضي الله عنه في تجهيز جيش العسرة أكثر مما ذكر في حديث عمران.
وقد كانت غزوة تبوك في شهر رجب من سنة تسع باتفاق الرواة، وهو موافق لما رواه ابن عائذ من حديث ابن عباس أنها كانت بعد الطائف بستة أشهر، بجعل الستة الأشهر بعد عودته صلى الله عليه وسلم من الطائف إلى المدينة، فهو صلى الله عليه وسلم قد دخل المدينة في شهر ذي الحجة من تلك السنة، قاله الحافظ.
والغرض من هذا التمهيد لتفسير الآيات أن سبب هذه الغزوة استعداد الروم لقتال النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وإعداد جيش كثيف للزحف به على المدينة، فهي كسائر غزواته صلى الله عليه وسلم دفاع لا اعتداء، ولما لم يجد من يقاتله عاد ولم يهاجم شيئا من بلاد الشام، وكان الأمر بها لما سيذكر من الحكم والأحكام.
إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم «إلا » مركبة من«أن » الشرطية و«لا » النافية للحال والاستقبال كإن لم للماضي. أي إلا تنفروا كما أمركم الرسول صلى الله عليه وسلم يعذبكم الله عذابا أليما في الدنيا -يهلككم به بعصيانكم بعد قيام الحجة عليكم- ويستبدل بكم قوما غيركم. قيل كأهل اليمن وأبناء فارس، وليس في محله، فإن الكلام للتهديد، والله يعلم أنه لا يقع الشرط ولا جزاؤه، وإنما المراد قوم يطيعونه ويطيعون رسوله لأنه قد وعد بنصره، وإظهار دينه على الدين كله، فإن لم يكن ذلك بأيديكم، فلا بد أن يكون بأيدي غيركم ولن يخلف الله وعده [ الحج : ٤٧ ]، قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله [ المائدة : ٥٤ ]. وقد مضت سنته تعالى بأنه لا بقاء للأمم التي تتثاقل عن الدفاع عن نفسها وحفظ حقيقتها وسيادتها، ولا تتم فائدة القوة الدفاعية والهجومية إلا بطاعة الإمام والقائد العام، فكيف إذا كان الإمام والقائد هو النبي الموعود من ربه العزيز القدير بنصر من نصره، وهلاك من عصاه وخذله ؟
ولا تضروه شيئا أي ولا تضروه تعالى شيئا ما من الضرر في تثاقلكم عن طاعته ونصرة رسوله ؛ لأنه غني عنكم، ولن يبلغ أحد ضره ولا نفعه، بل هو القاهر فوق عباده، وكل من في السموات والأرض مسخر بأمره، وإن كان قد جعل للبشر شيئا من الاختيار، هو حجة عليهم فيما يلقون من الجزاء على الأعمال، وقيل : إن المراد ولا تضروا رسوله بتثاقلكم، فإنه عصمه من الناس، وكفل له النصر بقرينة الآية الآتية : والله على كل شيء قدير ومنه إهلاككم إن أصررتم على العصيان، وتوليتم عن إقامة دينه وإتمام نوره، ونصر رسوله بقوم آخرين يجاهدون في سبيل الله [ المائدة : ٥٤ ] بأموالهم وأنفسهم ولا يخافون لومة لائم [ المائدة : ٥٤ ] كما قال في آخر سورة القتال : وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم* ثم لا يكونوا أمثالكم [ محمد : ٣٨ ]، وهذا حجة على من زعم من الروافض أنه لولا ثبات علي كرم الله وجهه والنفر الذي كانوا حول بغلة النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب دينه فلم تقم له قائمة، والله أكبر من جهلهم، ورسوله أعظم عنده ممن ثبت وممن لم يثبت حول بغلته، ووعده أصدق من غلوهم في رفضهم، وهاك من حجج كتابه ما يزيد شبهة بدعتهم افتضاحاً، وحجة السنة وأهلها اتضاحاً : إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم( ٤٠ )
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وإننا نقفي على تفسير هذه الآيات بكلمات تزيدها بياناً، وتزيد الذين آمنوا بالله ورسوله إيمانا، وتزيد المبتدعين المحرفين لكلام الله تعالى خزياً وخذلانا، ثلاث كلمات : كلمة في خلاصة ما صح من خبر الهجرة وصفة الغار، وكلمة فيما تضمنته الآية وأخبار الهجرة من مناقب الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وكلمة في دحض شبهات الروافض، بل مفترياتهم في تشويه هذه المناقب، وتحريف كلمات الله وأخبار الرسول عن مواضعها وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم [ النمل : ١٤ ].
الكلمة الأولى في الهجرة المحمدية
كان من حكمة الله تعالى في رسالة محمد خاتم النبيين المرسل رحمة للعالمين، ومصلحا للناس أجمعين، أن أعد لها في المرتبة الأولى الأمة العربية الأمية باستقلال الفكر، وقوة الإرادة، وذكاء القريحة، وارتقاء اللغة، والسلامة مما منيت به أمم الحضارة من الاستذلال والاستعباد للملوك والأمراء ورؤساء الدين، ثم كان من حكمته تعالى أن عادى هذه الدعوة والقائم بها كبراء قومه قريش كبراً وبغياً وعلواً واستكباراً عن الاعتراف بضلالهم وضلال آبائهم وأجدادهم في شركهم، لئلا يكون في ظهورها بالحق شبهة يظن بها أنها إنما قامت بعصبية قريش، وكان له صلى الله عليه سلم بضعة أعمام لم يؤمن به منهم في السابقين إلا حمزة رضي الله عنه أخوه في الرضاع وقريبه من جهة الأم، فإن أمه ابنة عم آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد آمن في السنة الثانية من بعثته. وكان أبو لهب عمه الكبير الغني أول من صارحه العداوة فقال لقريش : خذوا على يديه، قبل أن تجتمع العرب عليه. وحسبك ما أنزل الله فيه وفي امرأته حمالة الحطب، وكان عمه أبو طالب هو الذي كفله بعد وفاة جده شيبة الحمد عبد المطلب، وإنما كان يحميه ويدافع عنه لعصبية القرابة والتربية. وكان لزوجه أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها مقام كبير في قريش كان له تأثير سلبي في تقليل إيذائه صلى الله عليه وسلم، وقد توفيت هي وأبو طالب في أسبوع واحد فاشتد إيذاء قريش له بعدهما، حتى أجمعوا على قتله قتلة تشترك فيها جميع قبائل قريش بأن يأخذوا من كل قبيلة منها شاباً نهداً قوياً يعطونه سيفا فيحمل عليه هؤلاء الشبان حملة رجل واحد فيقطعونه بسيوفهم ليضيع دمه بين القبائل، ويتعذر على بني هاشم الأخذ بثأره على حسب عادة العرب فيرضون بالدية. عند هذا أمره الله تعالى بالهجرة إلى يثرب التي صار اسمها المدينة المنورة بهجرته إليها، وكان قد آمن به وبايعه من أهلها الأنصار في الموسم من جعلهم الله تعالى مقدمة لإيمان غيرهم من الأنصار الكرام.
لم يكاشف النبي صلى الله عليه وسلم بهجرته أحداً غير صاحبه الأول أبي بكر الصديق الذي كان أول من آمن به ممن دعاهم إلى الإسلام بعد أهل بيته :[ وهم زوجه خديجة، وعتيقه زيد بن حارثة، وربيبه علي وكان دون البلوغ، وهؤلاء قد علموا بنبوته صلى الله عليه وسلم وصدقوه قبل أن يأمره الله بالدعوة ]، فكان أبو بكر صاحبه الملازم، ومستشاره الدائم، ووزيره الأكبر وموضع سره، وإنما كان رضي الله تعالى عنه أول من أسلم لأنه كان أشد هذه الأمة استعداداً لنور الإسلام بسلامة فطرته وطهارة نفسه، وقوة عقله، وعرفانه بفضائل النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، وقد كان صديقه من سن الشباب، وروى ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم لم يعرض الإسلام على واحد إلا وكان له فيه كبوة إلا أبا بكر رضي الله عنه، وإننا نذكر أصح ما أورده نقاد المحدثين من خبر الهجرة، وأوضحه وأبسطه ما رواه ابن أبي شيبة والإمام أحمد والبخاري وغيرهم من حديث عائشة رضي الله عنها، فنبدأ به ونقفي عليه بأحاديث أخرى من الجامع الصحيح غير ناظرين إلى روايتها في غيره، ثم نشير إلى غيرها.
قال البخاري٥ في كتاب الهجرة من صحيحه :[ حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل قال ابن شهاب فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليها وسلم قالت : لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد٦ لقيه ابن الدغنة -وهو سيد القارة٧- فقال : أين تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر : أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي. قال ابن الدغنة : فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق٨، فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم : إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يُخرج، أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق ؟
فلم تكذب قريش بجوار ابن الذعنة، وقالوا لابن الدغنة : مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا٩، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فينقذف عليه١٠ نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن. وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا : إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك، فسله أن يرد إليك ذمتك فإنا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة : فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال : قد عملت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلى ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له، فقال أبو بكر : فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله عزَّ وجلَّ.
والنبي صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين :( إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين )، وهما الحرتان١١، فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قبل المدينة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :( على رسلك١٢، فإني أرجو أن يؤذن لي ) فقال أبو بكر : وهل ترجو ذلك بأبي أنت ؟ قال :( نعم ). فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر وهو الخبط١٣ أربعة أشهر.
[ قال ابن شهاب١٤ : قال عروة : قالت عائشة : فبينما نحن يوما جلوسا في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة١٥ قال قائل لأبي : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر : فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. قالت : فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له، فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر :( اخرج من عندك ). فقال أبو بكر : إنما هم أهلك١٦ بأبي أنت يا رسول الله، قال :( فإني قد أذن لي في الخروج ). فقال أبو بكر : الصحابة بأبي أنت يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( نعم ) : قال أبو بكر : فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( بالثمن )١٧. قالت عائشة : فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاق، قالت : ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور فكمنا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر -وهو غلام شاب ثقف١٨ لقن١٩- فيدلج٢٠ من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يكتادان٢١ به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين يذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل٢٢ وهو لبن منحتهما٢٣ ورضيفهما٢٤ حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس٢٥، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث. واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل، وهو من بني عبد بن عدي هادياً خرّيتاً ـ والخريت الماهر بالهداية ـ قد غمس حلفاً في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق السواحل.
[ قال ابن شهاب : وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي -وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جُعشم- أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن جعشم يقول : جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كل واحد منهما من قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال : يا سراقة إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمداً وأصحابه، قال سراقة : فعرفت أنهم هم، فقلت له : إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي -وهي من وراء أكمة- فتحبسها علي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزجه الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي٢٦ حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي فخررت عنها، فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام٢٧ فاستقسمت بها أضرهم أم لا ؟ فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الأزلام تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات- ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان٢٨ ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له : إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني٢٩، ولم يسألاني إلا أن قال ( أخف عنا )، فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[ قال ابن شهاب : فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض، وسمع المسلمون بالمدينة مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حرّ الظهيرة، فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يه

وإننا نقفي على تفسير هذه الآيات بكلمات تزيدها بياناً، وتزيد الذين آمنوا بالله ورسوله إيمانا، وتزيد المبتدعين المحرفين لكلام الله تعالى خزياً وخذلانا، ثلاث كلمات : كلمة في خلاصة ما صح من خبر الهجرة وصفة الغار، وكلمة فيما تضمنته الآية وأخبار الهجرة من مناقب الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وكلمة في دحض شبهات الروافض، بل مفترياتهم في تشويه هذه المناقب، وتحريف كلمات الله وأخبار الرسول عن مواضعها وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم [ النمل : ١٤ ].
الكلمة الأولى في الهجرة المحمدية
كان من حكمة الله تعالى في رسالة محمد خاتم النبيين المرسل رحمة للعالمين، ومصلحا للناس أجمعين، أن أعد لها في المرتبة الأولى الأمة العربية الأمية باستقلال الفكر، وقوة الإرادة، وذكاء القريحة، وارتقاء اللغة، والسلامة مما منيت به أمم الحضارة من الاستذلال والاستعباد للملوك والأمراء ورؤساء الدين، ثم كان من حكمته تعالى أن عادى هذه الدعوة والقائم بها كبراء قومه قريش كبراً وبغياً وعلواً واستكباراً عن الاعتراف بضلالهم وضلال آبائهم وأجدادهم في شركهم، لئلا يكون في ظهورها بالحق شبهة يظن بها أنها إنما قامت بعصبية قريش، وكان له صلى الله عليه سلم بضعة أعمام لم يؤمن به منهم في السابقين إلا حمزة رضي الله عنه أخوه في الرضاع وقريبه من جهة الأم، فإن أمه ابنة عم آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد آمن في السنة الثانية من بعثته. وكان أبو لهب عمه الكبير الغني أول من صارحه العداوة فقال لقريش : خذوا على يديه، قبل أن تجتمع العرب عليه. وحسبك ما أنزل الله فيه وفي امرأته حمالة الحطب، وكان عمه أبو طالب هو الذي كفله بعد وفاة جده شيبة الحمد عبد المطلب، وإنما كان يحميه ويدافع عنه لعصبية القرابة والتربية. وكان لزوجه أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها مقام كبير في قريش كان له تأثير سلبي في تقليل إيذائه صلى الله عليه وسلم، وقد توفيت هي وأبو طالب في أسبوع واحد فاشتد إيذاء قريش له بعدهما، حتى أجمعوا على قتله قتلة تشترك فيها جميع قبائل قريش بأن يأخذوا من كل قبيلة منها شاباً نهداً قوياً يعطونه سيفا فيحمل عليه هؤلاء الشبان حملة رجل واحد فيقطعونه بسيوفهم ليضيع دمه بين القبائل، ويتعذر على بني هاشم الأخذ بثأره على حسب عادة العرب فيرضون بالدية. عند هذا أمره الله تعالى بالهجرة إلى يثرب التي صار اسمها المدينة المنورة بهجرته إليها، وكان قد آمن به وبايعه من أهلها الأنصار في الموسم من جعلهم الله تعالى مقدمة لإيمان غيرهم من الأنصار الكرام.
لم يكاشف النبي صلى الله عليه وسلم بهجرته أحداً غير صاحبه الأول أبي بكر الصديق الذي كان أول من آمن به ممن دعاهم إلى الإسلام بعد أهل بيته :[ وهم زوجه خديجة، وعتيقه زيد بن حارثة، وربيبه علي وكان دون البلوغ، وهؤلاء قد علموا بنبوته صلى الله عليه وسلم وصدقوه قبل أن يأمره الله بالدعوة ]، فكان أبو بكر صاحبه الملازم، ومستشاره الدائم، ووزيره الأكبر وموضع سره، وإنما كان رضي الله تعالى عنه أول من أسلم لأنه كان أشد هذه الأمة استعداداً لنور الإسلام بسلامة فطرته وطهارة نفسه، وقوة عقله، وعرفانه بفضائل النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، وقد كان صديقه من سن الشباب، وروى ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم لم يعرض الإسلام على واحد إلا وكان له فيه كبوة إلا أبا بكر رضي الله عنه، وإننا نذكر أصح ما أورده نقاد المحدثين من خبر الهجرة، وأوضحه وأبسطه ما رواه ابن أبي شيبة والإمام أحمد والبخاري وغيرهم من حديث عائشة رضي الله عنها، فنبدأ به ونقفي عليه بأحاديث أخرى من الجامع الصحيح غير ناظرين إلى روايتها في غيره، ثم نشير إلى غيرها.
قال البخاري٥ في كتاب الهجرة من صحيحه :[ حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل قال ابن شهاب فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليها وسلم قالت : لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد٦ لقيه ابن الدغنة -وهو سيد القارة٧- فقال : أين تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر : أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي. قال ابن الدغنة : فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق٨، فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم : إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يُخرج، أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق ؟
فلم تكذب قريش بجوار ابن الذعنة، وقالوا لابن الدغنة : مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا٩، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فينقذف عليه١٠ نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن. وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا : إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك، فسله أن يرد إليك ذمتك فإنا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة : فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال : قد عملت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلى ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له، فقال أبو بكر : فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله عزَّ وجلَّ.
والنبي صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين :( إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين )، وهما الحرتان١١، فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قبل المدينة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :( على رسلك١٢، فإني أرجو أن يؤذن لي ) فقال أبو بكر : وهل ترجو ذلك بأبي أنت ؟ قال :( نعم ). فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر وهو الخبط١٣ أربعة أشهر.
[ قال ابن شهاب١٤ : قال عروة : قالت عائشة : فبينما نحن يوما جلوسا في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة١٥ قال قائل لأبي : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر : فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. قالت : فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له، فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر :( اخرج من عندك ). فقال أبو بكر : إنما هم أهلك١٦ بأبي أنت يا رسول الله، قال :( فإني قد أذن لي في الخروج ). فقال أبو بكر : الصحابة بأبي أنت يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( نعم ) : قال أبو بكر : فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( بالثمن )١٧. قالت عائشة : فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاق، قالت : ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور فكمنا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر -وهو غلام شاب ثقف١٨ لقن١٩- فيدلج٢٠ من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يكتادان٢١ به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين يذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل٢٢ وهو لبن منحتهما٢٣ ورضيفهما٢٤ حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس٢٥، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث. واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل، وهو من بني عبد بن عدي هادياً خرّيتاً ـ والخريت الماهر بالهداية ـ قد غمس حلفاً في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق السواحل.
[ قال ابن شهاب : وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي -وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جُعشم- أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن جعشم يقول : جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كل واحد منهما من قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال : يا سراقة إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمداً وأصحابه، قال سراقة : فعرفت أنهم هم، فقلت له : إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي -وهي من وراء أكمة- فتحبسها علي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزجه الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي٢٦ حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي فخررت عنها، فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام٢٧ فاستقسمت بها أضرهم أم لا ؟ فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الأزلام تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات- ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان٢٨ ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له : إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني٢٩، ولم يسألاني إلا أن قال ( أخف عنا )، فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[ قال ابن شهاب : فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض، وسمع المسلمون بالمدينة مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حرّ الظهيرة، فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يه
انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون( ٤١ )
روي عن أبي الضحى مسلم بن صبيح أن هذه الآية أول ما نزل من هذه السورة، ثم نزل ما قبلها وما بعدها بعد ذلك، ولا يصح بهذا نقل، ولا يقبله فهم ولا عقل، والمتبادر من هذا السياق أن أوله خطاب الله للمؤمنين في قتال أهل الكتاب وما يسوغه وما ينتهي به من قبول الجزية منهم، ويتلوه إنكاره عليهم التثاقل عن النفر إذ استنفرهم الرسول لغزوة تبوك، وما قبله من أول السورة سياق مستقل تكلمنا عليه في أول تفسير السورة، وقد تقدم أن السورة نزلت كلها بعد عزوة تبوك، وما قيل من استثناء الآيتين اللتين في آخرها، فإن صح أن شيئاً نزل منها قبل السفر فهذا السياق من أوله إلى آخره لا هذه الآية وحدها، وأما بعد هذه الآية فظاهر أن أكثره نزل في أثناء السفر ومنه ما نزل بعده كما سنوضحه.
وأما وجه اتصال الآية بما قبلها فهو أنه تعالى لما وبخ الله المؤمنين على التثاقل عن النفر لما استنفرهم الرسول صلى الله عليه وسلم قفى عليه ببيان حكم النفير العام الذي يوجب القتال على كل فرد من الأفراد بما استطاع، ولا يعذر فيه أحد بالتخلف عن الإقدام، وترك طاعة الإمام، فقال :
انفروا خفافا وثقالا الخفاف بالكسر جمع خفيف والثقال جمع ثقيل. والخفة والثقل يكونان بالأجسام وصفاتها من صحة ومرض، ونحافة وسمن، وشباب وكبر، ونشاط وكسل، ويكونان بالأسباب والأحوال، كالقلة والكثرة في المال والعيال، ووجود الظهر [ الراحلة ] وعدمه، وثبوت الشواغل وانتفائها. فإذا أعلن النفير العام، وجب الامتثال إلا في حال العجز التام، وهو ما بينه تعالى في الآية ٩١ من هذا السياق : ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله الآية، وعذر القسم الثالث مشروط بما إذا لم يجد الإمام أو نائبه ما ينفق عليهم كما ذكر في الآية وستأتي.
وما ورد عن مفسري السلف من تفسير الخفاف والثقال ببعض ما ذكرنا من الكليات فهو للتمثيل لا للحصر، قال ابن عباس في تفسيرهما : نشاطاً وغير نشاط. وفي رواية عنه : موسرين ومعسرين، وفي رواية ثالثةً : خفافاً من السلاح أي مقلين منه، وثقالاً به أي مستكثرين منه. والحسن والضحاك ومجاهد وقتادة وعكرمة : شباناً وشيوخاً. وعطية العوفي : ركباناً ومشاة. وأبو صالح : فقراء وأغنياء. وقال ابن زيد في معناه : الثقيل الذي له الضيعة يكره أن يدع ضيعته. وقال الحكم بن عيينة : مشاغيل وغير مشاغيل.
ومما هو نص في إرادة عموم الأحوال قول أبي أيوب الأنصاري وقد شهد المشاهد كلها إلا غزاة واحدة- قال الله تعالى : انفروا خفافاً وثقالاً ، فلا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً. رواه ابن جرير. وروي عن أبي راشد الحراني قال : وافيت المقداد بن الأسود فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص وقد فضل عنها من عظمه يريد الغزو فقلت له : قد أعذر الله إليك، فقال أبت علينا سورة البعوث يعني براءة انفروا خفافاً وثقالاً . وروي عن حيان بن زيد الشرعبي قال : نفرنا مع صفوان بن عمرو وكان والياً على حمص قبل الأفسوس إلى الجراجمة، فرأيت شيخاً كبيراً همَّا قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار، فقلت : يا عم قد أعذر الله إليك، قال فرفع حاجبيه عن عينيه فقال : يا ابن أخي استنفرنا الله خفافاً وثقالاً، ألا إنه من يحبه الله يبتليه، ثم يعيده فيبقيه، وإنما يبتلي الله من عباده من صبر وشكر وذكر، ولم يعبد إلا الله عز وجل.
أقول : بمثل هذا الفهم للقرآن والاهتداء به فتح سلفنا البلاد، وسادوا العباد، وكانوا خيرا لهم من أبناء جلدتهم، والمشاركين لهم في ملتهم. ولم يبق لأحد من شعوب أمتنا حظ من القرآن إلا تغني بعضهم بتلاوته من غير فهم ولا تدبر، واشتغال آخرين بإعراب جمله ونكت البلاغة في مفرداته وأساليبه من غير علم ولا فقه فيها، ولا فكر ولا تدبر لما أودع من العظات والعبر في مطاويها، فهم يتشدقون بأن خفافاً وثقالاً منصوبان على الحال، ولا يرشدون أنفسهم ولا غيرهم إلى ما أوجباه على ذي الحال. وقد يذكر من يسمى الفقيه فيهم ما قيل من أن الآية منسوخة بقوله تعالى : وما كان المؤمنون لينفردوا كافة [ التوبة : ١١٢ ]، وهو زعم مخالف لما عليه الأئمة كافة، من أنه لا تعارض بين الآيتين كما سيأتي في تفسير الثانية، وبمثل هذا وذاك أضاع المسلمون ملكهم، وصار أكثرهم عبيداً لأعدائهم. ثم بين تعالى ما يجب من هذا النفر بقوله :
وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله أي وجاهدوا أعداءكم الذين يقاتلون في سبيل الطاغوت من العلو والفساد في الأرض، ببذل أموالكم وأنفسكم في سبيل الله الموصلة إلى الحق وإقامة ميزان العدل. فمن قدر على الجهاد بماله وبنفسه معاً وجب عليه الجهاد بهما، ومن قدر على أحدهما دون الآخر وجب عليه ما كان في قدرته منهما. كان المسلمون في الصدر الأول ينفق كل على نفسه في القتال، ومن كان عنده فضل من المال بذل منه في تجهيز غيره كما فعل عثمان رضي الله عنه في تجهيز جيش العسرة في هذه الغزوة، وكما فعل غيره من أغنياء الصحابة رضي الله عنهم، وهكذا يفعل أهل نجد الآن.
ولما صار بيت المال غنياً بكثرة الغنائم صار الأئمة والسلاطين يجهزون الجيش من بيت المال، وأئمة اليمن يدخرون المال لأجل القتال، وينفقون على طائفة من الناس طول السنة لتكون مستعدة للقتال كلما استنفرت له. والدول المنظمة تقرر في كل عام مبلغاً معيناً من المال في ميزانية الدولة للنفقات الحربية من برية وبحرية وهوائية. وإذا وقعت الحرب يزيدون في هذه المبالغ، ويجددون لها كثيراً من الضرائب، بل يجعلون جميع أموال الدولة والأمة ومصالحها ومرافقها تحت نفوذ قواد الحرب يتصرفون فيها بالنظام لا بالاستبداد، والمسلمون أولى منهم بكل ما ذكر.
ذلكم خير لكم أي ذلكم الذي أمرتم به من النفر والجهاد الذي هو أبعد مرامي الأمم في حفظ حقيقتها، وعلو كلمتها، وتقرير سياستها خير لكم في دنياكم وآخرتكم، أي خير في نفسه بصرف النظر عن مقابله، أو خير من القعود والبخل عنه، أما الدنيا فلا حياة للأمم فيها ولا عز ولا سيادة إلا بالقوة الحربية، والقعود عن القتال عند الحاجة إليه يغري الأعداء بالقاعدين العاجزين، وحب الراحة يجلب التعب، وأما الآخرة فلا سعادة فيها إلا لمن ينصر الحق، ويقيم العدل، ويتحلى بالفضائل، ويتخلى عن الرذائل، باتباع الدين القويم، والعمل بالشرع العادل الحكيم. ولا يمكن هذا كله إلا باستقلال الأمة بنفسها، وقدرتها على حفظ سيادتها وسلطاتها بقوتها، كما تقدم تفصيله في تفسير الآيات الكثيرة من سورة الأنفال ولا سيما وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة [ الأنفال : ٦٠ ] وفي أوائل هذه السورة.
إن كنتم تعلمون أي إن كنتم تعلمون حقية هذه الخيرية علما إذعانيا يبعث على العمل. وجواب إن محذوف دل عليه ما قبله، أي يكن خيراً لكم، ويقدره بعضهم أمراً بالامتثال، أي فانفروا وجاهدوا. وقد علم تلك الخيرية وامتثل هذا الأمر المؤمنون الصادقون، واستأذن بعض المنافقين النبي صلى الله عليه وسلم في التخلف فأذن لهم على ضعف أعذارهم، وتخلف منهم ومن المؤمنين أناس آخرون فأنزل الله في الجميع الآيات الآتية في أثناء السفر.
لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون( ٤٢ ) عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين( ٤٣ )
كان دأب المؤمنين وعادتهم إذا استنفرهم الرسول صلى الله عليه وسلم للقتال أن ينفروا بهمة ونشاط، ولما استنفرهم لغزوة تبوك تثاقلوا لما تقدم من الأسباب، وللتثاقل درجات تختلف باختلاف قوة الإيمان وضعفه، ويسر الأسباب وعسرها، وكثرة الأعذار وقلتها، ولكن نفر الأكثرون طائعين، وتخلف الأقلون عاجزين. وأما المنافقون فقد كبر عليهم الأمر، وعظم فيهم الخطب، وطفقوا ينتحلون الأعذار الواهية، ويستأذنونه صلى الله عليه وسلم في القعود والتخلف فيأذن لهم، فكان نزول هذه الآيات وما بعدها لبيان تلك الحال وأحكام تلك الوقائع. وهي لا تفهم إلا بمعرفة أسبابها، كما كان يعرفها من وقعت منهم ومعهم وفيما بينهم. ومن حكمة الله تعالى في هذا الأسلوب أنه يضطر المؤمنين بعد ذلك العصر إلى البحث عن تاريخه ليستعينوا به على فهم ما تعبدهم الله تعالى به من الآيات فيعرفوا نشأة دينهم، وسياسة ملتهم، وصفة تكوين أمتهم، ولا شيء أعون للأمم على حفظ حقيقتها كمعرفة تاريخها.
لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون( ٤٢ ) عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين( ٤٣ )
كان دأب المؤمنين وعادتهم إذا استنفرهم الرسول صلى الله عليه وسلم للقتال أن ينفروا بهمة ونشاط، ولما استنفرهم لغزوة تبوك تثاقلوا لما تقدم من الأسباب، وللتثاقل درجات تختلف باختلاف قوة الإيمان وضعفه، ويسر الأسباب وعسرها، وكثرة الأعذار وقلتها، ولكن نفر الأكثرون طائعين، وتخلف الأقلون عاجزين. وأما المنافقون فقد كبر عليهم الأمر، وعظم فيهم الخطب، وطفقوا ينتحلون الأعذار الواهية، ويستأذنونه صلى الله عليه وسلم في القعود والتخلف فيأذن لهم، فكان نزول هذه الآيات وما بعدها لبيان تلك الحال وأحكام تلك الوقائع. وهي لا تفهم إلا بمعرفة أسبابها، كما كان يعرفها من وقعت منهم ومعهم وفيما بينهم. ومن حكمة الله تعالى في هذا الأسلوب أنه يضطر المؤمنين بعد ذلك العصر إلى البحث عن تاريخه ليستعينوا به على فهم ما تعبدهم الله تعالى به من الآيات فيعرفوا نشأة دينهم، وسياسة ملتهم، وصفة تكوين أمتهم، ولا شيء أعون للأمم على حفظ حقيقتها كمعرفة تاريخها.
عفا الله عنك العفو التجاوز عن الذنب أو التقصير وترك المؤاخذة عليه، ويستعمل بمعنى الدعاء. أي عفا عما تعلق به اجتهادك أيها الرسول حين استأذنوك وكذبوا عليك في الاعتذار.
لم أذنت لهم أي لأي شيء أذنت لهم بالقعود والتخلف كما أرادوا، وهلا استأنيت وتريثت بالإذن حتى يتبين لك الذين صدقوا في الاعتذار وتعلم الكاذبين فيه، أي حتى تميز بين الفريقين فتعامل كلا بما يليق به، وذلك أن الكاذبين لا يخرجون سواء أذنت لهم أم لم تأذن لهم، فكان مقتضى الحزم أن تتلبث في الإذن أو تمسك عنه اختباراً لهم.
روى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : عفا الله عنك لم أذنت لهم قال : هم ناس قالوا : استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله : والله يعلم إنهم لكاذبون قال : لقد كانوا يستطيعون الخروج، ولكن كان تبطئة من عند أنفسهم، وزهادة في الجهاد.
هذا وإن بعض المفسرين -ولا سيما الزمخشري- قد أساؤوا الأدب في التعبير عن عفو الله تعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية، وكان يجب أن يتعلموا منها أعلى الأدب معه صلوات الله وسلامه عليه، إذ أخبره ربه ومؤدبه بالعفو قبل الذنب، وهو منتهى التكريم واللطف، وبالغ آخرون كالرازي في الطرف الآخر فأرادوا أن يثبتوا أن العفو لا يدل على الذنب، وغايته أن الإذن الذي عاتبه الله عليه وهو خلاف الأولى، وهو جمود مع الاصطلاحات المحدثة والعرف الخاص في معنى الذنب وهو المعصية، وما كان ينبغي لهم أن يهربوا من إثبات ما أثبته الله تعالى في كتابه تمسكاً باصطلاحاتهم وعرفهم المخالف له ولمدلول اللغة أيضاً، فالذنب في اللغة كل عمل يستتبع ضررًا أو فوت منفعة أو مصلحة، مأخوذ من ذنب الدابة، وليس مرادفا للمعصية بل أعم منها، والإذن المعفو عنه قد استتبع فوت المصلحة المنصوصة في الآية وهي تبين الذين صدقوا والعلم بالكاذبين. وقد قال تعالى : إنا فتحنا لك فتحاً مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر [ الفتح : ١، ٢ ].
فالتفصي من إسناد الذنب إلى الأنبياء بالتأويل ليوافق المذاهب والقواعد كالتفصي مما وصف الله به نفسه وما أسنده إليها من العلو والاستواء على العرش أو غيرهما من الصفات، وهو يستلزم جعل بيان نظار المتكلمين لحقائق دين الله أفصح وأبين وأولى بالتلقين من كتاب الله عزَّ وجلَّ الذي وصفه بأنه تبيان لكل شيء، ولو قيل : إن لازم المذهب مذهب مطلقاً، وإن لم يفطن له صاحب المذهب ويلتزمه، كما يقوله الذين يكفرون كثيراً من المخالفين لهم، لجاز الحكم بكفر هؤلاء المتأولين المحرفين، ولكن أهل الحق من علماء السلف يمنعون من الحكم بالكفر على الشخص المعين فيما يتأول فيه مما هو كفر في نفسه، ويعدون من العذر بالجهل ما لا يعده المتكلمون عذراً.
وقد كان الإذن المعاتب عليه اجتهاداً منه صلى الله عليه وسلم فيما لا نص فيه من الوحي، وهو جائز وواقع من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وليسوا بمعصومين من الخطأ فيه، وإنما العصمة المتفق عليها خاصة بتبليغ الوحي ببيانه والعمل به، فيستحيل على الرسول أن يكذب أو يخطئ فيما يبلغه عن ربه أو يخالفه بالعمل، ويؤيده حديث طلحة في تأبير النخل إذ رآهم صلى الله عليه وسلم يلقحونها فقال :( ما أظن يغني ذلك شيئاً )، فأخبروا بذلك فتركوه ظناً منهم أن قوله هذا من أمر الدين، فنفضت النخل وسقط ثمرها، فأخبر بذلك فقال صلى الله عليه وسلم :( إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله عزَّ جلَّ )١ رواه مسلم.
وقد صرح علماء الأصول بجواز الخطأ في الاجتهاد على الأنبياء عليهم السلام، قالوا : ولكن لا يقرهم الله على ذلك ؛ بل يبين لهم الصواب فيه. ومنه ما تقدم في سورة الأنفال من عتاب الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في أخذ الفدية من أسارى بدر٢، والخطأ هنالك أعظم مما هنا، فغاية ما فيه هنا أنه مخالف لما يقتضيه الحزم، وكان من لطف الرب اللطيف الخبير برسوله البشير النذير أن أخبره بالعفو عنه قبل بيانه له، وأما ذاك فقد بدأ عتابه له وللمؤمنين -الذين عمل برأي جمهورهم في أخذ الفدية- بقوله : ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض [ الأنفال : ٦٧ ]، ثم بين أنه كان مقتضياً لعذاب أليم لولا كتاب من الله سبق فكان مانعاً، وسنذكر فائدة أمثال هذا الاجتهاد والخطأ في تفسير الآية ٤٧ وهي قريبة.
ومن مباحث البلاغة في الآية نكتة الاختلاف في التعبير عن الصادقين والكاذبين ؛ إذ عبر عن الأولين بالاسم الموصول بالفعل الماضي، وعن الكاذبين باسم الفاعل، وقد بين ذلك أبو السعود بقوله : وتغيير الأسلوب بأن عبر عن الفريق الأول بالموصول الذي صلته فعل دال على الحدوث، وعن الفريق الثاني باسم الفاعل المفيد للدوام، للإيذان بأن ما ظهر من الأولين صدق حادث في أمر خاص غير مصحح لنظمهم في سلك الصادقين، وأن ما صدر من الآخرين وإن كان كذباً حادثا متعلقاً بأمر خاص لكنه أمر جار على عادتهم المستمرة ناشئ عن رسوخهم في الكذب، والتعبير عن ظهور الصدق بالتبين، وعما يتعلق بالكذب بالعلم، لما هو المشهور من أن مدلول الخبر هو الصدق والكذب احتمال عقلي، فظهور صدقه إنما هو تبين ذلك المدلول وانقطاع احتمال نقيضه بعد ما كان محتملاً له احتمالا عقلياً، وأما كذبه فأمر حادث لا دلالة للخبر عليه في الجملة حتى يكون ظهوره تبيناً له بل هو نقيض لمدلوله، فما يتعلق به يكون علماً مستأنفاً، وإسناده إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لا إلى المعلومين ببناء الفعل للمفعول مع إسناد التبين إلى الأولين لما أن المقصود ههنا علمه عليه الصلاة والسلام بهم ومؤاخذتهم بموجبه، بخلاف الأولين حيث لا مؤاخذة عليهم. ومن لم ينتبه لهذا قال : حتى يتبين لك من صدق في عذره ممن كذب فيه. وإسناد التبين إلى الأولين وتعليق العلم بالآخرين مع أن مدار الاستناد والتعلق أولاً وبالذات هو وصف الصدق والكذب كما أشير إليه لما أن المقصد هو العلم بكلا الفريقين، باعتبار اتصافهما بوصفيهما المذكورين، ومعاملتهما بحسب استحقاقهما، لا العلم بوصفيهما بذاتيهما، أو باعتبار قيامهما بموصوفيهما اه.
١ ـ أخرجه مسلم في الفضائل حديث ١٣٩، وأحمد في المسند ١/ ١٦٢..
٢ ـ راجع تفسير الآيات ٦٧ و٦٨ و٦٩ من سورة الأنفال في هذا الجزء..
لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين( ٤٤ ) إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون( ٤٥ )*ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين( ٤٦ ) }
ذكر البغوي وغيره عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف المنافقين حتى نزلت سورة براءة، والظاهر أن مراده لم يكن يعرفهم كلهم ويعرف شؤونهم بمثل ما في هذه السورة من التفصيل، كما قال الله له في الذين مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم [ التوبة : ١٠١ ]، وستأتي في هذا السياق. إذ من المعلوم أن ذكر المنافقين وبعض صفاتهم وأقوالهم وأفعالهم جاءت في عدة سور نزلت قبل سورة براءة : منها سور المنافقين والأحزاب والنساء والأنفال والقتال والحشر، وأما سورة براءة فهي الفاضحة لهم والكاشفة لجميع أنواع نفاقهم الظاهرة والباطنة، وهذه الآيات أول السياق في هذا البيان للتفرقة بينهم وبين المؤمنين في أمر القتال، ولعله صلى الله عليه وسلم لم يعلم ذلك إلا بعد نزولها.
لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين( ٤٤ ) إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون( ٤٥ )*ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين( ٤٦ ) }
ذكر البغوي وغيره عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف المنافقين حتى نزلت سورة براءة، والظاهر أن مراده لم يكن يعرفهم كلهم ويعرف شؤونهم بمثل ما في هذه السورة من التفصيل، كما قال الله له في الذين مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم [ التوبة : ١٠١ ]، وستأتي في هذا السياق. إذ من المعلوم أن ذكر المنافقين وبعض صفاتهم وأقوالهم وأفعالهم جاءت في عدة سور نزلت قبل سورة براءة : منها سور المنافقين والأحزاب والنساء والأنفال والقتال والحشر، وأما سورة براءة فهي الفاضحة لهم والكاشفة لجميع أنواع نفاقهم الظاهرة والباطنة، وهذه الآيات أول السياق في هذا البيان للتفرقة بينهم وبين المؤمنين في أمر القتال، ولعله صلى الله عليه وسلم لم يعلم ذلك إلا بعد نزولها.
إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر هذا تصريح بمفهوم ما سبق لزيادة تأكيده وتقريره، وجاء الحصر فيه بإنما التي موضعها ما هو معلوم بالجملة، لأن المعنى قد علم من مفهوم الحصر بالنفي والإثبات الذي قبله. والمعنى إنما يستأذنك في التخلف عن الجهاد الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ؛ لأنهم يرون بذل المال للجهاد مغرما يفوت عليهم بعض منافعهم به، ولا يرجون عليه ثوابا كما يرجو المؤمنون، ويرون الجهاد بالنفس آلاما ومتاعب وتعرضا للقتل الذي ليس بعده حياة عندهم، فطبيعة كفرهم بالله واليوم الآخر تقتضي كراهتهم للجهاد، وفرارهم منه ما وجدوا له سبيلا. بضد ما يقتضيه إيمان المؤمنين كما تقدم.
وارتابت قلوبهم أي وقد وقع لهم الريب والشك في الدين من قبل، فلم تطمئن به قلوبهم، ولم تذعن له نفوسهم، وإنما الإيمان هو اليقين المقارن للإذعان وخضوع النفس.
فهم في ريبهم يترددون متحيرين في أمرهم، مذبذبين في عملهم، يحسبون كل صيحة عليهم، فهم يوافقون المؤمنين فيما يسهل أداؤه من عبادات الإسلام، فإذا عرض لهم ما يشق عليهم فعله ضاقت به صدورهم، والتمسوا التفصي منه بما استطاعوا من الحيل والمعاذير الكاذبة، حتى إنه كان يشق عليهم حضور صلاة الفجر والعشاء كما ورد في الصحيح. وسيأتي في بيان فضائحهم لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمعون [ التوبة : ٥٧ ]، وقد ورد في بعض الروايات أن عدد هؤلاء المنافقين كان تسعة وثلاثين رجلا، ولعل المراد المستأذنون أو المتخلفون منهم.
روي عن ابن عباس أن هذه الآية منسوخة بآية سورة النور إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأْذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم [ النور : ٦٢ ]، والجمهور على أنها محكمة، وما أرى هذا الرأي يصح عن ابن عباس، فإن سورة النور نزلت قبل هذه السورة بالاتفاق، وموضوع الاستئذان فيها غير موضوعه هنا وإلا كانتا متناقضتين، فآية براءة في الاستئذان بالتخلف عن الجهاد والقعود عنه بعد النداء بالنفير العام، وآية النور في استئذان من يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم على أمر جامع كالجمعة والعيدين وليكن منه الجهاد ويعرض لأحدهم حاجة يريد قضاءها والعودة إلى الجماعة، فكان بعضهم لا يرى بذلك بأسا كالذين كانوا مجتمعين معه صلى الله عليه وسلم لصلاة الجمعة فجاءت العير بالتجارة فانفضوا إليها وتركوه قائما يخطب ليس معه إلا إثنا عشر منهم : أبو بكر وعمر وجابر الذي أخرج الشيخان والترمذي وغيرهم هذا الحديث عنه، وفي رواية ابن عباس عند ابن مردويه في تفسيره أنه بقي معه سبعة عشر رجلا وسبع نسوة. وفي هذه الحادثة نزلت الآيات التي في آخر سورة الجمعة، فصار المؤمنون بعد ذلك لا يخرجون من حضرة النبي صلى الله عليه وسلم لحاجة تعرض لهم إلا إذا استأذنوه وأذن لهم، ولهذا قال الله تعالى في آية براءة : لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله ، والعجب من المفسرين الذين نقلوا هذه الرواية عن ابن عباس كيف سكتوا عن بيان هذا، من سلم منهم القول بالنسخ ومن لم يسلمه ؟
وحكى الرازي عن أبي مسلم الخراساني في قوله تعالى : لم أذنت لهم أنه ليس فيه ما يدل على أن ذلك الإذن في ماذا، فيحتمل أن بعضهم استأذن في القعود فأذن له، ويحتمل أن بعضهم استأذن في الخروج فأذن له، مع أنه ما كان خروجهم معه صوابا لأجل أنهم كانوا عيونا للمنافقين على المسلمين. فكانوا يثيرون الفتن ويبغون الغوائل، فلهذا السبب ما كان خروجهم مع الرسول مصلحة. قال القاضي : هذا بعيد ؛ لأن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك على وجه الذم للمتخلفين والمدح للمبادرين، وأيضا ما بعد هذه الآية يدل على ذم القاعدين وبيان حالهم اه ما نقله الرازي عنه وعن القاضي عبد الجبار في الرد عليه وكلاهما من المعتزلة.
وأقول : إن هذا الاحتمال الذي ذكره أبو مسلم مردود بأن الخروج إلى الجهاد ما كان يحتاج إلى إذن بعد إعلان النفير فيستأذنوا له. وأما كون خروجهم مفسدة فهو صحيح وسيأتي النص عليه[ في الآية ٤٧ ]، ولكن أولئك المستأذنين لم يكونوا يريدون الخروج كما تقدم، فكانت المصلحة في عدم الإذن لهم لينكشف سترهم، فيعرف النبي والمؤمنون كنه أمرهم، ويثبت هذا قوله تعالى : ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة
لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين( ٤٤ ) إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون( ٤٥ )*ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين( ٤٦ ) }
ذكر البغوي وغيره عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف المنافقين حتى نزلت سورة براءة، والظاهر أن مراده لم يكن يعرفهم كلهم ويعرف شؤونهم بمثل ما في هذه السورة من التفصيل، كما قال الله له في الذين مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم [ التوبة : ١٠١ ]، وستأتي في هذا السياق. إذ من المعلوم أن ذكر المنافقين وبعض صفاتهم وأقوالهم وأفعالهم جاءت في عدة سور نزلت قبل سورة براءة : منها سور المنافقين والأحزاب والنساء والأنفال والقتال والحشر، وأما سورة براءة فهي الفاضحة لهم والكاشفة لجميع أنواع نفاقهم الظاهرة والباطنة، وهذه الآيات أول السياق في هذا البيان للتفرقة بينهم وبين المؤمنين في أمر القتال، ولعله صلى الله عليه وسلم لم يعلم ذلك إلا بعد نزولها.
ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة من الزاد والراحلة وغير ذلك مما يعد لمثل هذا السفر البعيد، وكانوا مستطيعين لذلك ولم يفعلوا، كما دلت عليه الآية.
ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم الانبعاث مطاوع البعث، وهو إثارة الإنسان أو الحيوان وتوجيهه إلى الشيء بقوة ونشاط كبعث الرسل، أو إزعاج كبعثت البعير فانبعث، وبعث الله الموتى. والتثبيط التعويق عن الأمر والمنع منه بالتكسيل أو التخذيل، ولم ترد في التنزيل إلا في هذه الآية. والمعنى كره الله نفرهم وخروجهم مع المؤمنين لما سيذكر من ضرره العائق عما أحبه وقدره من نصره، فثبطهم بما أحدث في قلوبهم من الخواطر والمخاوف التي هي مقتضى سنته في تأثير النفاق، فلم يعدوا للخروج عدته لأنهم لم يريدوه، وإنما أرادوا بالاستئذان ستر ما عزموا عليه من العصيان.
وقيل اقعدوا مع القاعدين في هذا القيل وجوه :
أحدها : أنه تمثيل لداعية القعود التي هي أثر التثبيط، وفي معناه أنه أمر قدري تكويني لا خطاب كلامي.
والثاني : أنه قول الشيطان بالوسوسة.
والثالث : أنه قول بعضهم لبعض.
والرابع : أنه حكاية لإذن الرسول صلى الله عليه وسلم لهم، وأنه قاله بعبارة تدل على السخط لا على الرضاء، إذ معناه اقعدوا مع الأطفال والزمنى والعجزة والنساء، فأخذوه على ظاهره لموافقته لمرادهم.
ويحتج المجبرة ومنهم الأشعرية على المعتزلة بهذه الآية، ويتأولها هؤلاء بأنها لا تنافي وجوب مراعاة المصالح وتحسين العقل وتقبيحه، ومذهبنا في أمثالها أنها بيان لسنة الله تعالى في ترتيب الأعمال الاختيارية، على ما يبعث عليها من العقائد والصفات النفسية، وموافقة ذلك هنا لحكمته وعنايته تعالى بأمر المؤمنين، وذلك توفيق أقدار لأقدار، في ضمن دائرة الاختيار، فلا جبر ولا اضطرار للعبد، ولا وجوب على الرب، فالحكمة والرحمة وما في شرعه من موافقة المصالح ودرء المفاسد مما يجب له، ولا يجب عليه شيء إلا ما أوجبه وكتبه على نفسه كالرحمة.
لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين( ٤٧ ) لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون( ٤٨ )
هاتان الآيتان في بيان حال هؤلاء المنافقين ما كانت تكون عليه لو خرجوا، والتذكير بما كان من أحوالهم السابقة الدالة على ذلك.
لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين( ٤٧ ) لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون( ٤٨ )
هاتان الآيتان في بيان حال هؤلاء المنافقين ما كانت تكون عليه لو خرجوا، والتذكير بما كان من أحوالهم السابقة الدالة على ذلك.
لقد ابتغوا الفتنة من قبل أي تالله لقد ابتغى هؤلاء المنافقون إيقاع الفتنة في المسلمين من قبل هذا العهد عهد غزوة تبوك وأوله ما كان في غزوة أحد إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا [ آل عمران : ١٢٢ ]، وذلك أنهم لما خرجوا إلى أحد اعتزلهم عبد الله بن أبيّ بن سلول زعيم المنافقين بنحو ثلث الجيش في موضع يسمى الشوط- بين المدينة وأحد- وطفق يقول لهم في النبي صلى الله عليه وسلم : أطاعهم وعصاني. وفي رواية : أطاع الولدان ومن لا رأي له، فما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا ؟ وكان رأي ابن أبي لعنه الله عدم الخروج إلى أحد، ورأي الجمهور ولا سيما الشبان الخروج، فعمل صلى الله عليه وسلم برأي الأكثر على أنه كان خلاف رأيه أيضاً، فرجع ابن أبي بمن اتبعه من المنافقين، وكاد يفشل بنو سلمة من الأوس وبنو حارثة من الخزرج بقوله وفعله، فعصمهما الله تعالى من الفتنة بفضله، وذلك قوله تعالى : والله وليهما وتقدم تفصيل ذلك في الكلام على غزوة أحد من تفسير الجزء الرابع.
وقلبوا لك الأمور أي دبروا لك الحيل والمكايد، ودوَّروا الآراء في كل وجه من وجوهها لإبطال دينك، وفض قومهم من حولك، فإن تقليب الشيء تصريفه في كل وجه من وجوهه، والنظر في كل ناحية من أنحائه، ليعلم أيها الأولى بالاختيار. وما زال لهؤلاء المنافقين ضلع مع اليهود وضلع مع المشركين، في كل ما فعلا من عداوتك وقتال المؤمنين.
حتى جاء الحق بالنصر الذي وعدك به ربك وكانوا به يمترون.
وظهر أمر الله وهم كارهون أي ظهر دين الله على الدين كله بالتنكيل باليهود الغادرين، والنصر على المشركين، وإبطال الشرك بفتح مكة ودخول الناس في الإسلام أفواجا، وهم كارهون لذلك، حتى كانوا بعد الفتح يمنون أنفسهم بظهور المشركين على المؤمنين في حنين.
وقد روى ابن جرير الطبري في تفسير الآية من طريق ابن إسحاق عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم، كل قد حدث في غزوة تبوك ما بلغه عنها وبعض القوم يحدث ما لم يحدث بعض، وكل قد اجتمع حديثه في هذا الحديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك في زمان عسرة من الناس، وشدة من الحر، وجدب من البلاد، وحين طاب الثمار، وأحبت الظلال، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص عنها على الحال من الزمان الذي هم عليه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها وأخبر أنه يريد غير الذي يصمد له، إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه بينها للناس لبعد الشقة، وشدة الزمان، وكثرة العدو الذي صمد له، ليتأهب الناس لذلك أهبته، فأمر الناس بالجهاد، وأخبرهم أنه يريد الروم، فتجهز الناس على ما في أنفسهم من الكره لذلك الوجه، لما فيه مع ما عظموا من ذكر الروم وغزوهم، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد في سفره فأمر الناس بالجهاز والانكماش١، وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله.
فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عسكره على ثنية الوداع، وضرب عبد الله بن أبي بن سلول عسكره على ذي حدة أسفل منه نحو ذباب جبل بالجبانة أسفل من ثنية الوداع، وكان فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب، وكان عبد الله بن أبي أخا بني عوف بن الخزرج، وعبد الله بن نبتل أخا بني عمرو بن عوف، ورفاعة بن يزيد بن التابوت أخا بني قينقاع، وكانوا من عظماء المنافقين، وكانوا ممن يكيد للإسلام وأهله، قال وفيهم كما ثنا ابن حميد قال : ثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن عبيد عن الحسن البصري أنزل الله : لقد ابتغوا الفتنة من قبل اه. وأول هذا التلخيص موافق لما لخصناه من قبل، وبقية ما ذكره عن ابن أبي وعسكره فيه مبالغة أشار الطبري إلى عدم ثقته بها بقوله[ فيما يزعمون ]، وتقدمت رواية من قال : إن المتخلفين ٣٦ رجلاً.
وزعم بعض المفسرين أن المراد بالفتنة في هذه الآية محاولة المنافقين اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند خروجهم هذا. والصواب أن هذه الحادثة وقعت في أثناء العودة من تبوك، وهي المشار إليها في آية وهموا بما لم ينالوا [ التوبة : ٧٤ ] وسيأتي بيانها.
١ ـ الانكماش هنا: الإسراع في الأمر والجد فيه..
{ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين( ٤٩ )إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون( ٥٠ ) قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون( ٥١ ) قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون( ٥٢ )
هذا شروع في بيان حال أناس من أولئك المنافقين بأقوال قالوها فيما بينهم جهرا، وأمور أكنوها في أنفسهم سراً، وأقوال سيقولونها، وأقسام سيقسمونها، وأعذار سيعتذرونها غير ما سبق منهم. وشؤون عامة فيهم ـ أكثرها من أنباء الغيب ـ مع ما يتعلق بذلك ويناسبه من الحكم والأحكام، والعقائد والآداب.
{ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين( ٤٩ )إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون( ٥٠ ) قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون( ٥١ ) قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون( ٥٢ )
هذا شروع في بيان حال أناس من أولئك المنافقين بأقوال قالوها فيما بينهم جهرا، وأمور أكنوها في أنفسهم سراً، وأقوال سيقولونها، وأقسام سيقسمونها، وأعذار سيعتذرونها غير ما سبق منهم. وشؤون عامة فيهم ـ أكثرها من أنباء الغيب ـ مع ما يتعلق بذلك ويناسبه من الحكم والأحكام، والعقائد والآداب.
إن تصبك حسنة تسؤهم المتبادر أن هذا إخبار عن شأنهم في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، والحسنة كل ما يحسن وقعه ويسر من غنيمة ونصرة ونعمة، أي أنه يسوءهم كل ما يسرك، كما ساءهم النصر في بدر وغير بدر من الغزوات.
وإن تصبك مصيبة أي نكبة وشدة كالذي وقع في غزوة أحد.
يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل أي قد أخذنا أمرنا بالحزم والحذر الذي هو دأبنا من قبل وقوعها إذ تخلفنا عن القتال، ولم نلق بأيدينا إلى الهلاك.
ويتولوا وهم فرحون أي وينصرفوا عن الموضع الذي يقولون فيه هذا القول عند بلوغهم خبر المصيبة إلى أهليهم، أو يعرضوا عنك بجانبهم وهم فرحون فرح البطر والشماتة. وتقدم في معنى الآية قوله : إن تمسسكم حسنة تسؤهم [ آل عمران : ١٢٠ ] وهي في سياق غزوة أحد.
وقد ورد في التفسير المأثور ما يدل على أن الآية خبر عن مستقبل الأمر في غزوة تبوك. روى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنه قال : إن تصبك في سفرك هذا لغزوة تبوك حسنة تسؤهم، قال : الجد وأصحابه.
وروى ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : جعل المنافقون الذين تخلفوا في المدينة يخبرون عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار السوء، يقولون : إن محمداً وأصحابه قد جهدوا في سفرهم وهلكوا، فبلغهم تكذيب خبرهم وعافية النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فساءهم ذلك، فأنزل الله تعالى : إن تصبك حسنة تسؤهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : إن أظفرك الله وردك سالماً ساءهم ذلك، وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا في القعود قبل أن تصيبهم.
والأول أبلغ وهو يشمل هذا وغيره.
{ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين( ٤٩ )إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون( ٥٠ ) قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون( ٥١ ) قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون( ٥٢ )
هذا شروع في بيان حال أناس من أولئك المنافقين بأقوال قالوها فيما بينهم جهرا، وأمور أكنوها في أنفسهم سراً، وأقوال سيقولونها، وأقسام سيقسمونها، وأعذار سيعتذرونها غير ما سبق منهم. وشؤون عامة فيهم ـ أكثرها من أنباء الغيب ـ مع ما يتعلق بذلك ويناسبه من الحكم والأحكام، والعقائد والآداب.
قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا أي قل أيها الرسول لهؤلاء المنافقين الذين تفرحهم مصيبتك، وتسوءهم نعمتك وغنيمتك، لن يصيبنا إلا ما كتبه الله وأوجبه لنا بوعده في كتابه، وتقديره لنظام سننه في خلقه، من نصر وغنيمة وتمحيص وشهادة، وضمان لحسن العاقبة.
هو مولانا أي هو وحده مولانا يتولانا بالتوفيق والنصر، ونتولاه باللجأ إليه، والتوكل عليه، فلا نيأس عند شدة، ولا نبطر عند نعمة، وقد قال لنا في وعده وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير [ الأنفال : ٣٩، ٤٠ ]، وقال في بيان سنته في خلقه أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم [ محمد : ١٠، ١١ ]، وقال في سنته في العواقب إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين [ الأعراف : ١٢٨ ].
وعلى الله فليتوكل المؤمنون أمر مبني على ما قبله، أي وإذ كان الله هو مولاهم فحق عليهم أن يتوكلوا عليه وحده دون غيره، مع القيام بما أوجبه عليهم في شرعه، والاهتداء بسننه في خلقه، ومنها ما أخبرهم به من أسباب النصر المادية والمعنوية التي فصلها في سورة الأنفال وغيرها، كإعداد ما تستطيع الأمة من قوة، واتقاء التنازع الذي يولد الفشل ويفرق الكلمة، وذلك بأن يكلوا إليه توفيقهم لما يتوقف عليه النجاح وتسهيل أسبابه التي لم يصل إليها كسبهم، وما أجهل من يظن أن التوكل وكتابة المقادير يقتضيان ترك العمل والتدبير، وقد بسطنا القول في الأمرين في مواضع من هذا التفسير. ويقابل التوكل عليه تعالى بالمعنى الذي ذكرناه، وما أيدناه به من كتاب الله، اتكال الماديين على حولهم وقوتهم وحدها، حتى إذا ما أدركهم العجز وخانتهم القوة أمام قوة تفوقها، خانهم الصبر، وأدركهم اليأس، إذ ليس لهم ما للمؤمنين من التوكل على ذي القوة التي لا تعلوها قوة، وشر منه اتكال الخرافيين على الأوهام، وتعلق آمالهم بالأماني والأحلام، حتى إذا ما انكشفت أوهامهم، وكذبت أحلامهم، وخابت آمالهم، نكسوا رؤوسهم، ونكصوا على أعقابهم، واستكانوا لأعدائهم، وكفروا بوعد ربهم بنصر المؤمنين. ووعد الله أصدق من دعواهم الإيمان، وإنما وعد بالنصر أولياءه لا أولياء الشيطان.
{ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين( ٤٩ )إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون( ٥٠ ) قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون( ٥١ ) قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون( ٥٢ )
هذا شروع في بيان حال أناس من أولئك المنافقين بأقوال قالوها فيما بينهم جهرا، وأمور أكنوها في أنفسهم سراً، وأقوال سيقولونها، وأقسام سيقسمونها، وأعذار سيعتذرونها غير ما سبق منهم. وشؤون عامة فيهم ـ أكثرها من أنباء الغيب ـ مع ما يتعلق بذلك ويناسبه من الحكم والأحكام، والعقائد والآداب.
قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين التربص التمهل في انتظار ما يرجى أو يتمنى وقوعه، ومضمون هذا بدل مما قبله أو بيان له، والحسنيان مثنى الحسنى وهي اسم التفضيل للمؤنث، والاستفهام للتقرير والتحقيق، والجملة تفيد الحصر، أي قل لهم أيضا : هل تتربصون بنا أيها الجاهلون إلا إحدى العاقبتين اللتين كل واحدة منهما حسنى العواقب وفضلاها، وهما النصرة والشهادة، النصرة المضمونة للجماعة، والشهادة المكتوبة لبعض الأفراد ؟ أي لا شيء ينتظر لنا غير هاتين العاقبتين مما كتب لنا ربنا وأنتم تجهلون ما تتربصون بنا. ونحن نتربص بكم في مقابلة ذلك إحدى السوءيين :
أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا الأولى أن يهلككم بقارعة سماوية لا كسب لنا فيها، كما أهلك من قبلكم من الكافرين الذي كذبوا الرسل، والثانية أن يأذن لنا بقتلكم، إن أغراكم الشيطان بإظهار كفركم، بهذا الاستدراج في الاستمرار على إجرامكم، كما قال في سياق غزوة الأحزاب لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم [ الأحزاب : ٦٠ ] الآيات، وحكم الشرع أنهم لا يقتلون ما داموا يظهرون الإسلام بإقامة الشعائر وأداء الأركان، ولا سيما الصلاة والزكاة. ولم تذكر هاتان العاقبتان لهم بصيغة الحصر كعاقبتي المؤمنين لجواز أن يتوبوا عن نفاقهم ويصح إيمانهم، وقد تاب بعضهم، واعترفوا بما كانوا عليه بعد ظهور أمرهم، كالذين أخبرهم النبي بما اءتمروا به من اغتياله صلى الله عليه وسلم. ومن المعقول أن يكون أكثر الباقين تابوا بعد أن أنجز الله لرسوله جميع ما وعده به، ووقع ما كانوا يحذرونه من تنزيل سورة تنبئهم بما في قلوبهم، ومنها فضيحته تعالى لزعيمهم الذي مات على كفره. ولو ذكر ذلك في التنزيل بصيغة الحصر لكان خبراً بخلاف ما سيقع وهو هلاكهم بكفرهم بدون الشرط الذين بيناه.
فتربصوا إنا معكم متربصون أي وإذ كان الأمر كذلك فتربصوا بنا إنا معكم متربصون ما ذكر من عاقبتنا وعاقبتكم، إن أصررتم على كفركم وظهر أمركم، مما نحن فيه على بينة من ربنا ولا بينة لكم، ويا الله ما أبلغ الإيجاز في حذف مفعولي تربصهما وفي التعبير عن تربص المؤمنين بالصفة الدالة على تمكن الثقة من متعلقه !
قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين( ٥٣ ) وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون( ٥٤ ) فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون( ٥٥ )
هذه الآيات الثلاث في مسألة النفقة في القتال، وهي الجهاد المفروض في المال، ومثلها سائر النفقات، في حكم ما يعتورها من الرياء الإخلاص.
قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين( ٥٣ ) وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون( ٥٤ ) فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون( ٥٥ )
هذه الآيات الثلاث في مسألة النفقة في القتال، وهي الجهاد المفروض في المال، ومثلها سائر النفقات، في حكم ما يعتورها من الرياء الإخلاص.
ثم بين تعالى ما في هذا التعليل من الإجمال فقال : وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله أي وما منعهم قبول نفقاتهم شيء من الأشياء إلا كفرهم بالله وصفاته على الوجه الحق، ومنها الحكمة والتنزه عن العبث في خلق الخلق وهدايتهم وجزائهم على أعمالهم، وكفرهم برسالة رسوله وما جاء به من البينات والهدى. قرأ الجمهور[ تقبل ] بالمثناة الفوقية، وقرأها حمزة والكسائي بالتحتية، وتأنيث النفقات لفظي لا حقيقي فيجوز تذكير فعله.
ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون ففعلهم لهذين الركنيين من أركان الإسلام، اللذين هما أظهر آيات الإيمان، لا يدل على صحة إيمانهم لأنهم يأتونهما رياء وتقية لا إيمانا بوجوبهما، ولا قصداً إلى تكميل أنفسهم بما شرعهما الله لأجله، واحتساباً لأجرهما عنده، أما الصلاة فلا يأتونها إلا وهم كسالى، أي في حال الكسل والتثاقل منها، فلا تنشط لها أبدانهم، ولا تنشرح لها صدورهم، زاد في سورة النساء يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً [ النساء : ١٤٢ ]، وقد أمر الله المؤمنين بإقامة الصلاة لا بمجرد الإتيان بصورتها، ووصفهم بالخشوع فيها، وهو ينافي الكسل عند القيام إليها، فعلى كل مسلم أن يحاسب نفسه ليعلم هل صلاته صلاة المؤمنين، أم صلاة المنافقين ؟
وأما الإنفاق في مصالح الجهاد وغيرها فلا يؤتونه إلا وهم كارهون له، غير طيبة أنفسهم به، لأنهم يعدون هذه النفقات مغارم مضروبة عليهم، تقوم بها مرافق المؤمنين وهم يعلمون من أنفسهم أنهم ليسوا منهم، فلا يرون لهم بها نفعاً في الدنيا، ولا يؤمنون بنفعها لهم في الآخرة. وبما قررناه يندفع إيراد بعضهم أن الكفر وحده كاف في عدم قبول نفقاتهم، فأي حاجة إلى وصفهم بالكسل عند إتيان الصلاة وكره أداء الزكاة وغيرها من نفقات البر ؟ وتمحل الجواب عنه على مذهب المعتزلة أو الأشعرية، فإن وصفهما بما ذكر تقرير لكفرهم ودفع للشبهة التي ترد عليه بالصلاة والزكاة كما بيناه.
قال الزمخشري :[ فإن قلت ] الكراهية خلاف الطواعية، وقد جعلهم الله طائعين في قوله : طوعاً ثم وصفهم بأنهم ( لا ينفقون إلا وهم كارهون ) [ قلت ] : المراد بطوعهم أنهم يبذلونه من غير إلزام من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من رؤسائهم، وما طوعهم ذاك إلا عن كراهية واضطرار، لا عن رغبة واختيار اه على أنه فسر الكره في الآية الأولى بالإكراه.
والراجح عندي ما قدمته من أن المراد بطوعهم ما كان بقصد التقية لإخفاء كفرهم، وهو يقتضي كرهه في قلوبهم وعدم إخلاصهم فيه، وهو ما أثبته لهم في الآية الثانية بصيغة الحصر، وحاصله أن المراد به طواعية المصلحة أو الطبع، لا طاعة الشرع، وقد يقال : إن الترديد بين الطوع والكره في مثل هذا التعبير لا يقتضي إثبات وقوع كل منهما، وإنما المراد منه أنه مهما يكن الواقع فهي غير مقبولة، لوجود الكفر المانع من القبول، ومن أطاع الله ورسوله فيما يسهل عليه وعصاهما فيما يشق عليه فلا يعد مذعناً للأمر والنهي لأنه حكم الله، ومن لم يكن مذعناً لا يكون مؤمناً، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب [ البقرة : ٨٥ ]، وقد بايع المؤمنون رسول الله على الطاعة في المنشط والمكره.
قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين( ٥٣ ) وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون( ٥٤ ) فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون( ٥٥ )
هذه الآيات الثلاث في مسألة النفقة في القتال، وهي الجهاد المفروض في المال، ومثلها سائر النفقات، في حكم ما يعتورها من الرياء الإخلاص.
ولما كان أولئك المنافقون من أولي الطول والسعة في الدنيا -كما سيأتي في قوله : استأذنك أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين [ التوبة : ٨٦ ]، وكان ترف الغنى وطغيانه أقوى أسباب إعراضهم عن آيات الله والتأمل في محاسن الإسلام - بين الله تعالى للمؤمنين سوء عاقبتهم فيه فقال : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون الإعجاب بالشيء أن تسر به سرور راض به، فتعجب من حسنه كما قال الزمخشري، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل من سمع القول أو بلغه، والكلام مرتب على ما قبله، كأنه يقول : إذا كان هذا شأنهم في مظنة ما ينتفعون به من أموالهم، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، فلا تعجبك أيها الرسول أو أيها السامع أموالهم ولا أولادهم التي هي في نفسها من أكبر النعم وأجلها، ولا تظن أنهم وقد حرموا من ثوابها في الآخرة قد صفا لهم نعيمها في الدنيا، وعلل النهي بقوله : إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا بما يعرض لهم فيها من المنغصات والحسرات، أما الأموال فإنهم يتعبون في جمعها، ويحرصون على حفظها، ويشق عليهم ما ينفقونه منها من زكاة وإعانة على قتال وإنفاق على قريب من المؤمنين، وأشق منه اعتقادهم أنهم يتركونها بعدهم لمصالح المسلمين، لأن ورثتهم منهم في الغالب حتى زعيمهم الأكبر عبد الله بن أبي [ لعنه الله ] -كما سيأتي في الآيات التي نزلت في خبر موته على كفره وأعيدت هذه الآية فيها. وأما الأولاد فلأنهم يرونهم قد نشؤوا في الإسلام واطمأنت به قلوبهم، وأنهم يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وكل هذه حسرات في قلوبهم. ولقد كان ثعلبة -الذي عاهد الله لئن آتاه من فضله ليصدقن وليكونن من الصالحين، ثم نقض عهده وأخلف الله ما وعده بعد أن أغناه - أشدهم حسرة بامتناع الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه عن قبول زكاته.
وتزهق أنفسهم وهم كافرون فيعذبون بها في الآخرة أشد مما عذبوا بها في الدنيا بموتهم على كفرهم المحبط لعملهم، زهوق الأنفس خروجها من الأجساد. وقال بعض المفسرين : هو الخروج بصعوبة، وفي التنزيل وقل جاء الحق وزهق الباطل [ الإسراء : ٨١ ] أي هلك واضمحل، وجعله في الأساس مجازا، والظاهر أنه من زهق السهم إذا سقط دون الهدف، وورد زهقت الناقة بمعنى أسرعت، فالتعبير بالزهوق هنا إما من الأول أي الهلاك وهو الأظهر، وإما من الإسراع للإشارة إلى أنه لم يبق من أعمارهم إلا القليل حقيقة، أو من قبيل قوله تعالى فيهم : قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذاً لا تمتعون إلا قليلاً [ الأحزاب : ١٦ ].
ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون( ٥٦ ) لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون( ٥٧ )
هاتان الآيتان في بيان سبب النفاق ومصانعة المنافقين للمؤمنين وهو الخوف وبيان حالهم فيه.
ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون( ٥٦ ) لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون( ٥٧ )
هاتان الآيتان في بيان سبب النفاق ومصانعة المنافقين للمؤمنين وهو الخوف وبيان حالهم فيه.
لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون الملجأ المكان الذي يلجأ إليه الخائف ليعتصم من حصن أو قلعة أو جزيرة في بحر أو قنة في جبل، والمغارات جمع مغارة وهي الغار في الجبل، وتقدم اشتقاقه في تفسير آية الغار، والمدخل بالتشديد [ مفتعل من الدخول ] السرب في الأرض يدخله الإنسان بمشقة، والجماح السرعة الشديدة التي تتعسر مقاومتها أو تتعذر.
يقول إنهم لشدة كرههم للقتال معكم ولمعاشرتكم، ولشدة رعبهم من ظهور نفاقهم لكم، يتمنون الفرار منكم والمعيشة في مضيق من الأرض يعتصمون به من انتقامكم، بحيث لو يجدون ملجأ يلجؤون إليه، أو مغارات يغورون فيها، أو مدخلاً يندسون وينجحرون فيه، لولوا إليه أي إلى ما يجدونه مما ذكر وهم يسرعون مقتحمين كالفرس الجموح لا يردهم شيء. وهذا الوصف من أبلغ مبالغة القرآن في تصوير الحقائق التي لا تتجلى للفهم والعبرة بدونها، فتصور شخوصهم وهم يعدون بغير نظام، يلهثون كما تلهث الكلاب، يتسابقون إلى تلك الملاجئ من مغارات ومدخلات، فيتسلقون إليها، أو يندسون فيها، فكذلك كان تصورهم عند ما سمعوا الآية في وصفهم.
قال ابن جرير : وإنما وصفهم الله بما وصفهم به من هذه الصفة لأنهم إنما قاموا بين أظهر صحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على كفرهم ونفاقهم وعداوتهم لهم، ولما هم عليه من الإيمان بالله وبرسوله، لأنهم كانوا في قومهم وعشيرتهم وفي دورهم وأموالهم، فلم يقدروا على ترك ذلك وفراقه فصانعوا القوم بالنفاق، ودافعوا عن أنفسهم وأموالهم وأولادهم بالكفر [ كذا ولعل أصله بإخفاء الكفر ] ودعوى الإيمان، وفي أنفسهم ما فيها من البغض لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان به والعداوة لهم اه.
ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون( ٥٨ ) ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون( ٥٩ )
كان المنافقون يرتقبون الفرص للصد عن الإسلام بالطعن على النبي صلى الله عليه وسلم بالشبه التي يظنون أنها توقع الريب في قلوب ضعفاء الإيمان من الجانب الذي يوافق أهواءهم، وقد كان منها قسمة الصدقات والغنائم.
روى البخاري والنسائي ومصنفو التفسير المأثور عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقسم قسما إذ جاءه ذو الخويصرة التميمي فقال : اعدل يا رسول الله، فقال :( ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل ؟ ) فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ائذن لي فأضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية )١ الحديث بطوله. قال [ أبو سعيد ] : فنزلت فيهم ومنهم من يلمزك في الصدقات الآية.
وروى ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال لما قسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم حنين سمع رجلاً يقول : إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله ! فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فقال :( رحمة الله على موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر )، ونزل ومنهم من يلمزك في الصدقات .
وروى سنيد وابن جرير عن داود بن أبي عصام قال : أتي النبي صلى الله عليه وسلم بصدقة فقسمها ههنا وههنا حتى ذهبت، ورآه رجل من الأنصار فقال : ما هذا بالعدل، فنزلت هذه الآية.
وهنالك روايات أخرى يدل مجموعها على أن هذا القول قاله أفراد من المنافقين، وكان سببه حرمانهم من العطية كما هو مصرح به في الآية، وكانوا من منافقي الأنصار، بل كان جميع المنافقين قبل فتح مكة من أهل المدينة وما حولها ولم يكن أحد منهم من المهاجرين ؛ لأن جميع هؤلاء السابقين الأولين أسلموا في وقت ضعف الإسلام واحتملوا الإيذاء الشديد في سبيل إسلامهم، ولا من الأنصار الأولين كالذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم في منى وقد تقدم في الكلام على غزوة حنين من هذا الجزء سبب حرمان النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار من غنائم هوازن، ومن استاء منهم ومن تكلم، وإرضاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم، ولكن الآية نص في قسمة الصدقات، فجعل الغنائم سبباً لنزولها من جملة تساهلهم فيما يسمونه أسباب النزول.
ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون( ٥٨ ) ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون( ٥٩ )
كان المنافقون يرتقبون الفرص للصد عن الإسلام بالطعن على النبي صلى الله عليه وسلم بالشبه التي يظنون أنها توقع الريب في قلوب ضعفاء الإيمان من الجانب الذي يوافق أهواءهم، وقد كان منها قسمة الصدقات والغنائم.
روى البخاري والنسائي ومصنفو التفسير المأثور عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقسم قسما إذ جاءه ذو الخويصرة التميمي فقال : اعدل يا رسول الله، فقال :( ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل ؟ ) فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ائذن لي فأضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية )١ الحديث بطوله. قال [ أبو سعيد ] : فنزلت فيهم ومنهم من يلمزك في الصدقات الآية.
وروى ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال لما قسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم حنين سمع رجلاً يقول : إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله ! فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فقال :( رحمة الله على موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر )، ونزل ومنهم من يلمزك في الصدقات .
وروى سنيد وابن جرير عن داود بن أبي عصام قال : أتي النبي صلى الله عليه وسلم بصدقة فقسمها ههنا وههنا حتى ذهبت، ورآه رجل من الأنصار فقال : ما هذا بالعدل، فنزلت هذه الآية.
وهنالك روايات أخرى يدل مجموعها على أن هذا القول قاله أفراد من المنافقين، وكان سببه حرمانهم من العطية كما هو مصرح به في الآية، وكانوا من منافقي الأنصار، بل كان جميع المنافقين قبل فتح مكة من أهل المدينة وما حولها ولم يكن أحد منهم من المهاجرين ؛ لأن جميع هؤلاء السابقين الأولين أسلموا في وقت ضعف الإسلام واحتملوا الإيذاء الشديد في سبيل إسلامهم، ولا من الأنصار الأولين كالذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم في منى وقد تقدم في الكلام على غزوة حنين من هذا الجزء سبب حرمان النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار من غنائم هوازن، ومن استاء منهم ومن تكلم، وإرضاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم، ولكن الآية نص في قسمة الصدقات، فجعل الغنائم سبباً لنزولها من جملة تساهلهم فيما يسمونه أسباب النزول.
ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله أي ولو أنهم رضوا ما أعطاهم الله من فضله بما أنعم عليهم من الغنائم وغيرها، وأعطاهم رسوله بقسمه للغنائم والصدقات كما أمره الله تعالى.
وقالوا حسبنا الله أي هو محسبنا وكافينا في كل حال.
سيؤتينا الله من فضله ورسوله أي سيعطينا الله من فضله في المستقبل من الغنائم والكسب ؛ لأن فضله دائم لا ينقطع، ويعطينا رسوله مما يرد عليه من الغنائم والصدقات زيادة مما أعطانا من قبل لا يبخس أحداً منا حقاً يستحقه في شرع الله تعالى.
إنا إلى الله راغبون لا نرغب إلى غيره في شيء، لأن بيده ملكوت كل شيء، فإليه نتوجه، ومنه نرجو أن يبسط لنا في الرزق بما يوفقنا له من العمل ويهبه لنا من النصر لكان خيرا لهم.
الرغب بالتحريك يتعدى بنفسه يقال : رغبه، ويعدى بفي يقال : رغب فيه، أي أحب حصوله له وتوجه شوقه إلى طلبه، ويتعدى بعن لضد ذلك فيقال : رغب عنه، ومنه ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه [ البقرة : ١٣٠ ]، وأما تعديته بإلى فهو بمعنى التوجه إلى الغاية التي ليس بعدها غاية، ولا ينبغي هذا إلا لله تعالى إذا أريد بالغاية ما بعد الأسباب المعروفة للبشر وهو مقام التوكل، ولذلك لم يقل : إنهم يقولون حسبنا الله ورسوله، كما يقولون سيؤتينا الله من فضله ورسوله، فللرسول صلى الله عليه وسلم كسب في الإيتاء بعد فضل الله تعالى، ولكن المحسب الكافي هو الله وحده، كما قال أليس الله بكاف عبده ؟ [ الزمر : ٣٦ ] وقال : ومن يتوكل على الله فهو حسبه [ الطلاق : ٣ ]، ولذلك استعمل في التنزيل بالصيغة الدالة على الحصر، وما ثم إلا هذه الجملة في هذه السورة ومثلها في سورة الأنبياء إنا إلى ربنا راغبون [ القلم : ٣٢ ]، وقوله تعالى لرسوله في سورة الانشراح وإلى ربك فارغب [ الشرح : ٨ ].
وإنما حذف جواب الشرط للعلم به من القرينة، وتفصيل المعنى : ولو أنهم رضوا من الله بنعمته، ومن الرسول بقسمته، وعلقوا أملهم ورجاءهم بفضل الله وكفايته، وما سينعم به في المستقبل، وبعدل الرسول صلى الله عليه وسلم في القسمة، وانتهت رغبتهم في هذا وغيره إلى الله وحده، لكان خيرا لهم من الطمع في غير مطمع، ولمز الرسول المعصوم من كل ملمز ومهمز، صلوات الله وسلامه عليه. والآيتان تهديان المؤمن إلى القناعة بكسبه وما يناله بحق من صدقة ونحوها، ثم بأن يوجه قلبه إلى ربه، ولا يرغب إلا إليه في شيء من رغائبه التي وراء كسبه وحقوقه الشرعية، لا إلى الرسول ولا إلى من دونه فضلاً وعدلاً وقرباً من الله تعالى بالأولى، فتعسا لعباد القبور، والراغبين إلى ما دفن فيها في مهمات الأمور.
*إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم( ٦٠ )
لما كان طمع البشر في المال لا حد له، وقد يكون الغني أشد طمعاً فيه من الفقير، وكان ضعيف الإيمان لا يرضيه قسمة الرسول المعصوم له إذا لم يعطه ما يرضي طمعه، وكان غير المعصوم من أولياء الأمور ومن الأغنياء عرضة لاتباع الهوى في قسمة الصدقات، بين الله تعالى مصارفها بنص كتابه فقال :
إنما الصدقات للفقراء والمساكين هذه الآية ناطقة بوجوب قصر الصدقات الواجبة -وهي زكاة النقود عيناً أو تجارة والأنعام والزرع والركاز والمعدن- على الأصناف السبعة أو الثمانية المنصوصة فيها دون غيرهم، وهي حجة على من لمز النبي صلى الله عليه وسلم من المنافقين بعدم إعطائهم منها وهم ليسوا منهم وقاطعة لأطماع أمثالهم، واللام في قوله للفقراء للملك وللاستحقاق أو بتقدير مفروضة كما يدل عليه قوله في آخر الآية فريضة من الله وسيأتي حكم سائر المعطوفات.
وجمهور الفقهاء على أن الفقراء والمساكين صنفان مستقلان، وقد اختلفوا في تعريف كل منهما بما ذهب به بعضهم إلى أن الفقير أسوأ حالاً وأشد حاجة من المسكين، وبعضهم إلى العكس، وجعلوا ذلك من تقاليد المذاهب التي يتعصب لها بعضهم على بعض. ويرى بعض العلماء المستقلين أنهما قسمان لصنف واحد يختلفان بالوصف لا بالجنس، وهو المختار لنا، ولم يجمع الذكر الحكيم بينهما إلا في هذه الآية، ويكفي من دلالة العطف فيها على المغايرة ما اخترناه في تغايرهما في الوصف. فالفقير في اللغة خلاف الغني ومقابله مقابلة التضاد كما يدل عليه قوله تعالى : إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما [ النساء : ١٣٥ ]، وقوله : إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله [ النور : ٣٢ ]، والغني المطلق هو الله تعالى وكل عباده فقير إليه، كما قاله : والله الغني وأنتم الفقراء [ محمد : ٣٨ ]، وأما فقر الناس بعضهم إلى بعض فهو أمر نسبي، فما من غني إلا وهو مفتقر إلى غيره ممن فوقه وممن دونه أيضاً، ولكن ذكر الفقير في مقابلة الغني أو إطلاق ذكره يدل على المحتاج في معيشته إلى مواساة غيره لعدم وجود ما يكفيه بحسب حاله، ويطلق الفقير في اللغة على الكسير الفقار، ومن يشتكي فقاره وهي جمع فقرة وفقارة [ بفتحهما ] عظام الظهر المنضودة من لدن الكاهل إلى عجب الذنب في الصلب وهذا هو المعنى الأصلي، والمعنى الأول مأخوذ منه كما قيل. ومنه الفاقرة وهي الداهية والمصيبة التي تكسر فقار الظهر.
وأما المسكين فمأخوذ من مادة السكون المراد به قلة الحركة والاضطراب الحسي من الضعف والعجز، أو النفسي من القناعة والصبر، وإنما يطلق على الفقير إذا كان الفقر سبب سكونه. قال في الصحاح : المسكين الفقير، وقد يكون بمعنى الذلة والضعف اه. وقال بعضهم : إنه الفقير القانع الذي لا يسأل، وقيل خلاف ذلك، والأول أولى. وقالوا : إن لفظ المسكين يستعمل بمعنى الذليل والضعيف، وبمعنى المتواضع المخبت والخاشع لله تعالى، ومقابله والجعظري الجواظ المتكبر، ويقال سكن الرجل وتسكن وتمسكن إذا صار مسكيناً. ولكن صيغة تمسكن يدل على تكلف المسكنة ومحاولتها بالتخلق والتعود. وقال اللحياني : تمسكن لربه تضرع. وفي الحديث المرفوع ( اللهم أحيني مسكيناً وتوفني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين )١ رواه ابن ماجه والحاكم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وصححه وأقره الذهبي ولكن ضعفه النووي، ورواه الترمذي من حديث أنس بسند ضعيف. وقال ابن الجوزي : إنه موضوع، وخطأه السيوطي، وفيه زيادة عند الحاكم وأخرى عند الترمذي، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يستعيذ بالله من الفقر، وقد امتن عليه ربه بقوله : ووجدك عائلا فأغنى [ الضحى : ٨ ]، فلا يعقل مع هذا أن يسأله أشد الفقر، وقد عاش صلى الله عليه وسلم مكفيا ومات مكفياً.
وقال الفيروزأبادي : والمسكين من لا شيء له أو الفقير المحتاج. والمسكين من أذله الفقر أو غيره من الأحوال اه. قال شارحه : قال ابن عرفة : فإذا كانت مسكنته من جهة الفقر حلت له الصدقة، وكان فقيراً مسكيناً، وإذا كان مسكيناً قد أذله سوى الفقر فالصدقة لا تحل له، إذ كان شائعاً في اللغة أن يقال ضرب فلان المسكين وظلم المسكين وهو من أهل الثروة واليسار وإنما لحقه اسم المسكين من جهة الذلة، فمن لم تكن مسكنته من جهة الفقر فالصدقة عليه حرام اه.
فعلم من هذا كله أن الفقير في اللغة المحتاج، وهو ضد الغني أي المكفي ما يحتاج إليه، من الغناء ( بالفتح ) وهو الكفاية، وأن المسكين وصف من السكون يوصف به الفقير وغيره. وقد اختلف العلماء فيه هل هو أسوأ حالا وأشد حاجه من الفقير أو أحسن كما تقدم ؟ ويقال في الترجيح بين القولين زيادة عما قلناه في الحديث آنفا : إما أن يكون المسكين في الآية صنفاً مستقلاً مبايناً للفقير، وإما أن يكون أخص منه لأن المسكنة فيه وصف للفقير، كما ذكر الوجهين ابن عرفة وغيره، فإن كان صنفا مستقلا وجب أن يكون غير فقير ؛ لأن وصف المسكنة فيه لم يكن له بسبب فقره بل بتواضعه وأدبه مثلا كما هو المراد بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي ذكرناه آنفا، فكيف يكون أسوأ من الفقير في شدة الحاجة التي يستحق بها الصدقة ؟ وإن كان أخص من الفقير بوصف المسكنة التي كان سببها الفقر فلا يظهر أن يكون المراد بها شدة الفقر وسوء الحال فيه ؛ لأن ذكر الفقراء في هذه الحالة يغني عن ذكر المساكين لأنه يشملهم بعمومه لهم، ويكون استحقاق الشديد الفقر للصدقة أولى من استحقاق من دونه فيه، فلا يصح في الكلام البليغ أن يقال أعط هذه الصدقة أو أطعم هذا الطعام للفقراء ولأشد الناس فقراً، لأن ذكر أشدهم فقرا بعد ذكر الفقراء يكون لغواً إلا أن يراد به الإضراب عما قبله، وحينئذ يقال : بل لأشدهم فقرا، ولا يظهر هنا إرادة التأكيد للاهتمام، فترجح أو تعين أن يراد بالمساكين من جعلتهم مسكنة الفقر أقل اضطراباً فيه، وأكثر تجملاً وسكوناً لخفته عليهم وعدم وصوله بهم إلى الدرجة التي لا تطلق ولا يمكن إخفاؤها بالتجمل، ولا يرد على هذا قوله تعالى : أو مسكيناً ذا متربة [ البلد : ١٦ ] ؛ لأن شدة الحاجة الملصقة بالتراب لا تنافي التجمل والتعفف، ويدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم :( ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، اقرؤوا إن شئتم لا يسألون الناس إلحافا ٢، وفي لفظ ( ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس )٣ والحديث بلفظيه متفق عليه، وهو صريح فيما اخترناه، وإنما أطلنا في المسألة لتنفيد ما أطاله فيها كثير من المقلدين.
فالفقراء في آية الصدقات هم المستحقون لها بفقرهم كما قال في آية سورة البقرة : إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم [ البقرة : ٢٧١ ]، وكما قال في مال الفيء من سورة البقرة للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً [ البقرة : ٢٧٣ ] ثم خص المساكين من الفقراء بالذكر لأنهم ربما لا يفطن لهم لتجملهم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن والياً وقاضياً :( إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب )٤ رواه الجماعة كلهم من حديث ابن عباس رضي الله عنه.
وكرائم أموال الناس خيارها ونفائسها التي تضن الأنفس بها، فلا يجوز للحكام والعاملين على الصدقات أخذها في الصدقة لتعطى للفقراء، ولا بالرشوة المحرمة بالأولى. والمساكين يدخلون في عموم الفقراء في هذا الحديث وأمثاله كالآيات لغة، وحيث يذكر المسكين أو المساكين في القرآن يراد به ما يعم الفقراء بالتغليب أو بطريق الأولى، إذ ورد ذلك في الأمر بالإحسان بهم وفي كفارات الظهار واليمين وصيد الحرم والغنائم وصدقة التطوع، فهما صنفان لجنس أو نوع واحد من المستحقين. وجملة القول إن بين الفقير والمسكين عموماً وخصوصاً وجهياً في اللغة، وعموماً وخصوصاً مطلقا في استعمال الشرع للفظين في آية الصدقات الجامعة بينهما، وحيث ذكر أحدهما وحده يراد به ما يعم الآخر، فاللفظان مختلفان في مفهومهما متحدان فيما يصدقان عليه، وما يعطاه الفقير والمسكين من الصدقة يختلف باختلاف الأحوال، ومقدار المال، وهو خاص بالمسلمين بخلاف صدقة التطوع.
والعاملين عليها أي الذين يوليهم الإمام أو نائبه العمل على جمعها من الأغنياء وهم الجباة، وعلى حفظها وهم الخزنة، وكذا الرعاة للأنعام منها، والكتبة لديوانها، ويجب أن يكونوا من المسلمين، يقال كان فلان عامل الإمام أو السلطان على بلد كذا أو على الزكاة أو الخراج، وفي الأساس : ويقال : من الذي عُمِّل [ بالتشديد والبناء للمفعول ] عليكم ؟ أي نصب عاملاً عليكم اه وقال في أول المادة : تقول أعط العامل عمالته، ووفه جعالته، وهو بالضم فيهما جزاء العمل وأجرته المعينة. وقال الجوهري : رزق العامل على عمله، ولا يشترط في العامل على الصدقات أن يكون مستحقا للصدقة بفقره مثلاً، ولكن إن وجد من هو أهل للعمل من المستحقين يكون أولى من غيره، وإنما عمالته على عمله لا على فقره، فإن لم تكفه كان له أن يأخذ بفقره ما يأخذه أمثاله، وإن كانت زائدة على حاجته أو كان غير محتاج فله أن يأكل منها ويهدي ويتصدق، وقد تجب عليه الزكاة بما يأخذه منها بشروطها من النصاب والحول، وقد يستغنى عنه فيسقط سهمه.
ولا تجوز العمالة لمن تحرم عليهم الصدقة من آل الرسول صلى الله عليه وسلم وهم بنو هاشم بالاتفاق، وكذا بنو المطلب، ودليله أن الفضل بن عباس والمطلب بن ربيعة بن عبد المطلب سألا النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤمرهما على الصدقات بالعمالة كما يؤمر الناس فقال لهما :( إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس )٥، وفي لفظ ( لا تنبغي ) بدل( لا تحل ) رواه أحمد ومسلم.
وروى أحمد والشيخان عن بسر بن سعيد أن ابن السعدي المالكي قال : استعملني عمر على الصدقة فلما فرغت منها وأديتها إليه أمر لي بعمالة، فقلت : إنما عملت لله، فقال خذ ما أعطيت، فأني عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعملني، فقلت مثل قولك فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا أعطيت شيئاً من غير أن تسأل فكل وتصدق )٦.
والمؤلفة قلوبهم أي الجماعة الذين يراد تأليف قلوبهم بالاستمالة إلى الإسلام، أو التثبت فيه، أو بكف شرهم عن المسلمين، أو رجاء نفعهم في الدفاع عنهم أو نصرهم على عدو لهم، لا في تجارة وصناعة ونحوهما. فإن من يرى أن مخالفه في الدين مصدر نفع له يوشك أن يواده فإن لم يواده لم يحاده كالعدو الذي يخشى ضرره ولا يرجو نفعه.
وذكر الفقهاء أن المؤلف
١ - أخرجه الترمذي في الزهد باب ٣٧، وابن ماجه في الزهد باب٧..
٢ ـ أخرجه البخاري في تفسير سورة ٢، باب ٤٨، ومسلم في الزكاة حديث ١٠٢، وأبو داود في الزكاة باب ٢٤، والنسائي في الزكاة باب ٧٦، وأحمد في المسند ١/ ٣٨٤، ٢/ ٣٩٥، ٤٤٥، ٥٠٦..
٣ ـ أخرجه البخاري في الزكاة باب ٥٣، ومسلم في الزكاة حديث ١٠١، والنسائي في الزكاة باب ٧٦، وأحمد في المسند ١/ ٣٨٤، ٤٤٦، ٢/ ٣١٦..
٤ ـ أخرجه البخاري في الزكاة باب ٦٣، والمظالم باب٩، والمغازي باب٦٠، ومسلم في الإيمان حديث ٢٩، وأبو داود في الزكاة باب ٥، والترمذي في الزكاة باب ٦، والبر باب ٦٨، والنسائي في الزكاة باب ٤٦، وابن ماجه في الزكاة باب١، وأحمد في المسند ١/ ٢٣٣..
٥ ـ أخرجه مسلم في الزكاة حديث ١٦٧، ١٦٨، وأحمد في المسند ٣/ ٤٠٢، ٤/ ١٦٦..
٦ - أخرجه مسلم في الزكاة حديث ١١٢، وأبو داود في الزكاة باب ٢٨، والإمارة باب ١٠، والنسائي في الزكاة باب ٩٤، وأحمد في المسند ١/ ٥٢..
ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ( ٦١ )
هذا ضرب آخر من دلائل نفاق أولئك المنافقين وآثاره وهو إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالطعن في أخلاقه العظيمة، وشمائله الكريمة، كإيذاء أولئك الذين لمزوه في بعض أفعاله العادلة، وهي قسمة الصدقات، وناهيك بكفر من يصغرون ما عظمه رب العالمين، بقوله لرسوله : وإنك لعلى خلق عظيم [ القلم : ٤ ].
أخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كان نبتل بن الحارث يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجلس إليه فيسمع منه ثم ينقل حديثه إلى المنافقين، وهو الذي قال لهم إنما محمد أذن، من حدثه شيئاً صدقه، فأنزل الله فيه ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن .
ولكن منطوق الآية يسند هذا القول إلى جماعة منهم وهو أقرب، وإن كان الإسناد إلى الجماعة يصدق بقول واحد وإقرار الباقين.
والأول مروي عن السدي عند ابن أبي حاتم قال : اجتمع ناس من المنافقين فيهم جلاس بن سويد بن صامت ومخشي بن حمير ووديعة بن ثابت فأرادوا أن يقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم فنهى بعضهم بعضاً وقالوا : نخاف أن يبلغ محمداً فيقع بكم، وقال بعضهم : إنما محمد أذن، نحلف له فيصدقنا، فنزل ( ومنهم ) وذكر الآية.
الأذى ما يؤلم الحي المدرك في بدنه أو في نفسه ولو ألماً خفيفا، يقال : أذي الإنسان [ كرضي ] بكذا أذى، وتأذى تأذياً، إذا أصابه مكروه يسير- كذا قالوا- وآذى غيره إيذاء، وأنكر الفيروزأبادي لفظ الإيذاء، وإن كان هو القياس، لأنه لم يسمع من العرب إلا الأذى والأذاة والأذية، وربما يشهد له قوله تعالى : لن يضروكم إلا أذى [ آل عمران : ١١١ ] من سورة آل عمران ؛ لأنه من آذى المتعدي بنفسه لا من أذي اللازم، إلا أن يقال : إنه اسم مصدر، وتقييدهم للأذى بالمكروه اليسير غير مسلم على إطلاقه، فالظاهر أنه يطلق على اليسير والخفيف وعلى الشديد، وقوله تعالى : لن يضروكم إلا أذى من الأول لأنه مستثنى من الضرر، ومثله ما ورد في الأذى من المطر وأذى الرأس من القمل، ومن الثاني قوله تعالى في سورة الأحزاب : إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهيناً والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا [ الأحزاب : ٥٧، ٥٨ ]، فقد ورد في المأثور تفسير الذين يؤذون الله بالذين نسبوا إليه الابن والبنات، والذين يؤذون رسوله بالذين شجوا رأسه يوم أحد، وبالذين كانوا يكذبون برسالته ويقولون ساحر وشاعر وكاهن، والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بالطاعنين في الأعراض، وبالزناة الذين يتبعون النساء لمراودتهن. وناهيك بالوعيد الشديد للجميع.
وأما قولهم : أذن فهو من تسمية الشخص باسم الجارحة للمبالغة في وصفه بوظيفتها وهو كثرة السمع لما يقال وتصديقه كأنه كله أذن سامعة، كقولهم للجاسوس عين، ويطلق على لازمه، وهو عدم الدقة في التمييز بين ما يسمع، وتصديق ما يعقل وما لا يعقل، فيراد به الذم بالغرارة وسرعة الانخداع. وهو من أكبر عيوب الملوك والرؤساء لما يترتب عليه من قبول الغش بالكذب والنميمة، وتقريب المنافقين، وإبعاد الناصحين. وكان صلى الله عليه وسلم يعامل المنافقين بأحكام الشريعة وآدابها التي يعامل بها عامة المسلمين كما أمره الله تعالى ببناء المعاملة على الظواهر، فظنوا أنه يصدق كل ما يقال له. قرأ الجمهور( أذن ) بضمتين، ونافع بسكون الذال، وهما لغتان.
وقد لقنه الله تعالى الرد عليهم بقوله قل أذن خير لكم أي نعم هو أذن ولكنه نعم الأذن، لأنه أذن لا كما تزعمون، فهو لا يقبل مما يسمعه إلا الحق وما وافق الشرع، وما فيه الخير والمصلحة للخلق، وليس بأذن في غير ذلك كسماع الباطل والكذب والغيبة والنميمة والجدال والمراء فهو لا يلقي سمعه لشيء من ذلك، وإذا سمعه من غير أن يستمع إليه لا يقبله، ولا يصدق ما لا يجوز تصديقه شرعاً أو عقلاً، كما هو شأن من يوصفون بهذا الوصف من الملوك والزعماء فيستعين المتملقون وأصحاب الأهواء به على السعاية عندهم لإبعاد الناصحين المخلصين عنهم، وحملهم على إيذاء من يبغون إيذاءه، والإضافة هنا إضافة الموصوف إلى الصفة، وقرأ نافع[ أذن ] بالتنوين و[ خير ] بالرفع صفة له.
والرد من باب أسلوب الحكيم، فهو في أوله يوافقهم على قولهم، ثم يتبعه ما ينقضه عليهم حتى ينقضّ على رؤوسهم، كقوله في سورة [ المنافقين ] وهم هم يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين [ المنافقون : ٨ ] الآية. فهم كانوا يعنون أنهم الأعزة ويعرضون بالرسول والمؤمنين به، فقلب عليهم مرادهم على تقدير تسليم أصل القضية وهي إخراج الأعز للأذل، بإثبات العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، والتعريض بأنهم هم الأذلون ولو شاء الرسول صلى الله عليه وسلم لأخرجهم، ولكنه لا يفعل إلا إذا أظهروا كفرهم، لأن قاعدة شريعته الحكم على الظواهر. وجعله ابن المنير في الانتصاف من قبيل القول بموجب العلة فقال : لا شيء أبلغ من الرد عليهم بهذا الوجه، لأنه في الأول إطماع لهم بالموافقة، ثم كر على طمعهم بالحسم، وأعقبهم في تنقصه باليأس منه، ويضاهي هذا من مستعملات الفقهاء القول بالموجب ؛ لأن في أوله إطماعاً للخصم بالتسليم، ثم بالطمع على قرب، ولا شيء أقطع من الإطماع ثم اليأس يتلوه ويعقبه اه.
ثم فسر المراد من أذن الخير بأفضل الخير وأعلاه على طريق البيان المستأنف فقال : يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين أي يصدق بالله تعالى وما يوحيه إليه من خبركم وخبر غيركم، وهو الخبر القطعي الصدق، الذي لا يحوم حوله الشك، لأنه برهاني وجداني عياني له بما كشفه الله له من عالم الغيب، وإيمانه به أثبت وأرسخ في اليقين من تصديق غيره بما قامت عليه الأدلة العقلية القطعية، ويصدق في الدرجة الثانية تصديق ائتمان وجنوح للمؤمنين الصادقي الإيمان من المهاجرين والأنصار الذين برهنوا على صدقهم بجهادهم معه في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فهو يصدق أخبارهم لا لذاتها بمجرد سماعها، بل لما علمه من آيات إيمانهم الذي يوجب عليهم الصدق، ولا سيما الصدق بما يحدثونه به، ولما يجده في أخبارهم من أماراته وآياته. ويتضمن هذا أنه لا يؤمن لهؤلاء المنافقين إيمان تسليم وائتمان، ولا يصدقهم في أخبارهم وإن وكدوها بالأيمان، كما ظن من قال منهم[ هو أذن ] اغتراراً بلطفه وأدبه صلى الله عليه وسلم ؛ إذ كان لا يواجه أحداً بما يكره، وبمعاملته إياهم كما يعامل أمثالهم من عامة أصحابه. وفي هذا تهديد لهم وتخويف بأن ينبئه الله تعالى بما كانوا يسرونه في أنفسهم وفيما بينهم كما سيأتي قريباً في قوله : يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم [ التوبة : ٦٤ ]، وتخويف من المؤمنين الذين يسيئون الظن فيهم كعمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يظهروا على كفرهم فيخبروه به فيأذن بالانتقام منهم.
وأما كونه صلى الله عليه وسلم أذن خير لهم مع هذا فهو معاملته لهم بالحلم وما يقتضيه حكم الشرع من العمل بالظواهر، ومنها قبول المعاذير قبل نهيها عنها في هذه السورة. ولو كان يعاملهم بمقتضى ما يسمع عنهم - كما تقتضيه استعمال كلمة أذن - لما سلموا من عقابه، لأن أخبار السوء عنهم كثيرة بكثرة أعمال السوء فيهم، فلو كان يقبل أخبار الشر لقبلها من المؤمنين الصادقين فيهم ولعقابهم عليها.
وفسر الزمخشري قراءة التنوين في قوله أذن خير بأن كلا من اللفظين خبر لمبتدأ محذوف، أي هو أذن هو خير لكم، يعني إن كان كما تقولون فهو خير لكم لأنه يقبل معاذيركم، ولا يكافئكم على سوء دخيلتكم. وقدر غيره : أذن ذو خير لكم، أو بمعنى : أخير لكم.
ونكتة تعدية الإيمان بالباء في الله تعالى وباللام في المؤمنين أن الأول على الأصل في آمن به ضد كفر به، وصدق به ضد كذب به. وأما الثاني فقد ضمن معنى الميل والائتمان والجنوح للمؤمنين به، وفي معناه آيات كقوله تعالى : فآمن له لوط [ العنكبوت : ٢٦ ] وقوله : فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه [ يونس : ٨٣ ] وقوله إخباراً عن قول إخوة يوسف لأبيهم وما أنت بمؤمن لنا [ يوسف : ١٧ ] وقوله في جدال قوم نوح له أنؤمن لك واتبعك الأرذلون [ الشعراء : ١١١ ]، ففي كل هذا معنى التصديق المتضمن للائتمان والتسليم والميل عن جانب إلى جانب، وإنما يكون هذا في إيمان الناس بعضهم لبعض لا في الإيمان بالله عز وجل. وبهذا يعلم كذبهم في زعمهم تصديقه صلى الله عليه وسلم لهم فيما يعتذرون له، فهو لا يصدقهم وإن حلفوا لأنه إنما يؤمن للمؤمنين الصادقين، دون المنافقين الكاذبين.
ورحمة للذين آمنوا منكم أي هو أذن خير لكم على كونه يؤمن للمؤمنين دون غيرهم، هو رحمة للذين آمنوا منكم إيماناً صحيحاً صادقاً إذ كان سبب إيمانهم وهدايتهم إلى ما فيه سعادة الدنيا والآخرة، دون من أظهر الإسلام وأسر الكفر منافقاً فهو نقمة عليه في الدارين، كما قال : إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم [ البقرة : ٢١٨ ] والآيات في هذا المعنى كثيرة. ولما كان كل منهم يدعي الإيمان كان قوله منكم تعريضاً بغير الصادقين منهم لا تصريحا، وفائدته أن يعلموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم عالم بأن منهم منافقين ولكنه لا يعرف أعيانهم وأشخاصهم، ويخشى أن يخبره ربه بهم ويكشف له عن أسرار قلوبهم، كما سيأتي في قوله تعالى : يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم [ التوبة : ٦٤ ]، وقيل : إن المراد بالذين آمنوا منهم الذين أظهروا الإيمان، وأنه رحمة لهم بقبول ظواهرهم ومعاملتهم بها معاملة المؤمنين. ولذلك قال : الذين آمنوا فعبر عنهم بالفعل، ولم يقل المؤمنين بالوصف، وهذا القول ضعيف، وكثيرا ما ناط التنزيل الجزاء على الإيمان بالتعبير عن أهله بالفعل الماضي.
وقرأ حمزة( ورحمة ) بالخفض عطفاً على ( خير )، قيل في معناه : أي هو أذن خير ورحمة لكم، وفيه نظر أيضا، فإنه لو أريد هذا لما فصل بين الخير والرحمة بقوله : يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين بل هو يؤيد ما قلناه، والتقدير أذن خير لكم كافة، وأذن رحمة للذين آمنوا منكم خاصة، فكل ما في اختلاف التعبير أن لين الرسول صلى الله عليه وسلم ولطفه وإلقاءه السمع إلى محدثه، وعدم معاملته بمقتضى سره وسريرته، هو خير للمنافقين من عدمه، فإنه لو أمره الله تعالى أن يعاملهم بما يخفون من الكفر لكان ذلك أمراً بقطع رقابهم، وبقاؤهم خير لهم بالمعنى الذي يعتقدونه من لفظ الخير، وخير لهم في نفس الأمر، لأنه إمهال لهم يرجى أن يتوب بسببه من فيه استعداد للإيمان منهم بما يراه من آيات الله وتأييده لرسوله وللمؤمنين. والخيرية دنيوية وهي للجميع، والرحمة دنيوية وأخروية وإنما هي للمؤمنين. وأما إرساله صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين فالمراد به عموم دعوته وهدايته، لا أنه رحمة لمن كفر به كمن آمن به.
ويؤيد ما اخترناه قوله تعالى : والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم فهو مقابل قوله : ورحمة للذين آمنوا منكم يدل على أن إيذاء الرسول صلى الله عل
يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين( ٦٢ ) ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم( ٦٣ )
روى ابن أبي حاتم عن قتادة قال : ذكر لنا أن رجلاً من المنافقين قال في شأن المتخلفين في غزوة تبوك الذين نزل فيهم ما نزل : والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، وإن كان ما يقول محمد حقاً لهم شر من الحمر. فسمعها رجل من المسلمين فقال : والله إن ما يقول محمد لحق، ولأنت أشر من الحمار. فسعى بها الرجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال :( ما حملك على الذي قلت ) ؟ فجعل يلتعن ( أي يلعن نفسه ) ويحلف بالله ما قال ذلك. وجعل الرجل المسلم يقول : اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب، فأنزل الله في ذلك يحلفون بالله لكم ليرضوكم . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي مثله، وسمى الرجل المسلم عامر بن قيس من الأنصار. وهذا ليس بحصر، بل المراد أن الآية نزلت في هذا وأمثاله، فإن من عادة المنافقين والكاذبين من عصاة المؤمنين وغيرهم أن يكثروا الحلف ليصدقوا لأنهم لعلمهم بكذبهم يظنون أو يعلمون أنهم متهمون في أقوالهم وأعمالهم، فيحلفون لإزالة التهمة، وهذا معلوم في كل زمان، وقد تقدم في الآية ( ٤٢ ) من هذا السياق حلفهم أنهم لو استطاعوا الخروج في غزوة تبوك لخرجوا، والتصريح بعلم الله بكذبهم في حلفهم هذا وفي الآية ( ٥٦ ) منه ويحلفون بالله أنهم لمنكم الخ وسيأتي في آية ( ٧٤ ) منه - مثل هذا الحلف على قول من الكفر قالوه أنهم ما قالوه، وفي آيات ٩٥ و٩٦ و١٠٧ منه نحو من ذلك.
فقوله تعالى : يحلفون بالله لكم ليرضوكم خطاب للمؤمنين في بعض شؤون هؤلاء المنافقين معهم في غزوة تبوك، أخبرهم بأنهم شعروا بما لم يكونوا يشعرون من ظهور نفاقهم فكثر اعتذارهم وحلفهم للمؤمنين في كل ما يعلمون أنهم متهمون به من قول وعمل، ليرضوهم فيطمئنوا لهم، فتنتفي داعية إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بما ينكرون منهم، وقد رد الله تعالى عليهم بقوله : والله ورسوله أحق أن يرضوه أي والحال أن الله ورسوله أحق بالإرضاء من المؤمنين، فإن المؤمنين قد يصدقونهم فيما يحلفون عليه إذا لم يكن كذبهم فيه ظاهراً معلوماً باليقين، ولكن الله لا يخفى عليه شيء، فهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهو يوحي إلى رسوله من أمور الغيب ما فيه المصلحة.
وكان الظاهر أن يقال :( يرضوهما )، ونكتة العدول عنه إلى( يرضوه ) الإعلام بأن إرضاء رسوله من حيث إنه رسوله عين إرضائه تعالى، لأنه إرضاء له في اتباع ما أرسله به، وهذا من بلاغة القرآن في الإيجاز، ولو قال ( يرضوهما ) لما أفاد هذا المعنى، إذ يجوز في نفس العبارة أن يكون إرضاء كل منهما في غير ما يكون به إرضاء الآخر، وهو خلاف المراد هنا، وكذلك لو قيل :( والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه ) لا يفيد هذا المعنى أيضاً وفيه ما فيه من الركاكة والتطويل، وقد خرجه علماء النحو على قواعدهم فقال بعضهم كأبي السعود : إن الضمير المفرد هنا يعود إلى ما فهم مما قبله الذي يفسر باسم الإشارة أو «ما ذكر » كقول رؤبة :
فيها خطوط من سواد وبَلَقْ كأنه في الجلد توليعُ البَهَقْ١
يعني كأن ذلك أو كأن ما ذكر، وهو تخريج ضعيف لا يظهر في المثنى. وقال بعضهم : إن الضمير عائد إلى اسم الجلالة ويقدر مثله للرسول، وقال بعضهم : إنه للرسول وحده ؛ لأن الكلام في إيذائه، وهو أضعف مما قبله، وأقرب الأقوال إلى قواعدهم قول سيبويه : إن الكلام جملتان حذف خبر إحداهما لدلالة خبر الأخرى عليه كقول الشاعر :
نحن بما عندنا وأنت بما عن دك راض والرأي مختلفُ٢
فهذا لا تكلف فيه من ناحية التركيب العربي، ولكن تفوت به النكتة التي ذكرناها، وهي من بلاغة القرآن التي يجب على أهل البيان اقتباسها، واستعمال مثل هذا التعبير في كل ما كان مثله في المعنى، ولولا هذا التنبيه لما عنينا بنقل أقوالهم في الإعراب لأنه مخالف لمنهاجنا.
وقوله : إن كانوا مؤمنين تذييل لبيان أن ما قبله هو مقتضى الإيمان الصحيح الذي لا ينجي في الآخرة غيره، أي إن كانوا مؤمنين كما يدعون ويحلفون فليرضوا الله تعالى ورسوله، وإلا كانوا كاذبين، وفي الآية عبرة للمنافقين في زماننا ككل زمان، وعبرة بحالهم لمن يراهم يكذبون ويحلفون عند الحاجة إلى تأكيد أخبارهم فيما لا يرضي الله تعالى ؛ بل فيما يحاولون به إرضاء الناس ولا سيما الملوك والأمراء والوزراء الذين يتقربون إليهم فيما لا يرضي الله تعالى بل فيما يسخطه من المقاصد، التي يتوسلون إليها بأخس الوسائل.
١ ـ الرجز لرؤبة في ديوانه ص ١٠٤، وأساس البلاغة (ولع)، والأشباه والنظائر ٥/ ٦٣، وتلخيص الشواهد ص ٥٣، وخزانة الأدب١/ ٨٨، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٦٤، ولسان العرب (ولع)، (بهق)، والمحتسب ٢/ ١٥٤، ومغني اللبيب ٢/ ٦٧٨، وتهذيب اللغة ٥/ ٤٠٧، وتاج العروس (ولع)، (تأق)، (بهق)، وكتاب العين ٣/ ٣٧١، ومقاييس اللغة ١/ ٣١٠، ومجمل اللغة ١/٢٩٩، وبلا نسبة في شرح شواهد المغني ٢/ ٩٥٥، وجمهرة اللغة ص ٣٧٦، وكتاب العين ٢/ ٢٥٠، ومقاييس اللغة ٦/ ١٤٤، والمخصص ٥/ ٨٩..
٢ - البيت من المنسرح، وهو لقيس بن الخطيم في ملحق ديوانه ص ٢٣٩، وتخليص الشواهد ص٢٠٥، والدرر ٥/٣١٤، والكتاب ١/ ٧٥، والمقاصد النحوية ١/ ٥٥٧، ولعمرو بن امرئ القيس الخزرجي في الدرر ١/ ١٤٧، وشرح أبيات سيبويه ١/٢٧٩، وشرح شواهد الإيضاح ص ١٢٨، ولدرهم بن زيد الأنصاري في الإنصاف ١/ ٩٥، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/١٠٠، ٦/ ٦٥، ٧/ ١١٦، وأمالي ابن الحاجب ٢/ ٧٢٦، وخزانة الأدب ١٠/٢٩٥، ٤٧٦، وشرح الأشموني ١/٤٥٣، وشرح ابن عقيل ص ١٢٥، والصاحبي في فقه اللغة ص ٢١٨، ولسان العرب (قعد)، ومغني اللبيب ٢/ ٦٢٢، والمقتضب ٣/ ١١٢، ٤/ ٧٣، وهمع الهوامع ٢/ ١٠٩..
ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها الاستفهام هنا للتوبيخ وإقامة الحجة، والمحادة مفاعلة من الحد وهو طرف الشيء، كالمشاقة من الشق وهو بالكسر الجانب ونصف الشيء المنشق منه، وكلاهما بمعنى المعاداة من العدوة وهي بالضم جانب الوادي، لأن العدو يكون في غاية البعد عمن يعاديه عداء البغض والشنآن، بحيث لا يتزاوران ولا يتعاونان، فشبه بمن يكون كل منهما في حد وشق وعدوة، كما يقال هما على طرفي نقيض، وكذلك المنافقون يكونون في الحد والجانب المقابل للجانب الذي يحبه الله لعباده والرسول لأمته من الحق والخير والعمل الصالح ولا سيما الجهاد بالمال والنفس للدفاع عن الملة والأمة وإعلاء شأنهما، والعاصي وإن خالف أمر الله ورسوله ونهيهما في بعض الأمور لا ينتهي إلى هذه الغاية أو العدوة في البعد عنهما، فليس في الآية حجة لمن يكفرون العصاة. وجهنم دار العذاب وتقدم هذا الاسم مراراً.
والمعنى : ألم يعلم هؤلاء المنافقون أن الشأن والأمر الثابت الحق هو : من يعادي الله ورسوله - بتعدي حدود الله، أو بلمز الرسول في أعماله كقسمة الصدقات، أو أخلاقه وشمائله كقولهم : هو أذن- فجزاؤه أن له نار جهنم يصلاها يوم القيامة خالداً فيها لا مخرج له منها.
ذلك الخزي العظيم أي ذلك الصلي الأبدي هو الذل والنكال العظيم الذي يتضاءل دونه كل خزي وذل في الحياة الدنيا.
يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤوا إن الله مخرج ما تحذرون ( ٦٤ ) ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون( ٦٥ ) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين ( ٦٦ )
هذه الآيات في بيان شأن آخر من شؤون المنافقين التي كشفت سوأتهم فيها غزوة تبوك.
يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤوا إن الله مخرج ما تحذرون ( ٦٤ ) ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون( ٦٥ ) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين ( ٦٦ )
هذه الآيات في بيان شأن آخر من شؤون المنافقين التي كشفت سوأتهم فيها غزوة تبوك.
قال تعالى : ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب روي فيمن نزلت فيهم هذه الآية عدة روايات نذكر أمثلها : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوته إلى تبوك وبين يديه أناس من المنافقين ؟ فقالوا أيرجو هذا الرجل أن يفتح له قصور الشام وحصونها ؟ هيهات هيهات. فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( احبسوا عليّ هؤلاء الركب )، فأتاهم فقال قلتم كذا، قلتم كذا. قالوا : يا نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله فيهم ما تسمعون. وأخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال : بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مسيره وأناس من المنافقين يسيرون أمامه فقالوا : إن كان ما يقول محمد حقا فلنحن شر من الحمير، فأنزل الله تعالى ما قالوا، فأرسل إليهم : ما كنتم تقولون ؟ فقالوا : إنما كنا نخوض ونلعب.
وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن كعب بن مالك قال : قال مخشي بن حمير لوددت أني أقاضى على أن يضرب كل رجل منكم مائة على أن ننجو من أن ينزل فينا قرآن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر ( أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا، فإن هم أنكروا وكتموا فقل بلى قد قلتم كذا وكذا ) فأدركهم فقال لهم فجاؤوا يعتذرون، فأنزل الله لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم [ التوبة : ٦٦ ] الآية. فكان الذي عفا الله عنه مخشي بن حمير فتسمى عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتل شهيدا لا يعلم بمقتله، فقتل باليمامة لا يعلم مقتله ولا من قتله ولا يرى له أثر ولا عين. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية في رهط من المنافقين من بني عمرو بن عوف فيهم وديعة بن ثابت ورجل من أشجع حليف لهم يقال له مخشي بن حمير، كانوا يسيرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك فقال بعضهم لبعض : أتحسبون قتال بني الأصفر كقتال غيرهم، والله لكأنا بكم غدا تقادون في الحبال. قال مخشي بن حمير : لوددت أني أقاضى، فذكر الحديث مثل الذي قبله، وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود نحوه.
والمعنى أن الله تعالى نبأ رسوله بما كان يقوله هؤلاء المنافقون في أثناء السير إلى تبوك من الاستهزاء بتصديه لقتال الروم الذين ملأ صيتهم بلاد العرب بما كان تجارهم يرون من عظمة ملكهم في الشام ؛ إذ كانوا يرحلون إليها في كل صيف، نبأه نبأ مؤكدا بصيغة القسم أنه إن سألهم عن أقوالهم هذه يعتذرون عنها بأنهم لم يكونوا فيها جادين ولا منكرين، بل هازلين لاعبين، كما هو شأن الذين يخوضون في الأحاديث المختلفة للتسلي والتلهي، وكانوا يظنون أن هذا عذر مقبول لجهلهم أن اتخاذ أمور الدين لعبا ولهوا لا يكون إلا ممن اتخذه هزواً، وهو كفر محض، ويغفل عن هذا كثير من الناس يخوضون في القرآن والوعد الوعيد، كما يفعلون إذ يخوضون في أباطيلهم وأمور دنياهم، وفي الرجال الذين يتفكهون بالتنادر عليهم والاستهزاء بهم وإنما يستعمل «الخوض » فيما كان بالباطل لأنه مأخوذ من الخوض في البحر أو في الوحل، فيراد به الإكثار، والتعرض لتقحم الأخطار، وقال تعالى في سورتي الزخرف والمعارج فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون [ الزخرف : ٨٣ ]، وقال في سورة الطور : فويل للمكذبين الذين هم في خوض يلعبون [ الطور : ١١، ١٢ ]، وقال في سورة النساء : وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا [ النساء : ١٤٠ ]، وقد بينا في تفسير هذه الآية أن الخطاب فيها لكل من يظهر الإسلام من مؤمن ومنافق، وأنه يدخل في عمومها المبتدعون المحدثون في الدين، والذين يخوضون في الداعين إلى الكتاب والسنة ويستهزئون بهم لاعتصامهم بهما وإيثارهم إياهما على المذاهب المقلدة ( راجع ج٥ تفسير ).
وبعد أن نبأ الله تعالى رسوله بما يعتذرون به لقنه ما يرد به عليهم بقوله : قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون والمعنى أن الخوض واللعب إذا كان موضوعه صفات الله وأفعاله وشرعه وآياته المنزلة وأفعال رسوله وأخلاقه وسيرته كان ذلك استهزاء بها، لأن الاستهزاء بالشيء عبارة عن الاستخفاف به، وكل ما يلعب به فهو مستخف به، وقد حررنا معنى اللفظ في تفسير ما أسنده تعالى إلى المنافقين من قولهم لشياطينهم : إنا معكم إنما نحن مستهزؤون [ البقرة : ١٤ ]، أي بقولنا للمؤمنين آمنا كما أن من يحترم شيئا أو شخصا أو يعظمه فإنه لا يجعله موضوع الخوض واللعب. وتقديم معمول فعل الاستهزاء عليه يفيد القصر، والاستفهام عنه للإنكار التوبيخي، والمعنى : ألم تجدوا ما تستهزؤون به في خوضكم ولعبكم إلا الله وآياته ورسوله فقصرتم ذلك عليهما، فهل ضاقت عليكم جميع مذاهب الكلام تخوضون فيها وتعبثون دونهما، ثم تظنون أن هذا عذر مقبول فتدلون به بلا خوف ولا حياء ؟
يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤوا إن الله مخرج ما تحذرون ( ٦٤ ) ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون( ٦٥ ) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين ( ٦٦ )
هذه الآيات في بيان شأن آخر من شؤون المنافقين التي كشفت سوأتهم فيها غزوة تبوك.
لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم أي قد كفرتم بهذا الخوض واللعب بعد إيمانكم، فاعتذاركم إقرار بذنبكم، وإنما الاعتذار الإدلاء بالعذر، وهو بالضم ما يراد به محو الذنب وترك المؤاخذة عليه، وأنتم قد جئتم بما يثبت الذنب ويقتضي العقاب، أو هو كما قيل :«عذر أقبح من الذنب ». يقال اعتذر إليّ عن ذنبه فعذرته [ من باب ضرب ]، أي قبلت عذره ورفعت اللوم عنه، وهو على الراجح المختار مأخوذ من عذر الصبي يعذره أي ختنه، فعذره تطهيره بالختان، إذ هو قطع لعذرته أي قلفته التي تمسك النجاسة.
فإن قيل : ظاهر هذا أنهم كانوا مؤمنين فكفروا بهذا الاستهزاء الذي سموه خوضا ولعبا، وظاهر السياق أن الكفر الذي يسرونه هو سبب الاستهزاء الذي يعلنونه، قلنا : كلاهما حق، ولكل منهما وجه :
فالأول : بيان لحكم الشرع، وهو أنهم كانوا مؤمنين حكماً، فإنهم ادعوا الإيمان، فجرت عليهم أحكام الإسلام، وهي إنما تبنى على الظواهر، والاستهزاء بما ذكر عمل ظاهر يقطع الإسلام ويقتضي الكفر، فبه صاروا كافرين حكما، بعد أن كانوا مؤمنين حكماً.
والثاني : وهو ما دل عليه السياق هو الواقع بالفعل، والآية نص صريح في أن الخوض في كتاب الله وفي رسوله وفي صفات الله تعالى ووعده ووعيده، وجعلها موضوعا للعب والهزؤ، كل ذلك من الكفر الحقيقي الذي يخرج به المسلم من الملة، وتجري عليه به أحكام الردة، إلا أن يتوب ويجدد إسلامه.
ثم قال تعالى : إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين الطائفة مؤنث الطائف، من الطوف أو الطواف حول الشيء. والطائفة من الناس الجماعة منهم ومن الشيء القطعة منه، يقال : ذهبت طائفة من الليل ومن العمر، وأعطاه طائفة من ماله، وإذا أريد بالطائفة الجماعة كان أقلها ثلاثة على قول الجمهور في الجمع. والخطاب هنا للمعتذرين أو الجملة المنافقين، فإن كانت هذه الآية مما أمر الله رسوله أن يقوله لهم كالذي قبله فالمراد بالعفو والتعذيب ما يفعله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وإلا كان المراد ما سيكون في الآخرة، والمعنى أننا إن نعف عن بعضكم بتلبسهم بما يقتضي العفو وهو التوبة والإنابة[ ومنهم مخشي بن حمير ] نعذب بعضا آخر باتصافهم بالإجرام ورسوخهم فيه وعدم تحولهم عنه، أي بالإصرار على النفاق وما يستلزمه من الجرائم الظاهرة، وهذا التقسيم عقلي ؛ إذ لا يخلو حالهم من التوبة أو الإصرار، فمن تاب من كفره ونفاقه عفي عنه، ومن أصر عليه وأظهره عوقب به، فإن كان الوعيد من النبي صلى الله عليه وسلم فمعناه أن هذا ما سننفذ حكم الشرع عليكم به عند الرجوع من دار الحرب إلى دار الإسلام، لأن دار الحرب لا تقام فيها الحدود وأمثالها من الأحكام، والمختار عندنا أنه من الله تعالى، وأن المراد به عفو الله وتعذيبه في الآخرة. وقال الضحاك : يعني أنه إن عفا عن طائفة منهم فليس بتارك الآخرين.
فإن قيل : إنه بين سبب التعذيب وهو الإصرار على الإجرام، ولم يبين سبباً للعفو، أفليس هذا دليلاً على أنه لمحض الفضل ؟
قلنا : إن ما بينه يدل على ما لم يبينه، فإنه لما ذكر أنهم كفروا بعد إيمانهم، دل على أنهم استحقوا العذاب بكفرهم، فبيانه بعد هذا السبب تعذيب بعضهم دال على أن التعذيب ينتفي بانتفاء هذا السبب، وإنما يكون ذلك بترك النفاق وإجرامه والتوبة منهما، والأدلة العامة تدل على أن الوعيد على الكفر لا بد من نفوذه على من لم يتب منه، وأن الوعيد على الذنوب بعضه ينفذ وبعضه يدركه العفو.
وأما عدد من يتوب ويعفى عنه، وعدد من يصر ويعاقب بالفعل من كل من الطائفتين، فيصح أن يكون واحدا أو اثنين أو أكثر، فإن كان واحدا فلا يسمى طائفة وإنما يكون واحدا من الطائفة ممثلا لها، وروي عن الكلبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أقبل من غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة رهط استهزؤوا بالله وبرسوله وبالقرآن، قال : وكان رجل منهم لم يمالئهم في الحديث يسير مجانبا لهم يقال له يزيد بن وديعة، فنزلت إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة فسمي طائفة وهو واحد اه. وبناء على هذه الرواية قال من قال إن الطائفة من الواحد إلى الألف، وروي عن مجاهد ومن زعم أنها تطلق على الرجل والنفر، وروي عن ابن عباس، وهو غلط، والراوية المذكورة عن الكلبي لا تقتضيه، وهي لا تصح سندا ؛ فالكلبي متروك، ولا معنى ؛ فإن الذي كان يسير مجانبا لهم لا يتناوله وعيدهم، ولكن المتعلقين بالروايات يحكمونها في العقائد والأحكام، أفلا يحكمونها في اللغة أيضا فيقولون : إن الواحد يسمى طائفة ؟ وقد حافظ بعض المفسرين على اللغة في هذه الرواية فقالوا : إن التاء في طائفة للمبالغة كراوية لكثير الرواية، وهو غير ظاهر هنا، وإنما الظاهر ما شرحناه ولله الحمد والمنة. والظاهر أن أكثر أولئك المنافقين قد تابوا واهتدوا بعد نزول هذه السورة التي نبأتهم بما في قلوبهم كما سيأتي قريبا.
وقد ظهر بما قررناه وجه الاتصال بين الشرط والجزاء، بما سقط به استشكال بعض كبار العلماء كسلطانهم العز بن عبد السلام، واستغنينا به عما تكلفه المتكلفون لحل الإشكال.
المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون( ٦٧ ) وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم ( ٦٨ ) كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون ( ٦٩ ) ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ( ٧٠ ) }
هذا بيان عام لحال جميع المنافقين ذكرانهم وإناثهم، مقرون بالوعيد الشديد على ما أعد لهم من الجزاء مع إخوانهم الكفار على فسادهم وإفسادهم، يتلوه ضرب المثل لهم بحال أمثالهم من الأمم قبلهم. فاتصالها بما قبلها من بيان شؤون المنافقين المتعلقة بغزوة تبوك هو من قبيل التناسب بين القواعد العلمية في الأخلاق، والسنن العامة في روابط الاجتماع، وبين الوقائع الخاصة التي تعد من الشواهد على هذه القواعد والسنن.
المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون( ٦٧ ) وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم ( ٦٨ ) كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون ( ٦٩ ) ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ( ٧٠ ) }
هذا بيان عام لحال جميع المنافقين ذكرانهم وإناثهم، مقرون بالوعيد الشديد على ما أعد لهم من الجزاء مع إخوانهم الكفار على فسادهم وإفسادهم، يتلوه ضرب المثل لهم بحال أمثالهم من الأمم قبلهم. فاتصالها بما قبلها من بيان شؤون المنافقين المتعلقة بغزوة تبوك هو من قبيل التناسب بين القواعد العلمية في الأخلاق، والسنن العامة في روابط الاجتماع، وبين الوقائع الخاصة التي تعد من الشواهد على هذه القواعد والسنن.
ثم قفى تعالى على بيان حالهم هذه بذكر ما أعده لهم ولإخوانهم الكفار من العقاب فقال : وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها
الوعد يستعمل في الخير والشر، وفيما ينفع وفيما يضر، والوعيد خاص بالثاني، ولا يكاد يذكر الوعد فيه إلا مع ذكر متعلقه صراحة أو ضمناً كهذه الآية، وقد فصلنا هذه المسألة في الجزء السابع من هذا التفسير، وذكر في هذه الآية المنافقات مع المنافقين للنص على أن في النساء نفاقاً كالرجال، وإن كان هذا معروفاً في طباع الناس، كما قرن ذكر الذكور في صفات الإيمان، وأخَّر ذكر الكفار في مقام الوعيد للإيذان بأن المنافقين وإن أظهروا الإيمان وعملوا أعمال الإسلام شر من الكفار الصرحاء، ولا سيما المتدينين منهم بأديان باطلة من الأصل، أو محرفة ومنسوخة كأهل الكتاب، وقد تكرر هذا في القرآن وبينا وجهه.
وتقدم آنفا ذكر الخلود في جهنم وعيداً على محادة الله ورسوله، وزاد هنا ثلاثاً فقال : هي حسبهم الخ فزيادة التشديد في الوعيد للفرق بين جزاء جماعة المنافقين والكفار الراسخين في النفاق والكفر المتعاونين على أعمالهما، وجزاء أفراد العاصين لله ورسوله، فمفاسد هؤلاء الأفراد شخصية كبيرها وصغيرها، وأما مفاسد جماعات النفاق والكفر القومية والأمم المتعاونة فيها فهي أكبر لأنها أعم. والمعنى أن نار جهنم فيها من الجزاء ما يكفيهم عقاباً في الآخرة، ولعنهم الله في الدنيا والآخرة بحرمانهم من رحمته الخاصة، التي لا يستحقها إلا المؤمنون الصادقون، الذين تذكر صفاتهم في الآيات المقابلة لهذه عقبها.
ولهم عذاب مقيم أي ثابت لا يتحول عنهم، والظاهر من العطف أنه نوع من العذاب نفسي معنوي غير عذاب جهنم الحسي الخاص بها بنوعيه الظاهر والباطن : الظاهر كالسموم الذي يلفح وجوههم، والحرارة التي تنضج جلودهم، والحميم الذي يصهر ما في بطونهم، والزقوم طعام الأثيم، والضريع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. والباطن المعبر عن بقوله تعالى في الحطمة : التي تطلع على الأفئدة [ الهمزة : ٧ ]، فهذا النوع المقيم إن كان في الدنيا فهو ما يلصق بقلوب المنافقين من خوف الفضيحة، وما تقدم بيانه في تفسير قوله تعالى في أموالهم وأولادهم : إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا [ التوبة : ٨٥ ] وغير ذلك من تعذيب الضمير والوجدان، ولكل طائفة من الكفار عذاب دنيوي مقيم بحسب حالهم، ولا سيما المعطلين منهم، الذين لا هم لهم إلا في لذات الدنيا، فكل ما يفوتهم منها أو ينغصها عليهم لهم فيه عذاب لا يشعر به المؤمنون الراضون بقضاء الله، الصابرون على بلائه، الشاكرون لنعمائه، وإن كان في الآخرة فهو حرمانهم من لقاء الله تعالى وكرامته، والحجاب دون رؤيته، كما قال : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم [ المطففين : ١٥ ]، وما يذكيه في قلوبهم إطلاع الله تعالى إياهم على أهل الجنة وما هم فيه من النعيم المقيم، كما تقدم في سورة الأعراف. ولعل هذا هو المراد، ويدل عليه ما يقابله في جزاء المؤمنين من الرضوان الأكبر الذي عطف على نعيم الجنة، ولا مانع من شموله لما في الدنيا والآخرة، ولكنه في عذاب الآخرة المعنوي أظهر، وأعم وأشمل، وتقدم ذكر العذاب المقيم في سورة المائدة بما يدل على أنه في النار [ المائدة : ٤٠ ].
المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون( ٦٧ ) وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم ( ٦٨ ) كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون ( ٦٩ ) ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ( ٧٠ ) }
هذا بيان عام لحال جميع المنافقين ذكرانهم وإناثهم، مقرون بالوعيد الشديد على ما أعد لهم من الجزاء مع إخوانهم الكفار على فسادهم وإفسادهم، يتلوه ضرب المثل لهم بحال أمثالهم من الأمم قبلهم. فاتصالها بما قبلها من بيان شؤون المنافقين المتعلقة بغزوة تبوك هو من قبيل التناسب بين القواعد العلمية في الأخلاق، والسنن العامة في روابط الاجتماع، وبين الوقائع الخاصة التي تعد من الشواهد على هذه القواعد والسنن.
كالذين من قبلكم هذا عود إلى خطاب المنافقين الذين نزلت في شأنهم الآيات السابقة واللاحقة بعد ذكر حال جنس المنافقين وصفاتهم في كل زمان، يقول لهم : أنتم أيها المنافقون المؤذون لله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين كأولئك المنافقين الذين خلوا من قبلكم في أقوام الأنبياء، مفتونون بأموالكم وأولادكم، مغرورون بدنياكم، كما كانوا مفتونين ومغرورين بأموالهم وأولادهم، ولكنهم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم ، أي فكان مطلبهم من أعمالهم وسعيهم التمتع والتنعم بنصيبهم وحظهم الدنيوي من الأموال والأولاد، لم يكن لهم مطلب ولا غرض من الدنيا إلا التمتع بعظمتها تطغيهم بها القوة، وبلذاتها تغريهم بها الثروة، وبزينتها تفرحهم بها كثرة الذربة ؛ لأنهم لم يكن لهم مقاصد شريفة عالية من الحياة سواها كالذي يقصده أهل الإيمان بالله ورسله والدار الآخرة من إعلاء كلمة الحق، وإقامة ميزان العدل في الخلق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل كان خلاقهم كخلاق السباع والأنعام من العدوان واللذات البدنية والنسل.
فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم من القوة والأموال والأولاد سواء، لم يفضلوا عليهم بشيء من إرشاد كلام الله وهدي رسوله في الفضائل والأعمال الصالحة التي تتزكى بها الأنفس البشرية، وتكون بها أهلا للسعادة الدنيوية والأخروية، فكنتم أجدر باللائمة والعقاب منهم، لأنهم أوتوا من القوة المطغية، والأموال المبطرة، والأولاد الفاتنة، فوق ما أوتيتم، ولم يروا من آيات الله تعالى ما رأيتم، ولا سمعوا من حكم كلامه وشرائعه ما سمعتم، ولا نصب لهم من المثل الأعلى لهداية رسله ما نصب لكم بهدي محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله نزل عليه أحسن الحديث وأفضل الكتب وأكمل به الدين، وجعله خاتم النبيين، وأعاد ذكر استمتاع من قبلهم لما يقتضيه التبكيت والتأنيب من الإطناب لبيان اختلاف الحالين، فهو يقول لهم : إنكم فعلتم فعلتهم حذو القذة بالقذة مع توفر الدواعي على ضده.
وخضتم كالذي خاضوا أي وخضتم في حمأة الباطل كالخوض الذي خاضوه من كل وجه، على ما بين حالكم وحالهم من الفرق، الذي كان يقتضي أن تكونوا أهدى منهم، وقال الفراء من علماء العربية : إن ( الذي ) تأتي مصدرية كما، فيكون التقدير : وخضتم كخوضهم، وقيل : إن ( الذي ) هنا للجنس كمن وما، وأنه بمعنى الذين، ولكن هذا ضعيف لفظاً ومعنى ؛ إذ المراد أنكم تخوضون كخوض من قبلكم وهو الذي يقتضيه العطف لا كالذين خاضوا مطلقاً من أي فريق كانوا.
أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة حبط العمل بكسر الباء حبطاً بسكونها وحبوطاً : فسد وذهبت فائدته، وحبط دم القتيل : هدر، وهو من حبط بطن البعير حبطاً [ بفتحتين ] انتفخ وفسد من كثرة أكل الحندقوق فلم يثلط، أي أولئك المستمتعون بخلاقهم وحظهم مما ذكر والخائضون في الباطل حبطت أعمالهم الدنيوية في الدنيا، فكان ضررها أكبر من نفعها لهم لإسرافهم فيها، وإفسادهم في الأرض، كما تحبط بطون الماشية تأكل الخضر فتستوبله فتنتفخ وتفسد ويكون سبب هلاكها، وحبطت أعمالهم الدينية في الآخرة من العبادات وصلة الرحم وصنع المعروف والصدقة وقرى الضيوف، فلم يكن لها أجر ينقذهم من عذاب النار ويدخلهم الجنة، لأنها كانت لأجل الرياء والسمعة وحب الظهور والثناء، ولأجل أن يعاملوا معاملة المسلمين وتجري عليهم أحكامهم، لم تكن لأجل تزكية النفس، ولا لمرضاة الله عز وجل، وفي التنزيل عدة آيات في حبوط الأعمال بالشرك والرياء، أي بطلان ثوابها، وهو مستعار من حبط بطون الماشية كما تقدم، ويا لها من استعارة، فإن الماشية عندما تأكل الخضر من النبات تلذذاً به فتكثر منه فتستوبله وتستوخمه يكون حظها منها فساد بطونها وهلاكها، بدلاً من التغذي والانتفاع الذي تطلبه بشهوتها. وقيل : إن المراد بحبوط أعمالهم في الدنيا فشلهم وخيبتهم فيما كانوا يكيدون للمؤمنين.
وجملة القول : إن أعمالهم إما دينية وإما دنيوية :
فالدينية تحبط كلها في الآخرة لأن شرط قبولها الإيمان والإخلاص، وتحبط في الدنيا إذا ظهر نفاقهم، وافتضح أمرهم، ولحبوطها معنى آخر وهو أنها لا تأثير لها في تهذيب أخلاقهم وتزكية أنفسهم من الفحشاء والمنكر ومساوئ الأخلاق، لأن هذا لا يحصل إلا بالإخلاص.

وأما الدنيوية فهي قسمان :

١ تمتع بالأموال والأولاد والقوة.
٢ – كيد ومكر ونفاق.
وقد بينا معنى حبوطهما آنفا بما يطرد في أزمنة الأنبياء وما يشبهها كعهد الخلفاء الراشدين. وأما أعمال النفاق الدنيوية في أيام الملوك والأمراء الظالمين الفاسقين، فإنها تكون أكثر رواجاً ونتاجاً من أعمال الصادقين المخلصين، ولا دليل على فساد الملوك والأمراء والرؤساء أدل من تقريبهم للمنافقين المتملقين منهم، وإبعادهم للناصحين الصادقين عنهم، قال الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم :( الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف )١ متفق عليه.
وأولئك هم الخاسرون التامو الخسران دون غيرهم ممن لم يكن كل حظهم من نعم الله الاستمتاع العاجل، والخوض في الباطل، إذ جاء خسارهم من مظنة الربح والمنفعة، كقوله تعالى فيهم : قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً [ الكهف : ١٠٤ ]، وكلُّ خسار دون هذا هين كأنه ليس بخسار، وهذا معنى صيغة الحصر في الجملة، فهل يعتبر بهذا أهل هذا الزمان ؟ أم هل يعتبر به التالون والمفسرون للقرآن، أم يقرؤونه ويفسرونه لكسب الحطام ؟
١ - أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٢، ومسلم في البر حديث ١٥٩، ١٦٠، وأبو داود في الأدب باب ١٦، وأحمد في المسند ٢/ ٢٩٥، ٥٢٧، ٥٣٩..
المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون( ٦٧ ) وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم ( ٦٨ ) كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون ( ٦٩ ) ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ( ٧٠ ) }
هذا بيان عام لحال جميع المنافقين ذكرانهم وإناثهم، مقرون بالوعيد الشديد على ما أعد لهم من الجزاء مع إخوانهم الكفار على فسادهم وإفسادهم، يتلوه ضرب المثل لهم بحال أمثالهم من الأمم قبلهم. فاتصالها بما قبلها من بيان شؤون المنافقين المتعلقة بغزوة تبوك هو من قبيل التناسب بين القواعد العلمية في الأخلاق، والسنن العامة في روابط الاجتماع، وبين الوقائع الخاصة التي تعد من الشواهد على هذه القواعد والسنن.
ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات هذا استفهام تقرير وتوبيخ لمن نزلت فيهم الآيات من الكفار والمنافقين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، يذكرهم بالأقوام الذين ضلوا من قبلهم ووصلت إليهم سيرتهم، وكانوا أشد قوة وأكثر أموالاً وأولاداً منهم، والمؤتفكات جمع مؤتفكة من الائتفاك وهو الانقلاب والخسف وهي قرى قوم لوط. وقد فصل التنزيل قصصهم في عدة سور، وبين هنا خلاصة نبأهم ومحل العبرة فيه بقوله :
أتتهم رسلهم بالبينات أي فأعرضوا عنها وعاندوا الرسل، فأخذهم العذاب وهو الطوفان الذي أغرق قوم نوح، والريح العقيم التي أهلكت عاداً قوم هود، والصيحة التي أخذت ثمود، والعذاب الذي هلك به النمروذ الذي حاول إحراق إبراهيم، والخسف الذي نزل بقرى قوم لوط وهم فيها.
فما كان الله ليظلمهم ما كان ليفعل كذا معناه ما كان من شأنه، وهو يتضمن نفي الفعل بدليله، فهو أبلغ منه، أي فما كان من سنة الله ولا من مقتضى عدله وحكمته أن يظلمهم بما حل بهم من العذاب وقد أنذرهم وأعذر إليهم ليجتنبوه.
ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بجحودهم وعنادهم، وعدم مبالاتهم بإنذار رسلهم. والمراد من ضرب هذا المثل للكافرين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والمنافقين أن سنة الله في عباده واحدة لا ظلم فيها ولا محاباة، فلا بد أن يحل بهم من العذاب ما حل بأمثالهم من أقوام الرسل إن لم يتوبوا، كما قال : أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر [ القمر : ٤٣ ].
وأما قوم محمد صلى الله عليه وسلم فقد أهلك الله تعالى أكابر الجاحدين المعاندين منهم في أول غزوة هاجموهم فيها وهي غزوة بدر، ثم خذل الله من بعدهم في سائر الغزوات وأخرج الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من ديارهم وقذف في قلوبهم الرعب [ الأحزاب : ٢٦ ]، يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار [ الحشر : ٢ ]، ثم صار الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، وأما المنافقون فما زالوا يكيدون له في السر، حتى فضحهم الله تعالى بهذه السورة في آخر الأمر، فتاب أكثرهم، ومات زعيمهم عبد الله بن أبيّ بغيظه وكفره، ولم تقم للنفاق قائمة من بعده، وسيأتي في هذه السورة نبأ موته، ولو بقي لهم قوة يكيدون بها للإسلام لما خفي أمرها على المؤرخين، فكان قوم محمد صلى الله عليه وسلم بهذا التمحيص خير أقوام النبيين، نشر الله تعالى بهم أعلام هذا الدين، فسادوا به جميع العالمين، ولولا ما أحدثه الروافض المنافقون، والخوارج المغرورون، من الشقاق بين المسلمين، لعمت سيادة الإسلام جميع العالمين.
والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم( ٧١ ) وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم( ٧٢ )
هاتان الآيتان معطوفتان على الآيات الأربع التي قبلها لبيان المقابلة بين المؤمنين والمنافقين، وما بينهما من التضاد في الأقوال والأفعال التي يقتضيها الإيمان ـ الذي يدعيه المنافقون كذباً وتقية ـ والجزاء عليه وعليها.
والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم( ٧١ ) وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم( ٧٢ )
هاتان الآيتان معطوفتان على الآيات الأربع التي قبلها لبيان المقابلة بين المؤمنين والمنافقين، وما بينهما من التضاد في الأقوال والأفعال التي يقتضيها الإيمان ـ الذي يدعيه المنافقون كذباً وتقية ـ والجزاء عليه وعليها.
ولما ذكر صفاتهم ورحمته لهم بالإجمال، بين ما وعدهم من الجزاء المفسر لرحمته المؤكدة بالتفصيل، في مقابلة ما أوعد به المنافقين وإخوانهم الكفار تفسيراً لنسيانه لهم، فقال : وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن الآية نص في مساواة النساء للرجال في نعيم الآخرة كله حتى أعلاه، بالتبع لمساهمتهن لهم في التكليف وولاية الإيمان، إلا ما خصهن الشرع له لضعفهن، وانفرادهن بوظائفهن الخاصة بهن، إذ حط عنهن وجوب القتال، والصلاة والصيام في بعض الأحوال، وهذا من المعلوم بالضرورة من أحكام الإسلام، وإن جهله أو تجاهله أعداؤه الطغام، والجنات البساتين الملتفة الأشجار بحيث تجن الأرض أي تغطيها وتسترها. وجريان الأنهار من تحت أشجارها، مزيد في جمالها، ومانع من أسون مائها، والخلود فيها عبارة عن المقام الدائم، وتقدم مثله مراراً.
وأما المساكن الطيبة في جنات عدن فهي الدور والخيام التي يطيب لساكنيها بها المُقام في ذلك المَقام، لاشتمالها على جميع المرافق والأثاث والرياش والزينة والرزق الذي تتم به راحة المقيم فيها وغبطته، ومنها الغرفات التي قال الله تعالى فيها : وهم في الغرفات آمنون [ سبأ : ٣٧ ] وقال : والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين [ العنكبوت : ٥٨ ] وقال : لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار [ الزمر : ٢٠ ].
وأما إضافة هذه الجنات إلى [ عدن ] فقد تعددت في التنزيل بما جاوز جمع القلة، ومعنى العدن في اللغة الإقامة والاستقرار والثبات، يقال عدن في مكان كذا من بابي ضرب وقعد أقام وثبت فيه، ومنه المعدن لمستقر الجواهر كالذهب والفضة والماس وغيرها. وفسروها بقولهم : جنات إقامة وخلود كقوله تعالى : جنة الخلد [ الفرقان : ١٥ ] و جنة المأوى [ النجم : ١٥ ]، ولكن هاتين وردتا باللفظ المفرد مضافاً إلى معرفة، فهما اسمان لدار النعيم كلفظ الجنة في مثل ادخلوا الجنة [ الأعراف : ٤٩ ] و يدخلون الجنة [ النساء : ١٢٤ ]، وسيأتي في سورة يونس تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم [ يونس : ٩ ]، وأما " جنات عدن " فهو جمع أضيف إلى هذا اللفظ المفرد [ عدن ]، فجعله بمعنى إقامة كما قيل يقتضي جعله مكرراً مع قوله قبله جنات تجري من تحتها الأنهار [ البقرة : ٢٥ ]، لأنها وصفت بالإقامة وبالخلود فيها أيضاً، على ما في تنكير عدن بهذا المعنى من الضعف، فوجب أن يكون لفظ عدن معرفة، ومعنى التركيب : في جنات المكان المسمى بهذا الاسم [ عدن ]. وقد ورد في الأحاديث ما يفسر هذا، وهو ذكر جنة عدن باللفظ المفرد المضاف، وفي بعضها ما يدل على أن المراد بها مكان أو منزل من منازل دار النعيم كالفردوس الذي هو أوسط الجنة أو أعلاها، وهو ما يكون فيه تجلي الرؤية، التي هي أعلى النعيم وأكمل المعرفة :
روى الشيخان من حديث أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه -وهو أبو موسى الأشعري رضي الله عنه- في تفسير آيات سورة الرحمن ولمن خاف مقام ربه جنتان وقوله بعد وصفهما ومن دونهما جنتان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( جنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما من فضة، وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما من ذهب، وما بين القوم وبين أن ينظروا ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن )١، أي حالة كونهم في جنة عدن، فالمتبادر من هذا أن جنة عدن مكان سام في طبقة من طبقات الجنة، لا أنها نكرة مضافة إلى نكرة. ومجموع الحديث والآيات يدل على أن عدنا منزل في أعلى الجنة، وأن فيه جنات أي بساتين متعددة، لكل من خاف مقام ربه منها جنتان، ومن دونهما جنتان، وهي كالأربع الموصوفة في سورة الرحمن.
ويقرب من حديث أبي موسى المتفق عليه حديث أبي هريرة المتفق عليه أيضاً :( إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن )٢، فيفهم منه أن الفردوس هو جنة عدن، وهذا ما قاله مقاتل والكلبي، قالا : عدن أعلى درجة في الجنة، وفيها عين التسنيم، والجنات محدقة حولها الخ، وتتمته في تفسير البغوي. وقد ثبت في المرفوع أن أعلى درجة في الجنة على الإطلاق تسمى الوسيلة وهي درجة النبي صلى الله عليه وسلم التي طلب منا أن نسألها له في دعاء الأذان :( اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، والدرجة الرفيعة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته )٣ فهذه درجة خاصة.
ومن هنا يعلم أن قوله تعالى : ورضوان من الله أكبر بعد ذكر جنات عدن يراد به أعلى درجات الرضوان، وما هو إلا مقام رؤية الرب تعالى التي تكمل بها معرفة الرحمن، وتتم سعادة الإنسان، فالإنسان جسد وروح، ففي الجنات ومساكنها أعلى النعيم الجسماني، ورضوان الله الأكبر هو أعلى النعيم الروحاني، فالتنوين فيه للتعظيم، والدليل على ما حررته أنه لم يعطف مفرداً على ما قبله مما وعدوا به على الإيمان وأعماله لأنه فوق كل جزاء، كما أشير إليه في قوله : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة [ يونس : ٢٦ ] ؛ بل جاء مرفوعاً في اللفظ كرفعه معناه، في جملة مستقلة تقديرها : وهنالك رضوان من الله أكبر وأعظم من تلك الجنات وما فيها. لا يقدر قدره، ولا يكتنه سره.
فهذا ما يفهم بمعونة الحديث من اختلاف إعرابه ووصفه باسم التفضيل [ أكبر ]، وقد ورد لفظ [ رضوان ] معطوفا على ما قبله غير موصوف بهذا الوصف، ولا موصولاً بكونه من الله في آية يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان [ التوبة : ٢١ ] من هذه السورة وذكرت في تفسيرها ما ورد من قوله تعالى : ورضوان من الله معطوفاً على الجنات والأزواج، فهل يجوز في بلاغة القرآن أن يكون ما هنا من اختلاف الإعراب ووصف أكبر بغير فائدة ؟ وهل يجد له من الفائدة ما هو أليق به مما ورد في الحديث الصحيح من نعمة الرؤية ؟ كلا، ولم يبين هذا بنص صريح في القرآن، لئلا يكون فتنة لمن لم تسم أرواحهم إلى إدراك هذه المعاني، فحكمته الرحمة بضعف الإنسان، واللبيب يفهم بالإشارة، ما لا يفهمه الغبي بأفصح عبارة، أفلم تر كيف اختلف الألباء في فهم قوله سبحانه : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة [ القيامة : ٢٢، ٢٣ ].
وأما تحقيق معنى الرؤية والحكم فيما اختلفوا فيه من معنى هذه الآية، ومعنى رداء الكبرياء وغيره من الحجب التي تحجب العبد عن ربه، فقد فصلته في تفسير سورة الأعراف تفصيلاً يقربه من العقل والعلم( ج ٩ تفسير )، فهو وما هنا مما انفرد هذا التفسير بتحقيقه بإلهام الله تعالى وفضله وله الحمد والمنة :
ووجه المقابلة الضدية بين ما هنا وما في وعيد المنافقين قبله ظاهر، فالجنات التي تجري من تحتها الأنهار والخلود فيها مقابل لنار جهنم والخلود فيها، والمساكن الطيبة في جنات عدن مقابل للعذاب المقيم، ورضوان الله الأكبر للمؤمنين مقابل للعنة الله للمنافقين والكافرين، إذ هي الطرد والحرمان من رحمته الخاصة، نعوذ بوجهه.
ذلك هو الفوز العظيم أي ذلك الذي ذكر من الوعد للمؤمنين والمؤمنات بالنعيم الجسماني والروحاني، هو الفوز العظيم الذي يجزى به أولئك المؤمنون الصالحون المصلحون دون غيره من هذه الحظوظ الدنيوية الخسيسة الفانية التي يتكالب عليها الكفار والمنافقون الفاسدون المفسدون، وإنما هي في نظر المتقين بلغة عامل، وزاد مسافر، فما على المؤمن إلا أن يحاسب نفسه وينصب لها الميزان، من كفة المؤمنين وكفة المنافقين في هذه الآيات، ويحكم لها أو عليها بحكم الله عز وجل لا بهواها، ولا يغترن أحد بلقب الإسلام، ولا بدعوى الإيمان، إلا إذا شهد بصدقه القرآن وقد ورد في وصف الجنة ودرجاتها وحورها روايات كثيرة منها المنكر والموضوع، والمرسل والموقوف، ومن المرفوع منها ما أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن أنه سأل عمران بن حصين وأبا هريرة عن تفسير ومساكن طيبة في جنات عدن فذكر أنهما قالا له : على الخبير سقطت، وأنهما سألا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرا وصفاً طويلاً منه أنه يوجد هنالك ألوف من البيوت في كل منها ألوف من الحور العين.. وهو منكر لا يصح له متن ولا سند. وقد قال المحقق ابن القيم : إنه لم يثبت في نساء الجنة حديث صحيح بأكثر من زوجين لكل رجل، وقد روى ابن أبي شيبة عن كعب الأحبار معنى هذا الحديث، والظاهر أن المرفوع من دسائسه أيضا.
١ ـ أخرجه البخاري في التوحيد باب ٢٤، وتفسير سورة ٥٥، باب ١، ٢، ومسلم في الإيمان حديث ٢٩٦، والترمذي في الجنة باب ٣، وابن ماجه في المقدمة باب ١٣، والدارمي في الرقاق باب ١٠١، وأحمد في المسند ٤/ ٤١١، ٤١٦..
٢ - أخرجه البخاري في الجهاد باب ٤، والتوحيد باب ٧٢٢ والترمذي في الجنة باب ٤، وأحمد في المسند ٢/ ٣٣٥..
٣ - أخرجه البخاري في الأذان باب ٨، وتفسير سورة ١٧، باب ١١، وأبو داود في الصلاة باب ٣٧، والترمذي في الصلاة باب ٤٣، والنسائي في الأذان باب ٣٨، وابن ماجه في الأذان باب ٤..
يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير( ٧٣ ) يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير( ٧٤ ) }
هاتان الآيتان تهديد للمنافقين، وإنذار لهم بالجهاد كالكفار المجاهرين، إذا استرسلوا بهذه الجرأة في إظهار ما ينافي الإيمان والإسلام، من الأقوال والأفعال، كالقول الذي أنكروه بعد أن أظهره الله عليه وكذبهم الله تعالى في إنكارهم، أو بجهاد دون جهاد الكفار المحاربين، وأقله ألا يعاملوا بعد هذا الأمر كمعاملة المؤمنين الصادقين، وأن يقابلوا بالغلظة والتجهم لا بالطلاقة والبشر واللين، وغير ذلك مما يأتي بيانه في هذه السورة.
يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير( ٧٣ ) يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير( ٧٤ ) }
هاتان الآيتان تهديد للمنافقين، وإنذار لهم بالجهاد كالكفار المجاهرين، إذا استرسلوا بهذه الجرأة في إظهار ما ينافي الإيمان والإسلام، من الأقوال والأفعال، كالقول الذي أنكروه بعد أن أظهره الله عليه وكذبهم الله تعالى في إنكارهم، أو بجهاد دون جهاد الكفار المحاربين، وأقله ألا يعاملوا بعد هذا الأمر كمعاملة المؤمنين الصادقين، وأن يقابلوا بالغلظة والتجهم لا بالطلاقة والبشر واللين، وغير ذلك مما يأتي بيانه في هذه السورة.
يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم هذا استئناف لبيان السبب المقتضي لجهادهم كالكفار، وهو أنهم أظهروا الكفر بالقول، وهموا بشر ما يغري به من الفعل، وهو الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أظهره الله على ذلك، وأنبأه بأنهم سينكرونه إذا سألهم عنه، ويحلفون على إنكارهم ليصدقوا كدأبهم الذي سبق، اتخذوا أيمانهم جنة [ المجادلة : ١٦ ]، وكانوا يحلفون للمؤمنين ليرضوهم، وكانوا يخوضون في آيات الله وفي رسوله بما هو استهزاء خرجوا به من حظيرة الإيمان الذي يدعونه إلى محظور الكفر الذي يكتمونه. وفي هذه الآية إسناد قول آخر من الكفر إليهم ينافي الإسلام الظاهر، فضلاً عن الإيمان الباطن. والمعنى يحلفون بالله أنهم ما قالوا تلك الكلمة التي أسندت إليهم، والله تعالى يكذبهم ويثبت بتأكيد القسم و«قد » أنهم قالوا كلمة الكفر التي رويت عنهم، ولم يذكر الكلمة التي نفوها وأثبتها، لأنها لا ينبغي أن تذكر في نص الكتاب فيتعبد المسلمون بتلاوتها.
وقد اختلف رواة التفسير المأثور في تعيينها والقائلين لها، فعن ابن عباس وأنس وعروة أنها نزلت فيمن قال منهم : لئن كان محمد صادقاً لنحن شر من الحمير. وفيه عدة روايات تقدم بعضها في الذين قالوا : إنما كنا نخوض ونلعب ، وأشهرها في كتب التفسير ما أخرجه عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عروة أن رجلا من الأنصار يقال له الجُلاس [ بضم الجيم ] بن سويد قال ليلة في غزوة تبوك : والله لئن كان ما يقول محمد حقاً لنحن شر من الحمير، فسمعه غلام له يقال له عمير بن سعد وكان ربيبه فقال : أي عم تب إلى الله. وجاء الغلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليه فجعل يحلف ويقول : والله ما قلت يا رسول الله، فقال الغلام : بلى والله لقد قلته، فتب إلى الله، ولولا أن ينزل القرآن فيجعلني معك ما قلته، فجاء الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسكتوا فلا يتحركون إذا نزل الوحي، فرفع عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر إلى قوله فإن يتوبوا يك خيرا لهم فقال : قد قلته وقد عرض الله عليّ التوبة فأنا أتوب، فقبل منه ذلك، وقتل له قتيل في الإسلام، فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه ديته فاستغنى بذلك، وكان همَّ أن يلحق بالمشركين، وقال النبي صلى الله عليه وسلم للغلام ( وعت أذنك ). وأخرج عبد الرازق عن ابن سيرين قال : لما نزل القرآن أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بأذن عمير فقال له :( يا غلام وعت أذنك وصدقك ربك ) اه. وقد أشار الحافظ الذهبي إلى ضعف حديث جُلاس هذا مع قوله أنه كان من المنافقين وتاب. وروي أنه كان من المخلفين لم يحضر غزوة تبوك.
وأخرج ابن جرير والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في ظل شجرة فقال :( إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان فإذا جاء فلا تكلموه )، فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :( علام تشتمني أنت وأصحابك ) ؟ فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز عنهم، وأنزل الله يحلفون بالله ما قالوا .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال : ذكر لنا أن رجلين اقتتلا أحدهما من جهينة والآخر من غفار، وكانت جهينة حلفاء الأنصار فظهر الغفاري على الجهني، فقال عبد الله بن أبيّ للأوسي انصروا أخاكم، والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل : سمّن كلبك يأكلك. والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل [ المنافقون : ٨ ]، فسعى بها رجل من المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه فسأله فجعل يحلف بالله ما قاله، فأنزل الله يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر .
وأقول : إن قول عبد الله بن أبي هذا قد رواه الشيخان وغيرهما فأخرجه البخاري في تفسير سورة المنافقين، وأنه كان في غزاة، وذكر الحافظ في شرحه عن محمد بن كعب عن زيد بن أرقم عند النسائي، وعن سعيد بن جبير مرسلا عند عبد بن حميد بإسناد صحيح أنها غزوة تبوك، وأن الذي عليه أهل المغازي أنها في غزوة بني المصطلق. وأن هذا القول كان سبب نزول سورة المنافقين، وليس فيه أن آية براءة التي نفسرها نزلت في ذلك. وحديث البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله من طريقين أن الخصام الذي كان سبب قول ابن أبي -لعنه الله- ما قال كان بين مهاجري وأنصاري، وذكر الحافظ في شرحه رواية قتادة في ذلك، وفي المسألة روايات أخرى، ولا مانع من التعدد عقلاً، وإن لم يصح نقلاً. وابن أبي كان من المخلفين، لم يخرج في غزوة تبوك كالجُلاس.
وهموا بما لم ينالوا وهو اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة منصرفه من تبوك، ذكر ابن القيم في هذه المسألة من زاد المعاد ما نصه :
ذكر أبو الأسود في مغازيه عن عروة قال : رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلاً من تبوك إلى المدينة، حتى إذا كان ببعض الطريق مكر برسول الله صلى الله عليه وسلم ناس من المنافقين فتآمروا أن يطرحوه من عقبة في الطريق، فلما بلغوا العقبة أرادوا أن يسلكوها معه، فلما غشيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر خبرهم فقال :( من شاء منكم أن يأخذ ببطن الوادي فإنه أوسع لكم )، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة، وأخذ الناس ببطن الوادي إلا النفر الذين هموا بالمكر برسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمعوا بذلك استعدوا وتلثموا وقد هموا بأمر عظيم، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر فمشيا معه، وأمر عماراً أن يأخذ بزمام الناقة وأمر حذيفة أن يسوقها فبينما هم يسيرون إذ سمعوا وكزة القوم من ورائهم قد غشوه فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر حذيفة أن يردهم، وأبصر حذيفة غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع ومعه محجن واستقبل وجوه رواحلهم فضربها ضرباً بالمحجن، وأبصر القوم وهم متلثمون ولا يشعر إلا أن ذلك فعل المسافر، فأرعبهم الله سبحانه حين أبصروا حذيفة، وظنوا أن مكرهم قد ظهر عليه، فأسرعوا حتى خالطوا الناس، وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أدركه قال :( اضرب الراحلة يا حذيفة وامش أنت يا عمار وراءها )، فأسرعوا حتى استووا بأعلاها، فخرجوا من العقبة ينتظرون الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم لحذيفة :( هل عرفت من هؤلاء الرهط أو الركب أحداً ) ؟ قال حذيفة : عرفت راحلة فلان وفلان، وقال : كانت ظلمة الليل وغشيتهم وهم متلثمون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( هل علمتم ما كان شأن الركب وما أرادوا ) ؟ قالوا : لا والله يا رسول الله، قال :( فإنهم مكروا ليسيروا معي حتى إذا طلعت في العقبة طرحوني منها )، قالوا : أو لا تأمر بهم يا رسول الله إذاً فنضرب أعناقهم ؟ قال :( أكره أن يتحدث الناس ويقولوا : إن محمداً قد وضع يده في أصحابه )، فسماهم لهما وقال :( اكتماهم ).
وهذا السياق رواه البيهقي وغيره من هذه الطريق، وقد روى القصة ابن إسحاق في سيرته وذكر أسماء أولئك الرهط بما أنكروا عليه بعضه، والصحيح في عدد هؤلاء المنافقين ما رواه مسلم من حديث عمار وحذيفة اللذين كانا مع راحلة النبي صلى الله عليه وسلم في العقبة، وقد أخبرهما بأسمائهم وأمرهما بكتمانها، فقد روى في صحيحه من حديث قيس بن عباد قال : قلنا لعمار : أرأيت قتالكم أرأياً رأيتموه فإن الرأي يخطئ ويصيب ؟ أو عهداً عهده إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : ما عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى الناس كافة. وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إن في أمتي قال شعبة وأحسبه قال حدثني حذيفة، وقال غندر أراه قال :( في أمتي ) اثنا عشر منافقاً لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدُّبيلة١ سراج من النار يظهر في أكتافهم حتى ينجم من صدورهم ).
وروي بعضه من حديث أبي الطفيل قال : كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس، فقال : أنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة ؟ قال : فقال له القوم أخبره إذ سألك. قال : كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وعذر ثلاثة، قالوا : ما سمعنا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا علمنا بما أراد القوم، وقد كان في حرة فمشى فقال :( إن الماء قليل فلا يسبقني إليه أحد )، فوجد قوماً قد سبقوه فلعنهم يومئذ اه.
وقد ذكر الطبراني في مسند حذيفة أسماء أصحاب العقبة، وروى عن ابن عبد العزيز بن بكار أنه قال : هم متعب بن بشير، ووديعة بن ثابت، وجد بن عبد الله بن نبتل بن الحارث من بني عمرو بن عوف، والحارث بن يزيد الطائي، وأوس بن قيظي، والحارث بن سويد، وسعد بن زرارة، وقيس بن فهد، وسويد وداعس من بني الحبلى، وقيس بن عمرو بن سهل، وزيد بن اللصيت، وسلالة بن الحمام، وهما من بني قينقاع أظهروا الإسلام اه من تفسير ابن كثير، وإنما ذكرت عددهم وأسماءهم حتى لا يكون لخلفائهم من منافقي الروافض سبيل إلى تضليل عوام المسلمين، بما اعتادوا من الطعن في خير أصحاب النبيين والمرسلين.
وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله نقم منه الشيء أنكره وعابه كما في الأساس، وكذا عاقبه عليه، وقال الراغب : نقمت الشيء إذا نكرته إما باللسان وإما بالعقوبة. أي وما أنكر هؤلاء المنافقون من أمر الإسلام وبعثة الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم شيئاً يقتضي الكراهة والكفر والهم بالانتقام إلا إغناء الله تعالى إياهم ورسوله من فضله تعالى بالغنائم التي هي عندهم غاية الغايات في هذه الحياة، وكانوا كسائر الأنصار من الفقراء. فالإغناء من فضل الله ببعثة الرسول والنصر له وما فيه من الغنائم كما وعده. وتقدم شرحه في تفسير آية ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله [ التوبة : ٥٩ ] كما تقدم في الكلام على قسمة غنائم حنين قوله صلى الله عليه وسلم للأنصار ( وكنتم عالة فأغناكم الله بي ).
والذين قالوا : إن الآية نزلت في الجُلاس بن سويد حملوا الإغناء على الدية التي ذكرت في قصته، وهو ضعيف لأن الكلام في توبيخ المنافقين كافة، ولا سيما الذين هموا بما لم ينالوا، ولم يكن جُلاس منهم، وغاية ما يقال فيها : إنها تدخل في عموم الإغناء، فيحمل جلاس من توبيخها علاوة على ما يحمله سائر المنافقين، وقد تاب وأناب رضي الله عنه.
وهذا التعبير من نوع البديع الذي يسمونه المدح في معرض الذم، كقول الشاعر في كره ساسة الترك في الآستانة للعرب :
وما نقموا منا بني العرب خلة سوى أن خير الخلق لم يك أعجما
فإن يتوبوا يك خيرا لهم أي فإن يتوبوا من النفاق، وما يصدر عنه من مساوئ الأقوال والأفعال، يكن ذلك المتاب خيراً لهم في الدنيا والآخرة، كما يدل عليه مقابله في الجملة التالية، أما في الدنيا فبما فيه من الفوائد الروحية والعلمية بالإيمان بالله، والتوكل عليه، والرضا بقضائ
١ - الدبيلة، كجهينة: الدبلة والدبيلة داء يجتمع في الجوف..
*ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين( ٧٥ ) فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون( ٧٦ ) فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون( ٧٧ ) ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب( ٧٨ )
هذا بيان لحال طائفة أخرى من أولئك المنافقين الذين أغناهم الله ورسوله من فضله بعد الفقر والإملاق، ويوجد مثلهم في كل زمان، وهم الذين يلجؤون إلى الله تعالى في وقت العسرة والفقر، أو الشدة والضر، فيدعونه ويعاهدونه على الشكر له، والطاعة لشرعه، إذا هو كشف ضرهم، وأغنى فقرهم، فإذا استجاب لهم نكسوا على رؤوسهم، ونكصوا على أعقابهم، وكفروا النعمة، وبطروا الحق، وهضموا حقوق الخلق.
آية رقم ٧٦
*ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين( ٧٥ ) فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون( ٧٦ ) فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون( ٧٧ ) ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب( ٧٨ )
هذا بيان لحال طائفة أخرى من أولئك المنافقين الذين أغناهم الله ورسوله من فضله بعد الفقر والإملاق، ويوجد مثلهم في كل زمان، وهم الذين يلجؤون إلى الله تعالى في وقت العسرة والفقر، أو الشدة والضر، فيدعونه ويعاهدونه على الشكر له، والطاعة لشرعه، إذا هو كشف ضرهم، وأغنى فقرهم، فإذا استجاب لهم نكسوا على رؤوسهم، ونكصوا على أعقابهم، وكفروا النعمة، وبطروا الحق، وهضموا حقوق الخلق.
فلما آتاهم من فضله ما طلبوا من سعة رزقه.
بخلوا به وتولوا أي ما لبثوا أن بخلوا بما آتاهم عقب حصوله، وأمسكوه فلم يتصدقوا بشيء منه، وتولوا وانصرفوا عن الاستعانة به على الطاعة وإصلاح حالهم وحال أمتهم كما عاهدوا وأقسموا، ولم يكن توليهم هذا أمرا عارضاً شغلهم عنه شاغل يزول بزواله، بل تولوا وهم معرضون بكل قواهم عن الصدقة والعمل الصالح، فكان الإعراض صفة راسخة فيهم حاكمة عليهم، بحيث إذا ذكروا بما يجب عليهم لا يذكرون، وإذا دعوا إليه لا يستجيبون.
*ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين( ٧٥ ) فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون( ٧٦ ) فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون( ٧٧ ) ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب( ٧٨ )
هذا بيان لحال طائفة أخرى من أولئك المنافقين الذين أغناهم الله ورسوله من فضله بعد الفقر والإملاق، ويوجد مثلهم في كل زمان، وهم الذين يلجؤون إلى الله تعالى في وقت العسرة والفقر، أو الشدة والضر، فيدعونه ويعاهدونه على الشكر له، والطاعة لشرعه، إذا هو كشف ضرهم، وأغنى فقرهم، فإذا استجاب لهم نكسوا على رؤوسهم، ونكصوا على أعقابهم، وكفروا النعمة، وبطروا الحق، وهضموا حقوق الخلق.
فأعقبهم نفاقا في قلوبهم يقال أعقبه الشيء إذا جعله عاقبة أمره وثمرته، أي فأعقبهم الله تعالى أو أعقبهم ذلك البخل وتولي الإعراض، بعد العهد الموثق بأوكد الإيمان، نفاقاً راسخاً في قلوبهم متمكنا منها ملازماً لها.
إلى يوم يلقونه للحساب في الآخرة، لأنه بلغ المنتهى الذي لا رجاء معه في التوبة. ذلك بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون فذكر سببين هما أخص صفات المنافقين وأظهر الآيات الدالة على نفاقهم : إخلاف الوعد والكذب كما تقدم بيانه ونصوص الأحاديث فيه، فكيف إذا كان الوعد لله تعالى مع العهد والقسم، وقد عبر عن إخلافهم الوعد بالفعل الماضي لأنه في حادثة وقعت، وعبر عن كذبهم بصيغة المضارع الدالة على الاستمرار، لأن ذلك شأنهم الدائم الذي هو أخص لوازم النفاق، فالمنافق مضطر إلى الكذب في كل وقت لأن ظاهره يخالف باطنه، ولا بد له من كتمان ما في باطنه وإظهار خلافه دائما لئلا يظهر فيفتضح ويعاقب، ولا يحصل ذلك إلا بالكذب. وإسناد إعقابهم النفاق إلى الله تعالى أو إلى البخل والتولي عن الطاعة قولان للمفسرين مآلهما واحد، إلا أن الثاني آدب. وذلك أن سنته تعالى في البشر أن العمل بما يقتضيه النفاق يمكن النفاق ويقويه في القلب، كما أن العمل بمقتضى الإيمان يزيده قوة ورسوخاً في النفس، وهكذا جميع صفات النفس وأخلاقها وعقائدها، تقوى وترسخ بالعمل الذي يصدر عنها، فإسنادها إلى العمل يكون صحيحاً بهذا الاعتبار لا بالمعنى الذي تقوله المعتزلة القدرية، كما أن إسنادها إلى الله تعالى يكون صحيحاً لأنها مقتضى سننه وتقديره، لا بالمعنى الذي تقوله الجبرية والصوفية، فالمراد من التقديرين واحد، ويؤيده ما ورد في سبب النزول وهو :
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله تعالى : ومنهم من عاهد الله أن رجلا كان يقال له ثعلبة من الأنصار أتى مجلساً فأشهدهم فقال : لئن آتاني الله من فضله آتيت كل ذي حق حقه، وتصدقت، وجعلت منه للقرابة، فابتلاه الله فآتاه من فضله، فأخلف ما وعده، فأغضب الله بما أخلفه ما وعده، فقص الله شأنه في القرآن اه.
وأخرج الحسن بن سفيان وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والعسكري في الأمثال والطبراني وابن منده والبارودي وأبو النعيم في معرفة الصحابة، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال : جاء ثعلبة بن حاطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، قال :( ويحك يا ثعلبة أما ترضى أن تكون مثلي ؟ فلو شئتُ أن يسير ربي هذه الجبال معي لسارت ). قال : يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، فوالذي بعثك بالحق إن آتاني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه. قال :( ويحك يا ثعلبة قليل تطيق شكره، خير من كثير لا تطيق شكره ). فقال : يا رسول الله ادع الله تعالى لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( اللهم أرزقه مالاً )، فاتجر واشترى غنما فبورك له فيها، ونمت كما ينمو الدود، حتى ضاقت بها المدينة فتنحى بها، فكان يشهد الصلاة بالنهار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يشهدها بالليل. ثم نمت كما ينمو الدود فضاق بها مكانه، فتنحى به فكان لا يشهد جمعة ولا جنازة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يتلقى الركبان ويسألهم عن الأخبار، وفقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنه فأخبروه أنه اشترى غنما وأن المدينة ضاقت به، وأخبروه بخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ويح ثعلبة بن حاطب ).
ثم إن الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ الصدقات، وأنزل الله تعالى : خذ من أموالهم صدقة [ التوبة : ١٠٣ ]، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين : رجلاً من جهينة ورجلاً من بني سلمة يأخذان الصدقات، فكتب لهما أسنان الإبل والغنم كيف يأخذانها على وجهها، وأمرهما أن يمرا على ثعلبة بن حاطب وبرجل من بني سليم، فخرجا فمرا بثعلبة فسألاه الصدقة فقال : أرياني كتابكما، فنظر فيه، فقال : ما هذا إلا جزية، فانطلقا حتى تفرغا ثم مرا بي، قال : فانطلقا وسمع بهما السلمي فاستقبلهما بخيار إبله فقالا : إنما عليك دون هذا، فقال : ما كنت أتقرب إلى الله إلا بخير مالي فقبلاه، فلما فرغا مرا بثعلبة فقال : أرياني كتابكما فنظر فيه فقال : ما هذا إلا جزية، انطلقا حتى أرى رأيي، فانطلقا حتى قدما المدينة فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يكلمهما :( ويح ثعلبة بن حاطب )، ودعا للسلمي بالبركة، وأنزل الله : ومنهم من عاهد الله لئن أتانا الله من فضله لنصدقن . قال : فسمع بعض من أقارب ثعلبة، فأتى ثعلبة فقال : ويحك يا ثعلبة أنزل الله فيك كذا وكذا.
قال : فقدم ثعلبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله هذه صدقة مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الله تعالى قد منعني أن أقبل منك )، قال : فجعل يبكي ويحثي التراب على رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( هذا عملك بنفسك، أمرتك فلم تطعني ) فلم يقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مضى. ثم أتى أبا بكر فقال : يا أبا بكر اقبل مني صدقتي فقد عرفت منزلتي من الأنصار، فقال أبو بكر : لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبلها ؟ فلم يقبلها أبو بكر. ثم ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأتاه فقال : يا أبا حفص يا أمير المؤمنين اقبل مني صدقتي، وتوسل إليه بالمهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمر : لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر أقبلها أنا ؟ فأبى أن يقبلها. ثم ولي عثمان فهلك في خلافة عثمان، وفيه نزلت الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات [ التوبة : ٧٩ ] قال وذلك في الصدقة اه.
وفي الحديث إشكالات تتعلق بسبب نزول الآيات، وظاهر سياق القرآن أنه كان في سفر غزوة تبوك، وظاهره أنها نزلت عقب فرضية الزكاة والمشهور أنها فرضت في السنة الثانية وفيه خلاف تقدم في تفسير قسمة الصدقات، وبعدم قبول توبة ثعلبة وظاهر الحديث ولا سيما بكائه أنها توبة صادقة، وكان العمل جارياً على معاملة المنافقين بظواهرهم، وظاهر الآيات أنه يموت على نفاقه، ولا يتوب عن بخله وإعراضه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم وخليفتيه عاملاه بذلك لا بظاهر الشريعة، وهذا لا نظير له في الإسلام.
*ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين( ٧٥ ) فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون( ٧٦ ) فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون( ٧٧ ) ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب( ٧٨ )
هذا بيان لحال طائفة أخرى من أولئك المنافقين الذين أغناهم الله ورسوله من فضله بعد الفقر والإملاق، ويوجد مثلهم في كل زمان، وهم الذين يلجؤون إلى الله تعالى في وقت العسرة والفقر، أو الشدة والضر، فيدعونه ويعاهدونه على الشكر له، والطاعة لشرعه، إذا هو كشف ضرهم، وأغنى فقرهم، فإذا استجاب لهم نكسوا على رؤوسهم، ونكصوا على أعقابهم، وكفروا النعمة، وبطروا الحق، وهضموا حقوق الخلق.
ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم أي ألم يعلم هؤلاء المنافقون الذين يعلنون غير ما يسرون، ويقولون ما لا يفعلون، ويتناجون فيما بينهم بالإثم والعدوان ولمز الرسول، أن الله يعلم سرهم الكامن في أعماق قلوبهم، ونجواهم التي يخصون بها من يثقون بمشاركته إياهم في نفاقهم، وأن الله علام الغيوب كلها لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء [ آل عمران : ٥ ]، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور [ غافر : ١٩ ]، فهم يكذبون على الله فيما يعاهدونه به، وعلى الناس فيما يحلفون عليه باسمه.
الاستفهام في قوله تعالى ألم يعلموا للتوبيخ والإنذار، أو للتنبيه القاطع لطريق الاعتذار، فإن المنافقين كانوا يؤمنون بوجود الله وعلمه إيماناً إجماليا تقليدياً، وإنما كانوا يرتابون في الرسالة والوحي والبعث، ولكن ما ذكر من عملهم وأيمانهم الكاذبة باسمه هو عمل من لا يؤمن به، ولا يعلم أنه يعلم سره ونجواه وأنه علام الغيوب، فإن من يعلم هذا علماً صحيحاً فلا بد أن يستحيي من الله ويخاف عقابه إن كان يؤمن بالبعث والجزاء، ولكنهم لا يعلمون ذاك ولا يؤمنون بهذا.
الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم( ٧٩ ) استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين( ٨٠ )
هذا بيان لحال أولئك المنافقين في جملتهم مع المؤمنين في جملتهم فيما كان من أمرهم في الصدقات للجهاد، إذ لم يقف المنافقون عند حد بخلهم وتخلفهم، بل تعدوه إلى لمز المؤمنين وذمهم، بما بذله غنيهم وفقيرهم، ولحكم من تردوا في هذه الهاوية من النفاق، وهو أنه لم يعد لهم أدنى حظ من التلبس بالإسلام، ولا أدنى نفع من استغفار الرسول ودعائه لهم، لرسوخهم في الكفر بالله ورسوله، وعدم الرجاء في إيمانهم.
الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم( ٧٩ ) استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين( ٨٠ )
هذا بيان لحال أولئك المنافقين في جملتهم مع المؤمنين في جملتهم فيما كان من أمرهم في الصدقات للجهاد، إذ لم يقف المنافقون عند حد بخلهم وتخلفهم، بل تعدوه إلى لمز المؤمنين وذمهم، بما بذله غنيهم وفقيرهم، ولحكم من تردوا في هذه الهاوية من النفاق، وهو أنه لم يعد لهم أدنى حظ من التلبس بالإسلام، ولا أدنى نفع من استغفار الرسول ودعائه لهم، لرسوخهم في الكفر بالله ورسوله، وعدم الرجاء في إيمانهم.
ثم بين تعالى عقابهم الخاص بأمر الدين، بما جعل حكمهم في ذنوبهم حكم الكافرين، فقال : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم هذه الآية بمعنى آية سورة المنافقين سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين [ المنافقون : ٦ ]، وفيها زيادة تأكيد بذكر السبعين مرة، والتصريح بأن سبب عدم المغفرة هو الكفر الخ، وعدد السبعين يستعمل بمعنى الكثرة المطلقة في عرف العرب، فليس المراد به هذا العدد بعينه، بل المعنى مهما تكثر من الاستغفار فلن يستجاب لك فيهم، وحسنت هذه الزيادة فيها لتأخر نزولها، فهي أمر معناه الخبر، كما قال الجمهور، تقديره : الاستغفار لهؤلاء المنافقين المعينين وعدمه سيان، فلن يغفر الله لهم وإن كثر الاستغفار.
والظاهر أنه كان صلى الله عليه وسلم يستغفر لهم رجاء أن يهديهم الله تعالى فيتوب عليهم ويغفر لهم، كما كان يدعو للمشركين كلما اشتد إيذاؤهم له، ويقول :( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) رواه ابن حبان في صحيحه من حديث سهل بن سعد، وروى مثله الشيخان من حديث ابن مسعود قال : كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول، وذكره. وفي مسلم :( رب اغفر ) الخ. قال بعض العلماء : إنه صلى الله عليه وسلم يعني نفسه حين شجوا رأسه في أحد، فهو الحاكي والمحكي عنه. والاستغفار للمشركين في جملتهم لا يدخل في معنى قوله تعالى الآتي في هذه السورة ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم [ التوبة : ١١٣ ] ؛ لأن النهي هنا عن الاستغفار لمن تبين للنبي أنه من أصحاب الجحيم، ولا سيما بعد الموت على الشرك، لا للأحياء غير المعينين، وهؤلاء المنافقون المعنيون هنا من هذا القبيل لأنهم هم المعينون الذين أخبره الله بكفرهم فيما تقدم وفيما سيأتي، ولذلك بين سبب عدم مغفرته لهم بقوله :
ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله أي ذلك الامتناع من المغفرة بسبب كفرهم بالله ورسوله، فهم لا يوقنون بما وصف به نفسه من العلم بسرهم ونجواهم وبسائر الغيوب، ولا بوحية لرسوله وما أوجبه من اتباعه، ولا ببعثه للموتى وحسابهم وجزائهم، وليس سببه عدم الاعتداد باستغفارك أيها الرسول لهم، فإن شرط قبوله مع قابلية المغفرة وضعه في موضعه، وهو ما سبق في سورة النساء ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما [ النساء : ٦٤ ]، يعني أن المغفرة إنما وعد بها التائبون المستغفرون من ذنوبهم إذا استغفرت لهم. وهؤلاء كفار في باطنهم، مصرون على كفرهم، فاسقون عن أمر ربهم.
والله لا يهدي القوم الفاسقين أي جرت سنته في الراسخين في فسوقهم وتمردهم المصرين على نفاقهم، الذين أحاطت بهم خطاياهم أن يفقدوا الاستعداد للتوبة والإيمان، فلا يهتدون إليهما سبيلاً، وتقدم وصفهم بهذا الفسوق في الآية [ ٦٧ ]، ومثل هذه الجملة بنصها في الآية [ ٣٧ ] من هذه السورة.
وقد ذكر الرازي وتبعه الألوسي في سبب نزول هذه الآية عن ابن عباس رضي الله عنه أنه لما نزل قوله تعالى : سخر الله منهم سأله عليه الصلاة والسلام اللامزون الاستغفارَ لهم فهمّ أن يفعل، فنزلت فلم يفعل. وقيل : نزلت بعد أن فعل. واختار الرازي عدمه لأنه لا يجوز الاستغفار للكافر. وفي التعليل بحث : وهو أن من ظاهره الإسلام كالمنافقين لا يحكم بكفره إلا بوحي من الله تعالى، أو صدور ما يدل على الكفر دلالة قطعية، ولمز المطوعين ليس منه. على أن طلبهم الاستغفار إظهار للتوبة. وهذه الرواية لم نرها في كتب التفسير المأثور فلا ندري من أين جاء بها الرازي، وهو لم يعزها إلى أحد من المحدثين ولا من رواة التفسير كعادته، وهي معارضة بما ورد في سبب نزولها من أنه الاستغفار لعبد الله بن أبي رئيس المنافقين وزعيمهم. روى هذا بعض رواة التفسير المأثور عن ابن عباس وعروة والشعبي والسدي فيراجع في الدر المنثور، وسنبين ذلك وما فيه من المباحث والإشكال بعد تفسير قوله تعالى : ولا تصل على أحد منهم مات أبدا [ التوبة : ٨٤ ] وما هو ببعيد.
فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون( ٨١ ) فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون ( ٨٢ ) فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين( ٨٣ )
كانت الآيات من أول هذه السورة إلى الآية ٢٨ منها في شأن المؤمنين مع المشركين في القتال بعد فتح مكة واضمحلال دولة الشرك، وجاءت بضع آيات بعدها في شأن المؤمنين مع أهل الكتاب في القتال والجزية مع بيان حالهم في الخروج عن هداية دين أنبيائهم، يتلوها ما كان من إعلان النفير العام لقتال الروم في تبوك من أرض الشام المعروف. وفي الكلام عليها بيان أحوال المنافقين مع المؤمنين من استثقالهم للجهاد، واستئذانهم في التخلف عنه، وظهور أمارات نفاقهم في الأقوال والأفعال، وفضيحتهم فيها، ووعيدهم عليها، وعلى نفاقهم الصادرة عنه، وما كان من ذلك في أثناء السفر والعودة منه. وانتهى ذلك بالآية الثمانين.
وعاد الكلام في هذه الآيات إلى بيان حال الذين تخلفوا عن القتال وظلوا في المدينة، وما يجب من معاملتهم بعد الرجوع إليها، وكل هذا قد نزل في أثناء السفر.
آية رقم ٨٢
فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون( ٨١ ) فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون ( ٨٢ ) فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين( ٨٣ )
كانت الآيات من أول هذه السورة إلى الآية ٢٨ منها في شأن المؤمنين مع المشركين في القتال بعد فتح مكة واضمحلال دولة الشرك، وجاءت بضع آيات بعدها في شأن المؤمنين مع أهل الكتاب في القتال والجزية مع بيان حالهم في الخروج عن هداية دين أنبيائهم، يتلوها ما كان من إعلان النفير العام لقتال الروم في تبوك من أرض الشام المعروف. وفي الكلام عليها بيان أحوال المنافقين مع المؤمنين من استثقالهم للجهاد، واستئذانهم في التخلف عنه، وظهور أمارات نفاقهم في الأقوال والأفعال، وفضيحتهم فيها، ووعيدهم عليها، وعلى نفاقهم الصادرة عنه، وما كان من ذلك في أثناء السفر والعودة منه. وانتهى ذلك بالآية الثمانين.
وعاد الكلام في هذه الآيات إلى بيان حال الذين تخلفوا عن القتال وظلوا في المدينة، وما يجب من معاملتهم بعد الرجوع إليها، وكل هذا قد نزل في أثناء السفر.
فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا في هذا الأمر بقلة الضحك وكثرة البكاء وجوه :
أحدها : وهو المختار عندنا أن هذا هو الأجدر بهم، بل الواجب عليهم بحسب ما تقتضيه حالهم، وتستوجبه جريمتهم، لو كانوا يفقهون ما فاتهم بالتخلف والخلاف من أجر، وما سيحملون في الآخرة من وزر، وما يلاقون في الدنيا من خزي وضر، فهو خبر في صيغة أمر، نكتته أنه أمر مبني على واجب مقرر.
ثانيها : أن هذا ما يكون من أمرهم في الدنيا، فلن يطيب لهم فيها عيش بعد أن هتك الوحي أستارهم، وكشف عوارهم، وأمر الرسول والمؤمنون بمعاملتهم بما يقتضيه نفاقهم، وعدم الاعتداد بما يظهرون من إسلامهم.
ثالثها : أن المراد بالضحك القليل ما سيكون منهم في الدنيا بعد الفضيحة، وهو قليل بالنسبة إلى ما كان من ماضيهم مع المؤمنين، وبالنسبة إلى حياتهم في هذه الدنيا، وبالبكاء الكثير ما سيكون منهم في الآخرة، وهو على كل حال إنذار مقابل لما ذكر من فرحهم بالتخلف مثبت أنه فرح عاقبته الحزن والكآبة، والخيبة والندامة، في الدنيا ويوم القيامة.
وفي معنى الآية قوله صلى الله عليه وسلم :( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا )١ متفق عليه ؛ بل رواه الجماعة إلا أبو داود من حديث أنس، ورواه الحاكم من حديث أبي هريرة بلفظ :( لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلا : يظهر النفاق، وترتفع الأمانة، وتقبض الرحمة، ويتهم الأمين، ويؤتمن غير الأمين، أناخ بكم الشُّرُف الجون، الفتن كأمثال الليل المظلم )، الشرف بضمتين جمع شارف وهي الناقة العالية السن، والجون السوداء، أي الفتن الكبيرة المظلمة، فهو تشبيه، وروي بالقاف أي التي تأتي من قبل مشرق المدينة.
وإنما كان الأمر في الآية بمعنى الخبر لأنه إنذار بالجزاء لا تكليف، وقد قيل في فائدة هذا التعبير عن الخبر بالإنشاء أنه يدل على أنه حتم لا يحتمل الصدق والكذب كما هو شأن الخبر لذاته في احتمالهما، لأن الأصل في الأمر أن يكون للإيجاب وهو حتم. ويمكن أن يقال : إن الأمر بما ذكر يتضمن الإخبار بسببه، فيكون مؤكداً للخبر ببناء الحكم عليه، ويقابله التعبير عن الأمر بصيغة الخبر للتفاؤل بمضمونه كأنه وقع بالفعل.
وقال بعضهم : إن الأمر هنا للتكوين، كقوله تعالى : اقرأ باسم ربك [ العلق : ١ ]، أي كن قارئاً بعد إذ كنت أمياً باسم الله مبلغاً عنه، ثم وصف ربه بما يدل على قدرته على جعل الأمي قارئا بأنه خلق كل شيء وخلق الإنسان من علق، فجعله بعد ذلك سميعاً بصيراً وعلم الإنسان بالقلم، علمه ما لم يعلم، فكما فعل ذلك كله يجعلك قارئاً باسمه عز وجل. والمعنى على هذا : فليكونوا بقدرتنا وتقديرنا قليلي الضحك كثيري البكاء، لأن سبب سرورهم وفرحهم بتخلفهم ونفاقهم قد زال، وأعقبهم الفضيحة والنكال، ويؤيد كونه تكويناً قدريا، لا تكليفاً شرعياً، جعله عقاباً جزائياً لهم على عملهم بقوله : جزاء بما كانوا يكسبون فإن جزاء كل عمل من جنسه، وكما يدين المرء يدان.
١ - روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في الكسوف باب٢، وتفسير سورة ٥، باب ١٢، والنكاح باب ١٠٧، والرقاق باب٢٧، والأيمان باب ٣، ومسلم في الصلاة حديث ١١٢، والكسوف حديث ١، والفضائل حديث ١٣٤، والنسائي في السهو باب ١٠٢، والكسوف باب١١، ٢٣، والترمذي في الزهد باب ٩، وابن ماجه في الزهد باب ١٩، والدارمي في الرقاق باب ٢٦، ومالك في الكسوف حديث ١، وأحمد في المسند ٢/ ٢٥٧، ٣١٣، ٤١٨، ٤٣٢، ٤٥٣، ٤٦٧، ٤٧٧، ٥٠٢، ٣/ ١٠٢، ١٢٦، ١٥٤، ١٨٠، ١٩٣، ٢١٠، ٢١٧، ٢٤٠، ٢٤٥، ٢٥١، ٢٦٨، ٢٩٠، ٥/ ١٧٣، ٦/ ٨١، ١٦٤..
م٨١ ثم بين تعالى ما يجب من الجزاء الذي يعاملون به في الدنيا قبل الآخرة مما يقتضي انقضاء عهد فرحهم وغبطتهم في دنياهم بالتمتع بأحكام الإسلام الصورية والمعنوية فقال : فإن رجعك الله إلى طائفة منهم
فعل «رجع » يستعمل لازما كقوله تعالى : فرجع موسى إلى قومه [ طه : ٨٦ ] وقوله : فلما رجعوا إلى أبيهم [ يوسف : ٦٣ ] ومصدره الرجوع، ويستعمل متعدياً كهذه الآية وقوله : فرجعناك إلى أمك [ طه : ٤٠ ] ومصدره الرجع. والفاء للتفريع على ما قبله لأنه مرتب عليه. والمعنى فإن ردك الله أيها الرسول من سفرك هذا إلى طائفة منهم أي المخلفين من المنافقين، وما كل من تخلف كان منافقاً.
فاستأذنوك للخروج معك في غزاة أو غير غزاة مما تخرج لأجله.
فقل لن تخرجوا معي أبدا أي لن يكون لكم شرف صحبة الإيمان بالخروج معي إلى الجهاد في سبيل الله، ولا إلى غيره كالنسك أبدا ما بقيت.
ولن تقاتلوا معي عدوا من الأعداء بصفة ما، لا بالخروج والسفر إليهم، ولا بغير ذلك كأن يهاجموا المؤمنين في عاصمتهم، كما فعلوا يوم الأحزاب مثلا، فكل من الخروج المطلق الذي حذف متعلقه، والقتال الذي ذكر متعلقة نكرة منفية عام، فيصدقان بكل خروج وكل قتال لعدو في أي مكان، وقد يكون كل منهما بدون الآخر، فبينهما عموم وخصوص مطلق، وقد غفل عن هذا من غفل من المفسرين فزعموا أن الثاني تأكيد للأول، ثم بين سبب هذا الحرمان من شرف الجهاد فقال :
إنكم رضيتم بالقعود أول مرة أي إنكم رضيتم لأنفسكم بخزي القعود أول مرة دعيتم فيها إلى الخروج، واستنفرتم فلم تنفروا عصياناً لله ورسوله.
فاقعدوا مع الخالفين ما حييتم أبدا، أي مع الذين تخلفوا عن النفر، أو مع الأشرار الفاسدين، الذين خرجوا عن سبيل المهتدين. قال في مجاز الأساس : وخلف اللبن : تغير، ومعناه خلف طيبه تغيره - أي صار المتغير الفاسد خلفاً للطيب-، وخلف فوه خلوفاً، وخلف عن خلق أبيه، وخلف عن كل خير : تحول وفسد، وهو خالفة أهل بيته، أي فاسدهم وشرهم اه.
والخالف في الأصل اسم لمن يخلف غيره أي يأتي بعده، ومثله الخلف بالتحريك وبفتح فسكون، وقد استعمل الأول فيمن يخلف غيره في الخير والصلاح، والثاني فيمن يخلف غيره في الشر والطلاح. قال في اللسان : فأما الخالفة فهو الذي لا غناء عنده ولا خير فيه، وكذلك الخالف. وقيل : هو الكثير الخلاف، ثم قال نقلا عن ابن الأثير : وقد يكون الخالف المتخلف عن القوم في الغزو وغيره كقوله تعالى : رضوا بأن يكونوا مع الخوالف [ التوبة : ٨٧ ] اه.
ويراد بالخوالف الصبيان والعجزة والنساء، الذين لا يكلفون القيام بشرف الجهاد، للدفاع عن الحق والحقيقة وإعلاء كلمة الله.
ويجوز الجمع بين المعنيين الحقيقي والمجازي وهو مذهب الشافعي والطبري الذي جرينا عليه في مثل هذا.
والمرة في قوله تعالى : أول مرة قد استعملت في كلامهم ظرفاً وأصلها الفعلة الواحدة من المر والمرور. قال في القاموس : المرة الفعلة الواحدة جمعها مر ومِرار ومِرر بكسرهما ومرور بالضم. «ولقيه ذات مرة » قال سيبويه : لا يستعمل إلا ظرفاً، و«ذات المرارة » أي مراراً كثيرة. اه المراد منه.
ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ( ٨٤ ) ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ( ٨٥ )
هذا بيان ما شرعه الله تعالى في شأن من يموت من هؤلاء المنافقين في أثر ما شرعه في شأن الأحياء منهم، وهو كسابقه خاص بمن نزلت فيهم وهم الذين ثبتت أدلة كفرهم، أو إعلامه تعالى لرسوله بحقيقة أمرهم، وفي مقدمتهم زعيمهم الأكبر الأكفر عبد الله بن أبي بن سلول والاثني عشر الذين أرادوا اغتيال الرسول صلى الله عليه وسلم.
روى أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم عن ابن عباس قال : سمعت عمر يقول : لما توفي عبد الله بن أبي دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه فقام عليه فلما وقف قلت : أتصلي على عدو الله عبد الله بن أبي القائل كذا وكذا، والقائل كذا وكذا ـ أعدد أيامه ـ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم، حتى إذا أكثرت قال :( عمر أخّر عني، إني قد خيرت : قد قيل لي : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة. فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت عليها )، ثم صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشى معه حتى قام على قبره حتى فرغ منه. فعجبت لي ولجراءتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله أعلم، فوالله ما كان إلا يسيراً حتى نزلت هاتان الآيتان : ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على منافق بعده حتى قبضه الله عز وجل١.
وروى البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عمر رضي الله عنه قال : لما توفي عبد الله بن أبي بن سلول جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله : أتصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إنما خيرني الله فقال : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة وسأزيده على السبعين ). قال : إنه منافق. قال : فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره زاد مسلم في رواية أخرى فترك الصلاة عليهم٢.
وروى مسلم من حديث جابر بن عبد الله كان يقول : أتى النبي صلى الله عليه وسلم قبر عبد الله بن أبيّ ـ وفي رواية جاء إلى عبد الله بن أبي بعد ما أدخل في حفرته ـ فأخرجه من قبره فوضعه على ركبتيه ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه.
وقد ورد في هذه المسألة روايات أخرى فنقتصر على هذا الذي في الصحيحين وغيرهما مما في معناه، وما استشكله العلماء منه، وما أجابوا به عنه، فإن ورود هذا في سبب نزول الآيات وبيان المراد منها مما يخالف ظاهرها وهي لا إشكال في شيء منها كما تقدم.
ولكن حديث معارضة عمر بطريقيه مشكل ومضطرب من وجوه :
١ـ جعل الصلاة على ابن أبيّ سبباً لنزول آية النهي، وسياق القرآن صريح في أنها نزلت في سفر غزوة تبوك سنة ثمان، وإنما مات ابن أبي في السنة التي بعدها.
٢ـ قول عمر للنبي صلى الله عليه وسلم وقد نهاك ربك أن تصلي عليه يدل على أن النهي عن هذه الصلاة سابق لموت ابن أبي، وقوله بعده. فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : ولا تصل على أحد منهم الخ صريح في أنه نزل بعد موته والصلاة عليه.
٣ ـ قوله : إنه صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تعالى خيره في الاستغفار لهم وعدمه إنما يظهر التخيير لو كانت الآية كما ذكر في الحديث ولم يكن فيها بقيتها، أي التصريح بأنه لن يغفر الله لهم بسبب كفرهم، وأن الله لا يهدي القوم الفاسقين، ومن ثم كان المتبادر من «أو» فيها أنها للتسوية بين ما بعدها وما قبلها لا للتخيير، وبه فسرها المحققون كما فهمها عمر، واستشكلوا الحديث إذ لا يعقل أن يكون فهم عمر أو غيره أصح من فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لخطاب الله له، ولذلك أنكر بعضهم صحته.
٤ ـ التعارض بين رواية ( فلو أعلم أنني لو زدت على السبعين غفر له لزدت عليها ) ( ورواية وسأزيد على السبعين ).
٥ ـ التعارض بين إعطائه صلى الله عليه وسلم قميصه لابنه لتكفينه فيه وحديث جابر إخراجه لابن أبي من قبره وإلباسه قميصه.
٦ ـ إذا أمكن أن تكون الصلاة على ابن أبي قبل نزول النهي عن الصلاة عليهم فلا شك في أنها كانت بعد آية سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم وآية استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ، والجزم في كل منهما بأن الله لن يغفر لهم.
وقد لخص الحافظ في فتح الباري ما ورد وما قاله العلماء من إشكال وجواب بما هو أجمع مما قاله من قبله ومن بعده ممن اطلعنا على أقوالهم، وهو ما كتبه في الكلام على قول البخاري باب قوله : ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره وهذا نصه :«ظاهر الآية أنها نزلت في جميع المنافقين، لكن ورد ما يدل على أنها نزلت في عدد معين منهم. قال الواقدي : أنبأنا معمر عن الزهري قال : قال حذيفة : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إني مسر إليك سراً فلا تذكره لأحد : إني نهيت أن أصلي على فلان وفلان ) رهط ذوي عدد من المنافقين. قال : فلذلك كان عمر إذا أراد أن يصلي على أحد استتبع حذيفة، فإن مشي معه وإلا لم يصل عليه. ومن طريق أخرى عن جبير بن مطعم أنهم اثنا عشر رجلاً، وقد تقدم حديث حذيفة قريباً أنه لم يبق منهم غير رجل واحد. ولعل الحكمة في اختصاص المذكورين بذلك أن الله علم أنهم يموتون على الكفر، بخلاف من سواهم فإنهم تابوا. ثم أورد المصنف حديث ابن عمر المذكور في الباب قبله من وجه آخر. وقوله فيه ( إنما خيرني الله ) أو ( أخبرني الله ) كذا وقع بالشك. والأول بمعجمة مفتوحة وتحتانية ثقيلة من التخيير. والثاني بموحدة من الإخبار. وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق إسماعيل بن أبي أويس عن أبي ضمرة الذي أخرجه البخاري من طريقه بلفظ ( إنما خيرني الله ) بغير شك وكذا في أكثر الروايات بلفظ التخيير، أي بين الاستغفار وعدمه كما تقدم.
واستشكل فهم التخيير من الآية حتى أقدم جماعة من الأكابر على الطعن في صحة هذا الحديث مع كثرة طرقه، واتفاق الشيخين وسائر الذين خرجوا الصحيح على تصحيحه، وذلك ينادي على منكري صحته بعدم معرفة الحديث وقلة الاطلاع على طرقه.
قال ابن المنير : مفهوم الآية زلت فيه الأقدام حتى أنكر القاضي أبو بكر صحة الحديث، وقال : لا يجوز أن يقبل هذا ولا يصح أن الرسول قاله اهـ. ولفظ القاضي أبي بكر الباقلاني في التقريب : هذا الحديث من أخبار الآحاد التي لا يعلم ثبوتها. وقال إمام الحرمين في مختصره : هذا الحديث غير مخرج في الصحيح، وقال في البرهان : لا يصححه أهل الحديث. وقال الغزالي في المستصفى : الأظهر أن هذا الخبر غير صحيح. وقال الداودي الشارح : هذا الحديث غير محفوظ. والسبب في إنكارهم صحته ما تقرر عندهم مما قدمناه، وهو الذي فهمه عمر رضي الله عنه من حمل «أو» على التسوية لما يقتضيه سياق القصة، وحمل السبعين على المبالغة. قال ابن المنير ليس عند أهل البيان تردد أن التخصيص بالعدد في هذا السياق غير مراد انتهى. وأيضا فشرط القول بمفهوم الصفة وكذا العدد عندهم مماثلة المنطوق للمسكوت وعدم فائدة أخرى، وهنا للمبالغة فائدة واضحة، فأشكل قوله :( سأزيد على السبعين ) مع أن حكم ما زاد عليها حكمها.
وقد أجاب بعض المتأخرين عن ذلك بأنه إنما قال :( سأزيد على السبعين ) استمالة لقلوب عشيرته، لا أنه أراد أنه إن زاد على السبعين يغفر لهم، ويؤيده تردده في ثاني حديثي الباب حيث قال :( لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر لهم لزدت )، لكن قدمنا أن الرواية ثبتت بقوله :( سأزيد )، ووعده صادق ولا سيما وقد ثبت قوله :( لأزيدن ) المبالغة في التأكيد بصيغته. وأجاب بعضهم باحتمال أن يكون فعل ذلك استصحاباً للحال ؛ لأن جواز المغفرة بالزيادة كان ثابتا قبل مجيء الآية، فجاز أن يكون باقياً على أصله في الجواز وهذا جواب حسن. وحاصله أن العمل بالبقاء على حكم الأصل مع فهم المبالغة لا يتنافيان، فكأنه جوز أن المغفرة تحصل بالزيادة على السبعين لا أنه جازم بذلك، ولا يخفى ما فيه، وقيل إن الاستغفار يتنزل منزلة الدعاء، والعبد إذا سأل ربه حاجة فسؤاله إياه يتنزل منزلة الذكر، لكنه من حيث طلب تعجيل حصول المطلوب ليس عبادة، فإذا كان كذلك والمغفرة في نفسها ممكنة وتعلق العلم بعدم نفعها لا يغير ذلك، فيكون طلبها لا لغرض حصولها بل لتعظيم المدعو، فإذا تعذرت المغفرة عوض الداعي عنها ما يليق به من الثواب أو دفع السوء كما ثبت في الخبر، وقد يحصل بذلك عن المدعو لهم تخفيف. كما في قصة أبي طالب.
هذا معنى ما قاله ابن المنير وفيه نظر ؛ لأنه يستلزم مشروعية طلب المغفرة لمن تستحيل المغفرة له شرعاً، وقد ورد إنكار ذلك في قوله تعالى : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين [ التوبة : ١١٣ ].
ووقع في أصل هذه القصة إشكال آخر، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أطلق أنه خير بين الاستغفار لهم وعدمه بقوله تعالى : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ، وأخذ بمفهوم العدد من السبعين فقال :( سأزيد عليها )، مع أنه قد سبق قبل ذلك بمدة طويلة نزول قوله تعالى : ما كان للنبي و الذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى [ التوبة : ١١٣ ]، فإن هذه الآية ـ كما سيأتي في تفسير هذه السورة قريباً ـ نزلت في قصة أبي طالب حين قال صلى الله عليه وسلم( لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ) فنزلت، وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة اتفاقاً. وقصة عبد الله بن أبيّ هذه في السنة التاسعة من الهجرة كما تقدم، فكيف يجوز مع ذلك الاستغفار للمنافقين مع الجزم بكفرهم في نفس الآية ؟
وقد وقفت على جواب لبعضهم عن هذا حاصله : أن المنهي عنه استغفار ترجى إجابته حتى يكون مقصوده تحصيل المغفرة لهم كما في قصة أبي طالب، بخلاف الاستغفار لمثل عبد الله بن أبي. فإنه استغفار لقصد تطيب قلوب من بقي منهم. وهذا الجواب ليس بمرضي عندي. ونحوه قول الزمخشري فإنه قال :[ فإن قلت ] كيف خفي على أفصح الخلق وأخبرهم بأساليب الكلام وتمثيلاته أن المراد بهذا العدد أن الاستغفار ولو كثر لا يجدي ولا سيما وقد تلاه قوله : ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله الآية فبين الصارف عن المغفرة لهم [ قلت ] : لم يخف عليه ذلك، ولكنه فعل ما فعل وقال ما قال إظهاراً لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليه، وهو كقول إبراهيم عليه السلام ومن عصاني فإنك غفور رحيم [ إبراهيم : ٣٦ ]، وفي إظهار النبي صلى الله عليه وسلم الرأفة المذكورة لطف بأمته، وباعث على رحمة بعضهم بعضاً انتهى.
وقد تعقبه ابن المنير وغيره وقالوا : لا يجوز نسبة ما قاله إلى الرسول، لأن الله أخبر أنه لا يغفر للكفار، وإذا كان لا يغفر لهم فطلب المغفرة لهم مستحيل، وطلب المستحيل لا يقع من النبي صلى الله عليه وسلم. ومنه من قال : إن النهي عن الاستغفار لمن مات مشركاً لا يستلزم النهي عن الاستغفار لمن مات مظهرا للإسلام، لاحتمال أن يكون معتقده صحيحاً. وهذا جواب جيد.
وقد قدمت البحث في هذه الآية في كتاب الجنائز والترجيح أن نزولها كان متراخياً عن قصة أبي طالب جداً، وأن الذي نزل في قصته إنك لا تهدي من أحببت [ القصص : ٥٦ ] وحررت دليل ذلك هنالك، إلا أن في بقية هذه الآية من التصريح بأنهم كفروا بالله ورسوله ما يدل على أن نزول ذلك وقع متراخياً عن القصة. ولعل الذي نزل أولاً وتمسك النبي صلى الله عليه وسلم به قوله تعالى : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم إلى هنا خاصة، ولذلك اقتصر في جواب عمر على التخيير وعلى ذكر السبعين، فلما وقعت القصة المذكورة كشف ال
وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين( ٨٦ ) رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون( ٨٧ ) لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون ( ٨٨ ) أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم( ٨٩ )
هذا بيان لحالة المنافقين العامة في أمر الجهاد بالمال والنفس، الذي هو أقوى آيات الإيمان بالله ورسوله وما جاء به، وما يقابله من حال المؤمنين الصادقين فيه، وما بين الحالين من التضاد في العمل والأثر في القلب اللذين هما مناط الجزاء.
وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين( ٨٦ ) رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون( ٨٧ ) لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون ( ٨٨ ) أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم( ٨٩ )
هذا بيان لحالة المنافقين العامة في أمر الجهاد بالمال والنفس، الذي هو أقوى آيات الإيمان بالله ورسوله وما جاء به، وما يقابله من حال المؤمنين الصادقين فيه، وما بين الحالين من التضاد في العمل والأثر في القلب اللذين هما مناط الجزاء.
رضوا بأن يكونوا مع الخوالف رضوا لأنفسهم بأن يكونوا مع الخوالف من النساء وروي هذا عن ابن عباس وقتادة ومن لا خير فيهم من أهل الفساد، فهو جمع خالفة، وتقدم بيان ما قاله علماء اللغة فيه في تفسير فاقعدوا مع الخالفين من آية ( ٨٣ ).
وطبع على قلوبهم الطبع على القلوب والختم عليها عبارة عن عدم قبولها لشيء جديد من العلم والموعظة غير ما استقر فيها واستحوذ عليها، وصار وصفا ووجدانا لها، وقد بينا الاستعمال اللغوي حقيقته ومجازه للكلمة في تفسير ختم الله على قلوبهم [ البقرة : ٧ ] وفي مواضع أخرى من سورة النساء والأعراف.
فهم لا يفقهون أي فلأجل ذلك هم لا يفهمون ما يخاطبون به فهم تدبر واعتبار فيعملوا به، وقد بينا حقيقة معنى الفقه في مواضع أبسطها تفسير لهم قلوب لا يفقهون بها [ الأعراف : ١٧٩ ] من سورة الأعراف، وفيه تحقيق معنى القلب.
وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين( ٨٦ ) رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون( ٨٧ ) لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون ( ٨٨ ) أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم( ٨٩ )
هذا بيان لحالة المنافقين العامة في أمر الجهاد بالمال والنفس، الذي هو أقوى آيات الإيمان بالله ورسوله وما جاء به، وما يقابله من حال المؤمنين الصادقين فيه، وما بين الحالين من التضاد في العمل والأثر في القلب اللذين هما مناط الجزاء.
لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم هذا استدراك على قعود المنافقين عن الجهاد مع الرسول صلى الله عليه وسلم عملا بداعي الإيمان، وأمر الله في القرآن، لأن ما جروا عليه من النفاق قد طبع على قلوبهم بمقتضى سنة الله تعالى في التأثير والارتباط بين العقائد والأعمال، والفعل والانفعال، فهم لا يفقهون ما أمروا به فيعملوا به، لكن الرسول والذين آمنوا به وكانوا معه في كل أمور الدين لا يفارقونه، قد جاهدوا بأموالهم وأنفسهم فقاموا بالواجب خير قيام، كما يقتضيه الإيمان والإسلام، وما كان أولئك المنافقون الجبناء البخلاء بأهل للقيام بهذه الأعباء، كما تقدم فيما وصفوا به من الآيات، ولا سيما آية لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا [ التوبة : ٤٧ ].
وأولئك لهم الخيرات عطف جزاءهم على جهادهم ولم يذكره مفصولاً مستأنفاً كقوله السابق في المؤمنين والمؤمنات أولئك سيرحمهم الله [ التوبة : ٧١ ]، وقوله : أولئك على هدى من ربهم [ البقرة : ٥ ] الآية ؛ لأنه تتمة لبيان حالهم المخالفة لحال المنافقين بدءا وانتهاء وعملا وجزاء، أي وأولئك المجاهدون البعيدو المنال في معارج الكمال لهم دون المنافقين الخيرات التي هي ثمرات الإيمان والجهاد، من شرف النصر، ومحو كلمة الكفر، واجتثاث شجرة الشرك، وإعلاء كلمة الله، وإقامة الحق والعدل بدين الله، والتمتع بالغنائم والسيادة في الأرض.
وأولئك هم المفلحون أي الفائزون بسيادة الدنيا مع سعادة الآخرة، دون أولئك المنافقين الذين حرموا منهما بنفاقهم، وما له من سوء الأثر في أعمالهم وأخلاقهم. وتقدم مثل هذا وما يناسبه ويؤيده مكررا في هذا السياق.
وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين( ٨٦ ) رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون( ٨٧ ) لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون ( ٨٨ ) أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم( ٨٩ )
هذا بيان لحالة المنافقين العامة في أمر الجهاد بالمال والنفس، الذي هو أقوى آيات الإيمان بالله ورسوله وما جاء به، وما يقابله من حال المؤمنين الصادقين فيه، وما بين الحالين من التضاد في العمل والأثر في القلب اللذين هما مناط الجزاء.
أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم تقدم معنى هذه الآية بما هو أوسع من هذه في الآية ٧٢، وسيأتي مثلها في آخر الآية المتممة للمائة.
وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم ( ٩٠ )
هذه الآية في بيان حال الأعراب خاصة، وهم بدو العرب الذين طلبوا الإذن بالتخلف، والذين تخلفوا بغير إذن، عقب بيان حال منافقي الحضر في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وسيأتي آيات أخرى في منافقي الأعراب ومؤمنيهم في الآيات ٩٧، ٩٨، ٩٩ قال عزّ وجلّ :
وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم المعذرون بالتشديد اسم فاعل من التعذير كالمقصرين من التقصير. هكذا قرأ الكلمة جمهور القراء، وقرأها يعقوب بالتخفيف من الإعذار، وروي هذا عن ابن عباس، ولكن من طريق الكلبي، وكذا عن مجاهد. وقد تقدم في تفسير الآية ٦٦ معنى العذر والاعتذار. والإعذار إبداء العذر ومنه المثل«أعذر من أنذر » وأعذر : ثبت له عذر، وقصر ولم يبالغ وهو يرى أنه مبالغ-كأنه ضد- وكثرت ذنوبه وعيوبه، وله معاني أخرى كما في القاموس [ قال ] : وقوله تعالى : وجاء المعذرون بتشديد الذال المكسورة أي المعتذرون الذين لهم عذر، وقد يكون المعذر غير محق فالمعنى المقصرون بغير عذر اه. وزاد شارحه : ومعنى المعذرون الذين يعتذرون كان لهم عذر أو لم يكن، وهو ههنا شبيه بأن يكون لهم عذر. ويجوز في كلام العرب المعذرون بكسر العين المهملة الذين يعذرون : يوهمون أن لهم عذرا ولا عذر لهم. قال أبو بكر : ففي المعذرين وجهان : إذا كان المعذرون من عذر الرجل فهو معذر فهم لا عذر لهم، وإذا كان المعذرون أصله المعتذرون فألقيت فتحة التاء على العين وأبدل منها ذال وأدغمت في الذال التي بعدها فلهم عذر. وقال أبو الهيثم في تفسير الآية : معناه المعتذرون، يقال : عذَّر عذارا في معنى اعتذر، ويجوز عذََّر الرجل يعذر عِذَّاراً فهو معذر. قال : ومثله : هدَّى يهدي هداء إذا اهتدى. قال الله : أمن لا يهدي إلا أن يهدي [ يونس : ٣٥ ]اه.
وقال أطال ابن منظور في الكلام على المادة والمراد منها في الآية.
والحكمة في القراءتين على اختلاف معاني الصيغتين بيان اختلاف أحوال أولئك الأعراب في أعذارهم، فمنهم من له عذر صحيح هو موقن به، ومن له عذر صوري لا حقيقي وهو يوهم أنه حقيقي عالما بأنه مخادع، ومنهم من له عذر ضعيف هو في شك منه إن نوقش فيه عجز عن إثباته، ومنهم من لا عذر له في الواقع فهو كاذب في انتحاله، وهذا من إيجاز القرآن العجيب بالإتيان بلفظ مفرد يتناول هذه الأقسام كلها، مبهمة إلا عند أهلها، للحكمة الآتية المقتضية لإبهامها.
والمعنى : وجاء الذين يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن لهم في التخلف عن الخروج إلى تبوك امتثالا للنفير العام، من أولى التعذير والإعذار، قال الضحاك : هم رهط عامر بن الطفيل جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم دفاعا عن أنفسهم، فقالوا : يا نبي الله إن نحن غزونا معك تُغِير إعراب طيئ على حلائلنا وأولادنا ومواشينا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :( قد أنبأني الله من أخباركم وسيغني الله عنكم ). وقال ابن عباس : هم قوم تخلفوا بعذر بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم. أقول : وظاهره أن عذرهم حق، وهو يصدق ببعضهم دون بعض، كمقابله الذي يذكر عن أبي عمرو.
وقعد الذين كذبوا الله ورسوله أي وقعد عن القتال وعن المجيء للاعتذار الذين كذبوا الله ورسوله من الأعراب، أي أظهروا الإيمان بهما كذبا وإيهاماً، يقال كما في الأساس : كذبته نفسه إذا حدثته بالأماني والأوهام التي لا يبلغها، وكذبته عينه إذا أرته ما لا حقيقة له، قال الأخطل :
كذبتك عينك أم رأيت بواسطٍ غَلَسَ الظلام من الرباب خيالا١
وهؤلاء هم المنافقون الأقحاح. قال أبو عمرو بن العلاء : كلا الفريقين كان مسيئاً : قوم تكلفوا عذراً بالباطل وهم الذين عناهم الله تعالى بقوله : وجاء المعذرون ، وقوم تخلفوا من غير عذر فقعدوا جرأة على الله تعالى وهم المنافقون، فأوعدهم الله بقوله : سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم الظاهر المختار أن هذا الوعيد يعود على ما قبله من الفريقين عاما في المكذبين، وخاصاً ببعض المعذرين، كما هو المتبادر من قوله تعالى : منهم أي الأعراب الذين اعتذر بعضهم وقعد بعض، فإن الذين كذبوا الله ورسوله كلهم كفار، وأما المعتذرون فمنهم الصادق في عذره، والكاذب فيه لمرض في قلبه، أو لتكذيبه لله ورسوله، وكل منهم يعرف نفسه فيحاسبها إذا وجد الوعيد موضعا للعبرة منها، ولو جعل التبعيض لهم وحدهم لظل القاعدون الكاذبون بغير وعيد وهم شر من شرهم، فلا يصح التبعيض فيهم وحدهم، ومن ثم اقتضى التحقيق أن يوجه الوعيد إلى الذين كفروا منهم لكفرهم لا لاعتذارهم، وإلى الذين قعدوا لكفرهم لا لقعودهم، بل للكذب الذي كان سببه وهو عين الكفر، وهو لم يذكر بصيغة الحصر، لأن من القعود ما يكون بعذر من الأعذار المنصوصة في الآية التالية وهم أولوا الضرر في قوله تعالى : لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى [ النساء : ٩٥ ] الخ. فالإبهام لمستحقي هذا الوعيد من الفريقين من بلاغة القرآن التي امتاز بها إعجازه البياني. وهذا العذاب الأليم يراد به عذاب الدنيا وعذاب الآخرة جميعاً كما تقدم في آخر الآية [ ٧٤ ].
١ - البيت من الكامل، وهو في ديوان الأخطل ص ٣٨٥، والأزهية ص ١٢٩، وخزانة الأدب ٦/ ٩، ١٠، ١٢، ١٩٥، ١١/ ١٢٢، ١٣١، ١٣٣، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٦٧، وشرح التصريح ٢/ ١٤٤، وشرح شواهد المغني ١/ ١٤٣، والكتاب ٣/ ١٧٤، ولسان العرب (كذب)، (غلس)، (أمم)، ومغني اللبيب ١/ ٤٥، وتاج العروس (غلس)، (أمم)، والمقتضب ٣/٣٩٥، والبيت بلا نسبة في الأغاني ٧/ ٧٩، والصاحبي في فقه اللغة ص ١٢٥..
ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ( ٩١ ) ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون ( ٩٢ )*إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ( ٩٣ )
بين الله تعالى في هذه الآيات الأعذار الشرعية المقبولة عنده وعند رسوله بالتفصيل فعلم منه بطلان ما عداها وخص بالذكر شر ما عداها وهو استئذان الأغنياء.
ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ( ٩١ ) ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون ( ٩٢ )*إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ( ٩٣ )
بين الله تعالى في هذه الآيات الأعذار الشرعية المقبولة عنده وعند رسوله بالتفصيل فعلم منه بطلان ما عداها وخص بالذكر شر ما عداها وهو استئذان الأغنياء.
ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه هذا معطوف على نفي الحرج عن الضعفاء والمرضى والفقراء ونفي السبيل عن المحسنين، أي لا حرج على من ذكر بشرطه، ولا سبيل على المحسن منهم في قعوده، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم على الرواحل فيخرجوا معك فلم تجد ما تحملهم عليه الخ، وهؤلاء جماعة من الفقراء يدخلون في عموم الذين لا يجدون ما ينفقون للجهاد في سفر طويل كغزوة تبوك وهو فقدهم الرواحل التي تحملهم، فهو من عطف الخاص على العام. يقال : حمله على البعير أو غيره أي أركبه إياه أو أعطاه إياه ليركبه، وكان الطالب لظهر يركبه يقول لمن يطلبه منه : احملني.
ثم بين حال هؤلاء بعد جواب الرسول لهم بياناً مستأنفاً فقال :
تولوا وأعينهم تفيض من الدمع أي انصرفوا من مجلسك وهم في حال بكاء شديد، هاجه حزن عميق. فكانت أعينهم تمتلئ دمعاً، فيتدفق فائضا من جوانبها تدفقاً، حتى كأنها ذابت فصارت دمعاً، فسالت همعاً حزنا منهم وأسفاً.
ألا يجدوا ما ينفقون أي على عدم وجدانهم عندك ولا عندهم ما ينفقون ولا ما يركبون في خروجهم معك جهاداً في سبيل الله وابتغاء مرضاته.
أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن ينبعثوا غازين. فجاءت عصابة من أصحابه فيهم عبد الله بن مغفل المزني فقالوا : يا رسول الله احملنا، فقال :( والله لا أجد ما أحملكم عليه )، فتولوا ولهم بكاء، وعز عليهم أن يحبسوا عن الجهاد، ولا يجدون نفقة ولا محملاً. فأنزل الله عذرهم : ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم الآية.
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب قال : جاء ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحملونه فقال :( لا أجد ما أحملكم عليه )، فأنزل الله ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم الآية. وذكر البطون التي ينسبون إليها، وهنالك روايات أخرى في عددهم وبطونهم عند ابن إسحاق وغيره. وأنهم كانوا يسمون البكائين.
وهنالك رواية أخرى أنهم ما سألوه صلى الله عليه وسلم إلا الحملان على النعال، ورواية أخرى أنهم سألوه الزاد والماء، ولا مانع من وقوع كل ذلك في هذه الغزوة الكبيرة، ولكن الآية خاصة بطلاب الرواحل ؛ لأنه هو المتبادر من اللفظ.
والحكمة في التعبير بالإتيان لأجل الحمل والاعتذار عنه بعدم وجدان ما يحمل عليه دونه ذكر جنسه من راحلة ودابة هي إفادة العموم فيما يحمل عليه مريد السير، فتدخل فيه مراكب هذا الزمان من مراكب النقل البرية والهوائية والبحرية، ويتحقق العذر بفقد ما يحتاج إليه منها في كل سفر بحسبه، وفقد العذر بوجوده، فوجود الخيل والجمال والبغال لا ينفي العذر في السفر الذي يقطع في القطارات الحديدية أو السيارات أو المناطيد أو الطيارات.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وهاتان الآيتان بمعنى الآيتين [ ٨٦، ٨٧ ] ولكن أسند فعل الطبع على القلوب في هذه الآية إلى اسمه عز وجل، وهنالك أسند إلى المفعول، والمراد من كل منهما، وهو بيان سنة الله تعالى وقدره في علاقة الأعمال بالعقائد والسجايا والأخلاق، إلا أن التصريح باسم الله تعالى فيه مزيد إهانة لهم. وعبر هنا بالعلم وهناك بالفقه، والمراد واحد، وهو الإدراك والعرفان الصحيح الذي يبعث على العمل بمقتضاه، ولكن المتبادر من العلم تيقن المعلوم، ومن الفقه تأثير العلم في النفس.
وهاتان الآيتان بمعنى الآيتين [ ٨٦، ٨٧ ] ولكن أسند فعل الطبع على القلوب في هذه الآية إلى اسمه عز وجل، وهنالك أسند إلى المفعول، والمراد من كل منهما، وهو بيان سنة الله تعالى وقدره في علاقة الأعمال بالعقائد والسجايا والأخلاق، إلا أن التصريح باسم الله تعالى فيه مزيد إهانة لهم. وعبر هنا بالعلم وهناك بالفقه، والمراد واحد، وهو الإدراك والعرفان الصحيح الذي يبعث على العمل بمقتضاه، ولكن المتبادر من العلم تيقن المعلوم، ومن الفقه تأثير العلم في النفس.
يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ ورَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ والشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٩٤ سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ ومَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ٩٥ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ٩٦
هذه الآيات بيان لما سيكون من أمر المنافقين الذين تخلفوا في المدينة وما حولها عن غزوة تبوك مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بعد عودتهم إليهم.
يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ ورَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ والشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٩٤ سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ ومَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ٩٥ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ٩٦
هذه الآيات بيان لما سيكون من أمر المنافقين الذين تخلفوا في المدينة وما حولها عن غزوة تبوك مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بعد عودتهم إليهم.
سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ سيؤكدون لكم اعتذارهم بالأيمان الكاذبة إذا انقلبتم وتحولتم إليهم من سفركم، لأجل أن تعرضوا عن عتبهم وتوبيخهم على قعودهم مع الخالفين من النساء والأطفال والعجزة، وبخلهم بالنفقة، ولم يذكر المحلوف عليه للدلالة على شموله لكل ما يعتذر عنه.
فأعرضوا عنهم إعراض إهانة واحتقار، لا إعراض صفح وإعذار، وهذا التعبير من أسلوب الحكيم، وهو قبول ما يبغون من الإعراض عنهم، ولكن على غير الوجه الذي يرجونه منه بل على ضده، وقد علل الأمر بقوله : إنهم رجس أي قذر معنوي يجب الإعراض عنه تنزها عن القرب منه بأشد مما يتنزه الطاهر الثوب والبدن عن ملابسة الأرجاس والأقذار الحسية. وهذا بمعنى ما تقدم من قوله ٢٨ إنما المشركون نجس ، وسبق بيان معنى الرجس في تفسير آية إنما الخمر والميسر [ المائدة : ٩٣ ] من سورة المائدة.
ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون أي وملجؤهم الأخير نار جهنم جزاء بما كانوا يكسبون في الدنيا من أعمال النفاق التي دنست أنفسهم، والإعراض عن آيات الله الذي زادهم رجسا على رجسهم، كما تراه في الآية ( ١٢٥ ) الآتية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ولا ينافي هذا التحقيق ما يروى عن ابن عباس من نزول هذه الآيات في الجد بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهما من المنافقين- وكانوا ثمانين رجلا أمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين لما رجعوا إلى المدينة بأن لا يجالسوهم ولا يكلموهم- إذ لا دليل على أن هؤلاء مقصودون من الآيات بذواتهم وشخوصهم كالذين نهى عن الاستغفار لهم وعلله بموتهم على كفرهم- كعبد الله بن أبي- وقد قال قتادة : إن هذه الآيات نزلت فيه، فإنه حلف للنبي صلى الله عليه وسلم بعد عودته أن لا يتخلف عنه، وطلب أن يرضى عنه فلم يفعل. والآيات أعم من هذا وذاك. وهي من أنباء الغيب بما فيها من بيان مقاصدهم الخفية، وإن كان الاعتذار والحلف من سجاياهم المعروفة، وأن من علامات النفاق كثرة الحلف، لشعور المنافق دائما بأنه متهم بالكذب.
ويجب التنبه في هذا المقام لجهل فظيع وقفنا عليه بمذاكرة بعض المشتغلين بعلوم الدين التقليدية مخالف لهذه الآية وأمثالها من كتاب الله تعالى، وهو زعمهم أن ما عابه الكتاب الحكيم على المشركين والكافرين من أعمال الشرك والكفر كدعاء غير الله واتخاذ أولياء من دونه يقربونهم إليه ويشفعون لهم عنده فيما يطلبون من دفع ضر وجلب نفع مما لا ينال بالكسب فهو خاص بهم وبأوليائهم وشفعائهم، وأن وقوع مثله من المسلمين لا ينافي صحة إيمانهم، والاعتداد بإسلامهم، للفرق الواضح بين من يدعو الأصنام والأوثان ويجعلها واسطة بينه وبين الله تعالى تشفع له عنده وتقربه إليه زلفى، ومن يدعو الأنبياء والأولياء لذلك وهم عباد الله المكرمون، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ! !
جهل هؤلاء أن الشرك والكفر لا يختلف حكمه باختلاف متعلقه، فمن يدعو مع الله صنما أو كوكبا كمن يدعو نبيا أو ملكا، على أن الأوثان والأصنام كانت تماثيل لذكرى بعض الأولياء والصالحين كالقبور المنسوبة إلى بعضهم نسبة صحيحة أو مزورة، ولكن ماذا يقول هؤلاء الجاهلون المدافعون عن الشرك وأهله في أهل الكتاب الذين يدعون ويستغيثون الأنبياء والصالحين، متوسلين بهم ومتشفعين، وهم الذين اتبع القبوريون من المسلمين سننهم في شركهم كما أخبر صلى الله عليه وسلم بذلك تحذيرا وإنذارا بقوله :" لتتبعن سنن من كان قبلكم " ١ الحديث، وهو متفق عليه وتقدم ذكره مرارا، وفصلت هذه المسألة في تفسير الآية اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا [ التوبة : ٣١ ] فيراجع تفسيرها.
ويذكر هؤلاء الجاهلون بالقرآن وتاريخ الإسلام فرقا آخر بين شرك المسلمين وشرك من قبلهم، وهو أن المشركين السابقين اتخذوا أوثانهم وأنبياءهم آلهة وأربابا، وأن المسلمين الذين يدعون الأولياء ويستغيثون في الشدائد طلبا لشفاعتهم لم يتخذوهم آلهة ولا أربابا وإنما يتخذونهم وسائل ووسائط ويعتقدون أنهم مخلوقون مثلهم.
والجواب عن هذا أنه لا فرق بين عمل الفريقين إلا في التسمية، ولكن من بعض الوجوه، فمشركو العرب لم يكونوا يسمون أصنامهم أربابا ؛ بل كانوا يعتقدون ويقولون إن رب العالمين وخالقهم ومدبر أمورهم الذي يجير ولا يجار عليه هو الله وحده، لأن هذا مقتضى لغتهم، وإنما كانوا يسمونها آلهة لأن الإله في لغتهم هو المعبود، والمعبود هو من يتوجه إليه ويدعى فيما لا يقدر عليه الناس بكسبهم في دائرة الأسباب المعروفة لهم، ويعظم ويتقرب إليه بالذبائح وغيرها لأجل ذلك، سواء كان سلطانه على النفع ودفع الضر بذاته لذاته وهو الله تعالى، أو بشفاعته عند الله. وقد تقدم بسط هذا المعنى مرارا، وسيعاد في تفسير سورة يونس للنصوص الصريحة فيه، فتسمية هذه العبادة لغير الله توسلا في عرف بعض الناس لا يخرجها عن حقيقتها، ولا عن كون اسمها في اللغة العربية عبادة وهو ما كان يسميها به أهل هذه اللغة. وإنما التوسل الشرعي التقرب إلى الله تعالى بما شرعه من الأعمال الصالحة، لا بالأهواء المبتدعة، ولا بالتقاليد المتبعة.

ولا ينافي هذا التحقيق ما يروى عن ابن عباس من نزول هذه الآيات في الجد بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهما من المنافقين- وكانوا ثمانين رجلا أمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين لما رجعوا إلى المدينة بأن لا يجالسوهم ولا يكلموهم- إذ لا دليل على أن هؤلاء مقصودون من الآيات بذواتهم وشخوصهم كالذين نهى عن الاستغفار لهم وعلله بموتهم على كفرهم- كعبد الله بن أبي- وقد قال قتادة : إن هذه الآيات نزلت فيه، فإنه حلف للنبي صلى الله عليه وسلم بعد عودته أن لا يتخلف عنه، وطلب أن يرضى عنه فلم يفعل. والآيات أعم من هذا وذاك. وهي من أنباء الغيب بما فيها من بيان مقاصدهم الخفية، وإن كان الاعتذار والحلف من سجاياهم المعروفة، وأن من علامات النفاق كثرة الحلف، لشعور المنافق دائما بأنه متهم بالكذب.
ويجب التنبه في هذا المقام لجهل فظيع وقفنا عليه بمذاكرة بعض المشتغلين بعلوم الدين التقليدية مخالف لهذه الآية وأمثالها من كتاب الله تعالى، وهو زعمهم أن ما عابه الكتاب الحكيم على المشركين والكافرين من أعمال الشرك والكفر كدعاء غير الله واتخاذ أولياء من دونه يقربونهم إليه ويشفعون لهم عنده فيما يطلبون من دفع ضر وجلب نفع مما لا ينال بالكسب فهو خاص بهم وبأوليائهم وشفعائهم، وأن وقوع مثله من المسلمين لا ينافي صحة إيمانهم، والاعتداد بإسلامهم، للفرق الواضح بين من يدعو الأصنام والأوثان ويجعلها واسطة بينه وبين الله تعالى تشفع له عنده وتقربه إليه زلفى، ومن يدعو الأنبياء والأولياء لذلك وهم عباد الله المكرمون، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ! !
جهل هؤلاء أن الشرك والكفر لا يختلف حكمه باختلاف متعلقه، فمن يدعو مع الله صنما أو كوكبا كمن يدعو نبيا أو ملكا، على أن الأوثان والأصنام كانت تماثيل لذكرى بعض الأولياء والصالحين كالقبور المنسوبة إلى بعضهم نسبة صحيحة أو مزورة، ولكن ماذا يقول هؤلاء الجاهلون المدافعون عن الشرك وأهله في أهل الكتاب الذين يدعون ويستغيثون الأنبياء والصالحين، متوسلين بهم ومتشفعين، وهم الذين اتبع القبوريون من المسلمين سننهم في شركهم كما أخبر صلى الله عليه وسلم بذلك تحذيرا وإنذارا بقوله :" لتتبعن سنن من كان قبلكم " ١ الحديث، وهو متفق عليه وتقدم ذكره مرارا، وفصلت هذه المسألة في تفسير الآية اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا [ التوبة : ٣١ ] فيراجع تفسيرها.
ويذكر هؤلاء الجاهلون بالقرآن وتاريخ الإسلام فرقا آخر بين شرك المسلمين وشرك من قبلهم، وهو أن المشركين السابقين اتخذوا أوثانهم وأنبياءهم آلهة وأربابا، وأن المسلمين الذين يدعون الأولياء ويستغيثون في الشدائد طلبا لشفاعتهم لم يتخذوهم آلهة ولا أربابا وإنما يتخذونهم وسائل ووسائط ويعتقدون أنهم مخلوقون مثلهم.
والجواب عن هذا أنه لا فرق بين عمل الفريقين إلا في التسمية، ولكن من بعض الوجوه، فمشركو العرب لم يكونوا يسمون أصنامهم أربابا ؛ بل كانوا يعتقدون ويقولون إن رب العالمين وخالقهم ومدبر أمورهم الذي يجير ولا يجار عليه هو الله وحده، لأن هذا مقتضى لغتهم، وإنما كانوا يسمونها آلهة لأن الإله في لغتهم هو المعبود، والمعبود هو من يتوجه إليه ويدعى فيما لا يقدر عليه الناس بكسبهم في دائرة الأسباب المعروفة لهم، ويعظم ويتقرب إليه بالذبائح وغيرها لأجل ذلك، سواء كان سلطانه على النفع ودفع الضر بذاته لذاته وهو الله تعالى، أو بشفاعته عند الله. وقد تقدم بسط هذا المعنى مرارا، وسيعاد في تفسير سورة يونس للنصوص الصريحة فيه، فتسمية هذه العبادة لغير الله توسلا في عرف بعض الناس لا يخرجها عن حقيقتها، ولا عن كون اسمها في اللغة العربية عبادة وهو ما كان يسميها به أهل هذه اللغة. وإنما التوسل الشرعي التقرب إلى الله تعالى بما شرعه من الأعمال الصالحة، لا بالأهواء المبتدعة، ولا بالتقاليد المتبعة.
هذه الآيات الثلاث في بيان حال الأعراب منافقيهم ومؤمنيهم، والظاهر أنها قد نزلت هي وما بعدها إلى آخر السورة بعد وصول النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى المدينة. فهي بدء سياق جديد في تفصيل أحوال المسلمين في ذلك العهد، بدئ بذكر الأعراب من المنافقين لمناسبة ما قبله وفصل عنه لأنه سياق جديد مع ما بعده.
هذه الآيات الثلاث في بيان حال الأعراب منافقيهم ومؤمنيهم، والظاهر أنها قد نزلت هي وما بعدها إلى آخر السورة بعد وصول النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى المدينة. فهي بدء سياق جديد في تفصيل أحوال المسلمين في ذلك العهد، بدئ بذكر الأعراب من المنافقين لمناسبة ما قبله وفصل عنه لأنه سياق جديد مع ما بعده.
ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما تقدم في الآية ٩٠ أن بعض الأعراب جاءوا النبي صلى الله عليه وسلم معذرين ليأذن لهم في القعود عن غزوة تبوك، وذكر في هذه الآية حال الذين كانوا ينفقون بعض أموالهم في سبيل الجهاد رياء وتقية فيعدون ما ينفقون من المغارم، وهي ما يلزمه المرء مما يثقل عليه فيلتزمه كرها أو طوعا لدفع مكروه عن نفسه أو عن قومه له فيه منفعة ذاتية. ولم يكن هؤلاء الأعراب المنافقون يرجون بهذه النفقة جزاء في الآخرة لأنهم لا يؤمنون بالبعث. ولهذا قال الضحاك : يعني بالمغرم أنه لا يرجو ثوابا عند الله ولا مجازاة، وإنما يعطي ما يعطي من الصدقات كرها. وعن ابن زيد : إنما ينفقون رياء اتقاء أن يغزوا ويحاربوا ويقاتلوا ويرون نفقاتهم مغرما [ قال ] : وهم بنو أسد وغطفان.
ويتربص بكم الدوائر أي ينتظرون دوائر الزمان، أي تصاريفه ونوائبه التي تدور بالناس وتحيط بهم بشرورها أن تنزل بكم فتبدل قوتكم ضعفا، وعزكم ذلا، وانتصاركم هزيمة وكسرا، فيستربحوا من أداء هذه المغارم لكم، بالتبع للخروج من طاعتكم، والاستغناء عن إظهار الإسلام نفاقا لكم، كانوا أولا يتوقعون ظهور المشركين واليهود على المؤمنين، فلما يئسوا من ذلك صاروا ينتظرون موت النبي صلى الله عليه وسلم ويظنون أن الإسلام يموت بموته صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله. وهكذا يعلل الجاهل الضعيف نفسه الخبيثة بالأماني والأوهام.
وإذا كان منافقو المدينة الذين هم أجدر من هؤلاء الأعراب أن يعلموا ما في الإسلام من القوة الذاتية، وما في اعتصام المؤمنين الصادقين به من القوة الحربية، كانوا يتربصون بالمؤمنين الهزيمة من الروم في تبوك، وكانوا إن أصاب النبي صلى الله عليه وسلم مصيبة مما لا يخلو عنه البشر يفرحون ويقولون ( قد أخذنا أمرنا من قبل ) أي احتطنا لهذه العاقبة قبل وقوعها، فهل يستغرب مثل هذا التربص من الأعراب سكان البادية الذين يجهلون ما ذكر ؟ ( راجع تفسير الآيات ٥٠ ٥٤ من هذه السورة ).
عليهم دائرة السوء دعاء عليهم بما يتربصونه بالمؤمنين، أو خبر بحقيقة حالهم معهم، ومآل الاحتمالين واحد، لأن الخبر في كلامه تعالى حق ومضمونه كمضمون الدعاء واقع، ما له من دافع، والدعاء منه عز وجل يراد به مآله وهو وقوع السوء عليهم وإحاطته بهم. والسوء بالفتح في قراءة الجمهور، وهو مصدر ساءه الأمر ضد سره، وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ههنا وفي سورة الفتح بالضم، وهو اسم لما يسوء. والإضافة : كرجل صدق وقدم صدق. وتقديم الخبر يفيد الحصر أي عليهم وحدهم دائرة السوء تحيط بهم دون المؤمنين الذين يتربصونها بهم، فإن هؤلاء لا عاقبة لهم تتربص بهم إلا ما يسرهم ويفرحهم من نصر الله وتوفيقه لهم، وما يسوء أعداءهم من خذلان وخيبة وتعذيب لهم في الدنيا قبل الآخرة حتى بأموالهم وأولادهم، كما تقدم في قوله تعالى : قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين [ التوبة : ٥٢ ] وقوله : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم [ التوبة : ٥٥ ].
والله سميع عليم لا يخفى عليه شيء من أقوالهم المعبرة عن شعورهم واعتقادهم في نفقاتهم إذا تحدثوا بها فيما بينهم، وأقوالهم التي يقولونها للرسول أو لعماله على الصدقات، أو لغيرهم من المؤمنين مراءاة لهم، ولا من أعمالهم التي يعملونها، ومن نياتهم وسرائرهم التي يخلونها، فهو سيحاسبهم على ما يسمع ويعلم أي على كل قول وفعل ويجزيهم به.
هذه الآيات الثلاث في بيان حال الأعراب منافقيهم ومؤمنيهم، والظاهر أنها قد نزلت هي وما بعدها إلى آخر السورة بعد وصول النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى المدينة. فهي بدء سياق جديد في تفصيل أحوال المسلمين في ذلك العهد، بدئ بذكر الأعراب من المنافقين لمناسبة ما قبله وفصل عنه لأنه سياق جديد مع ما بعده.
ولما ذكر حال هؤلاء الأعراب المنافقين عطف عليه بيان حال المؤمنين الصادقين منهم١ فقال : ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الأخر إيمانا صادقا إذعانيا تصدر عنه آثاره من العمل الصالح. قال مجاهد : هم بنو مقرن من مزينة وهم الذين قال الله فيهم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم [ التوبة : ٩٢ ] الآية. وقال الكلبي : هم أسلم وغفار وجهينة ومزينة، وثم روايات أخرى فيهم، والنص يشمل جميع المؤمنين الصادقين منهم ومن غيرهم من الأعراب. وقد ذكر من وصفهم ضد ما ذكره في وصف من قبلهم في أمر النفقة في سبيل الله فقال : ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول أي يتخذ ما ينفقه وسيلة لأمرين عظيمين : أولها القربات والزلفى عند الله عز وجل، وثانيهما صلوات الرسول، أي أدعيته ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يدعو المتصدقين ويستغفر لهم، ولم يثبت في النص انتفاع أحد بعمل غيره إلا الدعاء وما يكون المرء سببا فيه كالولد الصالح، والسنة الحسنة يتبع فيها. فهذا القصد في اتخاذ الصدقات ضد اتخاذ المنافقين إياها مغرما.
والقربات كالقرب جمع قربة ( بضم القاف ) وهي في المنزلة والمكانة كالقرب في المكان والقرابة، والقربى في الرحم، والأصل في الكل واحد وهو الدنو من الشيء مطلقا، فقصد القربة في العمل هو الإخلاص وابتغاء مرضاة الله ورحمته ومثوبته فيه. وجمعها باعتبار تعدد النفقات ففيه إيماء إلى إخلاصهم في كل فرد منها. والصلوات جمع صلاة، ومعناها أو أحد معانيها في أصل اللغة الدعاء، وإطلاقها على العبادة المخصوصة من أركان الإسلام شرعي وجهه أن الدعاء هو روحها الأعظم لأنه مخ العبادة، وسرها الذي تتحقق به العبودية على أكمل وجوهها، وهو في الفاتحة فريضة، وفي السجود فضيلة، ويأتي قريبا بيان هذه الصلوات على المتصدقين في تفسير الآية ( ١٠٣ ).
وقد بين الله تعالى جزاء هؤلاء الأعراب على ما شهد لهم به من صدق الإيمان وإخلاص النية في الإنفاق في سبيل الله، وأدائهم به حق الله، وهو قصد القربة عنده، وحق الرسول وهو طلب دعائه لهم بقبول نفقتهم وإثابتهم عليها، فقال بأسلوب الاستئناف المشعر بالاهتمام : ألا إنها قربة لهم وهو إخبار بقبوله تعالى لنفقتهم مؤكد بافتتاحه بأداة التنبيه الدالة على الاهتمام بما بعدها وهي ( ألا ) وب [ إن ] الدالة على تحقيق مضمون الجملة وبالجملة الاسمية فقوله تعالى :[ إنها قربة ] راجع إلى النفقة المأخوذة من قوله :[ ما ينفق ] فإفراد القربة لأنها خبر الضمير المفرد.
وقوله : سيدخلهم الله في رحمته تفسير لهذه القربة والمراد بالرحمة هنا الرحمة الخاصة بمن رضي الله عنهم، وهي هداية الصراط المستقيم وما تنهي إليه من دار النعيم، ومعنى إدخالهم فيها أن يكونوا مغمورين فيها وتكون هي محيطة بهم شاملة لهم، وهذا أبلغ من مثل يبشرهم ربهم برحمة منه [ التوبة : ٢١ ]، والسين في قوله [ سيدخلهم ) لتأكيد الوعد وتحقيقه وتقدم مثله. وعلله بقوله : إن الله غفور رحيم أي واسع المغفرة والرحمة يغفر للمخلصين في أعمالهم ما يلمون به من ذنب أو تقصير، ويرحم الصادقين في إيمانهم فيهديهم به إلى أحسن العمل وخير المصير، وفي الآية من بلاغة الإيجاز ما يدل على علو مقام هؤلاء الأعراب.
هذا تقسيم آخر للمؤمنين الصادقين والمنافقين من أهل الحضر والبدو جميعا عطف على تقسيم الأعراب لمشاركته له في بيان حقيقة جماعات المسلمين في ذلك العهد.
ومِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ومِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بعد أن بين تعالى حال كملة المؤمنين كلهم قفى عليه بذكر مردة المنافقين من أهل البدو والحضر، وعطفهم عليهم من باب عطف الضد على الضد، فهو يقول : إن بعض الأعراب الذين حولكم أيها المؤمنون منافقون. قال البغوي : وهم من مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار، كانت منازلهم حول المدينة، أي كما كان فيهم مؤمنون صادقون دعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم، وإن من أهل المدينة نفسها منافقين أيضا من الأوس والخزرج غير مَن أعلم الله رسوله بهم في هذه السورة بما صدر عنهم من الأقوال والأفعال المنافية للإيمان، وقد وصف هؤلاء بقوله :
مردوا على النفاق أي مرنوا عليه وحذقوه حتى بلغوا الغاية من إتقانه، وجعله بحيث لا يشعر أحد به، لاتقائهم جميع الأمارات والشبهات التي تدل عليه. يقال مرد على الشيء يمرد ( كقعد يقعد ) مرودا إذا مرن عليه. وإذا عتا واشتد فيه حتى يتعذر إرجاعه عنه. ومن الأول الغلام الأمرد الذي لم ينبت الشعر في وجهه، والشجرة المرداء التي لا ورق فيها، ومنه مرد الشيء تمريدا إذا صقله وملسه حتى صار أملس لا حرشة فيه ولا خشونة، ومنه ( صرح ممرد من قوارير ) قال في اللسان : وتأويل المرود أن يبلغ الغاية التي تخرج من جملة ما عليه الصنف. ثم قال : والمرود على الشيء المرون عليه، ومرد على الكلام أي مرن عليه لا يعبأ به [ أي لا يعني أن يتكلف له ] قال الله تعالى ومِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ [ التوبة : ١٠١ ] قال الفراء : يريد مرنوا عليه وجربوا، كقولك تمردوا، وقال ابن الأعرابي المرد التطاول بالكبر والمعاصي ومنه قوله : مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ أي تطاولوا اه.
لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ أي لا تعرفهم أيها الرسول بفطنتك ودقة فراستك التي تنظر فيها بنور الله لحذقهم في التقية وتجنب مثارات الشبهة، وأكد هذا النفي بإثبات العلم بأعيانهم له وحده عز وجل، ولعلهم أخفى نفاقا وأشد تقية ممن قال فيهم : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ولَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ ولَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ واللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ [ محمد : ٢٩، ٣٠ ].
فهؤلاء ممن لم يعلمه الله بأعيانهم كما أعلمه بمن أشير إليهم في الآية [ ٧٤ ]، ولا فضحهم بأقوال قالوها ولا بأفعال فعلوها كما فضح غيرهم في هذه السورة، لأنهم بمرودهم على النفاق يتحامون ما يكون شبهة على إيمانهم، فضرره قاصر عليهم، وحكمة إخباره تعالى إياه بذلك أن يعلموا هم أنه الله عليم بما يسرون من نفاقهم، ويحذروا أن يفضحهم كما فضح غيرهم، ليتوب المستعد للإيمان منهم وهو في ستر الله تعالى قبل أن ينجز ما أوعدهم بقوله : سنعذبهم مرتين أي في الحياة الدنيا : إحداهما ما يصيبهم من المصائب وتوبيخ الضمائر، وانتظار الفضيحة بهتك أستار السرائر، وما يتلو ذلك من جهادهم إذا ظهر نفاقهم كغيرهم، والثانية آلام الموت وزهوق أنفسهم وهم كافرون وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند موتهم، فأقرب ما يفسر به العذاب مرتين هو ما تقدم في تفسير الآيات ٥٥ و٧٣ و٧٤ و٨٢ و٨٣، ففيه بيان لكل ما يصيب المنافقين في الدنيا من عذاب الوجدان الباطن، وعذاب من يفتضح أمرهم في الظاهر، وورد في التفسير المأثور أقوال في هاتين المرتين بعضها في معنى ما ذكرنا وبعضها مردود ومتناقض.
ثم يردون إلى عذاب عظيم أي في الآخرة وهو عذاب جهنم، وهم في الدرك الأسفل منها كما تقدم.
جاء في كتب التفسير المأثور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس مرة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :" إن منكم منافقون فمن سميته فليقم "، ثم قال : قم يا فلان، حتى سمى ٣٦ رجلا، فإن صح فهو عدد الذين سبق تهديدهم في هذه السورة لظهور نفاقهم دون الذين مردوا على النفاق، ولكن لم يرو لنا ما كان من أمر هؤلاء بعد هذه الفضيحة بكفرهم ومنعهم من الصلاة، ومقتضاه أن تجري عليهم أحكام المرتدين، ومثل هذا لا يخفى وتتوفر الدواعي على نقله بالتواتر أو الاستفاضة، ولم يرو المحدثون شيئا فيه، والذي أراه أن الرواية غير صحيحة والله أعلم.
والعبرة في هذا السياق أن هؤلاء المنافقين فريقان : فريق عرفوا بأقوال قالوها وأعمال عملوها، وفريق مردوا على النفاق وحذقوه حتى صار أملس ناعما لا يكاد يشعر أحد بشيء يستنكره منه فيظهر عليه، وكل من الفريقين يوجد في كل عصر، ولاسيما منافقي السياسة في هذا العهد، وهم الذين اتخذهم الأجانب المعتدون على بلاد الإسلام دعاة وولائج وأعوانا على استعباد أمتهم واستعمار أوطانهم، فما من قطر من هذه الأقطار التي رزئت بالأجانب إلا ولهم فيها أعوان وأنصار من أهلها يزعمون أنهم يخدمون أمتهم ووطنهم من طريق استمالتهم واسترضائهم، وأنهم لولاهم لما وقفوا من الظلم وهضم الحقوق عند الحد الذي هم عليه، ومنهم من يخدمون الأجانب خدما خفية لا تشعر بها الأمة ؛ لأنهم مردوا على النفاق، وإنما يحتاج الخونة الخادمون للأجانب إلى النفاق، وتلبيس خيانتهم وإخفائها بالكذب والاختلاق، إذا كان للرأي العام فطنة وقوة يخشونها، وأما البلاد التي استحوذ عليها الجهل والضعف فلا يبالي الخائنون برضاء أهلها ولا بسخطهم.
وأشد المنافقين مرودا وإتقانا للنفاق أعوان الملوك والأمراء المستبدين، وشرهم وأضرهم الذين يلبسون لباس علماء الدين.
هذا تقسيم آخر للمؤمنين الصادقين والمنافقين من أهل الحضر والبدو جميعا عطف على تقسيم الأعراب لمشاركته له في بيان حقيقة جماعات المسلمين في ذلك العهد.
وآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ أي وثم آخرون أو ممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة أناس آخرون ليسوا من المنافقين، ولا من السابقين الأولين، ولا من الذين اتبعوهم بإحسان لا إساءة فيه، بل من المؤمنين.
خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً أي خلطوا في أعمالهم بأن عملوا عملا صالحا وعملا سيئا، وقيل معناه خلطوا صالحا بسيئ وسيئا بصالح، أو خلطوا في كل منهما ما ليس منه، فكان ناقصا ولكنه لم يغلب الآخر ويندغم فيه، فلم يكونوا من الصالحين الخلص ولا من الفاسقين أو المنافقين، ذلك بأنهم آمنوا وعملوا الصالحات، واقترفوا بعض السيئات، وهم أو منهم بعض الذين تخلفوا عن النفر والخروج إلى غزوة تبوك من غير عذر صحيح كالضعفاء والمرضى وغير الواجدين، ولا استئذان كاستئذان المرتابين، ولا اعتذار كاذب كالمنافقين، ثم كانوا ناصحين لله في أثناء قعودهم، شاعرين بذنبهم، خائفين من ربهم، فكان كل من قعودهم ونصحهم مقترنا بالآخر، كالذي يدخل أرضا مغصوبة فيصلح فيها، ويعترف بأنه مذنب بدخولها، ويأتي بالإصلاح لتكفير ذنب الاعتداء. وهذا المعنى لا يؤيده قولك : خلط العمل الصالح بالسيئ، كما تقول خلط القمح بالشعير أو الماء باللبن، لأن هذا الضرب من الخلط يصير فيه المخلوط والمخلوط به شيئا واحدا أو كالشيء الواحد، فلا يقول صاحبه عندي ماء فرات ولا لبن محض، وأما الضرب الأول المراد من الآية فقد بقي فيه كل من النوعين ممتازا بنفسه، وإنما خلطه مع الآخر عبارة عن الجمع بينهما، وعدم انفراد أحدهما دون الآخر، والواو العاطفة هي التي تؤدي هذا المعنى من الجمع، وهو من دقائق بلاغة القرآن بالعدول عن التعدية بالباء إلى العطف.
عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أي هم محل الرجاء لقبول الله توبتهم، التي يشير إلى وقوعها اعترافهم بذنوبهم، وقد تقدم ( في ج ١٠ ) أن كلمة " عسى " وضعت للتقريب والإطماع، ثم استعملت في الرجاء كلعل، وقول بعضهم : إنها من الله للإيجاب غير صحيح، أو لتوفيقهم للتوبة الصحيحة التي هي سبب المغفرة والرحمة، وإنما تتحقق التوبة بالعلم الصحيح بقبح الذنب وسوء عاقبته، وألم الوجدان من تصور سخط الله والخوف من عقابه، والإقلاع عن الذنب أو الذنوب بباعث هذا الألم الذي هو ثمرة ذلك العلم، والعزم على عدم العود إلى اقترافها، ثم العمل بضدها، ليمحي من النفس أثرها، والروايات صريحة بأن اعتراف من ذكر بذنوبهم قد استتبع كل هذا.
إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ تعليل لرجاء قبول توبتهم، إذ معناه أنه كثير المغفرة للتائبين واسع الرحمة للمحسنين، كما قال : وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى [ طه : ٨٢ ]، وكما قال : إن رحمة الله قريب من المحسنين [ الأعراف : ٥٦ ]، وكما قص علينا من خبر استغفار الملائكة للمؤمنين قولهم : ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم إلى قوله وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته [ غافر : ٧، ٨ ].
قال بعض العلماء : إن هذه الآية أرجى آية في القرآن، وقال آخرون : أرجى الآيات قوله تعالى : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُو الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [ الزمر : ٥٣ ]، وإنما هذا علاج لمن اشتد عليهم الخوف من إسرافهم في شهواتهم، حتى كادوا يقنطون من رحمة ربهم، لا للمصرين على ذنوبهم بغير مبالاة، ولذلك قال بعدها : وأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ [ الزمر : ٥٤ ] إلى آخر الآيات.
ومن العبرة في هذه الأقسام للمسلمين أن قسم الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا يوجد في كل زمان ومكان، كقسم الذين اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وأما المهاجرون والأنصار الأولون الذين أقام الرسول صلى الله عليه وسلم بهم بناء الإسلام فهم الذين لا يلزّ بهم قرين، ولا يلحقهم لاحق من العالمين، ولعل أكثر المسلمين الصادقين في هذا الزمان من الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، ولعل أسوأ سيئاتهم ترك الجهاد بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، فيجب أن يسترشدوا بهذه الآية، وبما ورد في سبب نزولها من توبة أبي لبابة وأصحابه. ولا تتم العبرة بها إلا بتدبر ما بعدها، وهو تطهير النفس من النفاق وضعف الإيمان، ببذل الصدقات وغيره من صالح الأعمال.
وقد روى البخاري في تفسير الآية في صحيحه عن سمرة بن جندب مرفوعا " أتاني الليلة ( أي في النوم ) ملكان فابتعثاني بي إلى مدينة بلبن ذهب ولبن فضة فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء. قالا لهم : اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة، قالا لي هذه جنة عدن وهذا منزلك، قالا : وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا تجاوز الله عنهم " ١ اه.
فهذا تمثيل في الرؤيا لتحسين العمل الصالح وتجميله للنفس وتشويه العمل القبيح لها، ولتطهيرها بالتوبة والعمل الصالح حتى تكون كلها حسنة جميلة وأهلا لدار الكرامة، بعد أن تبعث في الصورة التي كانت عليها قبل التوبة. وقد قال تعالى : إن الحسنات يذهبن السيئات [ هود : ١١٤ ]، وشبه النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس بنهر يفيض على عتبة الإنسان خمس مرات كل يوم " فهل يبقي عليها وسخا أو قذرا " ؟
١ أخرجه البخاري في تفسير سورة ٩، باب ١٠، والتعبير باب ٤٨، وأحمد في المسند ٥/٨..
هذه الآيات الثلاث في بيان فوائد صدقة الأموال ومنافعها، والحث عليها، وعلى التوبة لمن قصر في الجهاد في سبيل الله بماله ونفسه، أو في غير ذلك من أمور دينه. وفي الحث على العمل، وكونه هو الذي عليه المعول.
هذه الآيات الثلاث في بيان فوائد صدقة الأموال ومنافعها، والحث عليها، وعلى التوبة لمن قصر في الجهاد في سبيل الله بماله ونفسه، أو في غير ذلك من أمور دينه. وفي الحث على العمل، وكونه هو الذي عليه المعول.
ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده أي ألم يعلم أولئك التائبون من ذنبهم أن الله هو الذي يقبل توبة التائبين من عباده، ولم يجعل ذلك لرسوله، بَلْه من دونه من خلقه، فالاستفهام لتقرير ما دل عليه القرآن وكونه هو الذي حملهم على التوبة، أو ألم يعلم المؤمنون كافة هذا وهو مقتضى الإيمان وموجبه ؟ والاستفهام على هذا تحضيض على العلم وما يستلزمه من التوبة. وقبول التوبة عنهم، قيل : إنه بمعنى قبولها منهم، نحو : لا صدقة إلا عن غنى ومن غنى، وقيل : إن القبول هنا قد تضمن معنى التجاوز والصفح، أي هو الذي يقبلها منهم متجاوزا عن ذنوبهم عفوا عنها، وهذا أبلغ.
ويأخذ الصدقات أي يتقبلها بأنواعها ويثيب عليها، ويعده إقراضا له فيضاعف ثوابها، بمقتضى وعده في مثل قوله : إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ ويَغْفِرْ لَكُمْ [ التغابن : ١٧ ] وقوله : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة [ البقرة : ٢٣٥ ]، فأخذ الصدقات له ثلاث صور :
إحداها : أخذ الفقراء والمساكين وغيرهم إياها من المستحقين من يد المتصدق.
الثانية : أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في عهده والأئمة من بعده إياها لأجل وضعها في مصارفها التي أمر الله بها.
الثالثة : أخذ الله عز وجل إياها، وهو قبولها للإثابة عليها بالمضاعفة التي وعدها.
وفي التعبير بأخذ الله تعالى بعد قوله للنبي خذ من أموالهم صدقة تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم بكونه تعالى هو الذي يأخذ ما أمره بأخذه.
وأن الله هو التواب الرحيم أي وأنه هو الذي يقبل التوبة بعد التوبة من كل مذنب يشعر بضرر ذنبه، ويتوب عنه منيبا إلى ربه، مهما يتكرر ذلك، الرحيم بالتائبين الذي يثيبهم. فصيغة المبالغة ( التواب ) تتحقق بكثرة التائبين وبتكرار التوبة من المذنب الواحد الذي يمنعه الخوف من ربه، أن يصر على ذنبه، كما قال تعالى في وصف المتقين والَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ ولَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وهُمْ يَعْلَمُونَ [ آل عمران : ١٣٥ ]، وفي الحديث " ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة " ١. روى الشيخان من حديث أبي هريرة مرفوعا :" ما تصدق أحدكم من كسب حلال طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله " ٢، والحديث تمثيل لمضاعفته تعالى للصدقة المقبولة.
وهذه الجملة الاسمية المؤكدة بأن وبضمير الفصل الدالة على الحصر، وما فيها من صيغة المبالغة بمعنى الكثرة من التوبة، ومبالغة الصفة الراسخة من الرحمة تفيد أعظم البشرى للتائبين، وأبلغ الترغيب في التوبة للمذنبين، كما لا يخفى على المتدبرين.
١ أخرجه أبو داود في الوتر باب ٢٦، والترمذي في الدعوات باب ١٠٦..
٢ أخرجه البخاري في الزكاة باب ٨، والتوحيد باب ٢٣، ومسلم في الزكاة حديث ٦٣، ٦٤..
هذه الآيات الثلاث في بيان فوائد صدقة الأموال ومنافعها، والحث عليها، وعلى التوبة لمن قصر في الجهاد في سبيل الله بماله ونفسه، أو في غير ذلك من أمور دينه. وفي الحث على العمل، وكونه هو الذي عليه المعول.
وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون هذا عطف على قوله تعالى : خذ من أموالهم صدقة الخ أي وقل لهم أيها الرسول اعملوا لدنياكم وآخرتكم ولأنفسكم وأمتكم " حذف متعلق العمل يدل على العموم، وقدره بعضهم اعملوا ما شئتم "، فإنما العبرة بالعمل لا بالاعتذار عن التقصير، ولا بدعوى الجد والتشمير، وخير الدنيا والآخرة منوطان بالعمل، وهو لا يخفى على الله ولا على الناس أيضا، فسيرى الله عملكم خيرا كان أو شرا، فيجب عليكم أن تراقبوه تعالى في أعمالكم، وتتذكروا أنه ناظر إليكم، عليم بمقاصدكم ونياتكم، لا تخفى عليه منكم خافية، وجدير بمن يؤمن برؤية الله ليعمله أن يتقنه، وأن يخلص له النية فيه، فيقف فيه عند حدود شرعه، ويتحرى به تزكية نفسه والخير لخلقه، ولا يكتفي فيه بترك معاصيه واجتناب مناهيه.
راود رجل امرأة عن نفسها في فلاة قائلا : إنه لا يرانا هنا إلا الكواكب، قالت : فأين مكوكبها ؟ فخجل وانصرف.
وسيراه رسوله والمؤمنون، ويزيونه بميزان الإيمان، المميز بين الإخلاص والنفاق، وهم شهداء الله على الناس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد وأبو يعلى وابن حبان والبيهقي :" لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لأخرج الله عمله للناس كائنا ما كان " ١ وقال زهير :
ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم٢
فإذا كانت الخلائق النفسية والأعمال السرية لا تخفى على الناس مهما يكن من محاولة صاحبها لإخفائها، فماذا يقال في الأعمال التي هي مقتضى العقائد والأخلاق، وما انطبعت عليه النفس من الملكات، ومرنت عليه من العادات ؟ نرى المؤمنين الصادقين يخفون بعض أعمال البر التي يستحب إخفاؤها كالصدقة على الفقير المتعفف سترا عليه، ومبالغة في الإخلاص لله تعالى الذي ينافيه الرياء وحب السمعة، ولكنهم لا يلبثون أن يشتهروا بها، ونرى بعض المنافقين يخفون بعض أعمال النفاق خوفا من الناس لا من الله، ولكنهم لا يلبثون أن يفتضحوا بها. ومن أمثال العوام : إن الذي يختفي هو الذي لا يقع.
والآية تهدينا إلى أن مرضاة جماعة المؤمنين القائمين بحقوق الإيمان، المقررة صفاتهم في القرآن، تلي مرضاة الله ورسوله، وأنهم لا يجتمعون على ضلالة. وفي معناه حديث أنس في الصحيحين قال : مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" وجبت "، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا فقال :" وجبت "، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ما وجبت ؟ قال :" هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض " ٣، وفي لفظ مسلم تكرار " وجبت " ثلاث مرات في الموضعين، وكذا تكرار " أنتم شهداء الله في الأرض ".
وفي معناه حديث ابن عمر مرفوعا :" إن الله لا يجمع أمتي أو قال أمة محمد على ضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار " ٤، أخرجه الترمذي من طريق سليمان المديني، وقال : هذا حديث غريب من هذا الوجه، وسليمان المديني عندي هو سليمان بن سفيان اه. أقول : وهو ضعيف منكر الحديث باتفاقهم، ويعزى الحديث إلى الطبراني بلفظ " لا تجتمع أمتي على ضلالة "، والعلماء يستدلون به على حجية الإجماع لصحة معناه بموافقته للآيات والصحاح من الأخبار، وإنما يدل على إجماع الأمة، أمة الإجابة وأهل الاستقامة، لا على الإجماع المصطلح عليه عند الأصولين.
وفي معناه قول ابن عباس :" ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن " ٥، رواه عنه أحمد في السنة لا في المسند، ومن الناس من يظن أنه حديث مرفوع، ويستدل به الجهال حتى من المعممين أدعياء العلم على استحسان البدع الفاشية حتى في العقائد الثابتة، كبدع القبور التي كان يلعن النبي صلى الله عليه وسلم فاعليها في مرض موته، من بناء المساجد عليها، والصلاة إليها، وإيقاد السرج والمصابيح عندها، بل ما هو شر من ذلك وهو عبادتها بالطواف حولها، ودعاء أصحابها، والنذر لهم، والاستغاثة بهم، حتى في الشدائد، وهو ما لم يكن يفعله عباد الأصنام في مثل هذه الحال، بل كانوا فيه يخلصون الدعاء لله، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
بعد هذا الإرشاد إلى ما يقتضي الإحسان في الأعمال من مراقبة الله وتحري مرضاته ومرضاة رسوله وجماعة المؤمنين والخير لعباده بها، ذكرهم تعالى بما يقتضي ذلك من جزاء الآخرة عليها، فقال : وستردون إلى عالم الغيب والشهادة بالبعث بعد الموت.
فينبئكم بما كنتم تعملون في الدنيا مما كان مشهودا للناس منه، وما كان غائبا عن علمهم منه ومن نياتكم فيه، ينبئكم به عند الحساب، وما يترتب عليه من الجزاء بحسن الثواب، أو سوء العذاب.
١ أخرجه أحمد في المسند ٣/٢٨..
٢ البيت من الطويل، وهو في ديوان زهير بن أبي سلمى ص ٣٢، والجني الداني ص ٦١٢، والدرر ٤/١٨٤، ٥/٨٢، وشرح شواهد المغني ص ٧٤٣، ٧٣٨، ٣٨٦، وشرح قطر الندى ص ٣٧، ومغني اللبيب ص ٣٣٠، بلا نسبة في شرح الأشموني ٣/٥٧٩، ومغنى اللبيب ص ٣١٣، وهمع الهوامع ٢/٣٥، ٥٨..
٣ أخرجه البخاري في الجنائز باب ٨٦، والشهادات باب ٦، ومسلم في الجنائز حديث ٦٠..
٤ أخرجه الترمذي في الفتن باب ٧..
٥ أخرجه أحمد في المسند ١/٣٧٩..
وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ واللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٠٦
هذه الآية عطف على قوله تعالى : وآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً ، وهؤلاء هم القسم الأخير من المتخلفين عن غزوة تبوك. فقد علم مما تقدم أن المتخلفين منهم المنافقون وهم أكثرهم- وقد تقدم بيان أقسامهم ومن اعتذر ومن لم يعتذر منهم- ومنهم المؤمنون، وهم قسمان : أحدهما : الذين اعترفوا بذنوبهم وتابوا وزكوا توبتهم بالصدقة وطلب دعاء الرسول واستغفاره فتاب الله عليهم. وثانيهما : الذين حاروا في أمرهم ولم يعتذروا للرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأنهم لا عذر لهم، وأرجأوا توبتهم، فأرجأ الله الحكم القطعي في أمرهم للحكمة التي يأتي بيانها قريبا. قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وغيرهم : هم الثلاثة الذين خلفوا، أي عن التوبة، وهم مرارة بن الربيع وكعب بن مالك وهلال بن أمية، قعدوا عن غزوة تبوك في جملة من قعد كسلا وميلا إلى الدعة والحظ وطيب الثمار والظلال لا شكا ونفاقا، فكانت طائفة ربطوا أنفسهم بالسواري كما فعل أبو لبابة وأصحابه، وطائفة لم يفعلوا ذلك وهم هؤلاء الثلاثة المذكورين، فنزلت توبة أولئك قبل توبة هؤلاء، وأرجئ هؤلاء عن التوبة حتى نزلت آيتا التوبة الآتيتين ( ١١٧ و ١١٨ ).
وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ أي وثم أناس آخرون من المتخلفين مؤخرون لحكم الله في أمرهم، أو لأمره لرسوله بما يعاملهم به.
قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم ( مرجون ) بحذف الهمزة للتخفيف، والآخرون ( مرجؤن ) بالهمزة على الأصل، فهو اسم مفعول من أرجأه إذا أخره، وقيل هما لغتان. رجاه يرجوه وأرجأه يرجئه.
وروي أن هذا الإرجاء كان ٥٠ يوما.
إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ أي أبهم الأمر عليهم وعلى الناس، لا يدرون ما ينزل فيهم، هل تنصح توبتهم فيتوب الله عليهم كما تاب على الذين اعترفوا بذنوبهم، أم يحكم بعذابهم في الدنيا والآخرة كما حكم على الخالفين من المنافقين ؟ فالترديد بين الأمرين هو بالنسبة إلى الناس لا إلى الله عز وجل، وحكمة إبهام أمر هؤلاء عليهم إثارة الهم والخوف في قلوبهم لتصح توبتهم، وحكمة إبهامه على الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين تركهم مكالمتهم ومخالطتهم، تربية للفريقين على ما يجب في أمثالهم من الذين يؤثرون الراحة ونعمة العيش على طاعة الله ورسوله والجهاد في سبيله لإعلاء كلمة الحق والعدل، ودفع عدوان الكفار عن المؤمنين، حتى ما كان من أمرهم ما بينه في الآية ١١٨.
واللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ عليم بحال عباده، ويربيهم ويزكيهم ويصلح حال أفرادهم ومجموعهم، حكيم فيما يشرعه لهم من الأحكام المفيدة لهذا الصلاح ما عملوا بها. ومن آثار علمه وحكمته إرجاء النص على توبتهم في كتابه، ومن هذه الحكمة تكرار تأثير تلاوة المؤمنين للآيات في ذلك في الأوقات المتفرقة، فإنها من أعظم آيات القرآن ترهيبا وتخويفا، وعظة وتهذيبا.
نزلت هذه الآيات الأربع في واقعة حال من مكايد المنافقين للرسول صلى الله عليه وسلم و للمؤمنين، لم أرى أحدا بين حكمة خاصة لتأخيرها عن أمثالها مما نزل في أعمال المنافقين. ووضعها هنا في سياق توبة المذنبين من المؤمنين : ما تقدم منها فقبل، وما تأخر فأرجئ، وقد بينا الحكمة العامة في تفريق الآيات في الموضوع الواحد ـ وهو تجديد الذكرى والعظة، وما تقتضيه من التأثير والعبرة ـ في مواضع متعددة من الكلام على التناسب ووجوه الاتصال بين الآيات. ولعل بعض ضعفاء المؤمنين كانوا قد شايعوا أولئك المنافقين الاثني عشر الذين بنوا مسجد الضرار في عملهم جاهلين مقاصدهم منه، فأريد بوضع القصة وإبهام عطفها على من أرجأ الله الحكم في أمرهم أن يتعظ أولئك الغافلون من المؤمنين المغرورين بمسجد الضرار ومتخذيه، ويخافوا أن يؤاخذوا بمشايعتهم لهم، ولو بصلاتهم معهم في مسجدهم.
نزلت هذه الآيات الأربع في واقعة حال من مكايد المنافقين للرسول صلى الله عليه وسلم و للمؤمنين، لم أرى أحدا بين حكمة خاصة لتأخيرها عن أمثالها مما نزل في أعمال المنافقين. ووضعها هنا في سياق توبة المذنبين من المؤمنين : ما تقدم منها فقبل، وما تأخر فأرجئ، وقد بينا الحكمة العامة في تفريق الآيات في الموضوع الواحد ـ وهو تجديد الذكرى والعظة، وما تقتضيه من التأثير والعبرة ـ في مواضع متعددة من الكلام على التناسب ووجوه الاتصال بين الآيات. ولعل بعض ضعفاء المؤمنين كانوا قد شايعوا أولئك المنافقين الاثني عشر الذين بنوا مسجد الضرار في عملهم جاهلين مقاصدهم منه، فأريد بوضع القصة وإبهام عطفها على من أرجأ الله الحكم في أمرهم أن يتعظ أولئك الغافلون من المؤمنين المغرورين بمسجد الضرار ومتخذيه، ويخافوا أن يؤاخذوا بمشايعتهم لهم، ولو بصلاتهم معهم في مسجدهم.
لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً هذا نهي للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بالتبع له عن الصلاة فيه مؤكد بلفظ الأبد الذي يستغرق الزمن المستقبل، وتفسير القيام بالصلاة هنا مروي عن ابن عباس وهو معهود في التنزيل كقوله : وقوموا لله قانتين [ البقرة : ٢٣٨ ] وقوله : قم الليل إلا قليلا [ المزمل : ٢ ]، والنهي عن القيام المطلق يتضمن النهي عن القيام للصلاة، ولكنها هي المقصودة بالنهي لطلبهم لها به صلى الله عليه وسلم.
لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَولِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ اللام الداخلة على المسجد للقسم أو للابتداء. والتأسيس وضع الأساس الأول للبناء الذي يقوم عليه ويرفع، والمراد منه هنا القصد والغرض من البناء، والتقوى الاسم الجامع لما يرضي الله ويقي من سخطه، أي أن مسجدا قصد ببنائه منذ وضع أساسه في أول يوم تقوى الله تعالى بإخلاص العبادة له، وجمع المؤمنين فيه على ما يرضيه من التعارف والتعاون على البر والتقوى، هو أحق أن تقوم فيه أيها الرسول مصليا بالمؤمنين من غيره، ولاسيما ذلك المسجد الذي وضع أساسه على المقاصد الأربعة الخبيثة، والسياق يدل على أن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم مسجد قباء، وقد صح في أحاديث رواها الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عنه فأجاب بأنه مسجده الذي في المدينة، ففي رواية مسلم عن أبي سعيد أنه لما سأله أخذ صلى الله عليه وسلم كفا من حصباء فضرب به الأرض ثم قال :" هو مسجدكم هذا " ١، وفي رواية لأحمد عنه وعن سهل بن سعد " هو مسجدي هذا " ٢، ولفظ الآية لا يمنع من إرادة كل من المسجدين، لأن كلا منهما قد بناه النبي صلى الله عليه وسلم ووضع أساسه على التقوى من أو يوم شرع فيه ببنائه، أو من أول يوم وجد في موضعه ( والتحقيق أن " من " تدخل على الزمان والمكان ).
فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ هذه جملة وصف بها المسجد الذي أسس على التقوى تؤكد ترجيح القيام مع أهله المطهرين في مقابل أهل مسجد الضرار وهم رجس، والمعنى : فيه رجال يعمرونه بالاعتكاف وإقامة الصلاة، وذكر الله وتسبيحه فيه بالغدو والآصال، يحبون أن يتطهروا بذلك من كل ما يعلق بأنفسهم من درن الآثام، أو التقصير في إقامة دعائم الإسلام، كما تطهر المتخلفون منهم عن غزوة تبوك بالتوبة والصدقات، ومن لوازم عمارته المعنوية والعكوف فيه طهارة الثوب والبدن الحسية، وطهارة الوضوء والغسل الحكمية، فالتطهر صيغة مبالغة تشمل الطهارتين النفسية والبدنية، ووردت الروايات بكل منهما، ولكل من الاستعمالين موضع من التنزيل، والجمع بينهما هو الأولى.
واللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أي المبالغين في الطهارة الروحية والجسدية، وإنما يبالغون فيها إذا أحبوها، وحينئذ تكمل إنسانيتهم المؤلفة من الروح والجسد. ولا يطيق نجاسة البدن وقذارته إلا ناقص الفطرة والأدب، وأنقص منه من يطيق خبث النفس بالإصرار على المعاصي والعادات القبيحة، والتخلق بالأخلاق الذميمة. دع رجس المنافقين المرائين في الأعمال، الأشحة الباخلين بالأموال. وأما حب الله المستحقين لحبه، فهو من صفات كماله، لأن العالم بتفاوت الأشياء في الحسن والقبح، والكمال والنقص، يكون من أفضل صفاته حب الجمال والكمال والحق والخير، وبغض أضدادها وكراهتها، وحبه اللائق بربوبيته منزه عن مشابهة حبنا، كتنزه ذاته وسائر صفاته عن مشابهة ذواتنا وصفاتنا، ولكن يظهر أثره في المحبوبين من عباده في أخلاقهم وأعمالهم، ومعارفهم وآدابهم، وأعلاه ما أشار إليه حديث البخاري القدسي :" ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به " ٣ الخ.
وقد قال الله تعالى معللا ما وعظ به نساء نبيه صلى الله عليه وسلم من أمره ونهيه لهن بما يليق بمكانتهن من رسوله إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [ الأحزاب : ٣٣ ].
وقد فسر بعض المفسرين محبته تعالى للمطهرين برضاه عنهم وإحسانه إليهم، وهو تأويل فسر به اللفظ ببعض لوازمه، فإن كان هربا من نظرية من قال من المتكلمين : إن اتصاف الله تعالى بالحب محال ؛ لأنه انفعال نفسي يستحيل على ذي الجلال، فيجب تفسيره بلازمه المذكور كما قال بعضهم في الرحمة وغيرها من الصفات، فهو هروب من مذهب السلف الحق، ووقوع فيما فروا منه بالتأويل، وهو تشبيه الله بخلقه. إذ يقال لهم : إن الرضا عاطفة نفسية كالحب، والإحسان عمل بدني كبسط اليد بالبذل، وهما يسندان إلى الناس فلا يصح أن يوصف بهما الخالق عز وجل ؛ لأنه تشبيه له بالخلق، كذا العلم والقدرة والمشيئة والكلام، وغيرهما من صفات الذات، فإن كلا منها وضعت في اللغات، لمعانيها المعروفة في المخلوقات، ككون العلم صور المعلومات المنتزعة منها في الذهن، وهو بهذا المعنى محال على الله عز وجل. وإذا كان الأمر كذلك فالحق أن يوصف تعالى بما وصف به نفسه على ظاهره بقيوده الثلاثة التي قررها السلف الصالح : أي بلا تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل. فعلمه تعالى انكشاف يليق به، وحبه معنى نفسي يليق به الخ.
ذكر السيوطي في الدر المنثور عدة روايات حاصلها أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أهل قباء عن سبب ثناء الله تعالى عليهم بهذه الآية، فأجابوه بأنهم يستنجون بالماء، وفي بعضها أنهم يتبعون الحجارة بالماء، وذكر أن ابن ماجه وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني والحاكم وغيرهم رووا عن طلحة بن نافع قال : حدثني أبو أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك رضي الله عنه أن هذه الآية لما نزلت فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيرا في الطهور فما طهوركم هذا ؟ " قالوا : نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة. قال :" فهل مع ذلك غيره ؟ قالوا : إن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء قال :" هو ذاك فعليكموه ". ٤
أقول طلحة بن نافع هذا ثقة روى عنه الجماعة كلهم، ولكن رواية البخاري عنه مقرونة بغيره، وهي أربعة أحاديث رواها عن جابر. ولعله اقتصر عليها، لقول شيخه علي بن المديني : إنه لم يرو عن جابر غيرها، أي لم يصح عنده غيرها. وقال أبو حاتم : إنه لم يسمع من أبي أيوب، ولكنه هنا صرح بالسماع منه فيما رواه من ذكر وغيرهم.
وحديثه هذا على كل حال أقوى من أحاديث سؤال النبي صلى الله عليه وسلم أهل مسجد قباء وجعله الثناء عليهم، وهو في سؤال الأنصار، والمسئولون منهم كلهم من سكان المدينة، وتؤيده الأحاديث الصحيحة الناطقة بأن المسجد الذي أثنى الله عليه وعلى أهله هو مسجده فيها. وقد قلنا : إنه لا مانع من إرادة كل منهما، وهو أولى من القول بتعارضهما، كما أن الروايات فيهما لا تنافي إرادة نوعي الطهارة كليهما، ويؤيد إرادة الطهارة المعنوية قوله تعالى : أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوى مِنَ اللّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ
١ أخرجه مسلم في الحج حديث ٥١٤..
٢ أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٩، باب ١٤، والنسائي في المساجد باب ٨، وأحمد في المسند ٣/٨، ٥/١١٦، ٣٣١، ٣٣٥..
٣ أخرجه البخاري في الرقاق باب ٣٨، وأحمد في المسند ٦/٢٥٦..
٤ أخرجه بن ماجة في الطهارة باب ٢٨، وأحمد في المسند ٣/٤٢٢، ٦/٦..
نزلت هذه الآيات الأربع في واقعة حال من مكايد المنافقين للرسول صلى الله عليه وسلم و للمؤمنين، لم أرى أحدا بين حكمة خاصة لتأخيرها عن أمثالها مما نزل في أعمال المنافقين. ووضعها هنا في سياق توبة المذنبين من المؤمنين : ما تقدم منها فقبل، وما تأخر فأرجئ، وقد بينا الحكمة العامة في تفريق الآيات في الموضوع الواحد ـ وهو تجديد الذكرى والعظة، وما تقتضيه من التأثير والعبرة ـ في مواضع متعددة من الكلام على التناسب ووجوه الاتصال بين الآيات. ولعل بعض ضعفاء المؤمنين كانوا قد شايعوا أولئك المنافقين الاثني عشر الذين بنوا مسجد الضرار في عملهم جاهلين مقاصدهم منه، فأريد بوضع القصة وإبهام عطفها على من أرجأ الله الحكم في أمرهم أن يتعظ أولئك الغافلون من المؤمنين المغرورين بمسجد الضرار ومتخذيه، ويخافوا أن يؤاخذوا بمشايعتهم لهم، ولو بصلاتهم معهم في مسجدهم.
أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوى مِنَ اللّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ هذا بيان مستأنف للفرق بين أهل المسجدين في مقاصدهما منهما : أهل مسجد الضرار الذي زادوا به رجسا إلى رجسهم، وأهل مسجد التقوى وهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأنصاره الذين يحبون أكمل الطهارة لظاهرهم وباطنهم، فاستفادوا بذلك محبة الله لهم، وورد بصيغة استفهام التقرير، لما فيه من تنبيه الشعور وقوة التأثير، والبنيان مصدر كالعمران والغفران، ويراد به المبني من دار أو مسجد وهو المتعين هنا. وتقدم آنفا معنى التأسيس، والشفا ( بالفتح والقصر ) الحرف، والشفير للجرف والنهر وغيره. والجرف ( بضمتين ) جانب الوادي ونحوه الذي يتحفر أصله بما يجرفه السيل منه فيجتاح أسفله فيصير مائلا للسقوط، والهار الضعيف المتصدع المتداعي للسقوط، وهذا التعبير يضرب مثلا لما كان في منتهى الضعف والإشراف على الزوال، وهو من أبلغ الأمثال، لمنتهى الوهي والانحلال.
المراد بالمثل هنا بيان ثبات الحق الذي هو دين الإسلام وقوته ودوامه، وسعادة أهله به، وذكره بأثره وثمرته في عمل أهله وجماعها التقوى، وبجزائهم عليه وأعلاه رضوان الله تعالى، وبيان ضعف الباطل واضمحلاله، ووهيه وقرب زواله، وخيبة صاحبه وسرعة انقطاع آماله، وشر أهله المنافقين، وشر أعمالهم ما اتخذوه من مسجد الضرار للمفاسد الأربعة المبينة في الآية الأولى من هذا السياق.
وقد ذكر في وصف بنيان الفريق الأول -وهم المؤمنون- المشبه دون المشبه به لأنه المقصود بالذات، ولم يذكر فيما قبله من عملهم إلا المبالغة في الطهارة. وذكر من وصف بنيان الفريق الثاني الهيئة المشبه بها دون المشبه، لأنه ذكر فيما قبل مقاصدهم منها كلها، وهذا من دقائق إيجاز القرآن.
نقول في المعنى الجامع بين المشبه به في الفريقين : أفمن أسس بنيانه الذي يتخذه مأوى وموئلا له، يقيه من فواعل الجو وعدوان كل حي، وموطنا لراحته، وهناء معيشته، على أمتن أساس وأثبته، وأقواه على مصابرة العواصف والسيول، وصد الهوام والوحوش هو خير بنيانا وراحة وأمانا ؟ أم من أسس بنيانه على أوهى القواعد وأقلها بقاء واستمساكا، فهي عرضة للانهيار، في كل لحظة من ليل أو نهار ؟
وأما معنى المشبه المقصود بالذات في كل منهما فيصور هكذا : أفمن كان مؤمنا صادقا يتقي الله في جميع أحواله، ويبتغي رضوانه في أعماله، بتزكية نفسه بها ونفع عياله، - والخلق كلهم عيال الله كما ورد في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفمن كان كذلك خير عملا، وأفضل عاقبة وأملا، وممن نزل فيهم إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً [ الكهف : ١٠٧ ]، أم من هو منافق مرتاب، مراء كذاب، يبتغي بأفضل مظاهر أعماله الضرر والضرار، وتقوية أعمال الكفر وموالاة الكفار، وتفريق جماعة المؤمنين الأخيار، والإرصاد لمساعدة من حارب الله ورسوله من الأشرار، وما يكون من عاقبة ذلك في الدنيا من الفضيحة والعار، والخزي والبوار، وفي الآخرة من الانهيار في نار جهنم وبئس القرار ؟
وفي معنى هذا المثل أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا [ الرعد : ١٧ ] الآية وخلاصة المثلين أن الإيمان الصادق، وما يلزمه من العلم الصالح، هو المثمر الثابت، وأن النفاق وما يستلزمه من العمل الفاسد، هو الباطل الزاهق، وهذا المعنى يوافق قول علماء الكون أنه لا يتنازع شيئان في الوجود إلا ويكون الغالب هو الأصلح منهما. ويسمون هذه السنة ( ناموس الانتخاب الطبيعي وبقاء الأمثل )، وسبق بيانه في هذا التفسير.
صدق الله العظيم، فقد ثبت الله المؤمنين بالقول الثابت، وهداهم بإيمانهم إلى العمل الصالح، ففتحوا البلاد، وأقاموا الحق والعدل في العباد، وأهلك الله المنافقين، لا يفقهون ولا يعتبرون، وشر النفاق وأضره نفاق العلماء، للملوك والأمراء.
وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أي مضت سنته في ارتباط العقائد والأخلاق بالأعمال، بأن الظالم لا يكون مهتديا في أعماله إلى الحق والعدل، فضلا عن الرحمة والفضل، ولا أظلم في الناس من المنافقين كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ واللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [ آل عمران : ٨٦ ].
نزلت هذه الآيات الأربع في واقعة حال من مكايد المنافقين للرسول صلى الله عليه وسلم و للمؤمنين، لم أرى أحدا بين حكمة خاصة لتأخيرها عن أمثالها مما نزل في أعمال المنافقين. ووضعها هنا في سياق توبة المذنبين من المؤمنين : ما تقدم منها فقبل، وما تأخر فأرجئ، وقد بينا الحكمة العامة في تفريق الآيات في الموضوع الواحد ـ وهو تجديد الذكرى والعظة، وما تقتضيه من التأثير والعبرة ـ في مواضع متعددة من الكلام على التناسب ووجوه الاتصال بين الآيات. ولعل بعض ضعفاء المؤمنين كانوا قد شايعوا أولئك المنافقين الاثني عشر الذين بنوا مسجد الضرار في عملهم جاهلين مقاصدهم منه، فأريد بوضع القصة وإبهام عطفها على من أرجأ الله الحكم في أمرهم أن يتعظ أولئك الغافلون من المؤمنين المغرورين بمسجد الضرار ومتخذيه، ويخافوا أن يؤاخذوا بمشايعتهم لهم، ولو بصلاتهم معهم في مسجدهم.
لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ الريبة اسم من الريب، وهو ما تضطرب فيه النفس، ويتردد الوهم ويسوء الظن، فيكون صاحبه منه في شك وحيرة إن لم يكن مثاره الشك. قال قوم صالح عليه السلام له، منكرين دعوته إياهم إلى عبادة الله وحده : وإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ [ هود : ٦٢ ]، ولهذا الاستعمال أمثال في التنزيل، وهو صريح في أن الشك مثار للريب وموقع فيه لا أنه عينه، وقد يفسر به باعتبار لزومه له وإيقاعه فيه. قال الشاعر :
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت وقد رابني منها الغداة سفورُها١
والظاهر أن ارتيابهم فيه كان منذ بنوه على أن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهدمه فهدم، وذلك أنهم لسوء نيتهم في بنائه كانوا يخافون أن يطلع الله رسوله على مقاصدهم السوءى فيه، وكان ذلك شأن سائر إخوانهم كما تقدم في قوله تعالى : يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم [ التوبة : ٦٤ ] وذكرنا في تفسيرها قوله تعالى : يحسبون كل صحية عليهم [ المنافقون : ٤ ] ( ج ١٠ ) وأجدر بهم أن يكونوا بعد هدمه أشد ارتيابا، وأكثر اضطرابا، بما يحذرون من عقابهم في الدنيا كما أنذرتهم هذه السورة مرارا، وأن يستمر ذلك ملازما لهم.
إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ قرأ ابن عامر وحفص عن نافع وحمزة ( تقطع ) بفتح التاء وتشديد الطاء من التقطع، وقرأ الباقون بضم التاء من التقطيع، أي إلا أن تقطع الريبة قلوبهم أفلاذا، فتتقطع بها وتكون جذاذا، وقرأ يعقوب ( إلى ) بدل ( إلا ) وفسر ذلك بالموت والهلاك، وبالحسرة والندم المقتضي للتوبة، وقال الزمخشري وتبعه معتادو الأخذ عنه : لا يزال هدمه سبب شك ونفاق زائد على شكهم ونفاقهم، لا يزول وسمه عن قلوبهم، ولا يضمحل أثره ( إلا أن تقطع قلوبهم ) قطعا، وتفرّق أجزاء، فحينئذ يسلون عنه، وأما ما دامت سالمة مجتمعة، فالريبة باقية فيها متمكنة، فيجوز أن يكون ذكر التقطع تصويرا لحال زوال الريبة عنهم، ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وما هو كائن منه بقتلهم، أو في القبور أو في النار. وقيل معناه إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم اه.
واللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فحكم في أمرهم وبين من حالهم ما اقتضته الحكمة والعلم المحيط بكل شيء.
١ البيت من الطويل، وهو لتوبة بن الحمير في ديوانه ص ٣٠، ولسان العرب (برقع)، وتاج العروس (برقع) وتهذيب اللغة ٣/٢٩٤، والأغاني ١١/٢١١، وبلا نسبة في كتاب العين ٢/٢٩٨..
*إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وأَمْوالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ والإِنجِيلِ والْقُرْآنِ ومَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وذَلِكَ هُو الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ١١١ ‏ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ والنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ والْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ١١٢
هاتان الآيتان في بيان حال المؤمنين حق الإيمان، البالغين فيه ما هو غاية له من الكمال، وضعتا بعد بيان حال المنافقين، وأصناف المؤمنين المقصرين، ومنهما تعرف جميع درجات المسلمين، ولاسيما المتخلفين عن الجهاد في سبيل الله.
*إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وأَمْوالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ والإِنجِيلِ والْقُرْآنِ ومَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وذَلِكَ هُو الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ١١١ ‏ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ والنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ والْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ١١٢
هاتان الآيتان في بيان حال المؤمنين حق الإيمان، البالغين فيه ما هو غاية له من الكمال، وضعتا بعد بيان حال المنافقين، وأصناف المؤمنين المقصرين، ومنهما تعرف جميع درجات المسلمين، ولاسيما المتخلفين عن الجهاد في سبيل الله.
ثم وصف الله تعالى هؤلاء المؤمنين البائعين أنفسهم وأموالهم لله تعالى بجنته ودار كرامته، فقال :
التَّائِبُونَ أي التائبون الكاملون في توبتهم وهي الرجوع إلى الله تعالى عن كل ما يبعد عن مرضاته، وتختلف باختلاف أحوال أهلها، فتوبة الكفار الذين يدخلون في الإسلام هي الرجوع عن الكفر الذي كانوا عليه من شرك وغيره كما تقدم في قوله تعالى : فَإِن تَابُواْ وأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ [ التوبة : ١١ ]، وتوبة المنافق من النفاق وتقدم ذكرها في هذه السورة أيضا، وتوبة العاصي من المعصية، ومنه توبة من تخلف عن غزوة تبوك من المؤمنين، وتقدم قريبا ذكر من تاب منهم ومن أرجئ أمره، وتوبة المقصر في شيء من البر وعمل الخير إنما تكون في التشمير فيه والاستزادة منه، وتوبة من يغفل عن ربه إنما تكون في الإكثار من ذكره وشكره، وسيأتي ذكر توبة الله تعالى على الجميع في الآيتين ( ١١٧ و ١١٨ ).
الْعَابِدُونَ لله ربهم وحده، مخلصين له الدين في جميع عباداتهم في عامة أوقاتهم، لا يتوجهون إلى غيره بدعاء ولا استعانة، ولا يترقبون إلى سواه بعمل مما يقصد به القربة ومثوبة الآخرة.
الْحَامِدُونَ لله ربهم في السراء والضراء، بالثناء عليه بلفظ الحمد وغيره من الذكر المشروع الدال على الرضا منه تعالى، ومهما يصب الإنسان من مصائب الدنيا فإنه يبقى له منه النعم فيها وفي الدين ؛ بل يبقى له من اللطف الإلهي في نفس المصائب ما يجب عليه أن يحمد الله ويشكره عليه.
( وتقدم بيان الحمد والعبادة في تفسير سورة الفاتحة وغيرها ).
السَّائِحُونَ في الأرض، يجوبون الأقطار لغرض صحيح، من علم أو عمل كالجهاد في سبيل الله، وروي عن عطاء، أو للهجرة حيث تشرع الهجرة، وروي عن عبد الرحمن بن زيد قال : السائحون هم المهاجرون ليس في أمة محمد سياحة إلا الهجرة. أو لطلب العلم النافع للسائح في دينه أو دنياه، أو النافع لقومه وأمته، وروي عن عكرمة، وخصه بعضهم بطلب الحديث :( لأنهم كانوا يسافرون من مصر إلى أخرى للرواية )، أو للنظر في خلق الله وأحوال الشعوب والأمم للاعتبار والاستبصار، ومعرفة سنن الله تعالى وحكمه وآياته، وهذا ما تدل عليه الآيات المتعددة في الحث على السير في الأرض كما بيناه في الأصلين ( ١٣ و١٤ ) من الأصول العلمية التي استنبطناها من سورة الأنعام ( ج ٨ ).
وروي عن عبد الله بن مسعود أن المراد بالسائحين الصائمون، وقاله في تفسير ( سائحات ) من سورة التحريم، وتعلق به مصنفو التفاسير لاستبعادهم مدح الله تعالى النساء بالسياحة في الأرض، وإنما يحظر في الإسلام سفر المرأة منفردة دون زوجها أو أحد محارمها، وأما إذا كانت تسيح مع زوجها والمحرم حيث يسيح لغرض صحيح من علم نافع أو عمل صالح أو طلب الصحة أو الرزق فلا إشكال في مدحها بالسياحة ؛ بل ينبغي اشتراك الرجال والنساء في جميع أعمال الحياة النافعة.
وأزيد على ذلك السياحة والسفر لطلب الرزق الحلال من تجارة وغيرها، وإذا صح أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصحبون نساءهم في غزواتهم عند الإمكان، وهن غير مكلفات بالقتال، بل يساعدن عليه بتهيئة الطعام والشراب، وتضميد الجراح وغير ذلك كما تقدم في تفسير الآية ٧١، والْمُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ( ج ١٠ ) فلأن يصحبنهم في سائر الأسفار أولى. وفي سفر المرأة مع زوجها إحصان له ولها، فهو مانع للمسلم من التطلع في السفر إلى غيرها.
وعلل سفيان بن عيينة تفسير السائحين بالصائمين بأن الصائم يترك اللذات كلها كالسائح للتعبد، ومثله أو منه قول الأزهري : يسمى الصائم سائحا لأن الذي يسيح في الأرض متعبدا لا يحمل زادا، فكان ممسكا عن الأكل. ولهذا التعليل خص بعضهم إطلاق وصف السائحين على الصائمين بالذين يديمون الصيام، وأخذ بعضهم بظاهر اللفظ، فقال : يكفي في صحة الوصف صيام الفرض، وكل ذلك ضعيف.
والصوفية يخصون السائحين الممدوحين باللذين يهيمون في الأرض لتربية إرادتهم، وتهذيب أنفسهم باحتمال المشاق، والبعد عن مظان السمعة والرياء، لجمع القلب على الرب عزّ وجلّ بالإخلاص في عبادته، والتكمل في منازل معرفته، كالسياحين من الأمم قبلهم، وقد كان إطلاق السياحة بهذا المعنى ذائعا من قبل الإسلام، حتى قال صاحب القاموس : السياحة الذهاب في الأرض للعبادة، ومنه سمي المسيح الخ، واعترضوه فيه، فإنما هو عرف ليس من أصل اللغة، وتقدم معنى السياحة اللغوي في تفسير قوله تعالى : فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ، وهو أول آية من هذه السورة ( ج ١٠ ).
وقد حدث للمتصوفة بدع في السياحة، كقصد مشاهد القبور المنسوبة إلى الأنبياء والصالحين للتبرك بها، والاستمداد من أرواح من دفنوا فيها، وكثير منهم يكون له هوى في التنقل من بلد إلى آخر، فيظل هائما في الأسفار، وينقطع بذلك عن الأعمال التي تنفع الناس وعن الزواج، ويرتكب بعضهم فيها كثيرا من المنكرات، ويكون لهم طمع في استجداء الناس، والسؤال حرام إلا لضرورة، والفقهاء ينكرون عليهم سياحتهم هذه.
قال ابن الجوزي : السياحة في الأرض لا لمقصود ولا إلى مكان معروف منهي عنها. وقد روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا رهبانية في الإسلام، ولا تبتل، ولا سياحة في الإسلام ". وقال الإمام أحمد : ما السياحة من الإسلام في شيء، ولا من فعل النبيين والصالحين، ؛ لأن السفر يشتت القلب، فلا ينبغي للمريد أن يسافر إلا في طلب علم أو مشاهدة شيخ يقتدي به اه.
وأقول : روى ابن جرير من حديث أبي هريرة مرفوعا وموقوفا حديث " السائحون هم الصائمون "، ولا يصح رفعه، وروي عن عائشة وابن عباس ومجاهد وغيرهم من أقوالهم، ومن مرسل عمرو بن دينار عن عبيد بن عميرة، وروى أبو داود من طريق القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة أن رجلا قال : يا رسول الله ائذن لي بالسياحة ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم :" إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله عزّوجلّ " ١، قال الحافظ المنذري : القاسم هذا تكلم فيه غير واحد. اه. أقول : منهم الإمام أحمد، كان يقول فيما يروى عنه من المناكير : إنها من قبله، ويقول بعضهم : إنها ممن روى عنه من الضعفاء، لا منه، وقال ابن حبان : كان يروي عن الصحابة المعضلات.
وللإمام الغزالي في كتاب السفر من الإحياء كلام نفيس في فوائد السياحة والاعتبار بآيات الله تعالى فيها، لا يوجد في غيره مثله.
الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ لله تعالى في صلواتهم. والصلاة تذكر تارة بلفظها وتارة ببعض أركانها كالقيام والركوع والسجود. وهذا الوصف يفيد التذكير بهذه الهيئة وتمثليها للقارئ والسامع.
الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ والنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ تقدم معنى هذا الأمر والنهي ومكانته من صفات المؤمنين في تفسير الآية ( ٧١ ) من هذه السورة ( ج ١٠ )، وهذه الصفة وما بعدها من الصفات المتعلقة بجماعة المؤمنين فيما يجب على بعضهم لبعض، وكل ما قبلها من صفات الأفراد.
والْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ أي شرائعه وأحكامه التي حدد فيها ما يجب وما يحظر على المؤمنين من العمل بها، وما يجب على أئمة المسلمين وأولي الأمر وأهل الحل والعقد منهم إقامتها وتنفيذها بالعمل في أفراد المسلمين وجماعتهم إذا أخلوا بما يجب عليهم من الحفظ لها.
بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ أي وبشر أيها الرسول المؤمنين الموصوفين بهذه البضع الصفات، ولم يذكر ما يبشرهم به لتعظيم شأنه وشموله لخير الدنيا وسعادة الآخرة.
ومن مباحث اللغة أن المعدودات تسرد بغير عطف، وإنما عطف النهي عن المنكر على الأمر بالمعروف للإيذان بأنهما فريضة واحدة لتلازمهما في الغالب. وأما عطف " الحافظون لحدود الله " على جملة ما تقدم فقيل : لأن التعداد قد تم بالوصف السابع من حيث إن السبعة هو العدد التام، والثامن ابتداء عدد آخر معطوف عليه، وإن هذه الواو تسمى واو الثمانية. وأنكر هذه الواو النحاة المحققون، وقيل : لأنه إجمال لما تقدم من التفصيل قبله، فلا يصح أن يجعل فردا من أفراده فيسرد معه، وأقوى منه عندي أنه وصف جامع للتكاليف عامة، والمنهيات خاصة، والسبعة المسرودة قبله من المأمورات، ولا يحصل الكمال للمؤمن بها إلا مع اجتناب المنهيات، وهو أول ما يلاحظ في حفظ حدود الله قال تعالى : تلك حدود الله فلا تقربوها [ البقرة : ١٨٧ ] وتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ البقرة : ٢٢٩ ] وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [ الطلاق : ١ ]، وعلى هذا يكون معنى نظم الآية أن المؤمنين الكاملين الذين باعوا أنفسهم لله تعالى هم المتصفون بالصفات السبع، والحافظون مع ذلك لجميع حدود الله في كل أمر ونهي، ويعبر عن هذا في عرف هذا العصر بقولهم :" المثل الأعلى " ويطلقونه على الأفراد النابغين في بعض الفضائل العامة، وعلى الجماعات والأمم الراقية، ويكفي أن يقال فيه :" المثل " في كذا. كما قال تعالى : ولما ضرب ابن مريم مثلا [ الزخرف : ٥٧ ] وقال : وجعلناه مثلا لبني إسرائيل [ الإسراء : ٢ ]، أو يقال : مثل عال، أو مثل شريف. وأما الأعلى فهو الله عزّ وجلّ كما قال عن نفسه ولله المثل الأعلى [ النحل : ٦٠ ]، وقال : ولَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاواتِ والْأَرْضِ وهُو الْعزيز الْحَكِيمُ [ الروم : ٢٧ ].
وجملة القول فيهم أنهم الحافظون لجميع حدود الله تعالى، وخصت تلك الخلال السبع بالذكر لأنها هي التي تمثل في نفس القارئ أكمل ما يكون المؤمن به محافظا على حدود الله تعالى.
١ أخرجه أبو داود في الجهاد باب ٦..
مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ١١٣ ومَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأواهٌ حَلِيمٌ ١١٤ ومَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ١١٥ إِنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاواتِ والأَرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ ومَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن ولِيٍّ ولاَ نَصِيرٍ ١١٦
تقدم في الآية الثمانين من هذه السورة أن الله تعالى لا يغفر للمنافقين لأنهم كفروا بالله ورسوله الخ، فاستغفار الرسول لهم وعدمه سيان. وتقدم في سورة النساء إن الله لا يغفر أن يشرك به [ النساء : ٣٨ و ١١٦ ]، وقد شرع الله للمؤمنين في أوائل سورة الممتحنة التأسي بإبراهيم عليه السلام والذين آمنوا معه في البراءة من قومهم المشركين ومن معبوداتهم، واستثنى من هذه الأسوة استغفار إبراهيم صلى الله عليه وسلم لأبيه، فقال : إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك من الله من شيء [ الممتحنة : ٤ ]، وقد تبين هنا حكم الاستغفار لمن ذكر، وقفى عليه بقاعدة التشريع العامة التي يبنى عليها الجزاء، فقال عزّ وجلّ :
مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ هذا نفي بمعنى النهي، فهو أبلغ من النهي المجرد، وهذا التعبير فيه يسمى نفي الشأن، وهو أبلغ من نفي الشيء نفسه، لأنه نفي معلل بالسبب المقتضي له. والمعنى : ما كان من شأن النبي ولا مما يصح أن يصدر عنه من حيث هو نبي، ولا من شأن المؤمنين ولا مما يجوز أن يقع منهم من حيث هم مؤمنون، أن يدعوا الله طالبين منه المغفرة للمشركين.
ولو كانوا أولي قربى لهم في الأصل حق البر وصلة الرحم وكانت عاطفة القرابة تقتضي الغيرة عليهم وحب المغفرة لهم، " ولو " هذه تفيد الغاية، المعطوف عليه يحذف حذفا مطردا للعلم به، والمراد أنه ليس مما تبيحه النبوة ولا الإيمان، ولا مما يصح وقعه من أهلهما الاستغفار للمشركين في حال من الأحوال، حتى لو كانوا أولي قربى، فإن لم يكونوا كذلك فعدم جوازه أولى.
ثم قيد الحكم بقوله تعالى : مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ أي من بعد ما ظهر لهم بالدليل أنهم من أهل النار الخالدين فيها بأن ماتوا على شركهم وكفرهم ولو بحسب الظاهر، كاستصحاب حالة الكفر إلى الموت، أو نزل وحي يسجل عليهم ذلك، كإخباره تعالى عن أناس من الجاحدين المعاندين من أصحاب النار خالدين فيها، أو أنهم طبع قلوبهم وختم عليها. وقوله لرسوله صلى الله عليه وسلم سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون [ البقرة : ٦ ]، ومثله في المنافقين سواء عليهم أستغفرت لهم [ المنافقون : ٦ ] الخ.
وقد ورد في الصحيحين وغيرهما أن هذه الآية نزلت في أبي طالب، إذ دعاه صلى الله عليه وسلم عند ما حضره الموت إلى قول ( لا إله إلا الله ) فامتنع، وأبو طالب مات بمكة قبل الهجرة، فهل نزلت الآية عقب موته ثم ألحقت بهذه السورة المدنية لمناسبتها لأحكامها، أم نزلت مع غيرها من براءة مبينة لحكم استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم له ؟ وروي من طرق أنها نزلت حين زار صلى الله عليه وسلم قبر أمه واستغفر لها، والله أعلم، والآية نص في تحريم الدعاء لمن مات على كفره بالمغفرة والرحمة، وكذا وصفه بذلك، كقولهم المغفور له المرحوم فلان، كما يفعله بعض المسلمين الجغرافيين الآن، لعدم تحققهم بمقتضى الإيمان، وتقيدهم بأحكام الإسلام، ومنهم بعض المعممين والحاملين لدرجة العالمية من الأزهر.
أخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وغيرهم من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة فقال :" أي عم ! قل : لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله "، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيدانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم : على ملة عبد المطلب. وأبي أن يقول : لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك " فأنزل الله مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وأنزل الله في أبي طالب، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وهُو أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ١ [ القصص : ٥٦ ].
هذا لفظ البخاري في تفسير الآية الأخيرة من سورة القصص، وأخرجه في تفسير آية براءة وفي الجنائز أيضا.
قال الحافظ في شرحه للحديث : ووقع في رواية مجاهد قال : يا ابن أخي ملة الأشياخ. ووقع في حديث أبي حازم عند مسلم والترمذي والطبري قال : لولا أن تعيرني بها قريش يقولون : ما حمله على ذلك إلا جزع الموت لأقررت بها عينك. ثم قال الحافظ : وروى الطبري من طريق شبل عن عمرو بن دينار قال النبي صلى الله عليه وسلم :" استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى ينهاني عنه ربي "، فقال أصحابه لنستغفرن لآبائنا كما استغفر نبينا لعمه، فنزلت.
قال : وهذا فيه إشكال ؛ لأن وفاة أبي طالب كانت بمكة قبل الهجرة اتفاقا، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى قبر أمه لما اعتمر فاستأذن ربه أن يستغفر لها فنزلت هذه الآية، والأصل عدم تكرار النزول، وقد أخرج الحاكم وابن أبي حاتم من طريق أيوب بن هانئ عن مسروق عن ابن مسعود قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما إلى المقابر فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلا، ثم بكى فبكينا لبكائه، فقال :" إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي، وإني استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي، فأنزل علي مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ ".
وأخرج أحمد من حديث ابن بريدة عن أبيه نحوه، ومنه نزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب ولم يذكر نزول الآية، وفي رواية الطبري من هذا الوجه لما قدم مكة أتى رسم قبر، ومن طريق فضيل بن مرزوق عن عطية لما قدم مكة وقف على قبر أمه حتى سخنت عليه الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها، فنزلت. وللطبراني من طريق عبد الله بن كيسان عن عكرمة عن ابن عباس نحو حديث ابن مسعود وفيه : لما هبط من ثنية عسفان. وفيه نزول الآية في ذلك. فهذه طرق يعضد بعضها بعضا، وفيها دلالة على تأخير نزول الآية عن وفاة أبي طالب. ويؤيده أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد بعد أن شج وجهه :" رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ". ٢
لكن يحتمل في هذا أن يكون الاستغفار خاصا بالأحياء وليس البحث فيه، ويحتمل أن يكون نزول الآية تأخر وإن كان سببها تقدم، ويكون لنزولها سببان : متقدم وهو أمر أبي طالب، ومتأخر وهو أمر آمنة، ويؤيد تأخير النزول ما تقدم في تفسير براءة من استغفاره صلى الله عليه وسلم للمنافقين حتى نزل النهي عن ذلك، فإن ذلك يقتضي تأخير النزول وإن تقدم السبب، ويشير إلى ذلك أيضا قوله في حديث الباب :" وأنزل الله في أبي طالب إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ؛ لأنه يشعر بأن الآية الأولى نزلت في أبي طالب وفي غيره، والثانية نزلت فيه وحده، ويؤيد تعدد السبب ما أخرج أحمد من طريق أبي إسحاق عن أبي الخليل عن علي قال : سمعت رجلا يستغفر لوالديه وهما مشركان فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله : ما كان للنبي الآية، وروى الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : قال المؤمنون : ألا نستغفر لآبائنا كما استغفر إبراهيم لأبيه ؟ فنزلت. ومن طريق قتادة ذكرنا له أن رجالا فذكر نحوه.
وفي الحديث أن من لم يعمل خيرا قط إذا ختم عمره بشهادة أن لا إله إلا الله حكم بإسلامه، وأجريت عليه أحكام المسلمين، فإن قارن نطق لسانه عقد قلبه نفعه ذلك عند الله تعالى بشرط أن لا يكون وصل إلى حد انقطاع الأمل من الحياة وعجز عن فهم الخطاب، ورد الجواب، وهو وقت المعاينة، وإليه الإشارة بقوله تعالى : ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ [ النساء : ١٨ ] والله أعلم اه كلام الحافظ، وقد تعددت الروايات في استغفار بعض الصحابة لآبائهم وأولي قرباهم من المشركين تأسيا به صلى الله عليه وسلم حين استغفر لعمه حتى نزل النهي فكفوا.
١ أخرجه البخاري في الجنائز باب ٨١، ومناقب الأنصار باب ٤٠، وتفسير سورة ٩، باب ١٦، وسورة ٢٨، باب ١، ومسلم في الإيمان حديث ٣٩، والنسائي في الجنائز باب ١٠٢، وأحمد في المسند ٥/٤٣٣..
٢ أخرجه البخاري في الأنبياء باب ٥٤، والمرتدين باب ٥، ومسلم في الجهاد حديث ١٠٤، وابن ماجه في الفتن باب ٢٣، وأحمد في المسند ١/٣٨٠، ٤٢٧، ٤٣٢، ٤٤١، ٤٥٣، ٤٥٦، ٤٥٧..
سورة التوبة أو براءة
هي السورة التاسعة
وآياتها ١٢٩ عند الكوفيين و١٣٠ عند الجمهور
هي مدنية بالاتفاق، قيل إلا قوله تعالى : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى [ الأنفال : ١١٣ ] الآية لما روي في الحديث المتفق عليه من نزولها في النهي عن استغفاره صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب كما سيأتي تفصيله في تفسيرها. ويجاب عنه بجواز أن يكون نزولها تأخر عن ذلك، وبما يقوله العلماء في مثل هذا المقام من جواز نزول الآية مرتين : مرة منفردة ومرة في أثناء السورة.
واستثنى ابن الفرس قوله تعالى : لقد جاءكم رسول إلى آخر الآيتين في آخرها فزعم أنهما مكيتان، ويرده ما رواه الحاكم وأبو الشيخ في تفسيره عن ابن عباس من أن هاتين الآيتين آخر ما نزل من القرآن، وقول الكثيرين إنها نزلت تامة. وما يعارض هذا مما ورد في أسباب نزول بعض الآيات يجاب عنه بأن أكثر ما روي في أسباب النزول كان يراد به أن الآية نزلت في حكم كذا، أعني أن الرواة كانوا يذكرونها كثيرا في مقام الاستدلال، وهذا لا يدل على نزولها وحدها، ولا على كون النزول كان عند حدوث ما استدل بها عليه كما قلنا آنفا في احتمال نزول آية استنكار الاستغفار للمشركين في المدينة، وإن كان ما ذكروه من سببها حدث بمكة قبل الهجرة.
ولم يكتب الصحابة ولا من بعدهم البسملة في أولها ؛ لأنها لم تنزل معها كما نزلت مع غيرها من السور. هذا هو المعتمد المختار في تعليله، وقيل رعاية لمن كان يقول إنها مع الأنفال سورة واحدة، والمشهور أنه لنزولها بالسيف ونبذ العهود، وقيل غير ذلك مما في جعله سببا وعلة نظر، وقد يقال : إنه حكمة لا علة، ومما قاله بعض العلماء في هذه الحكمة : إنها تدل على أن البسملة آية من كل سورة أي ؛ لأن الاستثناء بالفعل كالاستثناء بالقول معيار العموم.
وقد ورد لها أسماء كثيرة هي صفات لأهم ما اشتملت عليه : فمنها سورة الفاضحة لما فضحته من سرائر المنافقين وإنبائهم بما في قلوبهم من الكفر وسوء النيات، وهذا الاسم روي عن عمر وابن عباس رضي الله عنهما، ومنها المنفرة والمعبرة والمبعثرة والمثيرة والبحوث ( كصبور ) لتنفيرها وتعبيرها عما في القلوب وبحث ذلك وإثارته وبعثرته، وكذا المدمدمة والمخزية والمنكلة والمشردة، ومعاني هذه الألقاب ظاهرة في معنى فضيحتها للمنافق، وما يترتب عليها من الدمدمة عليهم والخزي والنكال والتشريد بهم، ومنها المقشقشة، قال الزمخشري : وهي تقشقش من النفاق، أي تبرئ منه. وأشهرها الثابت التوبة وبراءة، وسائر الأسماء ألقاب لبيان معانيها. وقد نزل معظمها بعد غزوة تبوك وهي آخر غزواته صلى الله عليه وسلم، وفي حال الاستعداد لها في زمن العسرة والخروج إليها في القيظ، وفي أثنائها ظهر من آيات نفاق المنافقين ما كان خفيا من قبل.
وقد صرحوا بأن أولها نزل سنة تسع بعد فتح مكة، فأرسل النبي صلوات الله وسلامه عليه عليا عليه السلام ليقرأها على المشركين في الموسم كما يذكر مفصلا في محله.
وفي صحيح البخاري وغيره عن البراء قال : آخر آية نزلت يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة وآخر سورة نزلت براءة١. وهو رأي له، لا رواية مرفوعة، ويحمل قوله في الآية على أنها آخر ما نزل في الكلالة، فهي بعد آيات المواريث وفي السورة على بعضها أو معظمها. وأرجح ما ورد في آخر آية نزلت أنه قوله تعالى : واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله [ البقرة : ٢٨١ ]، أو ما قبلها من آيات الربا من دونها، والأرجح أن يقال معها. وتقدم تفصيل المسألة في آخر سورة البقرة ( ج ٣ )، وأما آخر سورة نزلت تامة فالأرجح أنه سورة النصر، وقد عاش صلى الله عليه وسلم بعدها أياما قليلة.
وأما التناسب بينها وبين ما قبلها فإنه أظهر من التناسب بين سائر السور بعضها مع بعض، فهي كالمتممة لسورة الأنفال في معظم ما فيهما من أصول الدين وفروعه والسنن الإلهية والتشريع وجله في أحكام القتال وما يتعلق به من الاستعداد له وأسباب النصر فيه وغير ذلك من الأمور الروحية والمالية وأحكام المعاهدات والمواثيق- من حفظها ونبذها عند وجود المقتضي له - وأحكام الولاية في الحرب وغيرها بين المؤمنين بعضهم مع بعض والكافرين بعضهم مع بعض، وكذا أحوال المؤمنين الصادقين والكفار والمذبذبين من المنافقين ومرضى والقلوب، فما بدئ به في الأول أتم في الثانية. ولولا أن أمر القرآن في سوره ومقاديرها موقوف على النص لكان هذا الذي ذكرناه مؤيدا من جهة المعاني لمن قال : إنهما سورة واحدة، كما يؤيده من ناحية ترتيب السور بحسب طولها وقصرها، وتوالي السبع الطول منها، ويليها المئون، والأنفال دونها.

مثال ذلك :

١ إن العهود ذكرت في سورة الأنفال، وافتتحت سورة التوبة بتفصيل الكلام فيها، ولا سيما نبذها الذي قيد في الأول بخوف خيانة الأعداء.
٢ تفصيل الكلام في قتال المشركين وأهل الكتاب في كل منهما.
٣ ذكر في الأولى صد المشركين عن المسجد الحرام، وأنهم ليسوا بأوليائه إن أولياؤه إلا المتقون [ الأنفال : ٣٤ ] أي من المؤمنين، وجاء في الثانية ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله [ الأنفال : ١٧ ] الخ الآيات.
٤ ذكر في أول الأولى صفات المؤمنين الكاملين، وذكر بعد ذلك بعض صفات الكافرين، ثم ذكر في آخرها حكم الولاية بين كل من الفريقين كما تقدم، وجاء في الثانية مثل هذا في مواضع أيضا.
٥ ذكر في الأولى الترغيب في إنفاق المال في سبيل الله، وجاء مثل هذا الترغيب بأبلغ من ذلك وأوسع في الثانية، وذكرت في الأولى مصارف الغنائم من هذه الأموال، وفي الثانية مصارف الصدقات.
٦ ورد ذكر المنافقين والذين في قلوبهم مرض في الأولى في آية واحدة، وفصل في الثانية أوسع تفصيل حتى كانت أجدر بأن تسمى سورة المنافقين من سورة إذا جاءك المنافقون لو كانت تسمية السور بالرأي.
١ ـ أخرجه البخاري في تفسير سورة ٩، باب ١، وتفسير سورة ٤، باب ٢٧..

ومَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ مما يدخل في عموم تأسيكم به على إطلاقه، فإنه ما كان وما وقع لسبب ولا علة إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وعَدَهَا إِيَّاهُ في حياته إذ كان يرجوا إيمانه فقال له : لأستغفرن لك وما أملك من الله من شيء [ الممتحنة : ٤ ]، أي لا أملك لك هداية ولا نجاة، وإنما أملك دعاء الله تعالى. وقد وفى بوعده وما كان إلا وفيا كما شهد له تعالى بقوله : وإبراهيم الذي وفى [ النجم : ٣٧ ]، فكان من دعائه واغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ ولَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ ولَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [ الشعراء : ٨٦ ٨٩ ]، أي من الشرك والكفر والشك المقتضي للنفاق، فمن استغفر لحي يرجو إيمانه بقصد سؤال الله أن يهديه لما يكون به أهلا للمغفرة فلا بأس.
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ قال ابن عباس : لم يزل إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما مات تبين له أنه عدو الله فتبرأ منه. وفي رواية عنه : فلما تبين له أنه عدو الله يقول : لما مات على كفره. وقال قتادة : تبين له حين مات، وعلم أن التوبة انقطعت عنه. وقيل : إنه تبين له ذلك بوحي من الله تعالى، فحينئذ تبرأ منه ومن قرابته، وترك الاستغفار له كما هو مقتضى الإيمان لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ [ المجادلة : ٢٢ ] الآية.
ورد أن إبراهيم يعد من الخزي له يوم القيامة أن يكون أبوه في النار، كما رواه البخاري من حديث رؤيته في النار، وأنه يقول :" يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد "، فيمسخ الله أباه ذيخا وهو ذكر الضباع الكثير الشعر حتى لا يخزى إبراهيم ابنه برؤيته في النار على صورته المعروفة له ولقومه. وقد تقدم لفظ الحديث في قصة إبراهيم مع أبيه من تفسير سورة الأنعام ( ج ٧ ).
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأواهٌ حَلِيمٌ هذه الجملة المؤكدة بوصف إبراهيم صلى الله عليه وسلم بالمبالغة في خشية الله والخشوع له، وبالحلم والثبات في أموره كلها، تعليل لامتناعه عن الاستغفار لأبيه بعد العلم برسوخه في الشرك وعداوة الله عزّ وجلّ. الأواه الكثير التأوه والتحسر، وإنما يتأوه إبراهيم من خشية الله، ويتحسر على المشركين من قومه ولاسيما أبيه، ويطلق الأواه على الخاشع الكثير الدعاء والتضرع، وأصل التأوه قول " أوّه " ( بالكسر منونا وغير منون ) أو واه، أو أوه. وفي حديث مرفوع في التفسير المأثور :" الأواه الخاشع المتضرع "، وعن ابن عباس فيه روايات : منها أنه المؤمن أو الموقن بلسان الحبشة، ١ والحليم الذي لا يستفزه الغضب ولا يعبث به الطيش، لا يستخفه الجهل أو هوى النفس، ومن لوازمه الصبر والثبات والصفح والتأني في الأمور، واتقاء العجلة في كل من الرغب والرهب، وذهب الزمخشري إلى أن الجملة تعليل لما كان من استغفاره لأبيه، قال بعد تفسير الأواه بالذي يكثر التأوه : ومعناه أنه لفرط ترحمه ورقته وحمله كان يتعطف على أبيه الكافر ويستغفر له مع شكاسته عليه وقوله ( لأرجمنك ) اه.
١ أخرجه البخاري في تفسير سورة ١١، في الترجمة، بلفظ: "الأواه" الرحيم بالحبشة"..
سورة التوبة أو براءة
هي السورة التاسعة
وآياتها ١٢٩ عند الكوفيين و١٣٠ عند الجمهور
هي مدنية بالاتفاق، قيل إلا قوله تعالى : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى [ الأنفال : ١١٣ ] الآية لما روي في الحديث المتفق عليه من نزولها في النهي عن استغفاره صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب كما سيأتي تفصيله في تفسيرها. ويجاب عنه بجواز أن يكون نزولها تأخر عن ذلك، وبما يقوله العلماء في مثل هذا المقام من جواز نزول الآية مرتين : مرة منفردة ومرة في أثناء السورة.
واستثنى ابن الفرس قوله تعالى : لقد جاءكم رسول إلى آخر الآيتين في آخرها فزعم أنهما مكيتان، ويرده ما رواه الحاكم وأبو الشيخ في تفسيره عن ابن عباس من أن هاتين الآيتين آخر ما نزل من القرآن، وقول الكثيرين إنها نزلت تامة. وما يعارض هذا مما ورد في أسباب نزول بعض الآيات يجاب عنه بأن أكثر ما روي في أسباب النزول كان يراد به أن الآية نزلت في حكم كذا، أعني أن الرواة كانوا يذكرونها كثيرا في مقام الاستدلال، وهذا لا يدل على نزولها وحدها، ولا على كون النزول كان عند حدوث ما استدل بها عليه كما قلنا آنفا في احتمال نزول آية استنكار الاستغفار للمشركين في المدينة، وإن كان ما ذكروه من سببها حدث بمكة قبل الهجرة.
ولم يكتب الصحابة ولا من بعدهم البسملة في أولها ؛ لأنها لم تنزل معها كما نزلت مع غيرها من السور. هذا هو المعتمد المختار في تعليله، وقيل رعاية لمن كان يقول إنها مع الأنفال سورة واحدة، والمشهور أنه لنزولها بالسيف ونبذ العهود، وقيل غير ذلك مما في جعله سببا وعلة نظر، وقد يقال : إنه حكمة لا علة، ومما قاله بعض العلماء في هذه الحكمة : إنها تدل على أن البسملة آية من كل سورة أي ؛ لأن الاستثناء بالفعل كالاستثناء بالقول معيار العموم.
وقد ورد لها أسماء كثيرة هي صفات لأهم ما اشتملت عليه : فمنها سورة الفاضحة لما فضحته من سرائر المنافقين وإنبائهم بما في قلوبهم من الكفر وسوء النيات، وهذا الاسم روي عن عمر وابن عباس رضي الله عنهما، ومنها المنفرة والمعبرة والمبعثرة والمثيرة والبحوث ( كصبور ) لتنفيرها وتعبيرها عما في القلوب وبحث ذلك وإثارته وبعثرته، وكذا المدمدمة والمخزية والمنكلة والمشردة، ومعاني هذه الألقاب ظاهرة في معنى فضيحتها للمنافق، وما يترتب عليها من الدمدمة عليهم والخزي والنكال والتشريد بهم، ومنها المقشقشة، قال الزمخشري : وهي تقشقش من النفاق، أي تبرئ منه. وأشهرها الثابت التوبة وبراءة، وسائر الأسماء ألقاب لبيان معانيها. وقد نزل معظمها بعد غزوة تبوك وهي آخر غزواته صلى الله عليه وسلم، وفي حال الاستعداد لها في زمن العسرة والخروج إليها في القيظ، وفي أثنائها ظهر من آيات نفاق المنافقين ما كان خفيا من قبل.
وقد صرحوا بأن أولها نزل سنة تسع بعد فتح مكة، فأرسل النبي صلوات الله وسلامه عليه عليا عليه السلام ليقرأها على المشركين في الموسم كما يذكر مفصلا في محله.
وفي صحيح البخاري وغيره عن البراء قال : آخر آية نزلت يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة وآخر سورة نزلت براءة١. وهو رأي له، لا رواية مرفوعة، ويحمل قوله في الآية على أنها آخر ما نزل في الكلالة، فهي بعد آيات المواريث وفي السورة على بعضها أو معظمها. وأرجح ما ورد في آخر آية نزلت أنه قوله تعالى : واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله [ البقرة : ٢٨١ ]، أو ما قبلها من آيات الربا من دونها، والأرجح أن يقال معها. وتقدم تفصيل المسألة في آخر سورة البقرة ( ج ٣ )، وأما آخر سورة نزلت تامة فالأرجح أنه سورة النصر، وقد عاش صلى الله عليه وسلم بعدها أياما قليلة.
وأما التناسب بينها وبين ما قبلها فإنه أظهر من التناسب بين سائر السور بعضها مع بعض، فهي كالمتممة لسورة الأنفال في معظم ما فيهما من أصول الدين وفروعه والسنن الإلهية والتشريع وجله في أحكام القتال وما يتعلق به من الاستعداد له وأسباب النصر فيه وغير ذلك من الأمور الروحية والمالية وأحكام المعاهدات والمواثيق- من حفظها ونبذها عند وجود المقتضي له - وأحكام الولاية في الحرب وغيرها بين المؤمنين بعضهم مع بعض والكافرين بعضهم مع بعض، وكذا أحوال المؤمنين الصادقين والكفار والمذبذبين من المنافقين ومرضى والقلوب، فما بدئ به في الأول أتم في الثانية. ولولا أن أمر القرآن في سوره ومقاديرها موقوف على النص لكان هذا الذي ذكرناه مؤيدا من جهة المعاني لمن قال : إنهما سورة واحدة، كما يؤيده من ناحية ترتيب السور بحسب طولها وقصرها، وتوالي السبع الطول منها، ويليها المئون، والأنفال دونها.

مثال ذلك :

١ إن العهود ذكرت في سورة الأنفال، وافتتحت سورة التوبة بتفصيل الكلام فيها، ولا سيما نبذها الذي قيد في الأول بخوف خيانة الأعداء.
٢ تفصيل الكلام في قتال المشركين وأهل الكتاب في كل منهما.
٣ ذكر في الأولى صد المشركين عن المسجد الحرام، وأنهم ليسوا بأوليائه إن أولياؤه إلا المتقون [ الأنفال : ٣٤ ] أي من المؤمنين، وجاء في الثانية ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله [ الأنفال : ١٧ ] الخ الآيات.
٤ ذكر في أول الأولى صفات المؤمنين الكاملين، وذكر بعد ذلك بعض صفات الكافرين، ثم ذكر في آخرها حكم الولاية بين كل من الفريقين كما تقدم، وجاء في الثانية مثل هذا في مواضع أيضا.
٥ ذكر في الأولى الترغيب في إنفاق المال في سبيل الله، وجاء مثل هذا الترغيب بأبلغ من ذلك وأوسع في الثانية، وذكرت في الأولى مصارف الغنائم من هذه الأموال، وفي الثانية مصارف الصدقات.
٦ ورد ذكر المنافقين والذين في قلوبهم مرض في الأولى في آية واحدة، وفصل في الثانية أوسع تفصيل حتى كانت أجدر بأن تسمى سورة المنافقين من سورة إذا جاءك المنافقون لو كانت تسمية السور بالرأي.
١ ـ أخرجه البخاري في تفسير سورة ٩، باب ١، وتفسير سورة ٤، باب ٢٧..

ومَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ أي وما كان من شأن الله تعالى في حلمه ورحمته، ولا من سننه في خلقه التي هي مظهر عدله وحكمته، أن يصف قوما بالضلال، ويجري عليهم أحكامه بالذم والعقاب، بعد إذ هداهم إلى الإيمان، وشرح صدورهم بالإسلام، بمجرد قول أو عمل صدر عنهم بخطأ الاجتهاد.
حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ من الأقوال والأفعال، بيانا جليا واضحا لا شبهة فيه ولا إشكال.
إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فهو يشرع لهم من الأحكام ما تكمل به فطرتهم، ويستقيم به رأيهم وفهمهم، فبين لهم مهمات الدين بالنص القاطع حتى لا يضل فيه اجتهادهم بأهواء نفوسهم، ويترك لهم مجالا للاجتهاد فيما دون ذلك من مصالحهم، فهو لهذا لم يؤاخذ إبراهيم في استغفاره لأبيه قبل أن يتبين له حاله، وكذلك لا يؤاخذ النبي والذين آمنوا بما سبق لهم من الاستغفار لوالديهم وأولي القربى منهم قبل هذا التبيين لحكم الله في ذلك، وإن كان من شأنه أن يعلم أنه من لوازم الإيمان، قال مجاهد في تفسير الجملة : بيان الله للمؤمنين في الاستغفار للمشركين خاصة، وفي بيان طاعته و معصيته عامة، ما فعلوا أو تركوا اه.
يعني أن الآية عامة وإن نزلت في مسألة استغفارهم للمشركين. وعن ابن عباس أنها نزلت حين أخذوا الفداء من المشركين يوم الأسارى، قال : لم يكن لكم أن تأخذوه حتى يؤذن لكم. ولكن ما كان الله ليعذب قوما بذنب أذنبوه حتى يبين لهم ما يتقون، قال : حتى ينهاهم قبل ذلك اه.
وأقول : الآية متأخرة النزول عن غزوة بدر، ولكنها شاملة لحكمها، فقد تقدم أن أخذ الفداء من الأسرى هو في معنى الاستغفار للمشركين هنا من حيث إنه خلاف ما يقتضيه شأن النبوة والإيمان لقوله تعالى : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ [ الأنفال : ٦٧ ]، فهذا نفي للشأن كنفي الاستغفار هنا، ثم قال تعالى هنالك بعد عتابهم الشديد لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [ الأنفال : ٦٨ ]، فابن عباس يفسر هذا الكتاب بحكمه تعالى في هذه الآية بأنه لا يحكم بضلال قوم في شيء فيعاقبهم عليه إلا بعد أن يبين لهم ما يتقون بيانا واضحا تاما لا مجال معه للاجتهاد الذي يكون عذرا في المخالفة، سواء كانت هذه الآية نزلت وقتئذ أم لا، فهذا حكم الله تعالى.
أخرج ابن المنذر أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان يخطب أصحابه كل عشية خميس ثم يقول : فمن استطاع منكم أن يغدو عالما أو متعلما فليفعل، ولا يغدو لسوى ذلك، فإن العالم والمتعلم شريكان في الخير. أيها الناس : إني والله ما أخاف عليكم أن تؤخذوا بما لم يبين لكم، وقد قال الله تعالى : ومَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ فقد بين لكم ما تتقون.
ويؤخذ من هذا كله قاعدة أن أحكام الإسلام العامة التي عليها مدار الجزاء في الآخرة، ويكلف العمل به كل من بلغه إن كان من الأحكام الشخصية، ويؤخذ بها الأمة كلها، وينفذه أئمتها وأمراؤها فيها، هو ما كان قطعي الدلالة ببيان الله تعالى ورسوله لا حجة معه لأحد في تركه. وأن ما عداها منوط بالاجتهاد، فمن ظهر له من نص ظني الدلالة حكم، واعتقد أنه مراد الله من الآية وجب عليه اتباعه، ومن لا فلا، كما وقع عند نزول آية البقرة في الخمر والميسر، إذ فهم بعض الصحابة من قوله تعالى : وإثمها أكبر من نفعهما [ البقرة : ٢١٩ ] تحريمهما فترك، وبقي من لم يفهم هذا يشرب الخمر حتى بين الله تحريمها مع الميسر بيانا قطعيا بآيات المائدة. وأصل مذهب الحنفية أن الفرائض والتحريم الديني لا يثبتان إلا بالنص القطعي، أو بنص القرآن القطعي ؛ بل هذا ما كان عليه علماء السلف. وتقدم تحقيق المسألة ( في ج ١٠ تفسير )، والآية تدل على بطلان قول بعض المبتدعة بالمؤاخذة على ما يجب بحكم العقل كالصدق والأمانة، صرح به مفسرهم الزمخشري واستثناه من حكم الآية بأنه غير موقوف على التوقيف، نعم أن حسنه يعلم بالعقل، ولكن التكليف الذي يبنى عليه جزاء الآخرة لا يصح إلا بالشرع، كما تدل عليه الآية وغيرها، وقد أمر الله بالصدق والأمانة وأوجبهما وحرم الكذب والخيانة. كما بين كل ما أراد جعله دينا للناس. قد أخبرنا رسوله صلى الله عليه وسلم أن ما سكت عنه فلم يبينه لنا فهو عفو منه تعالى غير نسيان، فليس لنا أن نسأل عنه، ولا أن نضع له أحكاما بآراء عقولنا. وقد بسطنا هذه المسألة في تفسير يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا [ المائدة : ١٠٤ ] الخ ( راجع ج ٧ ) مع الفصل الملحق به الخ.
سورة التوبة أو براءة
هي السورة التاسعة
وآياتها ١٢٩ عند الكوفيين و١٣٠ عند الجمهور
هي مدنية بالاتفاق، قيل إلا قوله تعالى : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى [ الأنفال : ١١٣ ] الآية لما روي في الحديث المتفق عليه من نزولها في النهي عن استغفاره صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب كما سيأتي تفصيله في تفسيرها. ويجاب عنه بجواز أن يكون نزولها تأخر عن ذلك، وبما يقوله العلماء في مثل هذا المقام من جواز نزول الآية مرتين : مرة منفردة ومرة في أثناء السورة.
واستثنى ابن الفرس قوله تعالى : لقد جاءكم رسول إلى آخر الآيتين في آخرها فزعم أنهما مكيتان، ويرده ما رواه الحاكم وأبو الشيخ في تفسيره عن ابن عباس من أن هاتين الآيتين آخر ما نزل من القرآن، وقول الكثيرين إنها نزلت تامة. وما يعارض هذا مما ورد في أسباب نزول بعض الآيات يجاب عنه بأن أكثر ما روي في أسباب النزول كان يراد به أن الآية نزلت في حكم كذا، أعني أن الرواة كانوا يذكرونها كثيرا في مقام الاستدلال، وهذا لا يدل على نزولها وحدها، ولا على كون النزول كان عند حدوث ما استدل بها عليه كما قلنا آنفا في احتمال نزول آية استنكار الاستغفار للمشركين في المدينة، وإن كان ما ذكروه من سببها حدث بمكة قبل الهجرة.
ولم يكتب الصحابة ولا من بعدهم البسملة في أولها ؛ لأنها لم تنزل معها كما نزلت مع غيرها من السور. هذا هو المعتمد المختار في تعليله، وقيل رعاية لمن كان يقول إنها مع الأنفال سورة واحدة، والمشهور أنه لنزولها بالسيف ونبذ العهود، وقيل غير ذلك مما في جعله سببا وعلة نظر، وقد يقال : إنه حكمة لا علة، ومما قاله بعض العلماء في هذه الحكمة : إنها تدل على أن البسملة آية من كل سورة أي ؛ لأن الاستثناء بالفعل كالاستثناء بالقول معيار العموم.
وقد ورد لها أسماء كثيرة هي صفات لأهم ما اشتملت عليه : فمنها سورة الفاضحة لما فضحته من سرائر المنافقين وإنبائهم بما في قلوبهم من الكفر وسوء النيات، وهذا الاسم روي عن عمر وابن عباس رضي الله عنهما، ومنها المنفرة والمعبرة والمبعثرة والمثيرة والبحوث ( كصبور ) لتنفيرها وتعبيرها عما في القلوب وبحث ذلك وإثارته وبعثرته، وكذا المدمدمة والمخزية والمنكلة والمشردة، ومعاني هذه الألقاب ظاهرة في معنى فضيحتها للمنافق، وما يترتب عليها من الدمدمة عليهم والخزي والنكال والتشريد بهم، ومنها المقشقشة، قال الزمخشري : وهي تقشقش من النفاق، أي تبرئ منه. وأشهرها الثابت التوبة وبراءة، وسائر الأسماء ألقاب لبيان معانيها. وقد نزل معظمها بعد غزوة تبوك وهي آخر غزواته صلى الله عليه وسلم، وفي حال الاستعداد لها في زمن العسرة والخروج إليها في القيظ، وفي أثنائها ظهر من آيات نفاق المنافقين ما كان خفيا من قبل.
وقد صرحوا بأن أولها نزل سنة تسع بعد فتح مكة، فأرسل النبي صلوات الله وسلامه عليه عليا عليه السلام ليقرأها على المشركين في الموسم كما يذكر مفصلا في محله.
وفي صحيح البخاري وغيره عن البراء قال : آخر آية نزلت يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة وآخر سورة نزلت براءة١. وهو رأي له، لا رواية مرفوعة، ويحمل قوله في الآية على أنها آخر ما نزل في الكلالة، فهي بعد آيات المواريث وفي السورة على بعضها أو معظمها. وأرجح ما ورد في آخر آية نزلت أنه قوله تعالى : واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله [ البقرة : ٢٨١ ]، أو ما قبلها من آيات الربا من دونها، والأرجح أن يقال معها. وتقدم تفصيل المسألة في آخر سورة البقرة ( ج ٣ )، وأما آخر سورة نزلت تامة فالأرجح أنه سورة النصر، وقد عاش صلى الله عليه وسلم بعدها أياما قليلة.
وأما التناسب بينها وبين ما قبلها فإنه أظهر من التناسب بين سائر السور بعضها مع بعض، فهي كالمتممة لسورة الأنفال في معظم ما فيهما من أصول الدين وفروعه والسنن الإلهية والتشريع وجله في أحكام القتال وما يتعلق به من الاستعداد له وأسباب النصر فيه وغير ذلك من الأمور الروحية والمالية وأحكام المعاهدات والمواثيق- من حفظها ونبذها عند وجود المقتضي له - وأحكام الولاية في الحرب وغيرها بين المؤمنين بعضهم مع بعض والكافرين بعضهم مع بعض، وكذا أحوال المؤمنين الصادقين والكفار والمذبذبين من المنافقين ومرضى والقلوب، فما بدئ به في الأول أتم في الثانية. ولولا أن أمر القرآن في سوره ومقاديرها موقوف على النص لكان هذا الذي ذكرناه مؤيدا من جهة المعاني لمن قال : إنهما سورة واحدة، كما يؤيده من ناحية ترتيب السور بحسب طولها وقصرها، وتوالي السبع الطول منها، ويليها المئون، والأنفال دونها.

مثال ذلك :

١ إن العهود ذكرت في سورة الأنفال، وافتتحت سورة التوبة بتفصيل الكلام فيها، ولا سيما نبذها الذي قيد في الأول بخوف خيانة الأعداء.
٢ تفصيل الكلام في قتال المشركين وأهل الكتاب في كل منهما.
٣ ذكر في الأولى صد المشركين عن المسجد الحرام، وأنهم ليسوا بأوليائه إن أولياؤه إلا المتقون [ الأنفال : ٣٤ ] أي من المؤمنين، وجاء في الثانية ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله [ الأنفال : ١٧ ] الخ الآيات.
٤ ذكر في أول الأولى صفات المؤمنين الكاملين، وذكر بعد ذلك بعض صفات الكافرين، ثم ذكر في آخرها حكم الولاية بين كل من الفريقين كما تقدم، وجاء في الثانية مثل هذا في مواضع أيضا.
٥ ذكر في الأولى الترغيب في إنفاق المال في سبيل الله، وجاء مثل هذا الترغيب بأبلغ من ذلك وأوسع في الثانية، وذكرت في الأولى مصارف الغنائم من هذه الأموال، وفي الثانية مصارف الصدقات.
٦ ورد ذكر المنافقين والذين في قلوبهم مرض في الأولى في آية واحدة، وفصل في الثانية أوسع تفصيل حتى كانت أجدر بأن تسمى سورة المنافقين من سورة إذا جاءك المنافقون لو كانت تسمية السور بالرأي.
١ ـ أخرجه البخاري في تفسير سورة ٩، باب ١، وتفسير سورة ٤، باب ٢٧..

إِنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاواتِ والأَرْضِ لا شريك له في خلقهما ولا في تدبير شؤونهما ولا في التشريع الديني للمكلفين فيهما.
يُحْيِي وَيُمِيتُ أي يهب الحياة الحيوانية والحياة المعنوية الروحية بمحض قدرته ومشيئته ومقتضى سننه في التكوين والهداية الفعلية، ويميت ما شاء من الأبدان بانقضاء آجالها المقدرة في علمه، ومن الأنفس بنكوبها عن صراط هدايته.
وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن ولِيٍّ ولاَ نَصِير أي وليس لكم أيها المؤمنون أحد غير الله يتولى أمركم، ولا نصير ينصركم على عدوكم، فلا تحيدوا عن هدايته فيما نهاكم عنه من الاستغفار لأولي القربى الذين هم أهل الولاية والنصرة من عصباتكم في الأنساب، ولا في غير ذلك من أوامره ونواهيه.
هذه الآيات تتمة ما تقدم من موضوع توبة المتخلفين عن غزوة تبوك، أخرت على سنة القرآن في تفريق الآيات في الموضوع الواحد ؛ لأنه أدنى أن لا يسأم التالي لها في الصلاة وغيرها، وأقوى في تجديد الذكرى والتأثير في النفس كما بيناه مرارا، وهو مناسب لما قبله من النهي عن الاستغفار للمشركين وهو مما يتاب منه.
هذه الآيات تتمة ما تقدم من موضوع توبة المتخلفين عن غزوة تبوك، أخرت على سنة القرآن في تفريق الآيات في الموضوع الواحد ؛ لأنه أدنى أن لا يسأم التالي لها في الصلاة وغيرها، وأقوى في تجديد الذكرى والتأثير في النفس كما بيناه مرارا، وهو مناسب لما قبله من النهي عن الاستغفار للمشركين وهو مما يتاب منه.
وعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ أي وتاب أيضا على الثلاثة الذين خلفوا عن الخروج إلى تبوك معه صلى الله عليه وسلم، وهم المرجون لأمر الله في الآية ( ١٠٦ )، أو خلفوا بمعنى أرجئوا حتى ينزل فيهم أمر الله، وهم كعب بن مالك من بني سلمة، وهلال بن أمية من بني واقف، ومرارة بن الربيع من بني عمرو بن عوف.
حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ أي خلفوا وأبهم الله أمرهم إلى أن شعروا بأن الأرض قد ضاقت عليهم برحبها، أي بما وسعت من الخلق، خوفا من العاقبة وتألما وامتعاضا من إعراض النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عنهم، وهجرهم إياهم في المجالسة والمحادثة والتحية.
وضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ أي وضاقت أنفسهم على أنفسهم، وإنما كان ذلك بما كانوا يشعرون به من ضيق صدورهم بامتلاء قلوبهم من الهم والغم، حتى لا متسع فيها لشيء من البسط والسرور، فكأنهم لا يجدون لأنفسهم مكانا ترتاح إليه وتطمئن به.
وظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ واعتقدوا أنه لا ملجأ لهم من سخط الله يلجئون إليه إلا إليه تعالى، بأن يتوبوا إليه ويستغفروه ويرجون رحمته، فإن الرسول البر الرؤوف الرحيم بأصحابه ما عاد ينظر إليهم ولا يكلمهم حتى يطلبوا دعاءه واستغفاره، وهو صلى الله عليه وسلم لا يشفع في الدنيا ولا في الآخرة إلا لمن ارتضى الله أن يشفع لهم.
ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ أي بعد ذلك كله عطف تعالى ورجع عليهم وأنزل قبول توبتهم أو وفقهم للتوبة المقبولة عنده.
لِيَتُوبُواْ ويرجعوا إليه بعد إعراضهم عن هدايته واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم.
إِنَّ اللّهَ هُو التَّوابُ الرَّحِيمُ إنه تعالى هو كثير القبول لتوبة التائبين، الواسع الرحمة للمحسنين، وتقدم مثله قريبا.
وإن العبرة بهذه القصة لا تتم إلا بذكر أصح الروايات وأوسعها في شرح ما بين الله من حالهم فيها، وهو حديث كعب بن مالك رضي الله عنه.
أخرج أحمد والبخاري ومسلم وأشهر مدوني التفسير المأثور من طريق الزهري قال : أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا، واستقبل عدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان-.
قال كعب رضي الله عنه : فقلّ رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى به ما لم ينزل فيه وحي من الله عزّ وجلّ، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وأنا إليها أصعر، فتجهز إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولا أقضي شيئا، فأقول لنفسي : أنا قادر على ذلك إن أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، وقلت الجهاز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه، فغدوت بعدما فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض من جهازي شيئا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم، وليت أني فعلت، ثم لم يقدر لي ذلك، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق، أو رجلا ممن عذر الله، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك :" ما فعل كعب بن مالك ؟ " فقال رجل من بني سلمة : يا رسول الله حبسه برداه، والنظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل : بئسما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال كعب بن مالك : فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك حضرني ذنبي، فطفقت أتذكر الكذب، وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل، حتى عرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بعضا وثمانين رجلا، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، حتى جئت فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال لي :" تعال "، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي :" ما خلفك ؟ ألم تكن قد اشتريت ظهرك " ؟ فقلت : يا رسول الله، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيتُ جدلا، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى عني به ليوشكن الله يسخطك علي، ولئن حدثتك بحديث صدق تجد عليّ فيه إني لأرجو فيه عقبى من الله، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. فقال صلى الله عليه وسلم :" أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك "، فقمت وبادرني رجال من بني سلمة واتبعوني فقالوا لي : والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، لقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون، فلقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذب نفسي، ثم قلت لهم : هل لقي هذا معي أحد ؟ قالوا : نعم، لقيه معك رجلان قالا ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا لي فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي.
قال : ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس أو قال تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما. وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة وأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ، فإذا التفتُّ نحوه أعرض عني، حتى إذا طال عليّ ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إليّ فسلمت عليه، فوالله ما رد عليّ السلام. فقلت له : يا أبا قتادة أنشدك الله تعالى هل تعلم أني أحب الله ورسوله ؟ قال : فسكت، قال : فعدت فنشدته فسكت، فعدت فنشدته. قال : الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار.
وبينما أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدل على كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له إليّ حتى جاءني فدفع إليّ كتابا من ملك غسان وكنت كاتبا، فقرأته فإذا فيه :
أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فقلت حين قرأتها : وهذه أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرتها.
حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا برسول برسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : بل اعتزلها ولا تقربنها، وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقلت لامرأتي : إلحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله الأمر، فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن هلالا شيخ ضائع، وليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال :" لا، ولكن لا يقربنك ". فقالت : إنه والله ما به حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي من لدن أن كان من أمرك ما كان إلى يومه هذا، فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه. فقلت : والله لا استأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أدري ما يقول إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب.
قال : فلبثنا عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا، قال : ثم صليت الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله منا قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت سمعت صارخا أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء الفرج، فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الفجر. فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إليّ رجل فرسا، وسعى ساع من أسلم قبلي، وأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاء الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ ؟ فاستعرت ثوبين فلبستهما، فانطلقت أؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجا بعد فوج يهنئوني بالتوبة، ويقولون ليهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره، قال : فكان كعب رضي الله عنه لا ينساها لطلحة.
قال كعب رضي الله عنه : فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور :" أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ". قلت : أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال :" لا بل من عند الله "، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت : يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، قال :" أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك ". فقلت إني أمسك سهمي الذي بخيبر، وقلت : يا رسول الله إنما أنجاني الله ب
آية رقم ١١٩
هذه الآيات تتمة ما تقدم من موضوع توبة المتخلفين عن غزوة تبوك، أخرت على سنة القرآن في تفريق الآيات في الموضوع الواحد ؛ لأنه أدنى أن لا يسأم التالي لها في الصلاة وغيرها، وأقوى في تجديد الذكرى والتأثير في النفس كما بيناه مرارا، وهو مناسب لما قبله من النهي عن الاستغفار للمشركين وهو مما يتاب منه.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ باتباع ما أمر به بقدر الاستطاعة، وترك ما نهى عنه، وبين تحريمه مطلقا.
وكونوا مع الصادقين أي مع جماعة الصادقين أو منهم ( وفاقا لقراءة ابن مسعود وقد تكون تفسيرا )، دون المنافقين الذين يتنصلون من ذنوبهم بالكذب ويؤدونه بالحلف. والصادقون هم المعتصمون بالصدق والإخلاص في جهادهم إذا جاهدوا، وفي عهودهم إذا عاهدوا، وفي أقوالهم ووعودهم إذا حدّثوا ووعدوا، وفي توبتهم إذا أذنبوا أو قصروا، والمنافقون ضدهم في ذلك وغيره.
تقدم في آخر حديث كعب بن مالك المتفق عليه أن هذه الآية نزلت فيه وفي أصحابه بما صدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينتحلوا لأنفسهم عذرا كاذبا في التخلف عن النفر معه. وبه قال نافع والسدي. وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه :( وكونوا مع الصادقين ) مع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وقال سعيد بن جبير والضحاك : مع أبي بكر وعمر، وابن عباس وأبو جعفر : مع علي. والحق أنها عامة كما قال ابن عمر في عهده، ومثله يقال في الصادقين من بعده، وأن الثلاثة الذين نزلت في قصتهم يدخلون في عمومها دخولا أوليا. وأن أبا بكر وعمر وعليا أفضل من هؤلاء الثلاثة، وأعرق في الصدق وأكمل. ولكني أشم من الروايتين رائحة وضع النواصب والروافض، وقيل : إن المراد بالصادقين المهاجرين، وأن أبا بكر احتج بالآية على الأنصار يوم السقيفة. وهذا القول لا وجه له، والاحتجاج به لا يصح، ووجهه القائلون به بأنه جعل الصادقين هنا هم الصادقين في آية سورة الحشر للفقراء المهاجرين إلى قوله أولئك هم الصادقون [ الحشر : ٩ ]، ومقتضاه أن يكون هذا الوصف خاصا بالمهاجرين حيث وجد في القرآن معرّفا كآية إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ إلى قوله أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [ الحجرات : ١٥ ] وقوله : ليسأل الصادقين [ الأحزاب : ٨ ] ليجزي الله الصادقين [ الأحزاب : ٢٤ ] وغيرهن، وهو باطل، ولم يقل به أحد، ومع هذا لا يدل على وجوب اتباع الأنصار وغيرهم لهم في الإمامة كما قال الطوفي.
أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأشهر رواة التفسير والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : لا يصلح الكذب في جد ولا هزل، ولا يعد أحدكم صبية شيئا ثم لا ينجزه، اقرؤوا إن شئتم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ، فهل تجدون لأحد رخصة في الكذب ؟ وأخرجه عنه الحاكم وصححه، والبيهقي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ :" إن الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، ولا يعد الرجل ابنه ثم لا ينجز له، إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، إنه يقال للصادق : صدق وبر، ويقال للكاذب : كذب وفجر. وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا، ويكذب حتى عند الله كذابا ".
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن الرجل ليصدق الخ ما تقدم آنفا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الرجل ليكذب " ١ الخ ما تقدم فيما قبله، والأحاديث في فضيلة الصدق ورذيلة الكذب وكونها من صفات المنافقين كثيرة تقدم بعضها، وفي روايات عديدة :" إن المؤمن قد يطبع على كل خلق إلا الكذب والخيانة "، وإنه لا رخصة في الكذب إلا لضرورة من خديعة حرب، أو إصلاح بين اثنين، أو رجل يحدث امرأته ليرضيها، يعني في مثل التحبب إليها بوصف محاسنها ورضاه عنها، لا في مصالح الدار والعيال وغيرها، والرواية في هذا على علاتها تقيد بحديث :" إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب٢، وفي رواية " ما يغني الرجل العاقل عن الكذب " روى ابن عدي الأول عن عمران بن حصين والثاني عن علي رضي الله عنهما.
١ أخرجه البخاري في الأدب باب ٦٩، ومسلم في البر حديث ١٠٣، ١٠٤، ١٠٥، وأبو داود في الأدب باب ٨٠، والترمذي في البر باب ٤٦، وابن ماجه في المقدمة باب ٧، والدارمي في الرقاق باب ٧، ومالك في الكلام حديث ١٦، وأحمد في المسند ١/٣٨٤، ٤٠٥، ٤٣٢..
٢ أخرجه البخاري في الأدب باب ١١٦..
مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ومَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ ولاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ولاَ نَصَبٌ ولاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ ولاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ ولاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ١٢٠ ولاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولاَ كَبِيرَةً ولاَ يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ١٢١
هاتان الآيتان في تأكيد وجوب الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فيه من الأجر العظيم، وحظر تخلف أحد عنه إلا بإذنه، بما فيه من تفضيل أنفسهم على نفسه.
مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ومَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ ولاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ولاَ نَصَبٌ ولاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ ولاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ ولاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ١٢٠ ولاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولاَ كَبِيرَةً ولاَ يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ١٢١
هاتان الآيتان في تأكيد وجوب الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فيه من الأجر العظيم، وحظر تخلف أحد عنه إلا بإذنه، بما فيه من تفضيل أنفسهم على نفسه.
ولاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولاَ كَبِيرَةً ولاَ يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ أي كذلك شأنهم فيما ينفقون في سبيل الله صغر أم كبر، قلّ أم كثر، وفي كل واد يقطعونه في سيرهم غادين أو رائحين ( وهو مسيل الماء في منفرجات الجبال وأغور الآكام، خصه بالذكر لما فيه من المشقة )، لا يترك شيء منه أو ينسى بل يكتب لهم.
لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ بكتابته في صحف أعمالهم.
أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ وهو الجهاد، فإنه عند وجوبه وفرضيته بالاستنفار له يكون أحسن الأعمال، إذ يتوقف عليه حفظ الإيمان، وملك الإسلام، وجميع ما يتبعهما من فضائل الأعمال، يقال : جزاه العمل وجزاه به. كما قال : ثم يجزاه الجزاء الأوفى [ النجم : ٤١ ] والنص على جزائهم أحسن ما كانوا يعملون لا ينافي جزاءهم بما دونه وقد قال آنفا إن الله لا يضيع أجر المحسنين وهو فيه، وإنما المراد النص على أن هذا العمل أحسن أعمالهم أو من أحسنها ؛ لأنه جمع بين الجهاد بالمال والجهاد بالنفس وما قبله من الثاني فقط، والجزاء على الأحسن يكون أحسن منه على قاعدة من جاء بالحسنة فله خير منها [ النمل : ٨٩ ] وبيان ذلك بقاعدة من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها [ الأنعام : ١٦٠ ]، وقال بعضهم : إن معنى الجملة أنه تعالى يجزيهم بكل عمل مما ذكر أحسن جزاء على أعمالهم الحسنة، أي في غير الجهاد بالمال والنفس، بأن تكون النفقة الصغيرة فيه كالنفقة الكبيرة في غيره من المبرات. والمشقة القليلة فيه كالمشقة الكثيرة فيما عداه من الأعمال الصالحات.
*ومَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ ولِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ١٢٢
هذه الآية من تتمة أحكام الجهاد بالقتال، مع زيادة حكم طلب العلم والتفقه في الدين وهو آلة الجهاد بالحجة والبرهان، الذي عليه مدار الدعوة إلى الإيمان، وإقامة دعائم الإسلام، وإنما جهاد السيف حماية وسياج. وسببها أن ما ورد في فضل الجهاد وثوابه وفي ذم القاعدين عنه وكونه من شأن المنافقين دون المؤمنين الصادقين، قوى رغبة المؤمنين فيه حتى كانوا إذا أراد الرسول صلى الله عليه وسلم إرسال سرية للقاء بعض المشركين وإن قلوا انتدب لها جميع المؤمنين، ويتسابقون إلى الخروج فيها، ويدعون الرسول صلى الله عليه وسلم وحده أو مع نفر قليل كما ورد، وإنما يجب هذا في النفير العام إذا وجد سببه بقدر الحاجة لا في كل استنفار لمقاومة الكفار، على أن النفر العام قد يتعذر أو تكثير فيه الأعذار، وقيل : إنه لم يكن واجبا على عمومه إلا في عهده صلى الله عليه وسلم أو على الأنصار بمقتضى مبايعتهم له ( راجع ج ١٠ ).
ومَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً أي ما كان شأن المؤمنين ولا مما يجب عليهم ويطلب منهم، أن ينفروا جميعا في كل سرية تخرج للجهاد، فإن هذه السرايا من فروض الكفاية لا من فروض الأعيان، وإنما يجب ذلك إذا خرج الرسول واستنفرهم للخروج.
فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ لولا حرف تحضيض وحث على ما تدخل عليه، أي فهلا نفر للقتال من كل فرقة كبيرة.
مِّنْهُمْ كالقبيلة أو أهل المدينة.
طَآئِفَةٌ أي جماعة بقدر الحاجة.
لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ أي ليتأتى لهم -أي المؤمنين في جملتهم- التفقه في الدين، بأن يتكلف الباقون في المدينة الفقاهة في الدين بما يتجدد نزوله على الرسول صلى الله عليه وسلم من الآيات، وما يجري عليه صلى الله عليه وسلم من بيانها بالقول والعمل، فيعرف الحكم مع حكمته، ويفصل العلم المجمل بالعمل به.
ولِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ الذين نفروا للقاء العدو.
إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ أي يجعلوا جل همهم من الفقاهة بأنفسهم إرشاد هؤلاء وتعليمهم ما عملوا، وإنذارهم عاقبة الجهل، وترك العمل بالعلم.
لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ‏ أي رجاء أن يخافوا الله ويحذوا عاقبة عصيانه. ويكون جميع المؤمنين علماء بدينهم قادرين على نشر دعوته، وإقامة حجته، وتعميم هدايته، فهذا ما يجب أن يكون غاية العلم والتفقه في الدين والغرض منه، لا الرياسة والعلو بالمناصب، والتكبر على الناس وطلب المنافع الشخصية منهم.
والآية تدل على وجوب تعميم العلم والتفقه في الدين، والاستعداد لتعليمه في مواطن الإقامة، وتفقيه الناس فيه على الوجه الذي يصلح به حالهم، ويكونون به هداة لغيرهم، وإن المتخصصين لهذا التفقه بهذه النية لا يقلون في الدرجة عند الله عن المجاهدين بالمال والنفس لإعلاء كلمة الله، والدفاع عن الملة والأمة ؛ بل هم أفضل منهم في غير الحال التي يكون فيها الدفاع فرضا عينيا، والدلائل على هذا كثيرة، وما قاله بعض الأصوليين من دلالة الآية على الاحتجاج بخبر الواحد متكلف بعيد عن معنى النظم الكريم، ومبني على أن لفظ طائفة يطلق على الواحد كما قيل وهو باطل.
كنت أطلب العلم في طرابلس، وكان حاكمها الإداري ( المتصرف ) فيها مصطفى باشا بابان من سروات الكرد، وكان من أهل العلم والفقه في مذهب الشافعية، وقد قال لي مرة في دارنا بالقلمون : لماذا تستثني الدولة العلماء وطلاب العلوم الدينية من خدمة العسكرية، وهي واجبة شرعا، وهم أولى الناس بالقيام بهذا الواجب ؟ يعرض بي أليس هذا خطأ لا أصل له في الشرع ؟ فقلت له على البداهة : بل لهذا أصل في نص القرآن الكريم وتلوت الآية، فاستكثر الجواب على مبتدئ مثلي لم يقرأ التفسير وأثنى ودعا.
وقد تعارضت الروايات المأثورة في هذه الآية، فاختلفت الأقوال في تفسيرها، والحق فيها ما قلنا وعليه الجمهور.
أخرج أبو داود في ناسخه، وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه قال : نسخ هؤلاء الآيات انفروا خفافا وثقالا [ التوبة : ٤١ ] وإلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما [ التوبة : ٣٩ ] قوله : وما كان المؤمنون لينفروا كافة ، يقول : لتنفر طائفة، ولتمكث طائفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالماكثون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين يتفقهون في الدين، وينذرون إخوانهم إذا رجعوا إليهم من الغزو، لعلهم يحذرون ما نزل من بعدهم من قضاء الله في كتابه وحدوده.
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في المدخل عنه في الآية : يعني ما كان المؤمنون لينفروا جميعا ويتركوا النبي صلى الله عليه وسلم وحده، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة، يعني عصبة السرايا، فلا يسيرون إلا بإذنه. فإذا رجعت السرايا وقد نزل قرآن تعلمه القاعدون من النبي صلى الله عليه وسلم، إن الله أنزل على نبيكم بعدكم قرآنا، وقد تعلمناه، فتمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيهم صلى الله عليه وسلم بعدهم، ويبعث سرايا آخر، فذلك قوله : ليتفقهوا في الدين ، يقول : يتعلمون ما أنزل الله على نبيهم ويعملونه السرايا إذا رجعت إليهم ( لعلهم يحذرون ).
فأما قوله في الرواية الأولى بأن هذه الآية نسخت آيات النفير العام فهو قد يوافق إطلاق السلف في النسخ، ومنه عندهم تخصيص العام وتقييد المطلق، ولا يصح هنا النسخ المصطلح عليه في أصول الفقه ؛ لأن موضع النفر الخاص غير موضع النفير العام، فلا تنافي بين الأحكام، وبهذا يقول جمهور العلماء.
وأخرج ابن جرير عن الحسن البصري أنه جعل الضمير في قوله تعالى : ليتفقهوا في الدين للطائفة التي تنفر للغزو لا للتي تبقى مع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، وذلك قوله : ليتفقه الذين خرجوا بما يريهم الله من الظهور على المشركين والنصرة، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم. وزعم الطبري أن هذا القول أولى بالصواب، وأوضح ذلك بأن هذه الطائفة النافرة تتفقه بما تعاين من نصر الله أهل دينه وأصحاب رسوله على أهل عداوته والكفر به، فيفقه بذلك من معاينة حقيقة علم أمر الإسلام وظهوره على الأديان من لم يكن فقهه، ( ولينذروا قومهم ) فيحذروهم أن ينزل بهم من بأس الله مثل الذي نزل بمن شاهدوا ممن ظفر بهم المسلمون من أهل الشرك ( إذا ) هم ( رجعوا إليهم ) من غزوهم ( لعلهم يحذرون ) يقول : لعل قومهم إذا هم حذروهم ما عاينوا من ذلك يحذرون فيؤمنون بالله ورسوله حذرا أن ينزل بهم ما نزل بالذين أخبروهم خبرهم اه.
وهذا تأويل متكلف ينبو عنه النظم الكريم، فإن اعتبار طائفة السرية بما قد يحصل لها من النصر وهو غير مضمون ولا مطرد لا يسمى تفقها في الدين وإن كان يدخل في عموم معنى الفقه، فإن التفقه هو التعلم الذي يكون بالتكلف والتدرج والمتبادر من الدين علمه. ولا يصح هذا المعنى في ذلك العهد إلا في الذين يبقون مع النبي صلى الله عليه وسلم فيزدادون كل يوم علما وفقها بنزول القرآن كما تقدم آنفا في تفسير وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله [ التوبة : ٩٧ ]، وما يأتي قريبا فيما ينزل من السور فيزداد به الذين آمنوا إيمانا.
وأخذ بعضهم من قول الحسن أنه يشمل السفر لأجل طلب العلم، لما في الرحلة من أسباب زيادة الاستفادة بالانقطاع للعلم ولقاء أساطينه، وعلل بعضهم فضيلة السياحة بذلك كما تقدم قريبا.
وقد بينا معنى الفقه في عرف اللغة واستعمال القرآن، وأنه أخص من العلم بفروع الأحكام، وحققناه بشواهد الآيات في تفسير لهم قلوب لا يفقهون بها [ الأعراف : ١٧٩ ] ( ج ٩ تفسير ).
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ ولْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً واعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ١٢٣
اعلم أن هذه الآية قاعدة من قواعد القتال الذي نزلت أهم قواعده وأحكامه في هذه السورة والتي قبلها، وإنما وضع ههنا على سنة القرآن في تفريق الموضوع الواحد الكثير الأحكام في مواضع متفرقة، وبينا حكمته آنفا عودا على بدء.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّار أي الذين يدنون منكم وتتصل بلادهم ببلادكم، وذلك أن القتال شرع لتأمين الدعوة إلى الإسلام وحرية الدين والدفاع عن أهله، وقد كانت الدعوة موجهة إلى الأقرب فالأقرب من الكفار كما قال تعالى لرسوله لتنذر أم القرى ومن حولها [ الشورى : ٧ ]، وقال لأهل مكة وأوحى إليّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ [ الأنعام : ١٩ ]، أي وكل من بلغته دعوته، بل أمره أن يخص الأقرب إليه في النسب من أهل بلده أم القرى فقال : وأنذر عشيرتك الأقربين [ الشعراء : ٢١٤ ].
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في الآية قال : كان الذين يلونه من الكفار العرب فقاتلهم حتى فرغ منهم، وعن قتادة قال : الأدنى فالأدنى، وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر أنه سأل عن غزو الديلم فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" قاتلوا الذين يلونكم من الكفار "، قال :" الروم " اه يعني أن الروم هم المراد بالكفار في الآية ؛ لأنهم كانوا عند نزولها في هذه السورة بعد الفراغ من أمر يهود المدينة وخيبر هم الذين يلونهم في تبوك وسائر بلاد الشام.
وترجيح البدء بالأقرب فالأقرب معقول من وجوه كثيرة، كالحاجة والإمكان والسهولة والنفقة، ولذلك كانت القاعدة فيه عامة في الدعوة والقتال والنفقات والصدقات، وكذا ما يدار في المجلس من شراب ونحوه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي من على يمينه وإن لم يكن أفضل الجالسين، ثم الذي يليه فالذي يليه، وأمر بأن يأكل الإنسان مما يليه. وإنما تطرد القاعدة في الحالة العادية، وأما ما يعرض من ضرورة في كل ذلك فله حكمه، فأحكام الضرورات مستثناة في الواجبات والمحرمات والآداب.
ولْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً أي وليجدوا فيكم شدة وخشونة في القتال ومتعلقاته كما تقدم في تفسير آية يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ والْمُنَافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ [ التوبة : ٧٣ ] ( ج ١٠ )، والغلظة على المقاتلين في زمن الحرب من مقتضيات الطبيعية والمصلحة، وتنكيرها في الآية يدل على أن لأولي الأمر أن يحددوها في كل زمن وكل حال بما يتفق مع المصلحة، وإنما أمروا بها على كونها طبيعية لتقييد ما أمروا به في الأحوال العامة من الرفق والعدل والبر في معاملة الكفار، حتى صار ذلك من أخلاق الإسلام، وأمر القتال مبني على الشدة والغلظة في كل الأمم، وقد حرم فظائعها الإسلام كما تقدم في تفسير سورة الأنفال، وقد بلغت فظائعها عند الإفرنج في هذا العصر ما يخشى أن يفضي إلى تدمير العمران كله.
واعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ له مراعاة أحكامه وسننه بالمعونة والنصر، وأهمها ما يجب اتقاؤه في الحرب، من التقصير في أسباب النصر والغلب التي بينها في كتابه، والتي تعرف بالعلم والتجارب، كإعداد ما يستطاع من قوة، والصبر والثبات، والطاعة والنظام، وترك التنازع والاختلاف، وكثرة ذكر الله، والتوكل عليه فيما وراء الأسباب، وقد بينا حقيقة معنى التقوى وأنواعها، واختلاف المراد منها باختلاف مواضعها في تفسير ( ٢٩ : ٨ ج ٩ ).
هذه الآيات الأربع آخر ما نزل في المنافقين، وتأثير نزول القرآن فيهم وفي المؤمنين، ومن أقام الدليل على اليأس من إيمانهم، وإخبار الله بموتهم على كفرهم.
هذه الآيات الأربع آخر ما نزل في المنافقين، وتأثير نزول القرآن فيهم وفي المؤمنين، ومن أقام الدليل على اليأس من إيمانهم، وإخبار الله بموتهم على كفرهم.
وأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أي شك وارتياب يدعو إلى النفاق بإسرار الكفر وإظهار الإسلام.
فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ أي كفرا ونفاقا مضموما إلى كفرهم ونفاقهم السابق الذي هو أقذر الرجس النفسي وشر أنواعه.
ومَاتُواْ وهُمْ كَافِرُونَ أي واستحوذ ذلك عليهم ورسخ فيهم، فكان مقتضى سنة الله تعالى في تأثير الأعمال في صفات النفس أن من مات منهم مات على كفره، وسيموت من بقي منهم وهم متلبسون بالكفر، وهاك الدليل على ذلك :
هذه الآيات الأربع آخر ما نزل في المنافقين، وتأثير نزول القرآن فيهم وفي المؤمنين، ومن أقام الدليل على اليأس من إيمانهم، وإخبار الله بموتهم على كفرهم.
أَولاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ الاستفهام لتقرير مضمون الحكم عليهم، والحجة عليه، وهو داخل على فعل محذوف للعلم به من المقام، والمعنى أيجهلون هذا ويغفلون عن حالهم فيما يعرض لهم عاما بعد عام من تكرار الفتون والاختبار، الذي يظهر به استعداد الأنفس للإيمان أو الكفر، والتمييز بين الحق والباطل، كالآيات الدالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر به من نصر الله له ولمن اتبعه، وخذلان أعدائه من الكفار والمنافقين ووقوع ما أنذرهم، ومن إنباء الله رسوله بما في قلوبهم، وفضيحتهم بما يسرون من أعمالهم، كما فصل في هذه السورة وذكر بعضه في غيرها. وقرأ حمزة ويعقوب ( أو لا ترون ) على أن الخطاب للمؤمنين الذين قد يروعهم الخبر المؤكد وقوعه بموتهم على كفرهم، كأنه يقول : أتعجبون من الحكم عليهم بهذه العاقبة السوءى، ولا ترون الدلائل الدالة عليها من فتنتهم وابتلائهم المرة بعد المرة، سنة بعد سنة، بما من شأنه أن يذهب بشكهم ويشفي مرض قلوبهم، من آيات الله فيهم وفي غيرهم.
ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ ولاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ أي ثم تمرّ الأعوام على ذلك ولا يتوبون من نفاقهم، ولا يتعظون بما حلّ بهم مما أنذرهم الله تعالى به، وهل بعد هذا من برهان على انطفاء نور الفطرة والاستعداد للإيمان أقوى من هذا ؟ إن كان وراءه برهان أقوى منه فهو أنهم يفرون من العلاج الذي من شأنه أن يشفيهم من مرض قلوبهم، وهو ما أكد به ما قبله بقوله : وإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ
هذه الآيات الأربع آخر ما نزل في المنافقين، وتأثير نزول القرآن فيهم وفي المؤمنين، ومن أقام الدليل على اليأس من إيمانهم، وإخبار الله بموتهم على كفرهم.
وإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هذا بيان لحال المنافقين الذين كانوا يكونون في مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم عند نزول سورة، وما يكون من فعلهم وقولهم عند تلاوته لها وما قبلها في بيان حالهم إذا بلغهم نزول سورة من حيث البحث عن تأثيرها، وقد يقال : إن الأولى تشمل من سمع منه ومن بلغ عنه، والعبرة بموضوعها، لا بطريقة العلم بها، وإن هذه أدل على رسوخهم في الكفر وعدم الطمع في رجوعهم عنه، بإثباتها أنهم يكرهون سماع القرآن من الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أشد تأثيرا من سماعه من غيره في الهداية، ولذلك كان المشركون يمنعونه من تلاوته على الناس لئلا يهتدوا بسماعه منه، فإن لم يتمكنوا من إسكاته أعرضوا عن سماعه ولغوا فيه، ومنعوا صاحبه الصديق أيضا من الصلاة في المسجد الحرام، ثم من مسجده الخاص، لما رأوا النساء والصبيان يجتمعون لسماع القرآن منه، ويتأثرون بخشوعه فيه :
يقول : وإذا أنزلت سورة وهم في المجلس تسارقوا النظر، وتغامزوا بالعيون على حين تخشع أبصار المؤمنين، وتنحني رؤوسهم، وتجب قلوبهم، وترامقوا بالعيون يتشاورون في الانسلال من المجلس خفية لئلا يفتضحوا بما يظهر عليهم من الإنكار والسخرية بالوحي، قائلا بعضهم لبعض بالإشارة أو العبارة : هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ أي من الرسول والمؤمنين إذا نحن انصرفنا كارهين لسماعها.
ثُمَّ انصَرَفُواْ يتسللون لواذا إلى مجامعهم الخاصة بهم، والتعبير بثم لبيان تراخي فعلهم عن وقت لقولهم، إلى سنوح فرصة الغفلة عنهم ولو أفرادا، فكلما لمح أحد منهم غفلة من المؤمنين عنه انصرف.
صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم هذه الجملة تحتمل الدعاء والخبر، ومضمونها النهائي في كلام الله واحد كما تقدم نظيره قريبا. والمعنى صرف الله قلوبهم عن صدق الإيمان، والاهتداء بآيات الله في القرآن، المرشدة إلى آياته في الأكوان.
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون أي بسبب أنهم قوم فقدوا صفة الفقاهة الفطرية وفهم الحقائق وما يترتب عليها من الأعمال، لعدم استعمال عقولهم فيها، فهم لا يفقهون ما يسمعون من هذه الآيات لعدم تدبرها، والإعراض عن النظر والتأمل في معانيها، وموافقتها للعقل، وهدايتها إلى الحق والعدل، ذلك بأنهم اتخذوا أنفسهم أعداء وخصوما للرسول، فوطنوا أنفسهم على الإعراض عن كل ما جاء به من غير بحث ولا تأمل فيه : أمعقول أم غير معقول ؟ أحق أم باطل ؟ أخير أم شر ؟ أهدى أم ضلال ؟ أنافع أم ضار ؟ فأنى يرجى لهم وهذه حالهم أن يهتدوا بتعدد نزول الآيات والسور ؟ إنما مثلهم كمثل أعداء الإسلام من أهل الملل التي جروا على نظام تعليمي وتربية وجدانية عملية في عصبيتهم الدينية والقومية وارتباط منافعهم الاجتماعية والسياسية بها : لقنهم رؤساؤهم أنه يوجد دين اسمه الإسلام بني أساسه على عداوتكم لذاتكم، فيجب عليكم أن لا تنظروا فيه إلا أن يكون للبحث عن مطعن ولو متكلف تلمزونه به، ولا تفكروا في شيء من حال أهله في دينهم ودنياهم إلا للعداوة والتحقير لهم، وتدبير المكايد للعدوان عليهم، وإذا ظهر لكم شيء حسن من دينهم فوجهوا كل قواكم العقلية وبلاغتكم الكلامية إلى تشويهه وذمه والصد عنه، وهذا ما يفعله رجال الكنائس النصرانية على اختلاف مذاهبهم كما بيناه في غير هذا الموضع.
ومن المباحث الكلامية في الآيات الخلاف في زيادة الإيمان ونقصه، على مذهبين في إثبات ذلك ونفيه، وجمهور السلف من الصحابة والتابعين وحفاظ السنة على الإثبات، وهذه المسألة من أغرب مسائل عصبيات المذاهب عند النظار الجدليين ومقلديهم، وما كان ينبغي لمسلم أن يجعل هذا موضع خلاف لبحث بعض من ينتسب إليهم في مفهوم لفظ الإيمان الذي يتحقق باعتقاده الدخول في الملة : هل يقبل الزيادة والنقصان في ذاته ؟ أم المراد من هذه الآية وما في معناها متعلق الإيمان من العقائد والأحكام التي كانت تشتمل عليها السورة ؟ واستبعاد أن يكون التصديق الذي يكون به الكافر مؤمنا قابلا للزيادة والنقصان، وهي نظرية باطلة، وقد بينا معنى الآية بما يدل على أن قصر زيادة الإيمان فيها على التصديق بزيادة العلم بما تضمنته باطل، لأن هذا بديهي لا يمكن أن يكون هو الذي سأل عنه المنافقون، ونصوص القرآن الكثيرة صريحة في زيادة الإيمان ونقصه، وكذلك الأحاديث الصحيحة التي صرح فيها الرسول صلى الله عليه وسلم بأن أقل الإيمان -وهو المنجي من الخلود في النار- كالذرة أو الخردلة من الإيمان الكامل الذي لا يمس أهله من عذاب النار شيء، كالذين وصفهم الله بقوله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وجلّتْ قُلُوبُهُمْ [ الأنفال : ٢ ] الخ وقوله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [ الحجرات : ١٥ ] الخ.
والتحقيق أن اليقين في الإيمان وغيره له درجات متفاوتة في القوة والضعف، واليقين الذي يصح به الإيمان هو اليقين اللغوي، وهو الاعتقاد الجازم في غير الحسيات والضروريات كما بيناه في مواضع أولها تفسير وبالآخرة هم يوقنون [ البقرة : ٤ ]، وهو درجات منها التقليد الجازم، ومنها المعلوم بالنظر والاستدلال، وقد يطرأ عليهما الشك والزوال، ولولا ذلك ما تصور ارتداد مؤمن عن دينه، ومنها ما يصير وجدانا ضروريا بشرح الصدر، والنور الإلهي بكثرة الذكر والفكر والعبادة.
وأما اليقين المنطقي العلم القطعي بالبرهان بأن هذا الشيء كذا مع العلم القطعي باستحالة أن يكون غير كذا، فهو الذي قالوا إنه لا يقبل الزيادة والنقصان، ولكنه نادر الوقوع في غير الضروريات، ولا تتوقف عليه صحة الإيمان، ومع هذا يمكن أن يقال : إنه قابل للزيادة في وصفه وطمأنينة القلب به، وفي ترتيب آثاره عليه. ومثال الأول أن ترى شبحا في سدفة الفجر فتعلم أنه إنسان في انتصاب قامته، ثم تزداد علما به كلما انتشر الضياء، حتى يكون العلم به تفصيليا. والبرهان المنطقي المفيد لهذا اليقين عندهم لا تكون مقدماته النظرية في درجة الضروريات قوة وثباتا. وقد قسم بعضهم اليقين إلى ثلاث درجات : علم اليقين وهو ما يعلم بالدليل، وعين اليقين وهو ما يكون بالمشاهدة والكشف، وحق اليقين وهو ما يكون بالذوق والوجدان. ومثل لها بعضهم بالفناء عند الصوفية، وبعضهم بالموت، فكل أحد عنده علم اليقين بأنه يموت، فإذا عاين ملائكة الموت عند الحشرجة وقبل قبض الروح كان عين اليقين، فإذا مات بالفعل وصل إلى درجة حق اليقين، لكن هذه الدرجة وما قبلها لا يتعلق بهما بالتكليف.
لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عزيز عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ١٢٨ فَإِن تَولَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُو عَلَيْهِ تَوكَّلْتُ وهُو رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ١٢٩
ختم الله تعالى هذه السورة بهاتين الآيتين اللتين قال أبي بن كعب رضي الله عنه إنهما آخر ما نزل، وبينا في الكلام على السورة قبل الشروع في تفسيرها ما يعارضه، وسنحقق المسألة بعد الفراغ من تفسير الآيتين.
ونختم تفسير الآيتين بتحقيق مسألتين ذكرتا في تفسيرهما المأثور ولم نر أحدا حققهما :
الأولى ما ورد في كتابة الآيتين عن النبي صلى الله عليه وسلم،
وكونهما آخر ما نزل
إن معنى هاتين الآيتين لا يظهر إلا في دعوته صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام بمكة في أول زمن البعثة، وقد ذكرت في الكلام على هذه السورة قبل البدء بتفسيرها أن ابن أبي الفرس قال : إنهما مكيتان، وأنه يرد قوله ما ورد من أنهما آخر ما نزل من القرآن، ثم ذكرت هنالك أصح ما ورد في آخر ما نزل من القرآن، وهو غير هاتين الآيتين.
وأقول الآن : إن قول ابن أبي الفرس هو الوجيه من جانب المعنى، فهو يؤيد الرواية، وأما القول بأنهما آخر ما نزل فقد أخرج في بعض المسانيد والتفاسير المأثورة عن أبي بن كعب بألفاظ متقاربة منها : عن ابن عباس عنه : أن آخر آية أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم- وفي لفظ أن آخر ما أنزل من القرآن- لقد جاءكم رسول من أنفسكم الخ آخر الآية، ومنها : عن الحسن عنه أنه كان يقول : إن أحدث القرآن عهدا بالله ـ وفي لفظ بالسماء ـ هاتان الآيتان لقد جاءكم رسول من أنفسكم الخ السورة، ومنها : من طريق أبي العالية عنه أنهم جمعوا القرآن في مصحف في خلافة أبي بكر، فكان رجال يكتبون ويملّ عليهم أبي بن كعب، حتى انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون [ التوبة : ١٢٧ ] فظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن، فقال أبي بن كعب إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أقرأني بعد هذا آيتين لقد جاءكم ـ إلى ـ رب العرش العظيم ، قال فختم الأمر بما فتح به : بلا إله إلا الله اهـ. وهو صريح في أنهما آخر ما نزل من هذه السورة، لا من القرآن مطلقا ؛ إلا إذا صح أن سورة براءة آخر سورة نزلت، والصحيح في الرواية أن آخر ما نزل من السور سورة النصر، ومن الآيات واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله [ البقرة : ٢٨١ ] كما تقدم في محله.
وفي حديث زيد بن ثابت في جمع القرآن المكتوب الذي كان متفرقا في عهد أبي بكر عند ابن سعد وأحمد والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم أنه قال : حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة بن ثابت الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى آخرهما اهـ، والمراد أنه لم يجدهما مكتوبتين عندما جمع المكتوب في الرقاع والأكتاف والعسب في هذه السورة إلا عند خزيمة، وفي رواية في البخاري وغيره عند أبي خزيمة، وهي أرجح كما سيأتي، إلا أن تكونا وجدتا عند كل منهما، وكانتا محفوظتين للكثيرين كما صرح به في الروايات الأخرى.
فقد أخرج ابن إسحاق وأحمد وابن أبي داود في المصاحف عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال : أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر براءة لقد جاءكم رسول ـ إلى قوله ـ وهو رب العرش العظيم إلى عمر فقال : من معك على هذا ؟ فقال : لا أدري والله إلا أني أشهد لسمعتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيتهما وحفظتهما، فقال عمر : وأنا أشهد لسمعتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا سورة من القرآن فألحقت في آخر براءة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ أن رجلا من الأنصار جاء بهما عمر فقال عمر : لا أسألك عليها بينة أبدا، كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها.
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف أن خزيمة بن ثابت جاء عثمان حين تصدى لكتابة القرآن بعد مقتل عمر فقال : إني رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما، فقالوا ما هما ؟ قال : تلقيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم الخ السورة. فقال عثمان : وأنا أشهد أنهما من عند الله، فأين ترى أن نجعلهما ؟ قال : اختم بهما آخر ما نزلت من القرآن، فختمت بهما براءة.
فيؤخذ من مجموع الروايات أن الآيتين كانتا محفوظتين مشهورتين إلا أنهم اختلفوا في موضعهما، ففي بعضها أنهما آخر سورة براءة بالتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بعضها أنهما وضعتا بالرأي والاجتهاد، والمعتمد الأول قطعا ؛ لأن من حفظ التوقيف حجة على من لم يحفظ. والظاهر أن سبب الاختلاف في موضعهما أن موضوعهما يدل على أنهما مكيتان، ولم تصح لجماعة جامعي المصحف رواية بكتابتهما في إحدى السور المكية، ولكن وجدتا عند أبي خزيمة مكتوبتين في آخر براءة.
وفي الصحيح أن زيد بن ثابت الذي كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أمره أبو بكر بجمع القرآن مع آخرين، وكان عمر يحضرهم وهم يكتبون، قال : فوجدت آخر براءة مع خزيمة بن ثابت أو أبي خزيمة بالشك، وهو من الراوي لا من زيد، وفي رواية عنه مع خزيمة، والتحقيق الذي قرره الحافظ ابن حجر أن آخر التوبة وجد عند أبي خزيمة، وأما الذي وجد مع خزيمة فهو آية الأحزاب، وذلك ما رواه البخاري في تفسير سورتها عن زيد بن ثابت، قال : لما نسخنا الصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها لم أجدها إلا مع خزيمة الأنصاري الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، قال الحافظ في شرحه : هذا يدل على أن زيدا لم يكن يعتمد في جمع القرآن على علمه، ولا يقتصر على حفظه. لكن فيه إشكال ؛ لأن ظاهره أنه اكتفى مع ذلك بخزيمة وحده، والقرآن إنما يثبت بالتواتر. والذي يظهر في الجواب أن الذي أشار إليه أنه فقده فقْدُ وجودِها مكتوبة لا فقْد وجودها محفوظة، بل كانت محفوظة عنده وعند غيره، ويدل على هذا قوله في حديث جمع القرآن :" فجعلت أتتبعه من الرقاع والعسب، كما سيأتي مبسوطا في فضائل القرآن " اهـ.
وأقول : إنني قد ذكرت آنفا أن هذا هو المراد منه، وهو ما كنت أفهمه دون غيره، وأجيب به من سألني عنه مستشكلا، فقول الحافظ : والذي يظهر الخ كان يجب أن يكون : والذي يتعين القطع به كذا، وحسبك دليلا على هذا أنه قال : إنهم كانوا يسمعون رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، فهو صريح في أن البحث كان عمن كتبها فقط، وجملة القول أن الآيتين كانتا محفوظتين ومكتوبتين ومعروفتين لكثير من الصحابة، وإنما اختلفوا عند الجمع في موضع كتابتهما حتى شهد من شهد أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي وضعهما في آخر سورة براءة وفاقا لقول أبي بن كعب الذي ثبت في الصحيح أنه أحد الذين تلقوا القرآن كله مرتبا عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذا زيد بن ثابت. وكان عدد المختلفين في موضوعهما قليلا، فلما كتبتا في المصاحف وافق الجميع على وضعهما ههنا، ولم يروا أي اعتراض على ذلك عمن كتبوا لأنفسهم مصاحف اعتمدوا فيها على حفظهم كابن مسعود رضي الله عنه.
بقي البحث في حكمة وضعهما في آخر هذه السورة المدنية وموضوعهما مكي، يؤيده كون الخطاب فيهما لقومه صلى الله عليه وسلم ما جزم به جماهير المفسرين، وما هما بأول ما وضع من الآيات المكية في السور المدنية لمناسبة اقتضت ذلك. ولعل الحكمة في ذلك أن يفيدا بموضوعهما صحة الخطاب بهما لكل من تبلغه الدعوة من أمة الإجابة، وهو ما ذهب إليه الخطابي، كما دل موضوعهما ونزولهما بمكة ـ كما قال ابن أبي الفرس ـ على كون الخطاب فيهما لقومه صلى الله عليه وسلم، وهو ما جزم به الجماهير، ويكون ما قلناه جامعا بين الأقوال كلها.
طهارة نسبه صلى الله عليه وسلم،
وفضل قومه، واصطفاؤه من خيارهم
من المأثور في تفسير الآيتين ما ذكروا في قوله تعالى : رسول من أنفسكم من الأحاديث المرفوعة في طهارة نسبه صلى الله عليه وسلم من سفاح الجاهلية، ومن فضل قومه وعشيرته وعترته وأهل بيته على غيرهم، وأصح ما ورد في هذا ما رواه مسلم والترمذي من حديث واثلة رضي الله عنه مرفوعا :" إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم " ١، ولم أر لأحد من العلماء بيانا لمعنى هذا الاصطفاء بم كان ؟ وقد وفقني الله لاستنباطه من التاريخ العام، وبينته في المنار، وفي خلاصة السيرة المحمدية في جواب السؤال عن حكمة بعثه خاتم النبيين بالرسالة العامة للناس أجمعين، بالدين العام للبدو والحضر، من العرب الذين غلبت عليهم جهالة البدو، وبعد عهدهم بما سبق لأمتهم من الحضارة والعلم، ولم يبعث من بعض شعوب الحضارة القريبة كالفرس والروم والهند والصين، ويليه السؤال عن مزية كنانة في العرب من آل إسماعيل، الذين امتازوا على سائر العرب بأنهم ممن اصطفى الله من آل إبراهيم، ثم عن مزية قريش في بني كنانة، وفضل بني هاشم على سائر قريش ؟
خلاصة ما بينته في فضل العرب على سائر الأمم، الذي أعدهم به الله لبعثة سيد البشر من العرب والعجم، بالدين العام الباقي، هي أن جميع شعوب الحضارة المشار إليها وغيرها كانت قد فسدت غرائزها وأخلاقها الفطرية، وعقائدها الدينية، وآدابها التقليدية، بفساد رؤساء الدين والدنيا فيها، وتعاون الفريقين على استعبادها واستذلالها لهما، وتسخيرها لتوفير لذاتهما وتشييد صروح عظمتهما، بسلب حريتهم العقلية بالتقاليد الدينية التي يفرض عليهم الكهنة والأحبار والقسوس الخضوع لها، بدون أن يكون لهم أدنى رأي أو اختيار أو فهم فيها، وسلب حرية إرادتهم في حياتهم الشخصية والاجتماعية، بما يضع لهم الملوك والحكام من القوانين والنظم الإدارية والعسكرية الاستبدادية، وبتحكمهم فيهم بدون قانون ولا نظام أيضا، فجميع الأمم والشعوب كانت مرهقة مستعبدة في دينها ودنياها إلا العرب، ولاسيما عرب الحجاز.
وأما العرب فلم يكن عندهم رياسة حكم استبدادية تستذلهم وتفسد بأسهم وتقهر إرادتهم على ما لا يريدون، ولا رياسة دينية تقهرهم على اتباع تقاليد تعبدية لا يعقلونها، بل كانوا على أتم الحرية العقلية واستقلال الإرادة في دينهم ودنياهم، وفي أعلى ذروة من عزة النفس، وشدة البأس، فبحرية عقولهم كانوا على أتم الاستعداد للنهوض بما اعتقدوا حقيته وصلاحه وخيريته، ولإقامته في قومهم، ونشره في غيرهم، والدفاع عنه باختيارهم، وتصرفهم في كل ذلك بمقتضى الوازع النفسي، دون تحكم رئيس ديني ولا دنيوي، فإن هذا الدين إنما أوجب طاعة الأئمة والقواد بالمعروف والإذعان للشرع، وما تضعه الأمة لنفسها من النظام بالشورى بين ممثليها من أهل الحل والعقد، حتى فرض الله على الرسول صلى الله عليه وسلم مشاورتها في أمورها، وقال له ربه في صيغة مبايعة نسائها له ولا يعصينك في معروف ، وبها كان يبايع الرجال كالنساء، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم :" لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما الطاعة في المعروف " ٢ رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث علي كرم الله وجهه.
وأما كنانة فقد كان أشهر ذرية إسماعيل في العلم والحكمة، والكرم والنبل، حتى كانت العرب تحج إليه، وينقلون عنه حكما رائعة، وكفى بهذا اصطفاء عليهم، وامتيازا فيهم.
وأما امتياز قريش على سائر العرب فهو معروف متواتر، وأهمه أن ما ذكرناه من عزة النفس، واستقلال الإرادة والعقل، كان أكمل فيهم، فإن بعض العرب في أطراف جزيرتهم خضعوا لسيادة الفرس والروم خضوعا ما، وجملته أ
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

129 مقطع من التفسير