تفسير سورة سورة التوبة من كتاب تفسير المنار
.
لمؤلفه
رشيد رضا
.
المتوفي سنة 1354 هـ
سورة التوبة أو براءة
هي السورة التاسعة
وآياتها ١٢٩ عند الكوفيين و١٣٠ عند الجمهور
هي مدنية بالاتفاق، قيل إلا قوله تعالى :﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ﴾ [ الأنفال : ١١٣ ] الآية لما روي في الحديث المتفق عليه من نزولها في النهي عن استغفاره صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب كما سيأتي تفصيله في تفسيرها. ويجاب عنه بجواز أن يكون نزولها تأخر عن ذلك، وبما يقوله العلماء في مثل هذا المقام من جواز نزول الآية مرتين : مرة منفردة ومرة في أثناء السورة.
واستثنى ابن الفرس قوله تعالى :﴿ لقد جاءكم رسول ﴾ إلى آخر الآيتين في آخرها فزعم أنهما مكيتان، ويرده ما رواه الحاكم وأبو الشيخ في تفسيره عن ابن عباس من أن هاتين الآيتين آخر ما نزل من القرآن، وقول الكثيرين إنها نزلت تامة. وما يعارض هذا مما ورد في أسباب نزول بعض الآيات يجاب عنه بأن أكثر ما روي في أسباب النزول كان يراد به أن الآية نزلت في حكم كذا، أعني أن الرواة كانوا يذكرونها كثيرا في مقام الاستدلال، وهذا لا يدل على نزولها وحدها، ولا على كون النزول كان عند حدوث ما استدل بها عليه كما قلنا آنفا في احتمال نزول آية استنكار الاستغفار للمشركين في المدينة، وإن كان ما ذكروه من سببها حدث بمكة قبل الهجرة.
ولم يكتب الصحابة ولا من بعدهم البسملة في أولها ؛ لأنها لم تنزل معها كما نزلت مع غيرها من السور. هذا هو المعتمد المختار في تعليله، وقيل رعاية لمن كان يقول إنها مع الأنفال سورة واحدة، والمشهور أنه لنزولها بالسيف ونبذ العهود، وقيل غير ذلك مما في جعله سببا وعلة نظر، وقد يقال : إنه حكمة لا علة، ومما قاله بعض العلماء في هذه الحكمة : إنها تدل على أن البسملة آية من كل سورة أي ؛ لأن الاستثناء بالفعل كالاستثناء بالقول معيار العموم.
وقد ورد لها أسماء كثيرة هي صفات لأهم ما اشتملت عليه : فمنها سورة الفاضحة لما فضحته من سرائر المنافقين وإنبائهم بما في قلوبهم من الكفر وسوء النيات، وهذا الاسم روي عن عمر وابن عباس رضي الله عنهما، ومنها المنفرة والمعبرة والمبعثرة والمثيرة والبحوث ( كصبور ) لتنفيرها وتعبيرها عما في القلوب وبحث ذلك وإثارته وبعثرته، وكذا المدمدمة والمخزية والمنكلة والمشردة، ومعاني هذه الألقاب ظاهرة في معنى فضيحتها للمنافق، وما يترتب عليها من الدمدمة عليهم والخزي والنكال والتشريد بهم، ومنها المقشقشة، قال الزمخشري : وهي تقشقش من النفاق، أي تبرئ منه. وأشهرها الثابت التوبة وبراءة، وسائر الأسماء ألقاب لبيان معانيها. وقد نزل معظمها بعد غزوة تبوك وهي آخر غزواته صلى الله عليه وسلم، وفي حال الاستعداد لها في زمن العسرة والخروج إليها في القيظ، وفي أثنائها ظهر من آيات نفاق المنافقين ما كان خفيا من قبل.
وقد صرحوا بأن أولها نزل سنة تسع بعد فتح مكة، فأرسل النبي صلوات الله وسلامه عليه عليا عليه السلام ليقرأها على المشركين في الموسم كما يذكر مفصلا في محله.
وفي صحيح البخاري وغيره عن البراء قال : آخر آية نزلت ﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ﴾ وآخر سورة نزلت براءة١. وهو رأي له، لا رواية مرفوعة، ويحمل قوله في الآية على أنها آخر ما نزل في الكلالة، فهي بعد آيات المواريث وفي السورة على بعضها أو معظمها. وأرجح ما ورد في آخر آية نزلت أنه قوله تعالى :﴿ واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ﴾ [ البقرة : ٢٨١ ]، أو ما قبلها من آيات الربا من دونها، والأرجح أن يقال معها. وتقدم تفصيل المسألة في آخر سورة البقرة ( ج ٣ )، وأما آخر سورة نزلت تامة فالأرجح أنه سورة النصر، وقد عاش صلى الله عليه وسلم بعدها أياما قليلة.
وأما التناسب بينها وبين ما قبلها فإنه أظهر من التناسب بين سائر السور بعضها مع بعض، فهي كالمتممة لسورة الأنفال في معظم ما فيهما من أصول الدين وفروعه والسنن الإلهية والتشريع وجله في أحكام القتال وما يتعلق به من الاستعداد له وأسباب النصر فيه وغير ذلك من الأمور الروحية والمالية وأحكام المعاهدات والمواثيق- من حفظها ونبذها عند وجود المقتضي له - وأحكام الولاية في الحرب وغيرها بين المؤمنين بعضهم مع بعض والكافرين بعضهم مع بعض، وكذا أحوال المؤمنين الصادقين والكفار والمذبذبين من المنافقين ومرضى والقلوب، فما بدئ به في الأول أتم في الثانية. ولولا أن أمر القرآن في سوره ومقاديرها موقوف على النص لكان هذا الذي ذكرناه مؤيدا من جهة المعاني لمن قال : إنهما سورة واحدة، كما يؤيده من ناحية ترتيب السور بحسب طولها وقصرها، وتوالي السبع الطول منها، ويليها المئون، والأنفال دونها.
مثال ذلك :
١ إن العهود ذكرت في سورة الأنفال، وافتتحت سورة التوبة بتفصيل الكلام فيها، ولا سيما نبذها الذي قيد في الأول بخوف خيانة الأعداء.
٢ تفصيل الكلام في قتال المشركين وأهل الكتاب في كل منهما.
٣ ذكر في الأولى صد المشركين عن المسجد الحرام، وأنهم ليسوا بأوليائه ﴿ إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ [ الأنفال : ٣٤ ] أي من المؤمنين، وجاء في الثانية ﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ﴾ [ الأنفال : ١٧ ] الخ الآيات.
٤ ذكر في أول الأولى صفات المؤمنين الكاملين، وذكر بعد ذلك بعض صفات الكافرين، ثم ذكر في آخرها حكم الولاية بين كل من الفريقين كما تقدم، وجاء في الثانية مثل هذا في مواضع أيضا.
٥ ذكر في الأولى الترغيب في إنفاق المال في سبيل الله، وجاء مثل هذا الترغيب بأبلغ من ذلك وأوسع في الثانية، وذكرت في الأولى مصارف الغنائم من هذه الأموال، وفي الثانية مصارف الصدقات.
٦ ورد ذكر المنافقين والذين في قلوبهم مرض في الأولى في آية واحدة، وفصل في الثانية أوسع تفصيل حتى كانت أجدر بأن تسمى سورة المنافقين من سورة ﴿ إذا جاءك المنافقون ﴾ لو كانت تسمية السور بالرأي.
هي السورة التاسعة
وآياتها ١٢٩ عند الكوفيين و١٣٠ عند الجمهور
هي مدنية بالاتفاق، قيل إلا قوله تعالى :﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ﴾ [ الأنفال : ١١٣ ] الآية لما روي في الحديث المتفق عليه من نزولها في النهي عن استغفاره صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب كما سيأتي تفصيله في تفسيرها. ويجاب عنه بجواز أن يكون نزولها تأخر عن ذلك، وبما يقوله العلماء في مثل هذا المقام من جواز نزول الآية مرتين : مرة منفردة ومرة في أثناء السورة.
واستثنى ابن الفرس قوله تعالى :﴿ لقد جاءكم رسول ﴾ إلى آخر الآيتين في آخرها فزعم أنهما مكيتان، ويرده ما رواه الحاكم وأبو الشيخ في تفسيره عن ابن عباس من أن هاتين الآيتين آخر ما نزل من القرآن، وقول الكثيرين إنها نزلت تامة. وما يعارض هذا مما ورد في أسباب نزول بعض الآيات يجاب عنه بأن أكثر ما روي في أسباب النزول كان يراد به أن الآية نزلت في حكم كذا، أعني أن الرواة كانوا يذكرونها كثيرا في مقام الاستدلال، وهذا لا يدل على نزولها وحدها، ولا على كون النزول كان عند حدوث ما استدل بها عليه كما قلنا آنفا في احتمال نزول آية استنكار الاستغفار للمشركين في المدينة، وإن كان ما ذكروه من سببها حدث بمكة قبل الهجرة.
ولم يكتب الصحابة ولا من بعدهم البسملة في أولها ؛ لأنها لم تنزل معها كما نزلت مع غيرها من السور. هذا هو المعتمد المختار في تعليله، وقيل رعاية لمن كان يقول إنها مع الأنفال سورة واحدة، والمشهور أنه لنزولها بالسيف ونبذ العهود، وقيل غير ذلك مما في جعله سببا وعلة نظر، وقد يقال : إنه حكمة لا علة، ومما قاله بعض العلماء في هذه الحكمة : إنها تدل على أن البسملة آية من كل سورة أي ؛ لأن الاستثناء بالفعل كالاستثناء بالقول معيار العموم.
وقد ورد لها أسماء كثيرة هي صفات لأهم ما اشتملت عليه : فمنها سورة الفاضحة لما فضحته من سرائر المنافقين وإنبائهم بما في قلوبهم من الكفر وسوء النيات، وهذا الاسم روي عن عمر وابن عباس رضي الله عنهما، ومنها المنفرة والمعبرة والمبعثرة والمثيرة والبحوث ( كصبور ) لتنفيرها وتعبيرها عما في القلوب وبحث ذلك وإثارته وبعثرته، وكذا المدمدمة والمخزية والمنكلة والمشردة، ومعاني هذه الألقاب ظاهرة في معنى فضيحتها للمنافق، وما يترتب عليها من الدمدمة عليهم والخزي والنكال والتشريد بهم، ومنها المقشقشة، قال الزمخشري : وهي تقشقش من النفاق، أي تبرئ منه. وأشهرها الثابت التوبة وبراءة، وسائر الأسماء ألقاب لبيان معانيها. وقد نزل معظمها بعد غزوة تبوك وهي آخر غزواته صلى الله عليه وسلم، وفي حال الاستعداد لها في زمن العسرة والخروج إليها في القيظ، وفي أثنائها ظهر من آيات نفاق المنافقين ما كان خفيا من قبل.
وقد صرحوا بأن أولها نزل سنة تسع بعد فتح مكة، فأرسل النبي صلوات الله وسلامه عليه عليا عليه السلام ليقرأها على المشركين في الموسم كما يذكر مفصلا في محله.
وفي صحيح البخاري وغيره عن البراء قال : آخر آية نزلت ﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ﴾ وآخر سورة نزلت براءة١. وهو رأي له، لا رواية مرفوعة، ويحمل قوله في الآية على أنها آخر ما نزل في الكلالة، فهي بعد آيات المواريث وفي السورة على بعضها أو معظمها. وأرجح ما ورد في آخر آية نزلت أنه قوله تعالى :﴿ واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ﴾ [ البقرة : ٢٨١ ]، أو ما قبلها من آيات الربا من دونها، والأرجح أن يقال معها. وتقدم تفصيل المسألة في آخر سورة البقرة ( ج ٣ )، وأما آخر سورة نزلت تامة فالأرجح أنه سورة النصر، وقد عاش صلى الله عليه وسلم بعدها أياما قليلة.
وأما التناسب بينها وبين ما قبلها فإنه أظهر من التناسب بين سائر السور بعضها مع بعض، فهي كالمتممة لسورة الأنفال في معظم ما فيهما من أصول الدين وفروعه والسنن الإلهية والتشريع وجله في أحكام القتال وما يتعلق به من الاستعداد له وأسباب النصر فيه وغير ذلك من الأمور الروحية والمالية وأحكام المعاهدات والمواثيق- من حفظها ونبذها عند وجود المقتضي له - وأحكام الولاية في الحرب وغيرها بين المؤمنين بعضهم مع بعض والكافرين بعضهم مع بعض، وكذا أحوال المؤمنين الصادقين والكفار والمذبذبين من المنافقين ومرضى والقلوب، فما بدئ به في الأول أتم في الثانية. ولولا أن أمر القرآن في سوره ومقاديرها موقوف على النص لكان هذا الذي ذكرناه مؤيدا من جهة المعاني لمن قال : إنهما سورة واحدة، كما يؤيده من ناحية ترتيب السور بحسب طولها وقصرها، وتوالي السبع الطول منها، ويليها المئون، والأنفال دونها.
مثال ذلك :
١ إن العهود ذكرت في سورة الأنفال، وافتتحت سورة التوبة بتفصيل الكلام فيها، ولا سيما نبذها الذي قيد في الأول بخوف خيانة الأعداء.
٢ تفصيل الكلام في قتال المشركين وأهل الكتاب في كل منهما.
٣ ذكر في الأولى صد المشركين عن المسجد الحرام، وأنهم ليسوا بأوليائه ﴿ إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ [ الأنفال : ٣٤ ] أي من المؤمنين، وجاء في الثانية ﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ﴾ [ الأنفال : ١٧ ] الخ الآيات.
٤ ذكر في أول الأولى صفات المؤمنين الكاملين، وذكر بعد ذلك بعض صفات الكافرين، ثم ذكر في آخرها حكم الولاية بين كل من الفريقين كما تقدم، وجاء في الثانية مثل هذا في مواضع أيضا.
٥ ذكر في الأولى الترغيب في إنفاق المال في سبيل الله، وجاء مثل هذا الترغيب بأبلغ من ذلك وأوسع في الثانية، وذكرت في الأولى مصارف الغنائم من هذه الأموال، وفي الثانية مصارف الصدقات.
٦ ورد ذكر المنافقين والذين في قلوبهم مرض في الأولى في آية واحدة، وفصل في الثانية أوسع تفصيل حتى كانت أجدر بأن تسمى سورة المنافقين من سورة ﴿ إذا جاءك المنافقون ﴾ لو كانت تسمية السور بالرأي.
١ ـ أخرجه البخاري في تفسير سورة ٩، باب ١، وتفسير سورة ٤، باب ٢٧..
التفسير
﴿ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين( ١ ) فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين ( ٢ ) وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ( ٣ ) إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين ( ٤ ) ﴾
من المشهور القطعي الذي لا خلاف فيه أن الله تعالى بعث محمدا رسوله وخاتم النبيين بالإسلام الذي أكمل به الدين، وجعل آيته الكبرى هذا القرآن المعجز للبشر من وجوه كثيرة ذكرنا كلياتها في تفسير( ٢ : ٢٣ ج ١ )، وأقام بناء الدعوة إليه على أساس البراهين العقلية والعلمية المقنعة والملزمة، ومنع الإكراه فيه والحمل عليه بالقوة كما بيناه في تفسير ( ٢ : ٢٥٦ج ٣ )، فقاومه المشركون، وفتنوا المؤمنين بالتعذيب والاضطهاد لصدهم عنه، وصدوه صلى الله عليه وسلم عن تبليغه للناس بالقوة، ولم يكن أحد ممن اتبعه يأمن على نفسه من القتل أو التعذيب، إلا بتأمين حلف أو قريب. فهاجر من هاجر منهم المرة بعد المرة، ثم اشتد إيذاؤهم للرسول صلى الله عليه وسلم حتى ائتمروا بحبسه الدائم أو نفيه أو قتله علنا في دار الندوة، ورجحوا في آخر الأمر قتله، فأمره الله تعالى بالهجرة، كما تقدم في تفسير ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ﴾ [ الأنفال : ٣٠ ] ج ٩، فهاجر صلى الله عليه وسلم، وصار يتبعه من قدر على الهجرة من أصحابه إلى حيث وجدوا من مهاجرهم بالمدينة المنورة أنصارا لله ولرسوله يحبون من هاجر إليهم، ويؤثرونهم على أنفسهم، وكانت الحال بينهم وبين مشركي مكة وغيرهم من العرب حال حرب بالطبع، ومقتضى العرف العام في ذلك العصر، وعاهد صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب من يهود المدينة وما حولها على السلم والتعاون فخانوا وغدروا، ونقضوا عهودهم له بما كانوا يوالون المشركين ويظاهرونهم كلما حاربوه، كما تقدم بيان ذلك كله في تفسير سورة الأنفال من هذا الجزء.
وقد عاهد صلى الله عليه وسلم المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروط تساهل معهم فيها منتهى التساهل عن قوة وعزة، لا عن ضعف وذلة، ولكن حبا بالسلم ونشر دينه بالإقناع والحجة، ودخلت خزاعة في عهده صلى الله عليه وسلم كما دخلت بنو بكر في عهد قريش، ثم عدا هؤلاء على أولئك وإعانتهم قريش بالسلاح فنقضوا عهدهم، فكان ذلك سبب عودة حال الحرب العامة معهم، وفتحه صلى الله عليه وسلم لمكة، الذي خضد شوكة الشرك وأذل أهله، ولكنهم ما زالوا يحاربونه حيث قدروا، وثبت بالتجربة لهم - في حالي قوتهم وضعفهم- أنهم لا عهود لهم، ولا يؤمن نقضهم وانتقاضهم، كما يأتي في قوله تعالى :﴿ كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ﴾ إلى قوله في آخر آية ١٢ ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ﴾ أي لا عهود لهم يرعونها ويفون بها. والمراد أنه لا يمكن أن يعيش المسلمون معهم بحكم المعاهدات المرعية فيأمن كل منهم شر الآخر وعدوانه مع بقائهم على شركهم الذي ليس له شرع يدان به، فيجب الوفاء بالعهد بإيجابه، كيف وقد سبقهم إلى الغدر ونقض الميثاق من كانوا أجدر بالوفاء وهم أهل الكتاب.
هذا هو الأصل الشرعي الذي بني عليه ما جاءت به هذه السورة من نبذ عهودهم المطلقة، وإتمام مدة عهدهم المؤقتة لمن استقام منهم عليها، وأما حكمة ذلك فهي محو بقية الشرك من جزيرة العرب بالقوة، وجعلها خالصة للمسلمين، مع مراعاة الأصول السابقة في قوله تعالى :﴿ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ﴾ [ البقرة : ١٩ ] وقوله :﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾ [ الأنفال : ٦١ ] بقدر الإمكان، وإن قال الجمهور بنسخ هذا بآية السيف من هذه السورة ونبذ عهود الشرك، وسيأتي تفصيله في تفسيرها.
قوله تعالى :﴿ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ﴾ البراءة مصدر برىء ( كتعب ) من الدَّين إذا أسقط عنه، ومن الذنب ونحوه إذا تركه وتنزه عنه، أي هذه براءة وأصلة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين، كما تقول هذا كتاب من فلان إلى فلان. قال الراغب : أصل البرء والبراء والتبري التفصي مما يكره مجاورته أي أو ملابسته. أسند التبري إلى الله ورسوله لأنه تشريع جديد شرعه الله تعالى، وأمر رسوله بتبليغه وتنفيذه، وأسند معاهدة المشركين إلى جماعة المؤمنين، وإن كان الرسول هو الذي عقده، فإنه إنما عقده بصفة كونه الإمام والقائد العام لهم، وهو عقد ينفذ بمراعاتهم له وعمهم بموجبه، كما يسند تعالى إلى الجماعة أكثر الأحكام العامة حتى ما كان الخطاب في أول آياته له صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى :﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ﴾ [ الطلاق : ١ ] الخ، فجمهور المؤمنين هم الذين ينفذون أحكام المعاهدات، ولقوادهم من أهل الحل والعقد وأمراء السرايا الاجتهاد فيما لا نص فيه منها، ومن أحكام الحرب والصلح وغيرها، ولا ينسب ذلك في تفصيله إلى الله ورسوله، إذ لا يمكن إحاطة النصوص بفروعه، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم القواد إذا نزلوا حصنا فطلب أهله منهم النزول على حكم الله ورسوله أن لا ينزلوهم على حكمهما وذمتهما، وأمر بأن ينزلوهم على حكمهم وذمتهم، كما رواه مسلم من حديث بريدة رضي الله عنه.
والمعاهدة عقد العهد بين الفريقين على شروط يلتزمونها، وكان اللذان يتوليانها منهما يضع أحدهم يمينه في يمين الآخر، وكانوا يؤكدونها ويوثقونها بالأيمان، ولذلك سميت أيمانا كما قال تعالى في المشركين ﴿ إنهم لا أيمان لهم ﴾ [ التوبة : ١٢ ].
قال ناصر السنة البغوي في تفسير الآية : لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك كان المنافقون يرجفون الأراجيف، وجعل المشركون ينقضون عهودا كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر الله عز وجل بنقض عهودهم، وذلك قوله عز وجل :﴿ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ﴾ [ الأنفال : ٥٨ ]، يعني أنه صلى الله عليه وسلم إنما عمل في نبذ عهودهم بآية الأنفال التي تقدمت، وليس تشريعا جديدا لنبذ عهود المشركين مطلقا.
وقال الحافظ ابن كثير في تفسيرها : اختلف المفسرون ههنا اختلافا كثيرا، فقال قائلون : هذه الآية لذوي العهود المطلقة غير المؤقتة، أو من له عهد دون أربعة أشهر، فيكمل له أربعة أشهر، فأما من كان له عهد مؤقت فأجله إلى مدته مهما كان، لقوله تعالى :﴿ فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ﴾ [ التوبة : ٤ ]، ولما سيأتي في الحديث ( ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته )١، وهذا أحسن الأقوال وأقواها، وقد اختاره ابن جرير رحمه الله، وروي عن الكلبي ومحمد بن كعب القرظي وغير واحد. اه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد ورد في تنفيذ أمر الله تعالى بهذه البراءة والأذان بها- أي التبليغ العام العلني لها- أحاديث في الصحاح والسنن وكتب التفسير المأثور فيها شيء من الخلاف والتعارض نقتصر على أمثلها وأثبتها، وما يجمع بين الروايات ويزيل تعارضها. فجملة تلك الروايات تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أبا بكر رضي الله عنه أميرا على الحج سنة تسع، وأمره أن يبلغ المشركين الذين يحضرون الحج أنهم يمنعون منه بعد ذلك العام، ثم أردفه بعلي( ع. م ) ليبلغهم عنه نبذ عهودهم المطلقة، وإعطائهم مهلة أربعة أشهر لينظروا في أمرهم، وأن العهود المؤقتة أجلها نهاية وقتها. ويتلو عليهم الآيات المتضمنة لمسألة نبذ العهود وما يتعلق بها من أول سورة براءة وهي ٤٠ أو ٣٣ آية، وما ذكر في بعض الروايات من التردد بين ٣٠ و٤٠ فتعبير بالأعشار، مع إلغاء كسرها من زيادة ونقصان، وذلك لأن من عادة العرب أن العهود ونبذها إنما تكون من عاقدها أو أحد عصبته القريبة، وأن عليا كان مختصا بذلك مع بقاء إمارة الحج لأبي بكر الذي كان يساعده على ذلك ويأمر بعض الصحابة كأبي هريرة بمساعدته.
أما الشيخان فقد أخرجا في هذا الباب حديث أبي هريرة الذي رواه عنه حميد بن عبد الرحمن بن عوف في كتاب الحج، وكرره البخاري في كتب الطهارة والحج والجزية والمغازي والتفسير، فنذكر لفظه في تفسير ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ﴾ الآية : عن حميد أن أبا هريرة قال : بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى : أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد : ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب، وأمره أن يؤذن ببراءة. قال أبو هريرة : فأذن معنا علي يوم النحر في أهل منى ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان١ اهـ.
قال الحافظ في الفتح عند قوله :" قال أبو هريرة فأذن معنا علي " ما نصه :
هو موصول بالإسناد المذكور، وكان حميد بن عبد الرحمن حمل قصة توجه علي من المدينة إلى أن لحق بأبي بكر عن غير أبي هريرة، وحمل بقية القصة عن أبي هريرة. وقوله : فأذن معنا علي في منى يوم النحر الخ قال الكرماني : فيه إشكال ؛ لأن عليا كان مأمورا بأن يؤذن ببراءة، فكيف يؤذن بأن لا يحج بعد العام مشرك ؟ ثم أجاب بأنه أذن ببراءة، ومن جملة ما اشتملت عليه أن لا يحج بعد العام مشرك من قوله تعالى :﴿ إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾[ التوبة : ٢٨ ]
ويحتمل أن يكون أمر أن يؤذن ببراءة وبما أمر أبو بكر أن يؤذن به أيضا، قلت : وفي قوله : يؤذن ببراءة تجوز ؛ لأنه أمر أن يؤذن ببضع وثلاثين آية منتهاها عند قوله :﴿ ولو كره المشركون ﴾ [ التوبة : ٣٣ ]، فروى الطبري من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب وغيره قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الحج سنة تسع، وبعث عليا بثلاثين أو أربعين آية من براءة. وروى الطبري من طريق أبي الصهباء قال : سألت عليا عن يوم الحج الأكبر، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر يقيم للناس الحج، وبعثني بعده بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفة فخطب ثم التفت إلي فقال : يا علي قم فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت فقرأت أربعين آية من براءة، ثم صدرنا حتى رميت الجمرة، فطفقت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم ؛ لأن الجميع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة.
ثم قال الحافظ : وأما ما وقع في حديث جابر فيما أخرجه الطبري وإسحاق في مسنده والنسائي والدارمي كلاهما عنه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان من طريق ابن جريج : حدثني عبد الله بن عثمان بن خيثم عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم حين رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحج، فأقبلنا معه، حتى إذا كنا بالعرج ثوَّب بالصبح، فسمعنا رغوة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا علي عليها، فقال له : أمير أو رسول ؟ فقال : بل أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة أقرؤها على الناس، فقدمنا مكة، فلما كان قبل يوم التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس بمناسكهم، حتى إذا فرغ منها قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم كان يوم النحر كذلك، ثم يوم النفر كذلك، فيجمع بأن عليا قرأها كلها في المواطن الثلاثة، وأما في سائر الأوقات فكان يؤذن بالأمور المذكورة : أن لا يحج بعد العام مشرك الخ، وكان يستعين بأبي هريرة وغيره في الأذان بذلك.
« وقد وقع في حديث مقسم عن ابن عباس عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر. الحديث، وفيه فقام علي أيام التشريق فنادى : ذمة الله وذمة رسوله بريئة من كل مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل مؤمن. فكان علي ينادي بها، فإذا بح قام أبو هريرة فنادى بها ٢».
وأخرج أحمد بسند حسن عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة قال « لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي »، فبعث بها مع علي. قال الترمذي : حسن غريب. ووقع في حديث يعلى عند أحمد عن علي : لما نزلت عشر آيات من براءة بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال :( أدرك أبا بكر، فحيثما لقيته فخذ منه الكتاب. فرجع أبو بكر فقال : يا رسول الله نزل في شيء فقال « لا» إلا أنه لن يؤدي عني ـ أو لكن جبريل قال : لا يؤدي عنك- إلا أنت أو رجل منك )، قال العماد ابن كثير : ليس المراد أن أبا بكر رجع من فوره ؛ بل المراد رجع من حجته. ( قلت ) : ولا مانع من حمله على ظاهره لقرب المسافة. وأما قوله : عشر آيات، فالمراد أولها ﴿ إنما المشركون نجس ﴾ اهـ.
هذا ما لخصه الحافظ من الروايات، وأقول إن ابن كثير قال في حديث علي في نزول عشر آيات المذكور أخيرا، وقد ذكر إسناده عن عبد الله بن أحمد : هذا إسناد فيه ضعف.
وأزيد عليه انتقاد متنه ؛ إذ لا يصح أن يكون نزل منها عشر آيات وأنه صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر ثم عليا بها، فهذا مخالف لسائر الروايات المتضافرة المتفقة التي أطلق في بعضها أول سورة براءة ـ وفي بعضها عدد ثلاثين أو أربعين آية منها ـ أي بالتقريب، وفي بعضها سورة براءة، وهي لا تنافي بينها، فقد نزلت سورة براءة كلها أو أكثرها عقب غزوة تبوك، وقد كانت في رجب سنة تسع من الهجرة. وقد قال ابن إسحاق : إن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بعد أن رجع من تبوك رمضان وشوال وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج، وذكر أن أبا بكر خرج في ذي القعدة. فإن أمكن حمل ما رواه ابن سعد عن مجاهد من أن حج أبي بكر كان في ذي القعدة على هذا كان صحيحا وإلا فلا.
وأما ضعف إسناده الذي ذكره ابن كثير فمن حنش بن المعتمر الكناني الكوفي. قال ابن حبان : كان كثير الوهم في الأخبار، ينفرد عن علي بأشياء لا تشبه حديث الثقات، حتى صار ممن لا يحتج بحديثه، وقال البزار : حدث عنه سماك بحديث منكر، وقال ابن حزم في المحلى : ساقط مطرح، ولأئمة الجرح في تضعيفه أقوال أخرى. ولعل الحديث المنكر الذي رواه عنه سماك هو هذا، على أن سماك بن حرب هذا لم يسلم من جرح، وإن روى عنه مسلم، ومما قيل عنه : إنه خرف في آخر عمره. والعجب من الحافظ ابن حجر كيف سكت عن ضعف إسناد هذا الحديث مع تذكر عبارة ابن كثير فيه.
وأما اختلافهم في تعيين يوم الحج الأكبر ففيه ما رواه البخاري في تفسير ﴿ إلا الذين عاهدتم من المشركين ﴾ من رواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب أن حميد بن عبد الرحمن أخبره عن أبي هريرة أنه أخبر أن أبا بكر رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها قبل حجة الوداع يؤذن في الناس أن لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، فكان حميد يقول : يوم النحر يوم الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة. وتقدم الحديث في كتاب الجزية عن شعيب عن الزهري بلفظ : بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى : لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر. وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر. فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج في حجة الوداع التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم مشرك اهـ.
قال الحافظ في الكلام على رواية صالح من الفتح بعد أن ذكر رواية شعيب ما نصه : وقوله : ويوم الحج الأكبر يوم النحرـ وهو قول حميد بن عبد الرحمن- استنبطه من قوله تعالى :﴿ وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر ﴾ ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكر يوم النحر. وسياق رواية شعيب يوهم أن ذلك مما نادى به أبو بكر وليس كذلك، فقد تضافرت الروايات عن أبي هريرة بأن الذي كان ينادي به هو ومن معه من قبل أبي بكر شيئان : منع حج المشركين، ومنع طواف العريان. وأن عليا أيضا كان ينادي بهما، وكان يزيد : من كان له عهد فعهده إلى مدته، وأن لا يدخل الجنة إلا مسلم. وكان هذه الأخيرة كالتوطئة لأن لا يحج البيت مشرك. وأما التي قبلها فهي التي اختص علي بتبليغها، ولهذا قال العلماء : إن الحكمة في إرسال علي بعد أبي بكر أن عادة العرب جرت بأن لا ينقض العهد إلا من عقده أو من هو منه بسبيل من أهل بيته، فأجراهم في ذلك على عادتهم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم :( لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل من أهل بيتي ).
وروى أحمد والنسائي من طريق محرز بن أبي هريرة عن أبيه قال : كنت مع علي حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ببراءة، فكنا ننادي أن لا يدخل الجنة إلا كل نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج بعد العام مشرك. فكنت أنادي حتى صحل صوتي.
ثم قال الحافظ : وقوله : وإنما قيل الأكبر الخ في حديث ابن عمر عند أبي داود وأصله في هذا الصحيح رفعه : أي يوم هذا ؟ قالوا : هذا يوم النحر، قال « هذا يوم الحج الأكبر».
واختلف في المراد بالحج الأصغر، فالجمهور على أنه العمرة، وصل ذلك عبد الرازق من طريق عبد الله بن شداد -أحد كبار التابعين-، ووصله الطبري عن جماعة منهم عطاء والشعبي، وعن مجاهد : الحج الأكبر القران، والأصغر الإفراد. وقيل : يوم الحج الأصغر يوم عرفة، ويوم الحج الأكبر يوم النحر ؛ لأن فيه تتكمل بقية المناسك، وعن الثوري : أيام الحج تسمى يوم الحج الأكبر، كما يقال يوم الفتح، وأيده السهيلي بأن عليا أمر بذلك في الأيام كلها، وقيل : لأن أهل الجاهلية كانوا يقفون بعرفة، وكانت قريش تقف بالمزدلفة، فإذا كان صبيحة النحر وقف الجميع بالمزدلفة، فقيل له الأكبر لاجتماع الكل فيه.
وعن الحسن سمي بذلك لاتفاق حج جميع الملل فيه، وروى الطبري من طريق أبي جحيفة وغيره أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، ومن طريق سعيد بن جبير أنه يوم النحر، واحتج بأن يوم التاسع وهو يوم عرفة إذا انسلخ قبل الوقوف لم يفت الحج بخلاف العاشر، فإن الليل إذا انسلخ قبل الوقوف فات، وفي رواية الترمذي من حديث علي مرفوعا وموقوفا :( يوم الحج الأكبر يوم النحر )٣ ورجح الموقوف. وقوله : فنبذ أبو بكر الخ هو أيضا مرسل من قول حميد بن عبد الرحمن، والمراد أن أبا بكر أفصح لهم بذلك، وقيل إنما لم يقتصر النبي صلى الله عليه و
﴿ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين( ١ ) فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين ( ٢ ) وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ( ٣ ) إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين ( ٤ ) ﴾
من المشهور القطعي الذي لا خلاف فيه أن الله تعالى بعث محمدا رسوله وخاتم النبيين بالإسلام الذي أكمل به الدين، وجعل آيته الكبرى هذا القرآن المعجز للبشر من وجوه كثيرة ذكرنا كلياتها في تفسير( ٢ : ٢٣ ج ١ )، وأقام بناء الدعوة إليه على أساس البراهين العقلية والعلمية المقنعة والملزمة، ومنع الإكراه فيه والحمل عليه بالقوة كما بيناه في تفسير ( ٢ : ٢٥٦ج ٣ )، فقاومه المشركون، وفتنوا المؤمنين بالتعذيب والاضطهاد لصدهم عنه، وصدوه صلى الله عليه وسلم عن تبليغه للناس بالقوة، ولم يكن أحد ممن اتبعه يأمن على نفسه من القتل أو التعذيب، إلا بتأمين حلف أو قريب. فهاجر من هاجر منهم المرة بعد المرة، ثم اشتد إيذاؤهم للرسول صلى الله عليه وسلم حتى ائتمروا بحبسه الدائم أو نفيه أو قتله علنا في دار الندوة، ورجحوا في آخر الأمر قتله، فأمره الله تعالى بالهجرة، كما تقدم في تفسير ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ﴾ [ الأنفال : ٣٠ ] ج ٩، فهاجر صلى الله عليه وسلم، وصار يتبعه من قدر على الهجرة من أصحابه إلى حيث وجدوا من مهاجرهم بالمدينة المنورة أنصارا لله ولرسوله يحبون من هاجر إليهم، ويؤثرونهم على أنفسهم، وكانت الحال بينهم وبين مشركي مكة وغيرهم من العرب حال حرب بالطبع، ومقتضى العرف العام في ذلك العصر، وعاهد صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب من يهود المدينة وما حولها على السلم والتعاون فخانوا وغدروا، ونقضوا عهودهم له بما كانوا يوالون المشركين ويظاهرونهم كلما حاربوه، كما تقدم بيان ذلك كله في تفسير سورة الأنفال من هذا الجزء.
وقد عاهد صلى الله عليه وسلم المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروط تساهل معهم فيها منتهى التساهل عن قوة وعزة، لا عن ضعف وذلة، ولكن حبا بالسلم ونشر دينه بالإقناع والحجة، ودخلت خزاعة في عهده صلى الله عليه وسلم كما دخلت بنو بكر في عهد قريش، ثم عدا هؤلاء على أولئك وإعانتهم قريش بالسلاح فنقضوا عهدهم، فكان ذلك سبب عودة حال الحرب العامة معهم، وفتحه صلى الله عليه وسلم لمكة، الذي خضد شوكة الشرك وأذل أهله، ولكنهم ما زالوا يحاربونه حيث قدروا، وثبت بالتجربة لهم - في حالي قوتهم وضعفهم- أنهم لا عهود لهم، ولا يؤمن نقضهم وانتقاضهم، كما يأتي في قوله تعالى :﴿ كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ﴾ إلى قوله في آخر آية ١٢ ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ﴾ أي لا عهود لهم يرعونها ويفون بها. والمراد أنه لا يمكن أن يعيش المسلمون معهم بحكم المعاهدات المرعية فيأمن كل منهم شر الآخر وعدوانه مع بقائهم على شركهم الذي ليس له شرع يدان به، فيجب الوفاء بالعهد بإيجابه، كيف وقد سبقهم إلى الغدر ونقض الميثاق من كانوا أجدر بالوفاء وهم أهل الكتاب.
هذا هو الأصل الشرعي الذي بني عليه ما جاءت به هذه السورة من نبذ عهودهم المطلقة، وإتمام مدة عهدهم المؤقتة لمن استقام منهم عليها، وأما حكمة ذلك فهي محو بقية الشرك من جزيرة العرب بالقوة، وجعلها خالصة للمسلمين، مع مراعاة الأصول السابقة في قوله تعالى :﴿ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ﴾ [ البقرة : ١٩ ] وقوله :﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾ [ الأنفال : ٦١ ] بقدر الإمكان، وإن قال الجمهور بنسخ هذا بآية السيف من هذه السورة ونبذ عهود الشرك، وسيأتي تفصيله في تفسيرها.
قوله تعالى :﴿ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ﴾ البراءة مصدر برىء ( كتعب ) من الدَّين إذا أسقط عنه، ومن الذنب ونحوه إذا تركه وتنزه عنه، أي هذه براءة وأصلة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين، كما تقول هذا كتاب من فلان إلى فلان. قال الراغب : أصل البرء والبراء والتبري التفصي مما يكره مجاورته أي أو ملابسته. أسند التبري إلى الله ورسوله لأنه تشريع جديد شرعه الله تعالى، وأمر رسوله بتبليغه وتنفيذه، وأسند معاهدة المشركين إلى جماعة المؤمنين، وإن كان الرسول هو الذي عقده، فإنه إنما عقده بصفة كونه الإمام والقائد العام لهم، وهو عقد ينفذ بمراعاتهم له وعمهم بموجبه، كما يسند تعالى إلى الجماعة أكثر الأحكام العامة حتى ما كان الخطاب في أول آياته له صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى :﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ﴾ [ الطلاق : ١ ] الخ، فجمهور المؤمنين هم الذين ينفذون أحكام المعاهدات، ولقوادهم من أهل الحل والعقد وأمراء السرايا الاجتهاد فيما لا نص فيه منها، ومن أحكام الحرب والصلح وغيرها، ولا ينسب ذلك في تفصيله إلى الله ورسوله، إذ لا يمكن إحاطة النصوص بفروعه، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم القواد إذا نزلوا حصنا فطلب أهله منهم النزول على حكم الله ورسوله أن لا ينزلوهم على حكمهما وذمتهما، وأمر بأن ينزلوهم على حكمهم وذمتهم، كما رواه مسلم من حديث بريدة رضي الله عنه.
والمعاهدة عقد العهد بين الفريقين على شروط يلتزمونها، وكان اللذان يتوليانها منهما يضع أحدهم يمينه في يمين الآخر، وكانوا يؤكدونها ويوثقونها بالأيمان، ولذلك سميت أيمانا كما قال تعالى في المشركين ﴿ إنهم لا أيمان لهم ﴾ [ التوبة : ١٢ ].
قال ناصر السنة البغوي في تفسير الآية : لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك كان المنافقون يرجفون الأراجيف، وجعل المشركون ينقضون عهودا كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر الله عز وجل بنقض عهودهم، وذلك قوله عز وجل :﴿ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ﴾ [ الأنفال : ٥٨ ]، يعني أنه صلى الله عليه وسلم إنما عمل في نبذ عهودهم بآية الأنفال التي تقدمت، وليس تشريعا جديدا لنبذ عهود المشركين مطلقا.
وقال الحافظ ابن كثير في تفسيرها : اختلف المفسرون ههنا اختلافا كثيرا، فقال قائلون : هذه الآية لذوي العهود المطلقة غير المؤقتة، أو من له عهد دون أربعة أشهر، فيكمل له أربعة أشهر، فأما من كان له عهد مؤقت فأجله إلى مدته مهما كان، لقوله تعالى :﴿ فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ﴾ [ التوبة : ٤ ]، ولما سيأتي في الحديث ( ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته )١، وهذا أحسن الأقوال وأقواها، وقد اختاره ابن جرير رحمه الله، وروي عن الكلبي ومحمد بن كعب القرظي وغير واحد. اه.
أما الشيخان فقد أخرجا في هذا الباب حديث أبي هريرة الذي رواه عنه حميد بن عبد الرحمن بن عوف في كتاب الحج، وكرره البخاري في كتب الطهارة والحج والجزية والمغازي والتفسير، فنذكر لفظه في تفسير ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ﴾ الآية : عن حميد أن أبا هريرة قال : بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى : أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد : ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب، وأمره أن يؤذن ببراءة. قال أبو هريرة : فأذن معنا علي يوم النحر في أهل منى ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان١ اهـ.
قال الحافظ في الفتح عند قوله :" قال أبو هريرة فأذن معنا علي " ما نصه :
هو موصول بالإسناد المذكور، وكان حميد بن عبد الرحمن حمل قصة توجه علي من المدينة إلى أن لحق بأبي بكر عن غير أبي هريرة، وحمل بقية القصة عن أبي هريرة. وقوله : فأذن معنا علي في منى يوم النحر الخ قال الكرماني : فيه إشكال ؛ لأن عليا كان مأمورا بأن يؤذن ببراءة، فكيف يؤذن بأن لا يحج بعد العام مشرك ؟ ثم أجاب بأنه أذن ببراءة، ومن جملة ما اشتملت عليه أن لا يحج بعد العام مشرك من قوله تعالى :﴿ إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾[ التوبة : ٢٨ ]
ويحتمل أن يكون أمر أن يؤذن ببراءة وبما أمر أبو بكر أن يؤذن به أيضا، قلت : وفي قوله : يؤذن ببراءة تجوز ؛ لأنه أمر أن يؤذن ببضع وثلاثين آية منتهاها عند قوله :﴿ ولو كره المشركون ﴾ [ التوبة : ٣٣ ]، فروى الطبري من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب وغيره قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الحج سنة تسع، وبعث عليا بثلاثين أو أربعين آية من براءة. وروى الطبري من طريق أبي الصهباء قال : سألت عليا عن يوم الحج الأكبر، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر يقيم للناس الحج، وبعثني بعده بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفة فخطب ثم التفت إلي فقال : يا علي قم فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت فقرأت أربعين آية من براءة، ثم صدرنا حتى رميت الجمرة، فطفقت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم ؛ لأن الجميع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة.
ثم قال الحافظ : وأما ما وقع في حديث جابر فيما أخرجه الطبري وإسحاق في مسنده والنسائي والدارمي كلاهما عنه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان من طريق ابن جريج : حدثني عبد الله بن عثمان بن خيثم عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم حين رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحج، فأقبلنا معه، حتى إذا كنا بالعرج ثوَّب بالصبح، فسمعنا رغوة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا علي عليها، فقال له : أمير أو رسول ؟ فقال : بل أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة أقرؤها على الناس، فقدمنا مكة، فلما كان قبل يوم التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس بمناسكهم، حتى إذا فرغ منها قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم كان يوم النحر كذلك، ثم يوم النفر كذلك، فيجمع بأن عليا قرأها كلها في المواطن الثلاثة، وأما في سائر الأوقات فكان يؤذن بالأمور المذكورة : أن لا يحج بعد العام مشرك الخ، وكان يستعين بأبي هريرة وغيره في الأذان بذلك.
« وقد وقع في حديث مقسم عن ابن عباس عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر. الحديث، وفيه فقام علي أيام التشريق فنادى : ذمة الله وذمة رسوله بريئة من كل مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل مؤمن. فكان علي ينادي بها، فإذا بح قام أبو هريرة فنادى بها ٢».
وأخرج أحمد بسند حسن عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة قال « لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي »، فبعث بها مع علي. قال الترمذي : حسن غريب. ووقع في حديث يعلى عند أحمد عن علي : لما نزلت عشر آيات من براءة بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال :( أدرك أبا بكر، فحيثما لقيته فخذ منه الكتاب. فرجع أبو بكر فقال : يا رسول الله نزل في شيء فقال « لا» إلا أنه لن يؤدي عني ـ أو لكن جبريل قال : لا يؤدي عنك- إلا أنت أو رجل منك )، قال العماد ابن كثير : ليس المراد أن أبا بكر رجع من فوره ؛ بل المراد رجع من حجته. ( قلت ) : ولا مانع من حمله على ظاهره لقرب المسافة. وأما قوله : عشر آيات، فالمراد أولها ﴿ إنما المشركون نجس ﴾ اهـ.
هذا ما لخصه الحافظ من الروايات، وأقول إن ابن كثير قال في حديث علي في نزول عشر آيات المذكور أخيرا، وقد ذكر إسناده عن عبد الله بن أحمد : هذا إسناد فيه ضعف.
وأزيد عليه انتقاد متنه ؛ إذ لا يصح أن يكون نزل منها عشر آيات وأنه صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر ثم عليا بها، فهذا مخالف لسائر الروايات المتضافرة المتفقة التي أطلق في بعضها أول سورة براءة ـ وفي بعضها عدد ثلاثين أو أربعين آية منها ـ أي بالتقريب، وفي بعضها سورة براءة، وهي لا تنافي بينها، فقد نزلت سورة براءة كلها أو أكثرها عقب غزوة تبوك، وقد كانت في رجب سنة تسع من الهجرة. وقد قال ابن إسحاق : إن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بعد أن رجع من تبوك رمضان وشوال وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج، وذكر أن أبا بكر خرج في ذي القعدة. فإن أمكن حمل ما رواه ابن سعد عن مجاهد من أن حج أبي بكر كان في ذي القعدة على هذا كان صحيحا وإلا فلا.
وأما ضعف إسناده الذي ذكره ابن كثير فمن حنش بن المعتمر الكناني الكوفي. قال ابن حبان : كان كثير الوهم في الأخبار، ينفرد عن علي بأشياء لا تشبه حديث الثقات، حتى صار ممن لا يحتج بحديثه، وقال البزار : حدث عنه سماك بحديث منكر، وقال ابن حزم في المحلى : ساقط مطرح، ولأئمة الجرح في تضعيفه أقوال أخرى. ولعل الحديث المنكر الذي رواه عنه سماك هو هذا، على أن سماك بن حرب هذا لم يسلم من جرح، وإن روى عنه مسلم، ومما قيل عنه : إنه خرف في آخر عمره. والعجب من الحافظ ابن حجر كيف سكت عن ضعف إسناد هذا الحديث مع تذكر عبارة ابن كثير فيه.
وأما اختلافهم في تعيين يوم الحج الأكبر ففيه ما رواه البخاري في تفسير ﴿ إلا الذين عاهدتم من المشركين ﴾ من رواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب أن حميد بن عبد الرحمن أخبره عن أبي هريرة أنه أخبر أن أبا بكر رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها قبل حجة الوداع يؤذن في الناس أن لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، فكان حميد يقول : يوم النحر يوم الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة. وتقدم الحديث في كتاب الجزية عن شعيب عن الزهري بلفظ : بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى : لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر. وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر. فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج في حجة الوداع التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم مشرك اهـ.
قال الحافظ في الكلام على رواية صالح من الفتح بعد أن ذكر رواية شعيب ما نصه : وقوله : ويوم الحج الأكبر يوم النحرـ وهو قول حميد بن عبد الرحمن- استنبطه من قوله تعالى :﴿ وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر ﴾ ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكر يوم النحر. وسياق رواية شعيب يوهم أن ذلك مما نادى به أبو بكر وليس كذلك، فقد تضافرت الروايات عن أبي هريرة بأن الذي كان ينادي به هو ومن معه من قبل أبي بكر شيئان : منع حج المشركين، ومنع طواف العريان. وأن عليا أيضا كان ينادي بهما، وكان يزيد : من كان له عهد فعهده إلى مدته، وأن لا يدخل الجنة إلا مسلم. وكان هذه الأخيرة كالتوطئة لأن لا يحج البيت مشرك. وأما التي قبلها فهي التي اختص علي بتبليغها، ولهذا قال العلماء : إن الحكمة في إرسال علي بعد أبي بكر أن عادة العرب جرت بأن لا ينقض العهد إلا من عقده أو من هو منه بسبيل من أهل بيته، فأجراهم في ذلك على عادتهم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم :( لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل من أهل بيتي ).
وروى أحمد والنسائي من طريق محرز بن أبي هريرة عن أبيه قال : كنت مع علي حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ببراءة، فكنا ننادي أن لا يدخل الجنة إلا كل نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج بعد العام مشرك. فكنت أنادي حتى صحل صوتي.
ثم قال الحافظ : وقوله : وإنما قيل الأكبر الخ في حديث ابن عمر عند أبي داود وأصله في هذا الصحيح رفعه : أي يوم هذا ؟ قالوا : هذا يوم النحر، قال « هذا يوم الحج الأكبر».
واختلف في المراد بالحج الأصغر، فالجمهور على أنه العمرة، وصل ذلك عبد الرازق من طريق عبد الله بن شداد -أحد كبار التابعين-، ووصله الطبري عن جماعة منهم عطاء والشعبي، وعن مجاهد : الحج الأكبر القران، والأصغر الإفراد. وقيل : يوم الحج الأصغر يوم عرفة، ويوم الحج الأكبر يوم النحر ؛ لأن فيه تتكمل بقية المناسك، وعن الثوري : أيام الحج تسمى يوم الحج الأكبر، كما يقال يوم الفتح، وأيده السهيلي بأن عليا أمر بذلك في الأيام كلها، وقيل : لأن أهل الجاهلية كانوا يقفون بعرفة، وكانت قريش تقف بالمزدلفة، فإذا كان صبيحة النحر وقف الجميع بالمزدلفة، فقيل له الأكبر لاجتماع الكل فيه.
وعن الحسن سمي بذلك لاتفاق حج جميع الملل فيه، وروى الطبري من طريق أبي جحيفة وغيره أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، ومن طريق سعيد بن جبير أنه يوم النحر، واحتج بأن يوم التاسع وهو يوم عرفة إذا انسلخ قبل الوقوف لم يفت الحج بخلاف العاشر، فإن الليل إذا انسلخ قبل الوقوف فات، وفي رواية الترمذي من حديث علي مرفوعا وموقوفا :( يوم الحج الأكبر يوم النحر )٣ ورجح الموقوف. وقوله : فنبذ أبو بكر الخ هو أيضا مرسل من قول حميد بن عبد الرحمن، والمراد أن أبا بكر أفصح لهم بذلك، وقيل إنما لم يقتصر النبي صلى الله عليه و
١ ـ أخرجه أبو داود في المناسك باب ٧٤، وأحمد في المسند ١/ ٣..
﴿ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين( ١ ) فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين ( ٢ ) وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ( ٣ ) إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين ( ٤ ) ﴾
من المشهور القطعي الذي لا خلاف فيه أن الله تعالى بعث محمدا رسوله وخاتم النبيين بالإسلام الذي أكمل به الدين، وجعل آيته الكبرى هذا القرآن المعجز للبشر من وجوه كثيرة ذكرنا كلياتها في تفسير( ٢ : ٢٣ ج ١ )، وأقام بناء الدعوة إليه على أساس البراهين العقلية والعلمية المقنعة والملزمة، ومنع الإكراه فيه والحمل عليه بالقوة كما بيناه في تفسير ( ٢ : ٢٥٦ج ٣ )، فقاومه المشركون، وفتنوا المؤمنين بالتعذيب والاضطهاد لصدهم عنه، وصدوه صلى الله عليه وسلم عن تبليغه للناس بالقوة، ولم يكن أحد ممن اتبعه يأمن على نفسه من القتل أو التعذيب، إلا بتأمين حلف أو قريب. فهاجر من هاجر منهم المرة بعد المرة، ثم اشتد إيذاؤهم للرسول صلى الله عليه وسلم حتى ائتمروا بحبسه الدائم أو نفيه أو قتله علنا في دار الندوة، ورجحوا في آخر الأمر قتله، فأمره الله تعالى بالهجرة، كما تقدم في تفسير ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ﴾ [ الأنفال : ٣٠ ] ج ٩، فهاجر صلى الله عليه وسلم، وصار يتبعه من قدر على الهجرة من أصحابه إلى حيث وجدوا من مهاجرهم بالمدينة المنورة أنصارا لله ولرسوله يحبون من هاجر إليهم، ويؤثرونهم على أنفسهم، وكانت الحال بينهم وبين مشركي مكة وغيرهم من العرب حال حرب بالطبع، ومقتضى العرف العام في ذلك العصر، وعاهد صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب من يهود المدينة وما حولها على السلم والتعاون فخانوا وغدروا، ونقضوا عهودهم له بما كانوا يوالون المشركين ويظاهرونهم كلما حاربوه، كما تقدم بيان ذلك كله في تفسير سورة الأنفال من هذا الجزء.
وقد عاهد صلى الله عليه وسلم المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروط تساهل معهم فيها منتهى التساهل عن قوة وعزة، لا عن ضعف وذلة، ولكن حبا بالسلم ونشر دينه بالإقناع والحجة، ودخلت خزاعة في عهده صلى الله عليه وسلم كما دخلت بنو بكر في عهد قريش، ثم عدا هؤلاء على أولئك وإعانتهم قريش بالسلاح فنقضوا عهدهم، فكان ذلك سبب عودة حال الحرب العامة معهم، وفتحه صلى الله عليه وسلم لمكة، الذي خضد شوكة الشرك وأذل أهله، ولكنهم ما زالوا يحاربونه حيث قدروا، وثبت بالتجربة لهم - في حالي قوتهم وضعفهم- أنهم لا عهود لهم، ولا يؤمن نقضهم وانتقاضهم، كما يأتي في قوله تعالى :﴿ كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ﴾ إلى قوله في آخر آية ١٢ ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ﴾ أي لا عهود لهم يرعونها ويفون بها. والمراد أنه لا يمكن أن يعيش المسلمون معهم بحكم المعاهدات المرعية فيأمن كل منهم شر الآخر وعدوانه مع بقائهم على شركهم الذي ليس له شرع يدان به، فيجب الوفاء بالعهد بإيجابه، كيف وقد سبقهم إلى الغدر ونقض الميثاق من كانوا أجدر بالوفاء وهم أهل الكتاب.
هذا هو الأصل الشرعي الذي بني عليه ما جاءت به هذه السورة من نبذ عهودهم المطلقة، وإتمام مدة عهدهم المؤقتة لمن استقام منهم عليها، وأما حكمة ذلك فهي محو بقية الشرك من جزيرة العرب بالقوة، وجعلها خالصة للمسلمين، مع مراعاة الأصول السابقة في قوله تعالى :﴿ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ﴾ [ البقرة : ١٩ ] وقوله :﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾ [ الأنفال : ٦١ ] بقدر الإمكان، وإن قال الجمهور بنسخ هذا بآية السيف من هذه السورة ونبذ عهود الشرك، وسيأتي تفصيله في تفسيرها.
﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ﴾ خطاب للمؤمنين مرتب على البراءة مبين لما يجب أن يقولوه للمشركين الذين برىء الله ورسوله من عهودهم، ويجوز أن يكون خطابا للمشركين أنفسهم بطريق الالتفات. والسياحة في الأرض الانتقال والتجوال الواسع فيها، ورجل سائح وسياح، وهو مجاز من ساح الماء سيحا، وسيح الناس نهرا. والمراد من الأمر بالسياحة حرية السير والانتقال مع الأمان مدة أربعة أشهر، لا يعرض المسلمون لهم فيها بقتال، فلهم فيها سعة من الوقت للنظر في أمرهم والتفكر في عاقبتهم، والتخير بين الإسلام وبين الاستعداد للمقاومة والصدام، إذا هم أصروا على شركهم وعدوانهم. وهذا من غرائب رحمة هذا الدين، وإعذاره إلى أعدى أعدائه المحاربين، ولولاه لأمكن أن يقال إنه أخذهم على غرة، ودانهم بما كانوا يدينونه عند القدر، فإن كان هذا من العدل فأين ما امتاز به من الفضل ؟
وهذه الأربعة الأشهر تبتدئ من عاشر ذي الحجة من سنة تسع - وهو عيد النحر الذي بلغوا فيه هذه الدعوة كما يأتي- وتنتهي في عاشر ربيع الآخر من سنة عشر. وقال الزهري : إنها الأشهر الحرم ؛ لأن البراءة نزلت في أول شوال سنة تسع وتنتهي بانتهاء المحرم أول السنة العاشرة، وهو غلط يقتضي أن تكون مدة الأربعة الأشهر بعد التبليغ شهرين لما سيأتي من كون تبليغهم البراءة كان يوم النحر في منى، ولا يعقل أن يحاسبوا بالمدة قبل العلم بها.
﴿ واعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ أي وكونوا على علم قطعي بأنكم لا تعجزون الله تعالى بسياحتكم في الأرض، ولا تجدون لكم مهربا من رسوله وعباده المؤمنين إذا أصررتم على شرككم وعدوانكم لله ولرسوله، بل هو يسلطهم عليكم، ويؤيدهم بنصره الذي وعدهم، كما نصرهم في كل قتال لكم معهم بدءا أو انتهاء، والعاقبة للمتقين.
﴿ وأن الله مخزي الكافرين ﴾ أي واعلموا كذلك أن الله تعالى هو المخزي لجميع الكافرين منكم ومن غيركم في معاداتهم وقتالهم لرسله وعباده المؤمنين، يخزيهم في الدنيا بذل الخيبة والفضيحة، ثم يخزيهم في الآخرة أيضا، فتلك سنته تعالى فيهم كما قال في مشركي مكة ومن اقتدى بهم :﴿ كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ﴾ [ الزمر : ٢٥، ٢٦ ] وقال في عاد قوم هود ﴿ فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون ﴾ [ فصلت : ١٥ ] والظاهر أن المراد بالخزي هنا ما يكون لهم في الدنيا للتصريح بعذاب الآخرة في آخر قوله :﴿ وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ( ٣ ) ﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد ورد في تنفيذ أمر الله تعالى بهذه البراءة والأذان بها- أي التبليغ العام العلني لها- أحاديث في الصحاح والسنن وكتب التفسير المأثور فيها شيء من الخلاف والتعارض نقتصر على أمثلها وأثبتها، وما يجمع بين الروايات ويزيل تعارضها. فجملة تلك الروايات تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أبا بكر رضي الله عنه أميرا على الحج سنة تسع، وأمره أن يبلغ المشركين الذين يحضرون الحج أنهم يمنعون منه بعد ذلك العام، ثم أردفه بعلي( ع. م ) ليبلغهم عنه نبذ عهودهم المطلقة، وإعطائهم مهلة أربعة أشهر لينظروا في أمرهم، وأن العهود المؤقتة أجلها نهاية وقتها. ويتلو عليهم الآيات المتضمنة لمسألة نبذ العهود وما يتعلق بها من أول سورة براءة وهي ٤٠ أو ٣٣ آية، وما ذكر في بعض الروايات من التردد بين ٣٠ و٤٠ فتعبير بالأعشار، مع إلغاء كسرها من زيادة ونقصان، وذلك لأن من عادة العرب أن العهود ونبذها إنما تكون من عاقدها أو أحد عصبته القريبة، وأن عليا كان مختصا بذلك مع بقاء إمارة الحج لأبي بكر الذي كان يساعده على ذلك ويأمر بعض الصحابة كأبي هريرة بمساعدته.
أما الشيخان فقد أخرجا في هذا الباب حديث أبي هريرة الذي رواه عنه حميد بن عبد الرحمن بن عوف في كتاب الحج، وكرره البخاري في كتب الطهارة والحج والجزية والمغازي والتفسير، فنذكر لفظه في تفسير ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ﴾ الآية : عن حميد أن أبا هريرة قال : بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى : أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد : ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب، وأمره أن يؤذن ببراءة. قال أبو هريرة : فأذن معنا علي يوم النحر في أهل منى ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان١ اهـ.
قال الحافظ في الفتح عند قوله :" قال أبو هريرة فأذن معنا علي " ما نصه :
هو موصول بالإسناد المذكور، وكان حميد بن عبد الرحمن حمل قصة توجه علي من المدينة إلى أن لحق بأبي بكر عن غير أبي هريرة، وحمل بقية القصة عن أبي هريرة. وقوله : فأذن معنا علي في منى يوم النحر الخ قال الكرماني : فيه إشكال ؛ لأن عليا كان مأمورا بأن يؤذن ببراءة، فكيف يؤذن بأن لا يحج بعد العام مشرك ؟ ثم أجاب بأنه أذن ببراءة، ومن جملة ما اشتملت عليه أن لا يحج بعد العام مشرك من قوله تعالى :﴿ إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾[ التوبة : ٢٨ ]
ويحتمل أن يكون أمر أن يؤذن ببراءة وبما أمر أبو بكر أن يؤذن به أيضا، قلت : وفي قوله : يؤذن ببراءة تجوز ؛ لأنه أمر أن يؤذن ببضع وثلاثين آية منتهاها عند قوله :﴿ ولو كره المشركون ﴾ [ التوبة : ٣٣ ]، فروى الطبري من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب وغيره قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الحج سنة تسع، وبعث عليا بثلاثين أو أربعين آية من براءة. وروى الطبري من طريق أبي الصهباء قال : سألت عليا عن يوم الحج الأكبر، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر يقيم للناس الحج، وبعثني بعده بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفة فخطب ثم التفت إلي فقال : يا علي قم فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت فقرأت أربعين آية من براءة، ثم صدرنا حتى رميت الجمرة، فطفقت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم ؛ لأن الجميع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة.
ثم قال الحافظ : وأما ما وقع في حديث جابر فيما أخرجه الطبري وإسحاق في مسنده والنسائي والدارمي كلاهما عنه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان من طريق ابن جريج : حدثني عبد الله بن عثمان بن خيثم عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم حين رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحج، فأقبلنا معه، حتى إذا كنا بالعرج ثوَّب بالصبح، فسمعنا رغوة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا علي عليها، فقال له : أمير أو رسول ؟ فقال : بل أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة أقرؤها على الناس، فقدمنا مكة، فلما كان قبل يوم التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس بمناسكهم، حتى إذا فرغ منها قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم كان يوم النحر كذلك، ثم يوم النفر كذلك، فيجمع بأن عليا قرأها كلها في المواطن الثلاثة، وأما في سائر الأوقات فكان يؤذن بالأمور المذكورة : أن لا يحج بعد العام مشرك الخ، وكان يستعين بأبي هريرة وغيره في الأذان بذلك.
« وقد وقع في حديث مقسم عن ابن عباس عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر. الحديث، وفيه فقام علي أيام التشريق فنادى : ذمة الله وذمة رسوله بريئة من كل مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل مؤمن. فكان علي ينادي بها، فإذا بح قام أبو هريرة فنادى بها ٢».
وأخرج أحمد بسند حسن عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة قال « لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي »، فبعث بها مع علي. قال الترمذي : حسن غريب. ووقع في حديث يعلى عند أحمد عن علي : لما نزلت عشر آيات من براءة بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال :( أدرك أبا بكر، فحيثما لقيته فخذ منه الكتاب. فرجع أبو بكر فقال : يا رسول الله نزل في شيء فقال « لا» إلا أنه لن يؤدي عني ـ أو لكن جبريل قال : لا يؤدي عنك- إلا أنت أو رجل منك )، قال العماد ابن كثير : ليس المراد أن أبا بكر رجع من فوره ؛ بل المراد رجع من حجته. ( قلت ) : ولا مانع من حمله على ظاهره لقرب المسافة. وأما قوله : عشر آيات، فالمراد أولها ﴿ إنما المشركون نجس ﴾ اهـ.
هذا ما لخصه الحافظ من الروايات، وأقول إن ابن كثير قال في حديث علي في نزول عشر آيات المذكور أخيرا، وقد ذكر إسناده عن عبد الله بن أحمد : هذا إسناد فيه ضعف.
وأزيد عليه انتقاد متنه ؛ إذ لا يصح أن يكون نزل منها عشر آيات وأنه صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر ثم عليا بها، فهذا مخالف لسائر الروايات المتضافرة المتفقة التي أطلق في بعضها أول سورة براءة ـ وفي بعضها عدد ثلاثين أو أربعين آية منها ـ أي بالتقريب، وفي بعضها سورة براءة، وهي لا تنافي بينها، فقد نزلت سورة براءة كلها أو أكثرها عقب غزوة تبوك، وقد كانت في رجب سنة تسع من الهجرة. وقد قال ابن إسحاق : إن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بعد أن رجع من تبوك رمضان وشوال وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج، وذكر أن أبا بكر خرج في ذي القعدة. فإن أمكن حمل ما رواه ابن سعد عن مجاهد من أن حج أبي بكر كان في ذي القعدة على هذا كان صحيحا وإلا فلا.
وأما ضعف إسناده الذي ذكره ابن كثير فمن حنش بن المعتمر الكناني الكوفي. قال ابن حبان : كان كثير الوهم في الأخبار، ينفرد عن علي بأشياء لا تشبه حديث الثقات، حتى صار ممن لا يحتج بحديثه، وقال البزار : حدث عنه سماك بحديث منكر، وقال ابن حزم في المحلى : ساقط مطرح، ولأئمة الجرح في تضعيفه أقوال أخرى. ولعل الحديث المنكر الذي رواه عنه سماك هو هذا، على أن سماك بن حرب هذا لم يسلم من جرح، وإن روى عنه مسلم، ومما قيل عنه : إنه خرف في آخر عمره. والعجب من الحافظ ابن حجر كيف سكت عن ضعف إسناد هذا الحديث مع تذكر عبارة ابن كثير فيه.
وأما اختلافهم في تعيين يوم الحج الأكبر ففيه ما رواه البخاري في تفسير ﴿ إلا الذين عاهدتم من المشركين ﴾ من رواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب أن حميد بن عبد الرحمن أخبره عن أبي هريرة أنه أخبر أن أبا بكر رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها قبل حجة الوداع يؤذن في الناس أن لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، فكان حميد يقول : يوم النحر يوم الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة. وتقدم الحديث في كتاب الجزية عن شعيب عن الزهري بلفظ : بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى : لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر. وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر. فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج في حجة الوداع التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم مشرك اهـ.
قال الحافظ في الكلام على رواية صالح من الفتح بعد أن ذكر رواية شعيب ما نصه : وقوله : ويوم الحج الأكبر يوم النحرـ وهو قول حميد بن عبد الرحمن- استنبطه من قوله تعالى :﴿ وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر ﴾ ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكر يوم النحر. وسياق رواية شعيب يوهم أن ذلك مما نادى به أبو بكر وليس كذلك، فقد تضافرت الروايات عن أبي هريرة بأن الذي كان ينادي به هو ومن معه من قبل أبي بكر شيئان : منع حج المشركين، ومنع طواف العريان. وأن عليا أيضا كان ينادي بهما، وكان يزيد : من كان له عهد فعهده إلى مدته، وأن لا يدخل الجنة إلا مسلم. وكان هذه الأخيرة كالتوطئة لأن لا يحج البيت مشرك. وأما التي قبلها فهي التي اختص علي بتبليغها، ولهذا قال العلماء : إن الحكمة في إرسال علي بعد أبي بكر أن عادة العرب جرت بأن لا ينقض العهد إلا من عقده أو من هو منه بسبيل من أهل بيته، فأجراهم في ذلك على عادتهم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم :( لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل من أهل بيتي ).
وروى أحمد والنسائي من طريق محرز بن أبي هريرة عن أبيه قال : كنت مع علي حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ببراءة، فكنا ننادي أن لا يدخل الجنة إلا كل نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج بعد العام مشرك. فكنت أنادي حتى صحل صوتي.
ثم قال الحافظ : وقوله : وإنما قيل الأكبر الخ في حديث ابن عمر عند أبي داود وأصله في هذا الصحيح رفعه : أي يوم هذا ؟ قالوا : هذا يوم النحر، قال « هذا يوم الحج الأكبر».
واختلف في المراد بالحج الأصغر، فالجمهور على أنه العمرة، وصل ذلك عبد الرازق من طريق عبد الله بن شداد -أحد كبار التابعين-، ووصله الطبري عن جماعة منهم عطاء والشعبي، وعن مجاهد : الحج الأكبر القران، والأصغر الإفراد. وقيل : يوم الحج الأصغر يوم عرفة، ويوم الحج الأكبر يوم النحر ؛ لأن فيه تتكمل بقية المناسك، وعن الثوري : أيام الحج تسمى يوم الحج الأكبر، كما يقال يوم الفتح، وأيده السهيلي بأن عليا أمر بذلك في الأيام كلها، وقيل : لأن أهل الجاهلية كانوا يقفون بعرفة، وكانت قريش تقف بالمزدلفة، فإذا كان صبيحة النحر وقف الجميع بالمزدلفة، فقيل له الأكبر لاجتماع الكل فيه.
وعن الحسن سمي بذلك لاتفاق حج جميع الملل فيه، وروى الطبري من طريق أبي جحيفة وغيره أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، ومن طريق سعيد بن جبير أنه يوم النحر، واحتج بأن يوم التاسع وهو يوم عرفة إذا انسلخ قبل الوقوف لم يفت الحج بخلاف العاشر، فإن الليل إذا انسلخ قبل الوقوف فات، وفي رواية الترمذي من حديث علي مرفوعا وموقوفا :( يوم الحج الأكبر يوم النحر )٣ ورجح الموقوف. وقوله : فنبذ أبو بكر الخ هو أيضا مرسل من قول حميد بن عبد الرحمن، والمراد أن أبا بكر أفصح لهم بذلك، وقيل إنما لم يقتصر النبي صلى الله عليه و
من المشهور القطعي الذي لا خلاف فيه أن الله تعالى بعث محمدا رسوله وخاتم النبيين بالإسلام الذي أكمل به الدين، وجعل آيته الكبرى هذا القرآن المعجز للبشر من وجوه كثيرة ذكرنا كلياتها في تفسير( ٢ : ٢٣ ج ١ )، وأقام بناء الدعوة إليه على أساس البراهين العقلية والعلمية المقنعة والملزمة، ومنع الإكراه فيه والحمل عليه بالقوة كما بيناه في تفسير ( ٢ : ٢٥٦ج ٣ )، فقاومه المشركون، وفتنوا المؤمنين بالتعذيب والاضطهاد لصدهم عنه، وصدوه صلى الله عليه وسلم عن تبليغه للناس بالقوة، ولم يكن أحد ممن اتبعه يأمن على نفسه من القتل أو التعذيب، إلا بتأمين حلف أو قريب. فهاجر من هاجر منهم المرة بعد المرة، ثم اشتد إيذاؤهم للرسول صلى الله عليه وسلم حتى ائتمروا بحبسه الدائم أو نفيه أو قتله علنا في دار الندوة، ورجحوا في آخر الأمر قتله، فأمره الله تعالى بالهجرة، كما تقدم في تفسير ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ﴾ [ الأنفال : ٣٠ ] ج ٩، فهاجر صلى الله عليه وسلم، وصار يتبعه من قدر على الهجرة من أصحابه إلى حيث وجدوا من مهاجرهم بالمدينة المنورة أنصارا لله ولرسوله يحبون من هاجر إليهم، ويؤثرونهم على أنفسهم، وكانت الحال بينهم وبين مشركي مكة وغيرهم من العرب حال حرب بالطبع، ومقتضى العرف العام في ذلك العصر، وعاهد صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب من يهود المدينة وما حولها على السلم والتعاون فخانوا وغدروا، ونقضوا عهودهم له بما كانوا يوالون المشركين ويظاهرونهم كلما حاربوه، كما تقدم بيان ذلك كله في تفسير سورة الأنفال من هذا الجزء.
وقد عاهد صلى الله عليه وسلم المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروط تساهل معهم فيها منتهى التساهل عن قوة وعزة، لا عن ضعف وذلة، ولكن حبا بالسلم ونشر دينه بالإقناع والحجة، ودخلت خزاعة في عهده صلى الله عليه وسلم كما دخلت بنو بكر في عهد قريش، ثم عدا هؤلاء على أولئك وإعانتهم قريش بالسلاح فنقضوا عهدهم، فكان ذلك سبب عودة حال الحرب العامة معهم، وفتحه صلى الله عليه وسلم لمكة، الذي خضد شوكة الشرك وأذل أهله، ولكنهم ما زالوا يحاربونه حيث قدروا، وثبت بالتجربة لهم - في حالي قوتهم وضعفهم- أنهم لا عهود لهم، ولا يؤمن نقضهم وانتقاضهم، كما يأتي في قوله تعالى :﴿ كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ﴾ إلى قوله في آخر آية ١٢ ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ﴾ أي لا عهود لهم يرعونها ويفون بها. والمراد أنه لا يمكن أن يعيش المسلمون معهم بحكم المعاهدات المرعية فيأمن كل منهم شر الآخر وعدوانه مع بقائهم على شركهم الذي ليس له شرع يدان به، فيجب الوفاء بالعهد بإيجابه، كيف وقد سبقهم إلى الغدر ونقض الميثاق من كانوا أجدر بالوفاء وهم أهل الكتاب.
هذا هو الأصل الشرعي الذي بني عليه ما جاءت به هذه السورة من نبذ عهودهم المطلقة، وإتمام مدة عهدهم المؤقتة لمن استقام منهم عليها، وأما حكمة ذلك فهي محو بقية الشرك من جزيرة العرب بالقوة، وجعلها خالصة للمسلمين، مع مراعاة الأصول السابقة في قوله تعالى :﴿ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ﴾ [ البقرة : ١٩ ] وقوله :﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾ [ الأنفال : ٦١ ] بقدر الإمكان، وإن قال الجمهور بنسخ هذا بآية السيف من هذه السورة ونبذ عهود الشرك، وسيأتي تفصيله في تفسيرها.
﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ﴾ خطاب للمؤمنين مرتب على البراءة مبين لما يجب أن يقولوه للمشركين الذين برىء الله ورسوله من عهودهم، ويجوز أن يكون خطابا للمشركين أنفسهم بطريق الالتفات. والسياحة في الأرض الانتقال والتجوال الواسع فيها، ورجل سائح وسياح، وهو مجاز من ساح الماء سيحا، وسيح الناس نهرا. والمراد من الأمر بالسياحة حرية السير والانتقال مع الأمان مدة أربعة أشهر، لا يعرض المسلمون لهم فيها بقتال، فلهم فيها سعة من الوقت للنظر في أمرهم والتفكر في عاقبتهم، والتخير بين الإسلام وبين الاستعداد للمقاومة والصدام، إذا هم أصروا على شركهم وعدوانهم. وهذا من غرائب رحمة هذا الدين، وإعذاره إلى أعدى أعدائه المحاربين، ولولاه لأمكن أن يقال إنه أخذهم على غرة، ودانهم بما كانوا يدينونه عند القدر، فإن كان هذا من العدل فأين ما امتاز به من الفضل ؟
وهذه الأربعة الأشهر تبتدئ من عاشر ذي الحجة من سنة تسع - وهو عيد النحر الذي بلغوا فيه هذه الدعوة كما يأتي- وتنتهي في عاشر ربيع الآخر من سنة عشر. وقال الزهري : إنها الأشهر الحرم ؛ لأن البراءة نزلت في أول شوال سنة تسع وتنتهي بانتهاء المحرم أول السنة العاشرة، وهو غلط يقتضي أن تكون مدة الأربعة الأشهر بعد التبليغ شهرين لما سيأتي من كون تبليغهم البراءة كان يوم النحر في منى، ولا يعقل أن يحاسبوا بالمدة قبل العلم بها.
﴿ واعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ أي وكونوا على علم قطعي بأنكم لا تعجزون الله تعالى بسياحتكم في الأرض، ولا تجدون لكم مهربا من رسوله وعباده المؤمنين إذا أصررتم على شرككم وعدوانكم لله ولرسوله، بل هو يسلطهم عليكم، ويؤيدهم بنصره الذي وعدهم، كما نصرهم في كل قتال لكم معهم بدءا أو انتهاء، والعاقبة للمتقين.
﴿ وأن الله مخزي الكافرين ﴾ أي واعلموا كذلك أن الله تعالى هو المخزي لجميع الكافرين منكم ومن غيركم في معاداتهم وقتالهم لرسله وعباده المؤمنين، يخزيهم في الدنيا بذل الخيبة والفضيحة، ثم يخزيهم في الآخرة أيضا، فتلك سنته تعالى فيهم كما قال في مشركي مكة ومن اقتدى بهم :﴿ كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ﴾ [ الزمر : ٢٥، ٢٦ ] وقال في عاد قوم هود ﴿ فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون ﴾ [ فصلت : ١٥ ] والظاهر أن المراد بالخزي هنا ما يكون لهم في الدنيا للتصريح بعذاب الآخرة في آخر قوله :﴿ وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ( ٣ ) ﴾.
أما الشيخان فقد أخرجا في هذا الباب حديث أبي هريرة الذي رواه عنه حميد بن عبد الرحمن بن عوف في كتاب الحج، وكرره البخاري في كتب الطهارة والحج والجزية والمغازي والتفسير، فنذكر لفظه في تفسير ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ﴾ الآية : عن حميد أن أبا هريرة قال : بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى : أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد : ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب، وأمره أن يؤذن ببراءة. قال أبو هريرة : فأذن معنا علي يوم النحر في أهل منى ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان١ اهـ.
قال الحافظ في الفتح عند قوله :" قال أبو هريرة فأذن معنا علي " ما نصه :
هو موصول بالإسناد المذكور، وكان حميد بن عبد الرحمن حمل قصة توجه علي من المدينة إلى أن لحق بأبي بكر عن غير أبي هريرة، وحمل بقية القصة عن أبي هريرة. وقوله : فأذن معنا علي في منى يوم النحر الخ قال الكرماني : فيه إشكال ؛ لأن عليا كان مأمورا بأن يؤذن ببراءة، فكيف يؤذن بأن لا يحج بعد العام مشرك ؟ ثم أجاب بأنه أذن ببراءة، ومن جملة ما اشتملت عليه أن لا يحج بعد العام مشرك من قوله تعالى :﴿ إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾[ التوبة : ٢٨ ]
ويحتمل أن يكون أمر أن يؤذن ببراءة وبما أمر أبو بكر أن يؤذن به أيضا، قلت : وفي قوله : يؤذن ببراءة تجوز ؛ لأنه أمر أن يؤذن ببضع وثلاثين آية منتهاها عند قوله :﴿ ولو كره المشركون ﴾ [ التوبة : ٣٣ ]، فروى الطبري من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب وغيره قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الحج سنة تسع، وبعث عليا بثلاثين أو أربعين آية من براءة. وروى الطبري من طريق أبي الصهباء قال : سألت عليا عن يوم الحج الأكبر، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر يقيم للناس الحج، وبعثني بعده بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفة فخطب ثم التفت إلي فقال : يا علي قم فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت فقرأت أربعين آية من براءة، ثم صدرنا حتى رميت الجمرة، فطفقت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم ؛ لأن الجميع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة.
ثم قال الحافظ : وأما ما وقع في حديث جابر فيما أخرجه الطبري وإسحاق في مسنده والنسائي والدارمي كلاهما عنه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان من طريق ابن جريج : حدثني عبد الله بن عثمان بن خيثم عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم حين رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحج، فأقبلنا معه، حتى إذا كنا بالعرج ثوَّب بالصبح، فسمعنا رغوة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا علي عليها، فقال له : أمير أو رسول ؟ فقال : بل أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة أقرؤها على الناس، فقدمنا مكة، فلما كان قبل يوم التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس بمناسكهم، حتى إذا فرغ منها قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم كان يوم النحر كذلك، ثم يوم النفر كذلك، فيجمع بأن عليا قرأها كلها في المواطن الثلاثة، وأما في سائر الأوقات فكان يؤذن بالأمور المذكورة : أن لا يحج بعد العام مشرك الخ، وكان يستعين بأبي هريرة وغيره في الأذان بذلك.
« وقد وقع في حديث مقسم عن ابن عباس عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر. الحديث، وفيه فقام علي أيام التشريق فنادى : ذمة الله وذمة رسوله بريئة من كل مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل مؤمن. فكان علي ينادي بها، فإذا بح قام أبو هريرة فنادى بها ٢».
وأخرج أحمد بسند حسن عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة قال « لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي »، فبعث بها مع علي. قال الترمذي : حسن غريب. ووقع في حديث يعلى عند أحمد عن علي : لما نزلت عشر آيات من براءة بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال :( أدرك أبا بكر، فحيثما لقيته فخذ منه الكتاب. فرجع أبو بكر فقال : يا رسول الله نزل في شيء فقال « لا» إلا أنه لن يؤدي عني ـ أو لكن جبريل قال : لا يؤدي عنك- إلا أنت أو رجل منك )، قال العماد ابن كثير : ليس المراد أن أبا بكر رجع من فوره ؛ بل المراد رجع من حجته. ( قلت ) : ولا مانع من حمله على ظاهره لقرب المسافة. وأما قوله : عشر آيات، فالمراد أولها ﴿ إنما المشركون نجس ﴾ اهـ.
هذا ما لخصه الحافظ من الروايات، وأقول إن ابن كثير قال في حديث علي في نزول عشر آيات المذكور أخيرا، وقد ذكر إسناده عن عبد الله بن أحمد : هذا إسناد فيه ضعف.
وأزيد عليه انتقاد متنه ؛ إذ لا يصح أن يكون نزل منها عشر آيات وأنه صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر ثم عليا بها، فهذا مخالف لسائر الروايات المتضافرة المتفقة التي أطلق في بعضها أول سورة براءة ـ وفي بعضها عدد ثلاثين أو أربعين آية منها ـ أي بالتقريب، وفي بعضها سورة براءة، وهي لا تنافي بينها، فقد نزلت سورة براءة كلها أو أكثرها عقب غزوة تبوك، وقد كانت في رجب سنة تسع من الهجرة. وقد قال ابن إسحاق : إن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بعد أن رجع من تبوك رمضان وشوال وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج، وذكر أن أبا بكر خرج في ذي القعدة. فإن أمكن حمل ما رواه ابن سعد عن مجاهد من أن حج أبي بكر كان في ذي القعدة على هذا كان صحيحا وإلا فلا.
وأما ضعف إسناده الذي ذكره ابن كثير فمن حنش بن المعتمر الكناني الكوفي. قال ابن حبان : كان كثير الوهم في الأخبار، ينفرد عن علي بأشياء لا تشبه حديث الثقات، حتى صار ممن لا يحتج بحديثه، وقال البزار : حدث عنه سماك بحديث منكر، وقال ابن حزم في المحلى : ساقط مطرح، ولأئمة الجرح في تضعيفه أقوال أخرى. ولعل الحديث المنكر الذي رواه عنه سماك هو هذا، على أن سماك بن حرب هذا لم يسلم من جرح، وإن روى عنه مسلم، ومما قيل عنه : إنه خرف في آخر عمره. والعجب من الحافظ ابن حجر كيف سكت عن ضعف إسناد هذا الحديث مع تذكر عبارة ابن كثير فيه.
وأما اختلافهم في تعيين يوم الحج الأكبر ففيه ما رواه البخاري في تفسير ﴿ إلا الذين عاهدتم من المشركين ﴾ من رواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب أن حميد بن عبد الرحمن أخبره عن أبي هريرة أنه أخبر أن أبا بكر رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها قبل حجة الوداع يؤذن في الناس أن لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، فكان حميد يقول : يوم النحر يوم الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة. وتقدم الحديث في كتاب الجزية عن شعيب عن الزهري بلفظ : بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى : لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر. وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر. فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج في حجة الوداع التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم مشرك اهـ.
قال الحافظ في الكلام على رواية صالح من الفتح بعد أن ذكر رواية شعيب ما نصه : وقوله : ويوم الحج الأكبر يوم النحرـ وهو قول حميد بن عبد الرحمن- استنبطه من قوله تعالى :﴿ وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر ﴾ ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكر يوم النحر. وسياق رواية شعيب يوهم أن ذلك مما نادى به أبو بكر وليس كذلك، فقد تضافرت الروايات عن أبي هريرة بأن الذي كان ينادي به هو ومن معه من قبل أبي بكر شيئان : منع حج المشركين، ومنع طواف العريان. وأن عليا أيضا كان ينادي بهما، وكان يزيد : من كان له عهد فعهده إلى مدته، وأن لا يدخل الجنة إلا مسلم. وكان هذه الأخيرة كالتوطئة لأن لا يحج البيت مشرك. وأما التي قبلها فهي التي اختص علي بتبليغها، ولهذا قال العلماء : إن الحكمة في إرسال علي بعد أبي بكر أن عادة العرب جرت بأن لا ينقض العهد إلا من عقده أو من هو منه بسبيل من أهل بيته، فأجراهم في ذلك على عادتهم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم :( لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل من أهل بيتي ).
وروى أحمد والنسائي من طريق محرز بن أبي هريرة عن أبيه قال : كنت مع علي حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ببراءة، فكنا ننادي أن لا يدخل الجنة إلا كل نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج بعد العام مشرك. فكنت أنادي حتى صحل صوتي.
ثم قال الحافظ : وقوله : وإنما قيل الأكبر الخ في حديث ابن عمر عند أبي داود وأصله في هذا الصحيح رفعه : أي يوم هذا ؟ قالوا : هذا يوم النحر، قال « هذا يوم الحج الأكبر».
واختلف في المراد بالحج الأصغر، فالجمهور على أنه العمرة، وصل ذلك عبد الرازق من طريق عبد الله بن شداد -أحد كبار التابعين-، ووصله الطبري عن جماعة منهم عطاء والشعبي، وعن مجاهد : الحج الأكبر القران، والأصغر الإفراد. وقيل : يوم الحج الأصغر يوم عرفة، ويوم الحج الأكبر يوم النحر ؛ لأن فيه تتكمل بقية المناسك، وعن الثوري : أيام الحج تسمى يوم الحج الأكبر، كما يقال يوم الفتح، وأيده السهيلي بأن عليا أمر بذلك في الأيام كلها، وقيل : لأن أهل الجاهلية كانوا يقفون بعرفة، وكانت قريش تقف بالمزدلفة، فإذا كان صبيحة النحر وقف الجميع بالمزدلفة، فقيل له الأكبر لاجتماع الكل فيه.
وعن الحسن سمي بذلك لاتفاق حج جميع الملل فيه، وروى الطبري من طريق أبي جحيفة وغيره أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، ومن طريق سعيد بن جبير أنه يوم النحر، واحتج بأن يوم التاسع وهو يوم عرفة إذا انسلخ قبل الوقوف لم يفت الحج بخلاف العاشر، فإن الليل إذا انسلخ قبل الوقوف فات، وفي رواية الترمذي من حديث علي مرفوعا وموقوفا :( يوم الحج الأكبر يوم النحر )٣ ورجح الموقوف. وقوله : فنبذ أبو بكر الخ هو أيضا مرسل من قول حميد بن عبد الرحمن، والمراد أن أبا بكر أفصح لهم بذلك، وقيل إنما لم يقتصر النبي صلى الله عليه و
﴿ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين( ١ ) فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين ( ٢ ) وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ( ٣ ) إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين ( ٤ ) ﴾
من المشهور القطعي الذي لا خلاف فيه أن الله تعالى بعث محمدا رسوله وخاتم النبيين بالإسلام الذي أكمل به الدين، وجعل آيته الكبرى هذا القرآن المعجز للبشر من وجوه كثيرة ذكرنا كلياتها في تفسير( ٢ : ٢٣ ج ١ )، وأقام بناء الدعوة إليه على أساس البراهين العقلية والعلمية المقنعة والملزمة، ومنع الإكراه فيه والحمل عليه بالقوة كما بيناه في تفسير ( ٢ : ٢٥٦ج ٣ )، فقاومه المشركون، وفتنوا المؤمنين بالتعذيب والاضطهاد لصدهم عنه، وصدوه صلى الله عليه وسلم عن تبليغه للناس بالقوة، ولم يكن أحد ممن اتبعه يأمن على نفسه من القتل أو التعذيب، إلا بتأمين حلف أو قريب. فهاجر من هاجر منهم المرة بعد المرة، ثم اشتد إيذاؤهم للرسول صلى الله عليه وسلم حتى ائتمروا بحبسه الدائم أو نفيه أو قتله علنا في دار الندوة، ورجحوا في آخر الأمر قتله، فأمره الله تعالى بالهجرة، كما تقدم في تفسير ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ﴾ [ الأنفال : ٣٠ ] ج ٩، فهاجر صلى الله عليه وسلم، وصار يتبعه من قدر على الهجرة من أصحابه إلى حيث وجدوا من مهاجرهم بالمدينة المنورة أنصارا لله ولرسوله يحبون من هاجر إليهم، ويؤثرونهم على أنفسهم، وكانت الحال بينهم وبين مشركي مكة وغيرهم من العرب حال حرب بالطبع، ومقتضى العرف العام في ذلك العصر، وعاهد صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب من يهود المدينة وما حولها على السلم والتعاون فخانوا وغدروا، ونقضوا عهودهم له بما كانوا يوالون المشركين ويظاهرونهم كلما حاربوه، كما تقدم بيان ذلك كله في تفسير سورة الأنفال من هذا الجزء.
وقد عاهد صلى الله عليه وسلم المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروط تساهل معهم فيها منتهى التساهل عن قوة وعزة، لا عن ضعف وذلة، ولكن حبا بالسلم ونشر دينه بالإقناع والحجة، ودخلت خزاعة في عهده صلى الله عليه وسلم كما دخلت بنو بكر في عهد قريش، ثم عدا هؤلاء على أولئك وإعانتهم قريش بالسلاح فنقضوا عهدهم، فكان ذلك سبب عودة حال الحرب العامة معهم، وفتحه صلى الله عليه وسلم لمكة، الذي خضد شوكة الشرك وأذل أهله، ولكنهم ما زالوا يحاربونه حيث قدروا، وثبت بالتجربة لهم - في حالي قوتهم وضعفهم- أنهم لا عهود لهم، ولا يؤمن نقضهم وانتقاضهم، كما يأتي في قوله تعالى :﴿ كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ﴾ إلى قوله في آخر آية ١٢ ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ﴾ أي لا عهود لهم يرعونها ويفون بها. والمراد أنه لا يمكن أن يعيش المسلمون معهم بحكم المعاهدات المرعية فيأمن كل منهم شر الآخر وعدوانه مع بقائهم على شركهم الذي ليس له شرع يدان به، فيجب الوفاء بالعهد بإيجابه، كيف وقد سبقهم إلى الغدر ونقض الميثاق من كانوا أجدر بالوفاء وهم أهل الكتاب.
هذا هو الأصل الشرعي الذي بني عليه ما جاءت به هذه السورة من نبذ عهودهم المطلقة، وإتمام مدة عهدهم المؤقتة لمن استقام منهم عليها، وأما حكمة ذلك فهي محو بقية الشرك من جزيرة العرب بالقوة، وجعلها خالصة للمسلمين، مع مراعاة الأصول السابقة في قوله تعالى :﴿ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ﴾ [ البقرة : ١٩ ] وقوله :﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾ [ الأنفال : ٦١ ] بقدر الإمكان، وإن قال الجمهور بنسخ هذا بآية السيف من هذه السورة ونبذ عهود الشرك، وسيأتي تفصيله في تفسيرها.
﴿ وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله ﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، مصرحة بالتبليغ الصريح الجهري العام للبراءة من المشركين، أي من عهودهم وسائر خرافات شركهم وضلالاته، ومبينة لوقته الذي لا يسهل تعميمه إلا فيه، وهو يوم الحج الأكبر، وفي تعيينه خلاف سيذكر مع ترجيح أنه عيد النحر الذي تنتهي فيه فرائض الحج وأركانه، ويجتمع الحاج فيه لإتمام واجبات المناسك وسننها في منى. والأذان النداء الذي يطرق الآذان، بالإعلام بما ينبغي أن يعلمه الخاص والعام، وهو اسم من التأذين، قال تعالى :﴿ فأذن مؤذن بينهم أيتها العير إنكم لسارقون ﴾ [ يوسف : ٧٠ ]، ومنه الأذان للصلاة. وأذن بها أعلم، وآذنه بالشيء إيذانا أعلمه به. وأذن بالشيء ( كعلم ) علمه، وأذن له ( كتعب ) استمع. وأعاد التصريح في هذا الأذان بكونه من الله باسم الذات، ومن رسوله بصفة التبليغ الذي تقتضيه الرسالة، كما صرح بهما في البراءة، وصرح في الموضعين بذكر المشركين بعنوان الشرك ووصفه، وذلك لتأكيد هذا الحكم، وتأكيد تبليغه من جميع وجوهه.
ثم أكد ما يجب أن يبلغوه من ذلك بما أوجب أن يخاطبوا به من غير تأخير بقوله :﴿ فإن تبتم ﴾ أي قولوا لهم : فإن تبتم بالرجوع عن شرككم وما زينه لكم من الخيانة والغدر بنقض العهود، وقبلتم هداية الإسلام.
﴿ فهو خير لكم ﴾ في الدنيا والآخرة ؛ لأن هداية الإسلام هي السبب لسعادتهما.
﴿ وإن توليتم ﴾ أي أعرضتم عن إجابة هذه الدعوة إلى التوبة.
﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ أي غير فائتيه بأن تفلتوا من حكم سننه ووعده لرسله والمؤمنين بالنصر كما تقدم آنفا.
﴿ وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ﴾ وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه نبأ عن الغيب الذي لا يمكن علمه إلا بوحي الله عز وجل، وقد تقدم في هذا التفسير أن البشارة ما يؤثر في البشرة من الأنباء، إما بالتهلل وإشراق الوجه وهو السرور الذي تنبسط به أسارير الجبهة وتتمدد، وإما بالعبوس والبسور وتقطيب الوجه من الكدر أو الحزن أو الخوف. وغلب في الأول حتى ذهب الأكثرون إلى كونه حقيقة فيه، وأن استعماله فيما يسوء ويكدر إنما يقال من باب التهكم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد ورد في تنفيذ أمر الله تعالى بهذه البراءة والأذان بها- أي التبليغ العام العلني لها- أحاديث في الصحاح والسنن وكتب التفسير المأثور فيها شيء من الخلاف والتعارض نقتصر على أمثلها وأثبتها، وما يجمع بين الروايات ويزيل تعارضها. فجملة تلك الروايات تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أبا بكر رضي الله عنه أميرا على الحج سنة تسع، وأمره أن يبلغ المشركين الذين يحضرون الحج أنهم يمنعون منه بعد ذلك العام، ثم أردفه بعلي( ع. م ) ليبلغهم عنه نبذ عهودهم المطلقة، وإعطائهم مهلة أربعة أشهر لينظروا في أمرهم، وأن العهود المؤقتة أجلها نهاية وقتها. ويتلو عليهم الآيات المتضمنة لمسألة نبذ العهود وما يتعلق بها من أول سورة براءة وهي ٤٠ أو ٣٣ آية، وما ذكر في بعض الروايات من التردد بين ٣٠ و٤٠ فتعبير بالأعشار، مع إلغاء كسرها من زيادة ونقصان، وذلك لأن من عادة العرب أن العهود ونبذها إنما تكون من عاقدها أو أحد عصبته القريبة، وأن عليا كان مختصا بذلك مع بقاء إمارة الحج لأبي بكر الذي كان يساعده على ذلك ويأمر بعض الصحابة كأبي هريرة بمساعدته.
أما الشيخان فقد أخرجا في هذا الباب حديث أبي هريرة الذي رواه عنه حميد بن عبد الرحمن بن عوف في كتاب الحج، وكرره البخاري في كتب الطهارة والحج والجزية والمغازي والتفسير، فنذكر لفظه في تفسير ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ﴾ الآية : عن حميد أن أبا هريرة قال : بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى : أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد : ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب، وأمره أن يؤذن ببراءة. قال أبو هريرة : فأذن معنا علي يوم النحر في أهل منى ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان١ اهـ.
قال الحافظ في الفتح عند قوله :" قال أبو هريرة فأذن معنا علي " ما نصه :
هو موصول بالإسناد المذكور، وكان حميد بن عبد الرحمن حمل قصة توجه علي من المدينة إلى أن لحق بأبي بكر عن غير أبي هريرة، وحمل بقية القصة عن أبي هريرة. وقوله : فأذن معنا علي في منى يوم النحر الخ قال الكرماني : فيه إشكال ؛ لأن عليا كان مأمورا بأن يؤذن ببراءة، فكيف يؤذن بأن لا يحج بعد العام مشرك ؟ ثم أجاب بأنه أذن ببراءة، ومن جملة ما اشتملت عليه أن لا يحج بعد العام مشرك من قوله تعالى :﴿ إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾[ التوبة : ٢٨ ]
ويحتمل أن يكون أمر أن يؤذن ببراءة وبما أمر أبو بكر أن يؤذن به أيضا، قلت : وفي قوله : يؤذن ببراءة تجوز ؛ لأنه أمر أن يؤذن ببضع وثلاثين آية منتهاها عند قوله :﴿ ولو كره المشركون ﴾ [ التوبة : ٣٣ ]، فروى الطبري من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب وغيره قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الحج سنة تسع، وبعث عليا بثلاثين أو أربعين آية من براءة. وروى الطبري من طريق أبي الصهباء قال : سألت عليا عن يوم الحج الأكبر، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر يقيم للناس الحج، وبعثني بعده بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفة فخطب ثم التفت إلي فقال : يا علي قم فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت فقرأت أربعين آية من براءة، ثم صدرنا حتى رميت الجمرة، فطفقت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم ؛ لأن الجميع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة.
ثم قال الحافظ : وأما ما وقع في حديث جابر فيما أخرجه الطبري وإسحاق في مسنده والنسائي والدارمي كلاهما عنه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان من طريق ابن جريج : حدثني عبد الله بن عثمان بن خيثم عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم حين رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحج، فأقبلنا معه، حتى إذا كنا بالعرج ثوَّب بالصبح، فسمعنا رغوة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا علي عليها، فقال له : أمير أو رسول ؟ فقال : بل أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة أقرؤها على الناس، فقدمنا مكة، فلما كان قبل يوم التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس بمناسكهم، حتى إذا فرغ منها قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم كان يوم النحر كذلك، ثم يوم النفر كذلك، فيجمع بأن عليا قرأها كلها في المواطن الثلاثة، وأما في سائر الأوقات فكان يؤذن بالأمور المذكورة : أن لا يحج بعد العام مشرك الخ، وكان يستعين بأبي هريرة وغيره في الأذان بذلك.
« وقد وقع في حديث مقسم عن ابن عباس عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر. الحديث، وفيه فقام علي أيام التشريق فنادى : ذمة الله وذمة رسوله بريئة من كل مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل مؤمن. فكان علي ينادي بها، فإذا بح قام أبو هريرة فنادى بها ٢».
وأخرج أحمد بسند حسن عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة قال « لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي »، فبعث بها مع علي. قال الترمذي : حسن غريب. ووقع في حديث يعلى عند أحمد عن علي : لما نزلت عشر آيات من براءة بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال :( أدرك أبا بكر، فحيثما لقيته فخذ منه الكتاب. فرجع أبو بكر فقال : يا رسول الله نزل في شيء فقال « لا» إلا أنه لن يؤدي عني ـ أو لكن جبريل قال : لا يؤدي عنك- إلا أنت أو رجل منك )، قال العماد ابن كثير : ليس المراد أن أبا بكر رجع من فوره ؛ بل المراد رجع من حجته. ( قلت ) : ولا مانع من حمله على ظاهره لقرب المسافة. وأما قوله : عشر آيات، فالمراد أولها ﴿ إنما المشركون نجس ﴾ اهـ.
هذا ما لخصه الحافظ من الروايات، وأقول إن ابن كثير قال في حديث علي في نزول عشر آيات المذكور أخيرا، وقد ذكر إسناده عن عبد الله بن أحمد : هذا إسناد فيه ضعف.
وأزيد عليه انتقاد متنه ؛ إذ لا يصح أن يكون نزل منها عشر آيات وأنه صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر ثم عليا بها، فهذا مخالف لسائر الروايات المتضافرة المتفقة التي أطلق في بعضها أول سورة براءة ـ وفي بعضها عدد ثلاثين أو أربعين آية منها ـ أي بالتقريب، وفي بعضها سورة براءة، وهي لا تنافي بينها، فقد نزلت سورة براءة كلها أو أكثرها عقب غزوة تبوك، وقد كانت في رجب سنة تسع من الهجرة. وقد قال ابن إسحاق : إن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بعد أن رجع من تبوك رمضان وشوال وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج، وذكر أن أبا بكر خرج في ذي القعدة. فإن أمكن حمل ما رواه ابن سعد عن مجاهد من أن حج أبي بكر كان في ذي القعدة على هذا كان صحيحا وإلا فلا.
وأما ضعف إسناده الذي ذكره ابن كثير فمن حنش بن المعتمر الكناني الكوفي. قال ابن حبان : كان كثير الوهم في الأخبار، ينفرد عن علي بأشياء لا تشبه حديث الثقات، حتى صار ممن لا يحتج بحديثه، وقال البزار : حدث عنه سماك بحديث منكر، وقال ابن حزم في المحلى : ساقط مطرح، ولأئمة الجرح في تضعيفه أقوال أخرى. ولعل الحديث المنكر الذي رواه عنه سماك هو هذا، على أن سماك بن حرب هذا لم يسلم من جرح، وإن روى عنه مسلم، ومما قيل عنه : إنه خرف في آخر عمره. والعجب من الحافظ ابن حجر كيف سكت عن ضعف إسناد هذا الحديث مع تذكر عبارة ابن كثير فيه.
وأما اختلافهم في تعيين يوم الحج الأكبر ففيه ما رواه البخاري في تفسير ﴿ إلا الذين عاهدتم من المشركين ﴾ من رواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب أن حميد بن عبد الرحمن أخبره عن أبي هريرة أنه أخبر أن أبا بكر رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها قبل حجة الوداع يؤذن في الناس أن لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، فكان حميد يقول : يوم النحر يوم الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة. وتقدم الحديث في كتاب الجزية عن شعيب عن الزهري بلفظ : بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى : لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر. وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر. فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج في حجة الوداع التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم مشرك اهـ.
قال الحافظ في الكلام على رواية صالح من الفتح بعد أن ذكر رواية شعيب ما نصه : وقوله : ويوم الحج الأكبر يوم النحرـ وهو قول حميد بن عبد الرحمن- استنبطه من قوله تعالى :﴿ وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر ﴾ ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكر يوم النحر. وسياق رواية شعيب يوهم أن ذلك مما نادى به أبو بكر وليس كذلك، فقد تضافرت الروايات عن أبي هريرة بأن الذي كان ينادي به هو ومن معه من قبل أبي بكر شيئان : منع حج المشركين، ومنع طواف العريان. وأن عليا أيضا كان ينادي بهما، وكان يزيد : من كان له عهد فعهده إلى مدته، وأن لا يدخل الجنة إلا مسلم. وكان هذه الأخيرة كالتوطئة لأن لا يحج البيت مشرك. وأما التي قبلها فهي التي اختص علي بتبليغها، ولهذا قال العلماء : إن الحكمة في إرسال علي بعد أبي بكر أن عادة العرب جرت بأن لا ينقض العهد إلا من عقده أو من هو منه بسبيل من أهل بيته، فأجراهم في ذلك على عادتهم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم :( لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل من أهل بيتي ).
وروى أحمد والنسائي من طريق محرز بن أبي هريرة عن أبيه قال : كنت مع علي حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ببراءة، فكنا ننادي أن لا يدخل الجنة إلا كل نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج بعد العام مشرك. فكنت أنادي حتى صحل صوتي.
ثم قال الحافظ : وقوله : وإنما قيل الأكبر الخ في حديث ابن عمر عند أبي داود وأصله في هذا الصحيح رفعه : أي يوم هذا ؟ قالوا : هذا يوم النحر، قال « هذا يوم الحج الأكبر».
واختلف في المراد بالحج الأصغر، فالجمهور على أنه العمرة، وصل ذلك عبد الرازق من طريق عبد الله بن شداد -أحد كبار التابعين-، ووصله الطبري عن جماعة منهم عطاء والشعبي، وعن مجاهد : الحج الأكبر القران، والأصغر الإفراد. وقيل : يوم الحج الأصغر يوم عرفة، ويوم الحج الأكبر يوم النحر ؛ لأن فيه تتكمل بقية المناسك، وعن الثوري : أيام الحج تسمى يوم الحج الأكبر، كما يقال يوم الفتح، وأيده السهيلي بأن عليا أمر بذلك في الأيام كلها، وقيل : لأن أهل الجاهلية كانوا يقفون بعرفة، وكانت قريش تقف بالمزدلفة، فإذا كان صبيحة النحر وقف الجميع بالمزدلفة، فقيل له الأكبر لاجتماع الكل فيه.
وعن الحسن سمي بذلك لاتفاق حج جميع الملل فيه، وروى الطبري من طريق أبي جحيفة وغيره أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، ومن طريق سعيد بن جبير أنه يوم النحر، واحتج بأن يوم التاسع وهو يوم عرفة إذا انسلخ قبل الوقوف لم يفت الحج بخلاف العاشر، فإن الليل إذا انسلخ قبل الوقوف فات، وفي رواية الترمذي من حديث علي مرفوعا وموقوفا :( يوم الحج الأكبر يوم النحر )٣ ورجح الموقوف. وقوله : فنبذ أبو بكر الخ هو أيضا مرسل من قول حميد بن عبد الرحمن، والمراد أن أبا بكر أفصح لهم بذلك، وقيل إنما لم يقتصر النبي صلى الله عليه و
من المشهور القطعي الذي لا خلاف فيه أن الله تعالى بعث محمدا رسوله وخاتم النبيين بالإسلام الذي أكمل به الدين، وجعل آيته الكبرى هذا القرآن المعجز للبشر من وجوه كثيرة ذكرنا كلياتها في تفسير( ٢ : ٢٣ ج ١ )، وأقام بناء الدعوة إليه على أساس البراهين العقلية والعلمية المقنعة والملزمة، ومنع الإكراه فيه والحمل عليه بالقوة كما بيناه في تفسير ( ٢ : ٢٥٦ج ٣ )، فقاومه المشركون، وفتنوا المؤمنين بالتعذيب والاضطهاد لصدهم عنه، وصدوه صلى الله عليه وسلم عن تبليغه للناس بالقوة، ولم يكن أحد ممن اتبعه يأمن على نفسه من القتل أو التعذيب، إلا بتأمين حلف أو قريب. فهاجر من هاجر منهم المرة بعد المرة، ثم اشتد إيذاؤهم للرسول صلى الله عليه وسلم حتى ائتمروا بحبسه الدائم أو نفيه أو قتله علنا في دار الندوة، ورجحوا في آخر الأمر قتله، فأمره الله تعالى بالهجرة، كما تقدم في تفسير ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ﴾ [ الأنفال : ٣٠ ] ج ٩، فهاجر صلى الله عليه وسلم، وصار يتبعه من قدر على الهجرة من أصحابه إلى حيث وجدوا من مهاجرهم بالمدينة المنورة أنصارا لله ولرسوله يحبون من هاجر إليهم، ويؤثرونهم على أنفسهم، وكانت الحال بينهم وبين مشركي مكة وغيرهم من العرب حال حرب بالطبع، ومقتضى العرف العام في ذلك العصر، وعاهد صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب من يهود المدينة وما حولها على السلم والتعاون فخانوا وغدروا، ونقضوا عهودهم له بما كانوا يوالون المشركين ويظاهرونهم كلما حاربوه، كما تقدم بيان ذلك كله في تفسير سورة الأنفال من هذا الجزء.
وقد عاهد صلى الله عليه وسلم المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروط تساهل معهم فيها منتهى التساهل عن قوة وعزة، لا عن ضعف وذلة، ولكن حبا بالسلم ونشر دينه بالإقناع والحجة، ودخلت خزاعة في عهده صلى الله عليه وسلم كما دخلت بنو بكر في عهد قريش، ثم عدا هؤلاء على أولئك وإعانتهم قريش بالسلاح فنقضوا عهدهم، فكان ذلك سبب عودة حال الحرب العامة معهم، وفتحه صلى الله عليه وسلم لمكة، الذي خضد شوكة الشرك وأذل أهله، ولكنهم ما زالوا يحاربونه حيث قدروا، وثبت بالتجربة لهم - في حالي قوتهم وضعفهم- أنهم لا عهود لهم، ولا يؤمن نقضهم وانتقاضهم، كما يأتي في قوله تعالى :﴿ كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ﴾ إلى قوله في آخر آية ١٢ ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ﴾ أي لا عهود لهم يرعونها ويفون بها. والمراد أنه لا يمكن أن يعيش المسلمون معهم بحكم المعاهدات المرعية فيأمن كل منهم شر الآخر وعدوانه مع بقائهم على شركهم الذي ليس له شرع يدان به، فيجب الوفاء بالعهد بإيجابه، كيف وقد سبقهم إلى الغدر ونقض الميثاق من كانوا أجدر بالوفاء وهم أهل الكتاب.
هذا هو الأصل الشرعي الذي بني عليه ما جاءت به هذه السورة من نبذ عهودهم المطلقة، وإتمام مدة عهدهم المؤقتة لمن استقام منهم عليها، وأما حكمة ذلك فهي محو بقية الشرك من جزيرة العرب بالقوة، وجعلها خالصة للمسلمين، مع مراعاة الأصول السابقة في قوله تعالى :﴿ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ﴾ [ البقرة : ١٩ ] وقوله :﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾ [ الأنفال : ٦١ ] بقدر الإمكان، وإن قال الجمهور بنسخ هذا بآية السيف من هذه السورة ونبذ عهود الشرك، وسيأتي تفصيله في تفسيرها.
﴿ وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله ﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، مصرحة بالتبليغ الصريح الجهري العام للبراءة من المشركين، أي من عهودهم وسائر خرافات شركهم وضلالاته، ومبينة لوقته الذي لا يسهل تعميمه إلا فيه، وهو يوم الحج الأكبر، وفي تعيينه خلاف سيذكر مع ترجيح أنه عيد النحر الذي تنتهي فيه فرائض الحج وأركانه، ويجتمع الحاج فيه لإتمام واجبات المناسك وسننها في منى. والأذان النداء الذي يطرق الآذان، بالإعلام بما ينبغي أن يعلمه الخاص والعام، وهو اسم من التأذين، قال تعالى :﴿ فأذن مؤذن بينهم أيتها العير إنكم لسارقون ﴾ [ يوسف : ٧٠ ]، ومنه الأذان للصلاة. وأذن بها أعلم، وآذنه بالشيء إيذانا أعلمه به. وأذن بالشيء ( كعلم ) علمه، وأذن له ( كتعب ) استمع. وأعاد التصريح في هذا الأذان بكونه من الله باسم الذات، ومن رسوله بصفة التبليغ الذي تقتضيه الرسالة، كما صرح بهما في البراءة، وصرح في الموضعين بذكر المشركين بعنوان الشرك ووصفه، وذلك لتأكيد هذا الحكم، وتأكيد تبليغه من جميع وجوهه.
ثم أكد ما يجب أن يبلغوه من ذلك بما أوجب أن يخاطبوا به من غير تأخير بقوله :﴿ فإن تبتم ﴾ أي قولوا لهم : فإن تبتم بالرجوع عن شرككم وما زينه لكم من الخيانة والغدر بنقض العهود، وقبلتم هداية الإسلام.
﴿ فهو خير لكم ﴾ في الدنيا والآخرة ؛ لأن هداية الإسلام هي السبب لسعادتهما.
﴿ وإن توليتم ﴾ أي أعرضتم عن إجابة هذه الدعوة إلى التوبة.
﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ أي غير فائتيه بأن تفلتوا من حكم سننه ووعده لرسله والمؤمنين بالنصر كما تقدم آنفا.
﴿ وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ﴾ وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه نبأ عن الغيب الذي لا يمكن علمه إلا بوحي الله عز وجل، وقد تقدم في هذا التفسير أن البشارة ما يؤثر في البشرة من الأنباء، إما بالتهلل وإشراق الوجه وهو السرور الذي تنبسط به أسارير الجبهة وتتمدد، وإما بالعبوس والبسور وتقطيب الوجه من الكدر أو الحزن أو الخوف. وغلب في الأول حتى ذهب الأكثرون إلى كونه حقيقة فيه، وأن استعماله فيما يسوء ويكدر إنما يقال من باب التهكم.
أما الشيخان فقد أخرجا في هذا الباب حديث أبي هريرة الذي رواه عنه حميد بن عبد الرحمن بن عوف في كتاب الحج، وكرره البخاري في كتب الطهارة والحج والجزية والمغازي والتفسير، فنذكر لفظه في تفسير ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ﴾ الآية : عن حميد أن أبا هريرة قال : بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى : أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد : ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب، وأمره أن يؤذن ببراءة. قال أبو هريرة : فأذن معنا علي يوم النحر في أهل منى ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان١ اهـ.
قال الحافظ في الفتح عند قوله :" قال أبو هريرة فأذن معنا علي " ما نصه :
هو موصول بالإسناد المذكور، وكان حميد بن عبد الرحمن حمل قصة توجه علي من المدينة إلى أن لحق بأبي بكر عن غير أبي هريرة، وحمل بقية القصة عن أبي هريرة. وقوله : فأذن معنا علي في منى يوم النحر الخ قال الكرماني : فيه إشكال ؛ لأن عليا كان مأمورا بأن يؤذن ببراءة، فكيف يؤذن بأن لا يحج بعد العام مشرك ؟ ثم أجاب بأنه أذن ببراءة، ومن جملة ما اشتملت عليه أن لا يحج بعد العام مشرك من قوله تعالى :﴿ إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾[ التوبة : ٢٨ ]
ويحتمل أن يكون أمر أن يؤذن ببراءة وبما أمر أبو بكر أن يؤذن به أيضا، قلت : وفي قوله : يؤذن ببراءة تجوز ؛ لأنه أمر أن يؤذن ببضع وثلاثين آية منتهاها عند قوله :﴿ ولو كره المشركون ﴾ [ التوبة : ٣٣ ]، فروى الطبري من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب وغيره قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الحج سنة تسع، وبعث عليا بثلاثين أو أربعين آية من براءة. وروى الطبري من طريق أبي الصهباء قال : سألت عليا عن يوم الحج الأكبر، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر يقيم للناس الحج، وبعثني بعده بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفة فخطب ثم التفت إلي فقال : يا علي قم فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت فقرأت أربعين آية من براءة، ثم صدرنا حتى رميت الجمرة، فطفقت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم ؛ لأن الجميع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة.
ثم قال الحافظ : وأما ما وقع في حديث جابر فيما أخرجه الطبري وإسحاق في مسنده والنسائي والدارمي كلاهما عنه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان من طريق ابن جريج : حدثني عبد الله بن عثمان بن خيثم عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم حين رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحج، فأقبلنا معه، حتى إذا كنا بالعرج ثوَّب بالصبح، فسمعنا رغوة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا علي عليها، فقال له : أمير أو رسول ؟ فقال : بل أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة أقرؤها على الناس، فقدمنا مكة، فلما كان قبل يوم التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس بمناسكهم، حتى إذا فرغ منها قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم كان يوم النحر كذلك، ثم يوم النفر كذلك، فيجمع بأن عليا قرأها كلها في المواطن الثلاثة، وأما في سائر الأوقات فكان يؤذن بالأمور المذكورة : أن لا يحج بعد العام مشرك الخ، وكان يستعين بأبي هريرة وغيره في الأذان بذلك.
« وقد وقع في حديث مقسم عن ابن عباس عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر. الحديث، وفيه فقام علي أيام التشريق فنادى : ذمة الله وذمة رسوله بريئة من كل مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل مؤمن. فكان علي ينادي بها، فإذا بح قام أبو هريرة فنادى بها ٢».
وأخرج أحمد بسند حسن عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة قال « لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي »، فبعث بها مع علي. قال الترمذي : حسن غريب. ووقع في حديث يعلى عند أحمد عن علي : لما نزلت عشر آيات من براءة بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال :( أدرك أبا بكر، فحيثما لقيته فخذ منه الكتاب. فرجع أبو بكر فقال : يا رسول الله نزل في شيء فقال « لا» إلا أنه لن يؤدي عني ـ أو لكن جبريل قال : لا يؤدي عنك- إلا أنت أو رجل منك )، قال العماد ابن كثير : ليس المراد أن أبا بكر رجع من فوره ؛ بل المراد رجع من حجته. ( قلت ) : ولا مانع من حمله على ظاهره لقرب المسافة. وأما قوله : عشر آيات، فالمراد أولها ﴿ إنما المشركون نجس ﴾ اهـ.
هذا ما لخصه الحافظ من الروايات، وأقول إن ابن كثير قال في حديث علي في نزول عشر آيات المذكور أخيرا، وقد ذكر إسناده عن عبد الله بن أحمد : هذا إسناد فيه ضعف.
وأزيد عليه انتقاد متنه ؛ إذ لا يصح أن يكون نزل منها عشر آيات وأنه صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر ثم عليا بها، فهذا مخالف لسائر الروايات المتضافرة المتفقة التي أطلق في بعضها أول سورة براءة ـ وفي بعضها عدد ثلاثين أو أربعين آية منها ـ أي بالتقريب، وفي بعضها سورة براءة، وهي لا تنافي بينها، فقد نزلت سورة براءة كلها أو أكثرها عقب غزوة تبوك، وقد كانت في رجب سنة تسع من الهجرة. وقد قال ابن إسحاق : إن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بعد أن رجع من تبوك رمضان وشوال وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج، وذكر أن أبا بكر خرج في ذي القعدة. فإن أمكن حمل ما رواه ابن سعد عن مجاهد من أن حج أبي بكر كان في ذي القعدة على هذا كان صحيحا وإلا فلا.
وأما ضعف إسناده الذي ذكره ابن كثير فمن حنش بن المعتمر الكناني الكوفي. قال ابن حبان : كان كثير الوهم في الأخبار، ينفرد عن علي بأشياء لا تشبه حديث الثقات، حتى صار ممن لا يحتج بحديثه، وقال البزار : حدث عنه سماك بحديث منكر، وقال ابن حزم في المحلى : ساقط مطرح، ولأئمة الجرح في تضعيفه أقوال أخرى. ولعل الحديث المنكر الذي رواه عنه سماك هو هذا، على أن سماك بن حرب هذا لم يسلم من جرح، وإن روى عنه مسلم، ومما قيل عنه : إنه خرف في آخر عمره. والعجب من الحافظ ابن حجر كيف سكت عن ضعف إسناد هذا الحديث مع تذكر عبارة ابن كثير فيه.
وأما اختلافهم في تعيين يوم الحج الأكبر ففيه ما رواه البخاري في تفسير ﴿ إلا الذين عاهدتم من المشركين ﴾ من رواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب أن حميد بن عبد الرحمن أخبره عن أبي هريرة أنه أخبر أن أبا بكر رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها قبل حجة الوداع يؤذن في الناس أن لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، فكان حميد يقول : يوم النحر يوم الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة. وتقدم الحديث في كتاب الجزية عن شعيب عن الزهري بلفظ : بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى : لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر. وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر. فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج في حجة الوداع التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم مشرك اهـ.
قال الحافظ في الكلام على رواية صالح من الفتح بعد أن ذكر رواية شعيب ما نصه : وقوله : ويوم الحج الأكبر يوم النحرـ وهو قول حميد بن عبد الرحمن- استنبطه من قوله تعالى :﴿ وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر ﴾ ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكر يوم النحر. وسياق رواية شعيب يوهم أن ذلك مما نادى به أبو بكر وليس كذلك، فقد تضافرت الروايات عن أبي هريرة بأن الذي كان ينادي به هو ومن معه من قبل أبي بكر شيئان : منع حج المشركين، ومنع طواف العريان. وأن عليا أيضا كان ينادي بهما، وكان يزيد : من كان له عهد فعهده إلى مدته، وأن لا يدخل الجنة إلا مسلم. وكان هذه الأخيرة كالتوطئة لأن لا يحج البيت مشرك. وأما التي قبلها فهي التي اختص علي بتبليغها، ولهذا قال العلماء : إن الحكمة في إرسال علي بعد أبي بكر أن عادة العرب جرت بأن لا ينقض العهد إلا من عقده أو من هو منه بسبيل من أهل بيته، فأجراهم في ذلك على عادتهم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم :( لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل من أهل بيتي ).
وروى أحمد والنسائي من طريق محرز بن أبي هريرة عن أبيه قال : كنت مع علي حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ببراءة، فكنا ننادي أن لا يدخل الجنة إلا كل نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج بعد العام مشرك. فكنت أنادي حتى صحل صوتي.
ثم قال الحافظ : وقوله : وإنما قيل الأكبر الخ في حديث ابن عمر عند أبي داود وأصله في هذا الصحيح رفعه : أي يوم هذا ؟ قالوا : هذا يوم النحر، قال « هذا يوم الحج الأكبر».
واختلف في المراد بالحج الأصغر، فالجمهور على أنه العمرة، وصل ذلك عبد الرازق من طريق عبد الله بن شداد -أحد كبار التابعين-، ووصله الطبري عن جماعة منهم عطاء والشعبي، وعن مجاهد : الحج الأكبر القران، والأصغر الإفراد. وقيل : يوم الحج الأصغر يوم عرفة، ويوم الحج الأكبر يوم النحر ؛ لأن فيه تتكمل بقية المناسك، وعن الثوري : أيام الحج تسمى يوم الحج الأكبر، كما يقال يوم الفتح، وأيده السهيلي بأن عليا أمر بذلك في الأيام كلها، وقيل : لأن أهل الجاهلية كانوا يقفون بعرفة، وكانت قريش تقف بالمزدلفة، فإذا كان صبيحة النحر وقف الجميع بالمزدلفة، فقيل له الأكبر لاجتماع الكل فيه.
وعن الحسن سمي بذلك لاتفاق حج جميع الملل فيه، وروى الطبري من طريق أبي جحيفة وغيره أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، ومن طريق سعيد بن جبير أنه يوم النحر، واحتج بأن يوم التاسع وهو يوم عرفة إذا انسلخ قبل الوقوف لم يفت الحج بخلاف العاشر، فإن الليل إذا انسلخ قبل الوقوف فات، وفي رواية الترمذي من حديث علي مرفوعا وموقوفا :( يوم الحج الأكبر يوم النحر )٣ ورجح الموقوف. وقوله : فنبذ أبو بكر الخ هو أيضا مرسل من قول حميد بن عبد الرحمن، والمراد أن أبا بكر أفصح لهم بذلك، وقيل إنما لم يقتصر النبي صلى الله عليه و
﴿ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين( ١ ) فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين ( ٢ ) وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ( ٣ ) إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين ( ٤ ) ﴾
من المشهور القطعي الذي لا خلاف فيه أن الله تعالى بعث محمدا رسوله وخاتم النبيين بالإسلام الذي أكمل به الدين، وجعل آيته الكبرى هذا القرآن المعجز للبشر من وجوه كثيرة ذكرنا كلياتها في تفسير( ٢ : ٢٣ ج ١ )، وأقام بناء الدعوة إليه على أساس البراهين العقلية والعلمية المقنعة والملزمة، ومنع الإكراه فيه والحمل عليه بالقوة كما بيناه في تفسير ( ٢ : ٢٥٦ج ٣ )، فقاومه المشركون، وفتنوا المؤمنين بالتعذيب والاضطهاد لصدهم عنه، وصدوه صلى الله عليه وسلم عن تبليغه للناس بالقوة، ولم يكن أحد ممن اتبعه يأمن على نفسه من القتل أو التعذيب، إلا بتأمين حلف أو قريب. فهاجر من هاجر منهم المرة بعد المرة، ثم اشتد إيذاؤهم للرسول صلى الله عليه وسلم حتى ائتمروا بحبسه الدائم أو نفيه أو قتله علنا في دار الندوة، ورجحوا في آخر الأمر قتله، فأمره الله تعالى بالهجرة، كما تقدم في تفسير ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ﴾ [ الأنفال : ٣٠ ] ج ٩، فهاجر صلى الله عليه وسلم، وصار يتبعه من قدر على الهجرة من أصحابه إلى حيث وجدوا من مهاجرهم بالمدينة المنورة أنصارا لله ولرسوله يحبون من هاجر إليهم، ويؤثرونهم على أنفسهم، وكانت الحال بينهم وبين مشركي مكة وغيرهم من العرب حال حرب بالطبع، ومقتضى العرف العام في ذلك العصر، وعاهد صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب من يهود المدينة وما حولها على السلم والتعاون فخانوا وغدروا، ونقضوا عهودهم له بما كانوا يوالون المشركين ويظاهرونهم كلما حاربوه، كما تقدم بيان ذلك كله في تفسير سورة الأنفال من هذا الجزء.
وقد عاهد صلى الله عليه وسلم المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروط تساهل معهم فيها منتهى التساهل عن قوة وعزة، لا عن ضعف وذلة، ولكن حبا بالسلم ونشر دينه بالإقناع والحجة، ودخلت خزاعة في عهده صلى الله عليه وسلم كما دخلت بنو بكر في عهد قريش، ثم عدا هؤلاء على أولئك وإعانتهم قريش بالسلاح فنقضوا عهدهم، فكان ذلك سبب عودة حال الحرب العامة معهم، وفتحه صلى الله عليه وسلم لمكة، الذي خضد شوكة الشرك وأذل أهله، ولكنهم ما زالوا يحاربونه حيث قدروا، وثبت بالتجربة لهم - في حالي قوتهم وضعفهم- أنهم لا عهود لهم، ولا يؤمن نقضهم وانتقاضهم، كما يأتي في قوله تعالى :﴿ كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ﴾ إلى قوله في آخر آية ١٢ ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ﴾ أي لا عهود لهم يرعونها ويفون بها. والمراد أنه لا يمكن أن يعيش المسلمون معهم بحكم المعاهدات المرعية فيأمن كل منهم شر الآخر وعدوانه مع بقائهم على شركهم الذي ليس له شرع يدان به، فيجب الوفاء بالعهد بإيجابه، كيف وقد سبقهم إلى الغدر ونقض الميثاق من كانوا أجدر بالوفاء وهم أهل الكتاب.
هذا هو الأصل الشرعي الذي بني عليه ما جاءت به هذه السورة من نبذ عهودهم المطلقة، وإتمام مدة عهدهم المؤقتة لمن استقام منهم عليها، وأما حكمة ذلك فهي محو بقية الشرك من جزيرة العرب بالقوة، وجعلها خالصة للمسلمين، مع مراعاة الأصول السابقة في قوله تعالى :﴿ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ﴾ [ البقرة : ١٩ ] وقوله :﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾ [ الأنفال : ٦١ ] بقدر الإمكان، وإن قال الجمهور بنسخ هذا بآية السيف من هذه السورة ونبذ عهود الشرك، وسيأتي تفصيله في تفسيرها.
ثم استثنى من هؤلاء الذين تبرأ من عهودهم، وأمر بوعيدهم وتهديدهم، وضرب لهم موعد الأربعة الأشهر، من حافظوا على عهدهم بالدقة التامة والإخلاص فقال :﴿ إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ﴾ قال الحافظ ابن كثير : هذا استثناء من ضرب مدة التأجيل بأربعة أشهر لمن له عهد مطلق ليس بمؤقت، فأجله أربعة أشهر يسيح في الأرض يذهب فيها لينجو بنفسه حيث شاء، إلا من له عهد مؤقت فأجله إلى مدته المضروبة التي عوهد عليها، وقد تقدمت الأحاديث : ومن كان له عهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعهده إلى مدته المضروبة. وذلك بشرط أن لا ينقض المعاهد عهده، ولم يظاهر على المسلمين، أي يمالئ عليهم من سواهم. فهذا الذي يوفى له بذمته، وعهده إلى مدته اه.
وقال البغوي : المراد بهؤلاء الذين استثناهم الله تعالى بنو ضمرة وحي من كنانة. وقال السدي : هؤلاء بنو ضمرة وبنو مدلج حيان من بني كنانة، كانوا حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة العسرة من بني تبيع. وقال مجاهد : كان لبني مدلج وخزاعة عهد فهو الذي قال الله :﴿ فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ﴾. وقال محمد بن عباد بن جعفر : هم بنو خزيمة بن عامر من بني بكر بن كنانة. ولكن قال ابن عباس رضي الله عنه : هم مشركو قريش الذين عاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية، وكان قد بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يوفي لهم بعهدهم هذا إلى مدتهم. ذكر هذه الأقوال في الدر المنثور. والصواب أن هذا اللفظ عام، وتعيين المراد منه بأسماء القبائل لا يتعلق به عمل بعد ذلك الزمان.
والآية تدل على أن الوفاء بالعهد من فرائض الإسلام ما دام العهد معقودا، وعلى أن العهد المؤقت لا يجوز نقضه إلا بانتهاء وقته، وأن شرط وجوب الوفاء به علينا محافظة العدو المعاهد لنا عليه بحذافيره، من نص القول وفحواه ولحنه، والمعبر عنهما في هذا العصر بروحه. فإن نقص شيئا ما من شروط العهد وأخلّ بغرض ما من أغراضه عد ناقضا له، إذ قال :﴿ ثم لم ينقصوكم شيئا ﴾ ولفظ شيء أعم الألفاظ وهو نكرة في سياق النفي، فيصدق بأدنى إخلال بالعهد. وقرئ في الشواذ ( ينقضوكم ) بالضاد المعجمة والمهملة أبلغ، ومن الضروري أن من شروطه - التي ينتقض بالإخلال بها- عدم مظاهرة أحد من أعدائنا وخصومنا علينا، وقد صرح بهذا للاهتمام به، وإلا فهو يدخل في عموم ما قبله، وذلك أن الغرض الأول من المعاهدات ترك قتال كل من الفريقين المتعاهدين للآخر وحرية التعامل بينهما، فمظاهرة أحدهما لعدو الآخر- أي معاونته ومساعدته على قتاله وما يتعلق به- كمباشرته للقتال وغيره بنفسه، يقال ظاهره إذا عاونه ﴿ وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم ﴾[ الأحزاب : ٢٦ ]، وظاهره عليه إذا ساعده عليه. وتظاهروا عليهم تعاونوا. وكله من الظهر الذي يعبر به عن القوة، ومنه بعير ظهير، ويحتمل أن يكون من الظهور.
﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ أي لنقض العهود وإخفار الذمم، ولسائر المفاسد المخلة بالنظام، والعدل العام.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد ورد في تنفيذ أمر الله تعالى بهذه البراءة والأذان بها- أي التبليغ العام العلني لها- أحاديث في الصحاح والسنن وكتب التفسير المأثور فيها شيء من الخلاف والتعارض نقتصر على أمثلها وأثبتها، وما يجمع بين الروايات ويزيل تعارضها. فجملة تلك الروايات تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أبا بكر رضي الله عنه أميرا على الحج سنة تسع، وأمره أن يبلغ المشركين الذين يحضرون الحج أنهم يمنعون منه بعد ذلك العام، ثم أردفه بعلي( ع. م ) ليبلغهم عنه نبذ عهودهم المطلقة، وإعطائهم مهلة أربعة أشهر لينظروا في أمرهم، وأن العهود المؤقتة أجلها نهاية وقتها. ويتلو عليهم الآيات المتضمنة لمسألة نبذ العهود وما يتعلق بها من أول سورة براءة وهي ٤٠ أو ٣٣ آية، وما ذكر في بعض الروايات من التردد بين ٣٠ و٤٠ فتعبير بالأعشار، مع إلغاء كسرها من زيادة ونقصان، وذلك لأن من عادة العرب أن العهود ونبذها إنما تكون من عاقدها أو أحد عصبته القريبة، وأن عليا كان مختصا بذلك مع بقاء إمارة الحج لأبي بكر الذي كان يساعده على ذلك ويأمر بعض الصحابة كأبي هريرة بمساعدته.
أما الشيخان فقد أخرجا في هذا الباب حديث أبي هريرة الذي رواه عنه حميد بن عبد الرحمن بن عوف في كتاب الحج، وكرره البخاري في كتب الطهارة والحج والجزية والمغازي والتفسير، فنذكر لفظه في تفسير ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ﴾ الآية : عن حميد أن أبا هريرة قال : بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى : أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد : ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب، وأمره أن يؤذن ببراءة. قال أبو هريرة : فأذن معنا علي يوم النحر في أهل منى ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان١ اهـ.
قال الحافظ في الفتح عند قوله :" قال أبو هريرة فأذن معنا علي " ما نصه :
هو موصول بالإسناد المذكور، وكان حميد بن عبد الرحمن حمل قصة توجه علي من المدينة إلى أن لحق بأبي بكر عن غير أبي هريرة، وحمل بقية القصة عن أبي هريرة. وقوله : فأذن معنا علي في منى يوم النحر الخ قال الكرماني : فيه إشكال ؛ لأن عليا كان مأمورا بأن يؤذن ببراءة، فكيف يؤذن بأن لا يحج بعد العام مشرك ؟ ثم أجاب بأنه أذن ببراءة، ومن جملة ما اشتملت عليه أن لا يحج بعد العام مشرك من قوله تعالى :﴿ إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾[ التوبة : ٢٨ ]
ويحتمل أن يكون أمر أن يؤذن ببراءة وبما أمر أبو بكر أن يؤذن به أيضا، قلت : وفي قوله : يؤذن ببراءة تجوز ؛ لأنه أمر أن يؤذن ببضع وثلاثين آية منتهاها عند قوله :﴿ ولو كره المشركون ﴾ [ التوبة : ٣٣ ]، فروى الطبري من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب وغيره قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الحج سنة تسع، وبعث عليا بثلاثين أو أربعين آية من براءة. وروى الطبري من طريق أبي الصهباء قال : سألت عليا عن يوم الحج الأكبر، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر يقيم للناس الحج، وبعثني بعده بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفة فخطب ثم التفت إلي فقال : يا علي قم فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت فقرأت أربعين آية من براءة، ثم صدرنا حتى رميت الجمرة، فطفقت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم ؛ لأن الجميع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة.
ثم قال الحافظ : وأما ما وقع في حديث جابر فيما أخرجه الطبري وإسحاق في مسنده والنسائي والدارمي كلاهما عنه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان من طريق ابن جريج : حدثني عبد الله بن عثمان بن خيثم عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم حين رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحج، فأقبلنا معه، حتى إذا كنا بالعرج ثوَّب بالصبح، فسمعنا رغوة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا علي عليها، فقال له : أمير أو رسول ؟ فقال : بل أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة أقرؤها على الناس، فقدمنا مكة، فلما كان قبل يوم التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس بمناسكهم، حتى إذا فرغ منها قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم كان يوم النحر كذلك، ثم يوم النفر كذلك، فيجمع بأن عليا قرأها كلها في المواطن الثلاثة، وأما في سائر الأوقات فكان يؤذن بالأمور المذكورة : أن لا يحج بعد العام مشرك الخ، وكان يستعين بأبي هريرة وغيره في الأذان بذلك.
« وقد وقع في حديث مقسم عن ابن عباس عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر. الحديث، وفيه فقام علي أيام التشريق فنادى : ذمة الله وذمة رسوله بريئة من كل مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل مؤمن. فكان علي ينادي بها، فإذا بح قام أبو هريرة فنادى بها ٢».
وأخرج أحمد بسند حسن عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة قال « لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي »، فبعث بها مع علي. قال الترمذي : حسن غريب. ووقع في حديث يعلى عند أحمد عن علي : لما نزلت عشر آيات من براءة بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال :( أدرك أبا بكر، فحيثما لقيته فخذ منه الكتاب. فرجع أبو بكر فقال : يا رسول الله نزل في شيء فقال « لا» إلا أنه لن يؤدي عني ـ أو لكن جبريل قال : لا يؤدي عنك- إلا أنت أو رجل منك )، قال العماد ابن كثير : ليس المراد أن أبا بكر رجع من فوره ؛ بل المراد رجع من حجته. ( قلت ) : ولا مانع من حمله على ظاهره لقرب المسافة. وأما قوله : عشر آيات، فالمراد أولها ﴿ إنما المشركون نجس ﴾ اهـ.
هذا ما لخصه الحافظ من الروايات، وأقول إن ابن كثير قال في حديث علي في نزول عشر آيات المذكور أخيرا، وقد ذكر إسناده عن عبد الله بن أحمد : هذا إسناد فيه ضعف.
وأزيد عليه انتقاد متنه ؛ إذ لا يصح أن يكون نزل منها عشر آيات وأنه صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر ثم عليا بها، فهذا مخالف لسائر الروايات المتضافرة المتفقة التي أطلق في بعضها أول سورة براءة ـ وفي بعضها عدد ثلاثين أو أربعين آية منها ـ أي بالتقريب، وفي بعضها سورة براءة، وهي لا تنافي بينها، فقد نزلت سورة براءة كلها أو أكثرها عقب غزوة تبوك، وقد كانت في رجب سنة تسع من الهجرة. وقد قال ابن إسحاق : إن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بعد أن رجع من تبوك رمضان وشوال وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج، وذكر أن أبا بكر خرج في ذي القعدة. فإن أمكن حمل ما رواه ابن سعد عن مجاهد من أن حج أبي بكر كان في ذي القعدة على هذا كان صحيحا وإلا فلا.
وأما ضعف إسناده الذي ذكره ابن كثير فمن حنش بن المعتمر الكناني الكوفي. قال ابن حبان : كان كثير الوهم في الأخبار، ينفرد عن علي بأشياء لا تشبه حديث الثقات، حتى صار ممن لا يحتج بحديثه، وقال البزار : حدث عنه سماك بحديث منكر، وقال ابن حزم في المحلى : ساقط مطرح، ولأئمة الجرح في تضعيفه أقوال أخرى. ولعل الحديث المنكر الذي رواه عنه سماك هو هذا، على أن سماك بن حرب هذا لم يسلم من جرح، وإن روى عنه مسلم، ومما قيل عنه : إنه خرف في آخر عمره. والعجب من الحافظ ابن حجر كيف سكت عن ضعف إسناد هذا الحديث مع تذكر عبارة ابن كثير فيه.
وأما اختلافهم في تعيين يوم الحج الأكبر ففيه ما رواه البخاري في تفسير ﴿ إلا الذين عاهدتم من المشركين ﴾ من رواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب أن حميد بن عبد الرحمن أخبره عن أبي هريرة أنه أخبر أن أبا بكر رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها قبل حجة الوداع يؤذن في الناس أن لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، فكان حميد يقول : يوم النحر يوم الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة. وتقدم الحديث في كتاب الجزية عن شعيب عن الزهري بلفظ : بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى : لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر. وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر. فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج في حجة الوداع التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم مشرك اهـ.
قال الحافظ في الكلام على رواية صالح من الفتح بعد أن ذكر رواية شعيب ما نصه : وقوله : ويوم الحج الأكبر يوم النحرـ وهو قول حميد بن عبد الرحمن- استنبطه من قوله تعالى :﴿ وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر ﴾ ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكر يوم النحر. وسياق رواية شعيب يوهم أن ذلك مما نادى به أبو بكر وليس كذلك، فقد تضافرت الروايات عن أبي هريرة بأن الذي كان ينادي به هو ومن معه من قبل أبي بكر شيئان : منع حج المشركين، ومنع طواف العريان. وأن عليا أيضا كان ينادي بهما، وكان يزيد : من كان له عهد فعهده إلى مدته، وأن لا يدخل الجنة إلا مسلم. وكان هذه الأخيرة كالتوطئة لأن لا يحج البيت مشرك. وأما التي قبلها فهي التي اختص علي بتبليغها، ولهذا قال العلماء : إن الحكمة في إرسال علي بعد أبي بكر أن عادة العرب جرت بأن لا ينقض العهد إلا من عقده أو من هو منه بسبيل من أهل بيته، فأجراهم في ذلك على عادتهم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم :( لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل من أهل بيتي ).
وروى أحمد والنسائي من طريق محرز بن أبي هريرة عن أبيه قال : كنت مع علي حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ببراءة، فكنا ننادي أن لا يدخل الجنة إلا كل نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج بعد العام مشرك. فكنت أنادي حتى صحل صوتي.
ثم قال الحافظ : وقوله : وإنما قيل الأكبر الخ في حديث ابن عمر عند أبي داود وأصله في هذا الصحيح رفعه : أي يوم هذا ؟ قالوا : هذا يوم النحر، قال « هذا يوم الحج الأكبر».
واختلف في المراد بالحج الأصغر، فالجمهور على أنه العمرة، وصل ذلك عبد الرازق من طريق عبد الله بن شداد -أحد كبار التابعين-، ووصله الطبري عن جماعة منهم عطاء والشعبي، وعن مجاهد : الحج الأكبر القران، والأصغر الإفراد. وقيل : يوم الحج الأصغر يوم عرفة، ويوم الحج الأكبر يوم النحر ؛ لأن فيه تتكمل بقية المناسك، وعن الثوري : أيام الحج تسمى يوم الحج الأكبر، كما يقال يوم الفتح، وأيده السهيلي بأن عليا أمر بذلك في الأيام كلها، وقيل : لأن أهل الجاهلية كانوا يقفون بعرفة، وكانت قريش تقف بالمزدلفة، فإذا كان صبيحة النحر وقف الجميع بالمزدلفة، فقيل له الأكبر لاجتماع الكل فيه.
وعن الحسن سمي بذلك لاتفاق حج جميع الملل فيه، وروى الطبري من طريق أبي جحيفة وغيره أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، ومن طريق سعيد بن جبير أنه يوم النحر، واحتج بأن يوم التاسع وهو يوم عرفة إذا انسلخ قبل الوقوف لم يفت الحج بخلاف العاشر، فإن الليل إذا انسلخ قبل الوقوف فات، وفي رواية الترمذي من حديث علي مرفوعا وموقوفا :( يوم الحج الأكبر يوم النحر )٣ ورجح الموقوف. وقوله : فنبذ أبو بكر الخ هو أيضا مرسل من قول حميد بن عبد الرحمن، والمراد أن أبا بكر أفصح لهم بذلك، وقيل إنما لم يقتصر النبي صلى الله عليه و
من المشهور القطعي الذي لا خلاف فيه أن الله تعالى بعث محمدا رسوله وخاتم النبيين بالإسلام الذي أكمل به الدين، وجعل آيته الكبرى هذا القرآن المعجز للبشر من وجوه كثيرة ذكرنا كلياتها في تفسير( ٢ : ٢٣ ج ١ )، وأقام بناء الدعوة إليه على أساس البراهين العقلية والعلمية المقنعة والملزمة، ومنع الإكراه فيه والحمل عليه بالقوة كما بيناه في تفسير ( ٢ : ٢٥٦ج ٣ )، فقاومه المشركون، وفتنوا المؤمنين بالتعذيب والاضطهاد لصدهم عنه، وصدوه صلى الله عليه وسلم عن تبليغه للناس بالقوة، ولم يكن أحد ممن اتبعه يأمن على نفسه من القتل أو التعذيب، إلا بتأمين حلف أو قريب. فهاجر من هاجر منهم المرة بعد المرة، ثم اشتد إيذاؤهم للرسول صلى الله عليه وسلم حتى ائتمروا بحبسه الدائم أو نفيه أو قتله علنا في دار الندوة، ورجحوا في آخر الأمر قتله، فأمره الله تعالى بالهجرة، كما تقدم في تفسير ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ﴾ [ الأنفال : ٣٠ ] ج ٩، فهاجر صلى الله عليه وسلم، وصار يتبعه من قدر على الهجرة من أصحابه إلى حيث وجدوا من مهاجرهم بالمدينة المنورة أنصارا لله ولرسوله يحبون من هاجر إليهم، ويؤثرونهم على أنفسهم، وكانت الحال بينهم وبين مشركي مكة وغيرهم من العرب حال حرب بالطبع، ومقتضى العرف العام في ذلك العصر، وعاهد صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب من يهود المدينة وما حولها على السلم والتعاون فخانوا وغدروا، ونقضوا عهودهم له بما كانوا يوالون المشركين ويظاهرونهم كلما حاربوه، كما تقدم بيان ذلك كله في تفسير سورة الأنفال من هذا الجزء.
وقد عاهد صلى الله عليه وسلم المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروط تساهل معهم فيها منتهى التساهل عن قوة وعزة، لا عن ضعف وذلة، ولكن حبا بالسلم ونشر دينه بالإقناع والحجة، ودخلت خزاعة في عهده صلى الله عليه وسلم كما دخلت بنو بكر في عهد قريش، ثم عدا هؤلاء على أولئك وإعانتهم قريش بالسلاح فنقضوا عهدهم، فكان ذلك سبب عودة حال الحرب العامة معهم، وفتحه صلى الله عليه وسلم لمكة، الذي خضد شوكة الشرك وأذل أهله، ولكنهم ما زالوا يحاربونه حيث قدروا، وثبت بالتجربة لهم - في حالي قوتهم وضعفهم- أنهم لا عهود لهم، ولا يؤمن نقضهم وانتقاضهم، كما يأتي في قوله تعالى :﴿ كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ﴾ إلى قوله في آخر آية ١٢ ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ﴾ أي لا عهود لهم يرعونها ويفون بها. والمراد أنه لا يمكن أن يعيش المسلمون معهم بحكم المعاهدات المرعية فيأمن كل منهم شر الآخر وعدوانه مع بقائهم على شركهم الذي ليس له شرع يدان به، فيجب الوفاء بالعهد بإيجابه، كيف وقد سبقهم إلى الغدر ونقض الميثاق من كانوا أجدر بالوفاء وهم أهل الكتاب.
هذا هو الأصل الشرعي الذي بني عليه ما جاءت به هذه السورة من نبذ عهودهم المطلقة، وإتمام مدة عهدهم المؤقتة لمن استقام منهم عليها، وأما حكمة ذلك فهي محو بقية الشرك من جزيرة العرب بالقوة، وجعلها خالصة للمسلمين، مع مراعاة الأصول السابقة في قوله تعالى :﴿ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ﴾ [ البقرة : ١٩ ] وقوله :﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾ [ الأنفال : ٦١ ] بقدر الإمكان، وإن قال الجمهور بنسخ هذا بآية السيف من هذه السورة ونبذ عهود الشرك، وسيأتي تفصيله في تفسيرها.
ثم استثنى من هؤلاء الذين تبرأ من عهودهم، وأمر بوعيدهم وتهديدهم، وضرب لهم موعد الأربعة الأشهر، من حافظوا على عهدهم بالدقة التامة والإخلاص فقال :﴿ إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ﴾ قال الحافظ ابن كثير : هذا استثناء من ضرب مدة التأجيل بأربعة أشهر لمن له عهد مطلق ليس بمؤقت، فأجله أربعة أشهر يسيح في الأرض يذهب فيها لينجو بنفسه حيث شاء، إلا من له عهد مؤقت فأجله إلى مدته المضروبة التي عوهد عليها، وقد تقدمت الأحاديث : ومن كان له عهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعهده إلى مدته المضروبة. وذلك بشرط أن لا ينقض المعاهد عهده، ولم يظاهر على المسلمين، أي يمالئ عليهم من سواهم. فهذا الذي يوفى له بذمته، وعهده إلى مدته اه.
وقال البغوي : المراد بهؤلاء الذين استثناهم الله تعالى بنو ضمرة وحي من كنانة. وقال السدي : هؤلاء بنو ضمرة وبنو مدلج حيان من بني كنانة، كانوا حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة العسرة من بني تبيع. وقال مجاهد : كان لبني مدلج وخزاعة عهد فهو الذي قال الله :﴿ فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ﴾. وقال محمد بن عباد بن جعفر : هم بنو خزيمة بن عامر من بني بكر بن كنانة. ولكن قال ابن عباس رضي الله عنه : هم مشركو قريش الذين عاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية، وكان قد بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يوفي لهم بعهدهم هذا إلى مدتهم. ذكر هذه الأقوال في الدر المنثور. والصواب أن هذا اللفظ عام، وتعيين المراد منه بأسماء القبائل لا يتعلق به عمل بعد ذلك الزمان.
والآية تدل على أن الوفاء بالعهد من فرائض الإسلام ما دام العهد معقودا، وعلى أن العهد المؤقت لا يجوز نقضه إلا بانتهاء وقته، وأن شرط وجوب الوفاء به علينا محافظة العدو المعاهد لنا عليه بحذافيره، من نص القول وفحواه ولحنه، والمعبر عنهما في هذا العصر بروحه. فإن نقص شيئا ما من شروط العهد وأخلّ بغرض ما من أغراضه عد ناقضا له، إذ قال :﴿ ثم لم ينقصوكم شيئا ﴾ ولفظ شيء أعم الألفاظ وهو نكرة في سياق النفي، فيصدق بأدنى إخلال بالعهد. وقرئ في الشواذ ( ينقضوكم ) بالضاد المعجمة والمهملة أبلغ، ومن الضروري أن من شروطه - التي ينتقض بالإخلال بها- عدم مظاهرة أحد من أعدائنا وخصومنا علينا، وقد صرح بهذا للاهتمام به، وإلا فهو يدخل في عموم ما قبله، وذلك أن الغرض الأول من المعاهدات ترك قتال كل من الفريقين المتعاهدين للآخر وحرية التعامل بينهما، فمظاهرة أحدهما لعدو الآخر- أي معاونته ومساعدته على قتاله وما يتعلق به- كمباشرته للقتال وغيره بنفسه، يقال ظاهره إذا عاونه ﴿ وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم ﴾[ الأحزاب : ٢٦ ]، وظاهره عليه إذا ساعده عليه. وتظاهروا عليهم تعاونوا. وكله من الظهر الذي يعبر به عن القوة، ومنه بعير ظهير، ويحتمل أن يكون من الظهور.
﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ أي لنقض العهود وإخفار الذمم، ولسائر المفاسد المخلة بالنظام، والعدل العام.
أما الشيخان فقد أخرجا في هذا الباب حديث أبي هريرة الذي رواه عنه حميد بن عبد الرحمن بن عوف في كتاب الحج، وكرره البخاري في كتب الطهارة والحج والجزية والمغازي والتفسير، فنذكر لفظه في تفسير ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ﴾ الآية : عن حميد أن أبا هريرة قال : بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى : أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد : ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب، وأمره أن يؤذن ببراءة. قال أبو هريرة : فأذن معنا علي يوم النحر في أهل منى ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان١ اهـ.
قال الحافظ في الفتح عند قوله :" قال أبو هريرة فأذن معنا علي " ما نصه :
هو موصول بالإسناد المذكور، وكان حميد بن عبد الرحمن حمل قصة توجه علي من المدينة إلى أن لحق بأبي بكر عن غير أبي هريرة، وحمل بقية القصة عن أبي هريرة. وقوله : فأذن معنا علي في منى يوم النحر الخ قال الكرماني : فيه إشكال ؛ لأن عليا كان مأمورا بأن يؤذن ببراءة، فكيف يؤذن بأن لا يحج بعد العام مشرك ؟ ثم أجاب بأنه أذن ببراءة، ومن جملة ما اشتملت عليه أن لا يحج بعد العام مشرك من قوله تعالى :﴿ إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾[ التوبة : ٢٨ ]
ويحتمل أن يكون أمر أن يؤذن ببراءة وبما أمر أبو بكر أن يؤذن به أيضا، قلت : وفي قوله : يؤذن ببراءة تجوز ؛ لأنه أمر أن يؤذن ببضع وثلاثين آية منتهاها عند قوله :﴿ ولو كره المشركون ﴾ [ التوبة : ٣٣ ]، فروى الطبري من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب وغيره قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الحج سنة تسع، وبعث عليا بثلاثين أو أربعين آية من براءة. وروى الطبري من طريق أبي الصهباء قال : سألت عليا عن يوم الحج الأكبر، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر يقيم للناس الحج، وبعثني بعده بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفة فخطب ثم التفت إلي فقال : يا علي قم فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت فقرأت أربعين آية من براءة، ثم صدرنا حتى رميت الجمرة، فطفقت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم ؛ لأن الجميع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة.
ثم قال الحافظ : وأما ما وقع في حديث جابر فيما أخرجه الطبري وإسحاق في مسنده والنسائي والدارمي كلاهما عنه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان من طريق ابن جريج : حدثني عبد الله بن عثمان بن خيثم عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم حين رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحج، فأقبلنا معه، حتى إذا كنا بالعرج ثوَّب بالصبح، فسمعنا رغوة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا علي عليها، فقال له : أمير أو رسول ؟ فقال : بل أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة أقرؤها على الناس، فقدمنا مكة، فلما كان قبل يوم التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس بمناسكهم، حتى إذا فرغ منها قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم كان يوم النحر كذلك، ثم يوم النفر كذلك، فيجمع بأن عليا قرأها كلها في المواطن الثلاثة، وأما في سائر الأوقات فكان يؤذن بالأمور المذكورة : أن لا يحج بعد العام مشرك الخ، وكان يستعين بأبي هريرة وغيره في الأذان بذلك.
« وقد وقع في حديث مقسم عن ابن عباس عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر. الحديث، وفيه فقام علي أيام التشريق فنادى : ذمة الله وذمة رسوله بريئة من كل مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل مؤمن. فكان علي ينادي بها، فإذا بح قام أبو هريرة فنادى بها ٢».
وأخرج أحمد بسند حسن عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة قال « لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي »، فبعث بها مع علي. قال الترمذي : حسن غريب. ووقع في حديث يعلى عند أحمد عن علي : لما نزلت عشر آيات من براءة بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال :( أدرك أبا بكر، فحيثما لقيته فخذ منه الكتاب. فرجع أبو بكر فقال : يا رسول الله نزل في شيء فقال « لا» إلا أنه لن يؤدي عني ـ أو لكن جبريل قال : لا يؤدي عنك- إلا أنت أو رجل منك )، قال العماد ابن كثير : ليس المراد أن أبا بكر رجع من فوره ؛ بل المراد رجع من حجته. ( قلت ) : ولا مانع من حمله على ظاهره لقرب المسافة. وأما قوله : عشر آيات، فالمراد أولها ﴿ إنما المشركون نجس ﴾ اهـ.
هذا ما لخصه الحافظ من الروايات، وأقول إن ابن كثير قال في حديث علي في نزول عشر آيات المذكور أخيرا، وقد ذكر إسناده عن عبد الله بن أحمد : هذا إسناد فيه ضعف.
وأزيد عليه انتقاد متنه ؛ إذ لا يصح أن يكون نزل منها عشر آيات وأنه صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر ثم عليا بها، فهذا مخالف لسائر الروايات المتضافرة المتفقة التي أطلق في بعضها أول سورة براءة ـ وفي بعضها عدد ثلاثين أو أربعين آية منها ـ أي بالتقريب، وفي بعضها سورة براءة، وهي لا تنافي بينها، فقد نزلت سورة براءة كلها أو أكثرها عقب غزوة تبوك، وقد كانت في رجب سنة تسع من الهجرة. وقد قال ابن إسحاق : إن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بعد أن رجع من تبوك رمضان وشوال وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج، وذكر أن أبا بكر خرج في ذي القعدة. فإن أمكن حمل ما رواه ابن سعد عن مجاهد من أن حج أبي بكر كان في ذي القعدة على هذا كان صحيحا وإلا فلا.
وأما ضعف إسناده الذي ذكره ابن كثير فمن حنش بن المعتمر الكناني الكوفي. قال ابن حبان : كان كثير الوهم في الأخبار، ينفرد عن علي بأشياء لا تشبه حديث الثقات، حتى صار ممن لا يحتج بحديثه، وقال البزار : حدث عنه سماك بحديث منكر، وقال ابن حزم في المحلى : ساقط مطرح، ولأئمة الجرح في تضعيفه أقوال أخرى. ولعل الحديث المنكر الذي رواه عنه سماك هو هذا، على أن سماك بن حرب هذا لم يسلم من جرح، وإن روى عنه مسلم، ومما قيل عنه : إنه خرف في آخر عمره. والعجب من الحافظ ابن حجر كيف سكت عن ضعف إسناد هذا الحديث مع تذكر عبارة ابن كثير فيه.
وأما اختلافهم في تعيين يوم الحج الأكبر ففيه ما رواه البخاري في تفسير ﴿ إلا الذين عاهدتم من المشركين ﴾ من رواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب أن حميد بن عبد الرحمن أخبره عن أبي هريرة أنه أخبر أن أبا بكر رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها قبل حجة الوداع يؤذن في الناس أن لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، فكان حميد يقول : يوم النحر يوم الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة. وتقدم الحديث في كتاب الجزية عن شعيب عن الزهري بلفظ : بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى : لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر. وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر. فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج في حجة الوداع التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم مشرك اهـ.
قال الحافظ في الكلام على رواية صالح من الفتح بعد أن ذكر رواية شعيب ما نصه : وقوله : ويوم الحج الأكبر يوم النحرـ وهو قول حميد بن عبد الرحمن- استنبطه من قوله تعالى :﴿ وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر ﴾ ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكر يوم النحر. وسياق رواية شعيب يوهم أن ذلك مما نادى به أبو بكر وليس كذلك، فقد تضافرت الروايات عن أبي هريرة بأن الذي كان ينادي به هو ومن معه من قبل أبي بكر شيئان : منع حج المشركين، ومنع طواف العريان. وأن عليا أيضا كان ينادي بهما، وكان يزيد : من كان له عهد فعهده إلى مدته، وأن لا يدخل الجنة إلا مسلم. وكان هذه الأخيرة كالتوطئة لأن لا يحج البيت مشرك. وأما التي قبلها فهي التي اختص علي بتبليغها، ولهذا قال العلماء : إن الحكمة في إرسال علي بعد أبي بكر أن عادة العرب جرت بأن لا ينقض العهد إلا من عقده أو من هو منه بسبيل من أهل بيته، فأجراهم في ذلك على عادتهم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم :( لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل من أهل بيتي ).
وروى أحمد والنسائي من طريق محرز بن أبي هريرة عن أبيه قال : كنت مع علي حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ببراءة، فكنا ننادي أن لا يدخل الجنة إلا كل نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج بعد العام مشرك. فكنت أنادي حتى صحل صوتي.
ثم قال الحافظ : وقوله : وإنما قيل الأكبر الخ في حديث ابن عمر عند أبي داود وأصله في هذا الصحيح رفعه : أي يوم هذا ؟ قالوا : هذا يوم النحر، قال « هذا يوم الحج الأكبر».
واختلف في المراد بالحج الأصغر، فالجمهور على أنه العمرة، وصل ذلك عبد الرازق من طريق عبد الله بن شداد -أحد كبار التابعين-، ووصله الطبري عن جماعة منهم عطاء والشعبي، وعن مجاهد : الحج الأكبر القران، والأصغر الإفراد. وقيل : يوم الحج الأصغر يوم عرفة، ويوم الحج الأكبر يوم النحر ؛ لأن فيه تتكمل بقية المناسك، وعن الثوري : أيام الحج تسمى يوم الحج الأكبر، كما يقال يوم الفتح، وأيده السهيلي بأن عليا أمر بذلك في الأيام كلها، وقيل : لأن أهل الجاهلية كانوا يقفون بعرفة، وكانت قريش تقف بالمزدلفة، فإذا كان صبيحة النحر وقف الجميع بالمزدلفة، فقيل له الأكبر لاجتماع الكل فيه.
وعن الحسن سمي بذلك لاتفاق حج جميع الملل فيه، وروى الطبري من طريق أبي جحيفة وغيره أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، ومن طريق سعيد بن جبير أنه يوم النحر، واحتج بأن يوم التاسع وهو يوم عرفة إذا انسلخ قبل الوقوف لم يفت الحج بخلاف العاشر، فإن الليل إذا انسلخ قبل الوقوف فات، وفي رواية الترمذي من حديث علي مرفوعا وموقوفا :( يوم الحج الأكبر يوم النحر )٣ ورجح الموقوف. وقوله : فنبذ أبو بكر الخ هو أيضا مرسل من قول حميد بن عبد الرحمن، والمراد أن أبا بكر أفصح لهم بذلك، وقيل إنما لم يقتصر النبي صلى الله عليه و
﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ( ٥ ) وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ( ٦ ) ﴾
هذا شروع في بيان ما يترتب على الأذان بنبذ عهود المشركين على الوجه الذي سبق تفصيله في الموقت منها وغير الموقت، وهو مفصل لكل حال يكونون عليها بعد هذا الأذان العام من إيمان وكفر، ووفاء وغدر، ينتهي بالآية الخامسة عشرة. وانسلاخ الأشهر انقضاؤها والخروج منها، وهو مجاز مستعار من انسلاخ الحية، وهو خروجها من جلدها، ويسمى بعد خروجها منه المسلاخ، يقولون سلخ فلان الشهر وانسلخ منه ﴿ وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ﴾ [ يس : ٣٧ ] وقال الشاعر :
إذا ما سلخت الشهر أهلكت مثله***كفى قاتلاً سلخي الشهور وإهلالي١
والحرم بضمتين جمع الحرام ( كسحاب وسحب ) وهي الأشهر التي حرم الله فيها قتالهم في الأذان والتبليغ الذي بينت الآية ما يترتب عليه من الأحكام بقوله :﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ﴾ أي آمنين لا يعرض لكم أحد بقتال فيها، فالتعريف فيها للعهد، ولولا هذا السياق لوجب تفسير الأشهر الحرم بالأربعة التي كانوا يحرمون فيها القتال من قبل، إذا لم يستحلوا شيئا منها بالنسيء، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب كما سيأتي بيانه في تفسير الآيتين ٣٦ و٣٧، على أن بعض المفسرين قال : إنها هي المرادة هنا أو الثلاثة المتوالية منها، وتقدم أن بعضهم قال : إن الأربعة الأشهر التي ضربت لهم لحرية السياحة في الأرض هي من شوال إلى المحرم. والتحقيق ما قلناه هنا وهناك، وقد رواه ابن جرير عن السدي ومجاهد وعمرو بن شعيب وابن زيد وابن إسحاق ؛ ولكنه اعتمد قبله أن المراد بها ذو القعدة وذو الحجة والمحرم.
قال تعالى :﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ أي فإذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرم عليكم قتال المشركين فيها فاقتلوهم في أي مكان وجدتموهم فيه من حل وحرم ؛ لأن الحالة بينكم وبينهم عادت حالة حرب كما كانت، وإنما كان تأمينهم مدة أربعة أشهر منحة منكم، ومن قال إن الآية مخصوصة بما عدا أرض الحرم فهو غالط.
﴿ وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ﴾ أي وافعلوا بهم كل ما ترونه موافقا للمصلحة من تدابير القتال وشؤون الحرب المعهودة، وأهمها وأشهرها هذه الثلاثة :
وأولها أخذهم أسارى، فكانوا يعبرون عن الأسر بالأخذ، ويسمون الأسير ( أخيذا )، والأخذ أعم من الأسر، فإن معنى الثاني الشد بالأسار كما تقدم في سورة الأنفال، فالأسير في أصل اللغة هو الأخيذ الذي يشد. وقد أبيح هنا الأسر الذي حظر بقوله تعالى في سورة الأنفال ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ﴾ [ الأنفال : ٦٧ ] لحصول شرطه وهو الإثخان الذي هو عبارة عن الغلب والقوة والسيادة، فمن يسمي مثل هذا نسخا فله أن يقول به هنا، والصواب أنه من المقيد بالشرط أو الوقت أو الأذن.
والثاني الحصر، وهو حبس العدو حيث يعتصمون من معقل وحصن بأن يحاط بهم ويمنعوا من الخروج والانقلاب، إذا كان في مهاجمتهم فيه خسارة كبيرة فاحصروهم إلى أن يسلموا وينزلوا على حكمكم بشرط ترضونه، أو بغير شرط.
والثالث قعود المراصد، أي الرصد العام، وهو مراقبة العدو بالقعود لهم في كل مكان يمكن الإشراف عليهم، ورؤية تجوالهم وتقلبهم في البلاد منه. فالمرصد اسم مكان، وخصه بعضهم بطرق مكة والفجاج التي تنتهي إليها لئلا يعودوا إليها لإخراج المسلمين منها، أو للشرك في البيت والطواف فيه عراة. والصواب أنه عام وهذا أهم أفراده. ولعل القائل بهذا التخصيص لم يذكر المدينة- وهي العاصمة- لأنه لا خوف عليها يومئذ من المشركين بعد أن عجزوا عنها في عهد قوتهم وكثرتهم.
وهذه الآية هي التي يسمونها آية السيف، واعتمد بعضهم أن آية السيف هي قوله الآتي ﴿ وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ﴾ [ الأنفال : ٣٨ ]، وقال بعضهم إنها تطلق على كل منهما أو على كلتيهما. ويكثر في كلام الذين كثروا الآيات المنسوخة أن آية كذا وآية كذا من آيات العفو والصفح والإعراض عن المشركين والجاهلين والمسالمة وحسن المعاملة منسوخة بآية السيف. والصواب أن ما ذكروه من هذا القبيل ليس من النسخ الأصولي في شيء، قال السيوطي في أقسام النسخ من الاتقان ما نصه :
الثالث : ما أمر به لسبب ثم يزول السبب، كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والصفح ثم نسخ بإيجاب القتال، وهذا في الحقيقة ليس نسخا ؛ بل هو من قسم المنسأ كما قال تعالى :﴿ أو ننسأها ﴾، فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى، وبهذا يضعف ما لهج به كثيرون من أن الآية في ذلك منسوخة بآية السيف، وليس كذلك ؛ بل هي من المنسأ بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة تقتضي ذلك الحكم ؛ بل ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر، وليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثاله، وقال مكي : ذكر جماعة أن ما ورد من الخطاب مشعرا بالتوقيت والغاية مثل قوله في البقرة ﴿ فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ﴾ [ البقرة : ١٠٩ ] محكم غير منسوخ ؛ لأنه مؤجل بأجل، والمؤجل بأجل لا نسخ فيه اه.
وقال بعضهم وعزاه الألوسي إلى الجمهور : إن الآية تدل بعمومها على جواز قتال الترك والحبشة، كأنه قيل فاقتلوا الكفار مطلقا. يعنون أنها ناسخة أو مخصصة لحديث ( اتركوا الترك ما تركوكم، فإن أول من يسلب أمتي ملكهم وما خولهم الله بنو قنطوراء ) رواه الطبراني من حديث ابن مسعود كما في الجامع الصغير. وفي فتح الباري أنه رواه من حديث معاوية، قال الحافظ وكان هذا الحديث مشهورا بين الصحابة.
وقتال المسلمين للترك ثابت في الصحيحين. وروى أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا ( اتركوا الحبشة ما تركوكم، فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة )٢، وقال العلماء : إن هذا يكون قبيل قيام الساعة إذ يبطل أمن الحرم.
وروى أبو داود والنسائي عن رجل كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم )٣.
قال الخطابي إن الجمع بين قوله تعالى :﴿ وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ﴾ وبين هذا الحديث أن الآية مطلقة والحديث مقيد، فيحمل المطلق على المقيد، ويجعل الحديث مخصصا لعموم الآية كما خص ذلك في حق المجوس فإنهم كفرة، ومع ذلك أخذ منهم الجزية لقوله صلى الله عليه وسلم :( سنوا بهم سنة أهل الكتاب )٤، قال الطيبي : ويحتمل أن تكون الآية ناسخة للحديث لضعف الإسلام.
وأقول : قد غفل هؤلاء الذين حاولوا الجمع بين الحديث والآية عن كون الآية في مشركي العرب الذي لا عهد لهم، والذين نبذت عهودهم، وضرب لهم موعد الأربعة الأشهر، والحبشة نصارى من أهل الكتاب، وفيهم نزل قوله تعالى :﴿ ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ﴾ [ المائدة : ٨٢ ] الآيات، ومن المجمع عليه التفرقة بين المشركين وأهل الكتاب، والترك كانوا وثنيين عند نزول هذه الآيات كمشركي العرب، ولكنهم لا يدخلون في عموم الآية، ثم إن الأمر بترك قتال الترك والحبشة جاء تحذيرا من بدئهم بالقتال لما علم النبي صلى الله عليه وسلم أن خطرا على العرب وبلادهم سيقع منهم، والأمن بقتال مشركي العرب في هذه الآيات مبني على كونهم هم الذين بدؤوا المسلمين ونكثوا عهودهم كما سيأتي قريبا في قوله :﴿ ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة ﴾ [ التوبة : ١٣ ]، وعلى كون قتالهم كافة جزاء بالمثل كما قال :﴿ وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ﴾ [ التوبة : ٣٦ ] فكيف يدخل وثنيو الترك ونصارى الحبشة في عموم هؤلاء المشركين الموصوفين بما ذكر حتى يحتاج إلى الجمع بين الآية والأحاديث المذكورة ؟ ولا تأتي هنا قاعدة كون العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو ظاهر ؛ لأن المراد بها أن اللفظ العام يتناول كل ما وضع له، سواء وجد ما كان سببا لوروده أو لم يوجد، ولفظ المشركين في هذه الآيات لم يوضع لأهل الكتاب المعروفين بالقطع، ولا لأمثالهم كالمجوس مثلا، وقد بينا تحقيق هذه المسألة في مواضع أبسطها تفسير﴿ ولا تنكحوا المشركات ﴾ [ البقرة : ٢٢١ ] الآية ( ج ٢ )، ثم تفسير ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ﴾ [ المائدة : ٥ ] الآية ( ج٦ )، ويليه مباحث في موضوع الآية. ولولا أن هؤلاء المفسرين وشراح الأحاديث ينظرون في كتاب الله وحديث رسوله من وراء حجب المذاهب الفقهية لما وقعوا في أمثال هذه الأغلاط الواضحة، ولكننا في غنى عن الإطالة في التفسير لبيانها.
﴿ فإن تابوا ﴾ أي فإن تابوا عن الشرك وهو الذي يحملهم على عداوتكم وقتالكم، بأن دخلوا في الإسلام وعنوانه العام النطق بالشهادتين، وكان يكتفي منهم بإحداهما ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ المفروضة معكم كما يقيمونها في أوقاتها الخمسة، وهي مظهر الإيمان، وأكبر أركانه المطلوبة في كل يوم من الأيام، ويتساوى في طلبها وجماعتها الغني والفقير، والمأمور والأمير، وهي حق العبودية لله تعالى على عباده، وأفضل مزك لأنفسهم يؤهلهم للقائه، وأفعل مهذب لأخلاقهم يعدها للقيام بحقوق عباده، ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ﴾ [ العنكبوت : ٤٥ ].
﴿ وآتوا الزكاة ﴾ المفروضة في أموال الأغنياء للفقراء وللمصالح العامة، وهي الركن المالي الاجتماعي من أركان الإسلام، التي يقوم بها نظامه العام.
﴿ فخلُّوا سبيلهم ﴾ فاتركوا لهم طريق حريتهم بالكف عن قتالهم إذا كانوا مقاتلين، وعن حصرهم إن كانوا محصورين، وعن رصد مسالكهم إلى البيت الحرام وغيره حيث يكونون مراقبين.
﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ يغفر لهم ما سبق من الشرك وأعماله، ويرحمهم فيمن يرحم من عباده المؤمنين ؛ لأن الإسلام يجب ما قبله.
والآية تفيد دلالة إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على الإسلام، وتوجب لمن يؤديهما حقوق المسلمين من حفظ دمه وماله إلا بما يوجبه عليه شرعه من جناية تقتضي حدا معلوما، أو جريمة توجب تعزيرا أو تغريما.
واستدل بها بعض أئمة الفقه على كفر من يترك الصلاة ويمتنع عن أداء الزكاة، وذلك أنها اشترطت في صحة إسلام المشركين وعصمة دمائهم مجموع الثلاثة الأشياء : ترك الشرك وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فإذا فقد شرط منها لم يتحقق الإسلام الذي يعصم دم المشرك المقاتل، ومفهوم الشرط من ضروريات اللغة، ومراء بعض الجدليين من الأصوليين فيه مردود لا قيمة له، وقال بعضهم : بل يكفر تارك الصلاة دون مانع الزكاة لإمكان أخذها منه بالقهر، ووجوب قتال مانعيها كما فعل أبو بكر.
وقد عززوا هذا الاستدلال بالأحاديث الصحيحة في معناها كحديث عبد الله بن عمر مرفوعا :( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله )٥ رواه الشيخان، وحديث أنس عند البخاري وأصحاب السنن الثلاثة :( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها
هذا شروع في بيان ما يترتب على الأذان بنبذ عهود المشركين على الوجه الذي سبق تفصيله في الموقت منها وغير الموقت، وهو مفصل لكل حال يكونون عليها بعد هذا الأذان العام من إيمان وكفر، ووفاء وغدر، ينتهي بالآية الخامسة عشرة. وانسلاخ الأشهر انقضاؤها والخروج منها، وهو مجاز مستعار من انسلاخ الحية، وهو خروجها من جلدها، ويسمى بعد خروجها منه المسلاخ، يقولون سلخ فلان الشهر وانسلخ منه ﴿ وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ﴾ [ يس : ٣٧ ] وقال الشاعر :
إذا ما سلخت الشهر أهلكت مثله***كفى قاتلاً سلخي الشهور وإهلالي١
والحرم بضمتين جمع الحرام ( كسحاب وسحب ) وهي الأشهر التي حرم الله فيها قتالهم في الأذان والتبليغ الذي بينت الآية ما يترتب عليه من الأحكام بقوله :﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ﴾ أي آمنين لا يعرض لكم أحد بقتال فيها، فالتعريف فيها للعهد، ولولا هذا السياق لوجب تفسير الأشهر الحرم بالأربعة التي كانوا يحرمون فيها القتال من قبل، إذا لم يستحلوا شيئا منها بالنسيء، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب كما سيأتي بيانه في تفسير الآيتين ٣٦ و٣٧، على أن بعض المفسرين قال : إنها هي المرادة هنا أو الثلاثة المتوالية منها، وتقدم أن بعضهم قال : إن الأربعة الأشهر التي ضربت لهم لحرية السياحة في الأرض هي من شوال إلى المحرم. والتحقيق ما قلناه هنا وهناك، وقد رواه ابن جرير عن السدي ومجاهد وعمرو بن شعيب وابن زيد وابن إسحاق ؛ ولكنه اعتمد قبله أن المراد بها ذو القعدة وذو الحجة والمحرم.
قال تعالى :﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ أي فإذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرم عليكم قتال المشركين فيها فاقتلوهم في أي مكان وجدتموهم فيه من حل وحرم ؛ لأن الحالة بينكم وبينهم عادت حالة حرب كما كانت، وإنما كان تأمينهم مدة أربعة أشهر منحة منكم، ومن قال إن الآية مخصوصة بما عدا أرض الحرم فهو غالط.
﴿ وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ﴾ أي وافعلوا بهم كل ما ترونه موافقا للمصلحة من تدابير القتال وشؤون الحرب المعهودة، وأهمها وأشهرها هذه الثلاثة :
وأولها أخذهم أسارى، فكانوا يعبرون عن الأسر بالأخذ، ويسمون الأسير ( أخيذا )، والأخذ أعم من الأسر، فإن معنى الثاني الشد بالأسار كما تقدم في سورة الأنفال، فالأسير في أصل اللغة هو الأخيذ الذي يشد. وقد أبيح هنا الأسر الذي حظر بقوله تعالى في سورة الأنفال ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ﴾ [ الأنفال : ٦٧ ] لحصول شرطه وهو الإثخان الذي هو عبارة عن الغلب والقوة والسيادة، فمن يسمي مثل هذا نسخا فله أن يقول به هنا، والصواب أنه من المقيد بالشرط أو الوقت أو الأذن.
والثاني الحصر، وهو حبس العدو حيث يعتصمون من معقل وحصن بأن يحاط بهم ويمنعوا من الخروج والانقلاب، إذا كان في مهاجمتهم فيه خسارة كبيرة فاحصروهم إلى أن يسلموا وينزلوا على حكمكم بشرط ترضونه، أو بغير شرط.
والثالث قعود المراصد، أي الرصد العام، وهو مراقبة العدو بالقعود لهم في كل مكان يمكن الإشراف عليهم، ورؤية تجوالهم وتقلبهم في البلاد منه. فالمرصد اسم مكان، وخصه بعضهم بطرق مكة والفجاج التي تنتهي إليها لئلا يعودوا إليها لإخراج المسلمين منها، أو للشرك في البيت والطواف فيه عراة. والصواب أنه عام وهذا أهم أفراده. ولعل القائل بهذا التخصيص لم يذكر المدينة- وهي العاصمة- لأنه لا خوف عليها يومئذ من المشركين بعد أن عجزوا عنها في عهد قوتهم وكثرتهم.
وهذه الآية هي التي يسمونها آية السيف، واعتمد بعضهم أن آية السيف هي قوله الآتي ﴿ وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ﴾ [ الأنفال : ٣٨ ]، وقال بعضهم إنها تطلق على كل منهما أو على كلتيهما. ويكثر في كلام الذين كثروا الآيات المنسوخة أن آية كذا وآية كذا من آيات العفو والصفح والإعراض عن المشركين والجاهلين والمسالمة وحسن المعاملة منسوخة بآية السيف. والصواب أن ما ذكروه من هذا القبيل ليس من النسخ الأصولي في شيء، قال السيوطي في أقسام النسخ من الاتقان ما نصه :
الثالث : ما أمر به لسبب ثم يزول السبب، كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والصفح ثم نسخ بإيجاب القتال، وهذا في الحقيقة ليس نسخا ؛ بل هو من قسم المنسأ كما قال تعالى :﴿ أو ننسأها ﴾، فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى، وبهذا يضعف ما لهج به كثيرون من أن الآية في ذلك منسوخة بآية السيف، وليس كذلك ؛ بل هي من المنسأ بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة تقتضي ذلك الحكم ؛ بل ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر، وليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثاله، وقال مكي : ذكر جماعة أن ما ورد من الخطاب مشعرا بالتوقيت والغاية مثل قوله في البقرة ﴿ فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ﴾ [ البقرة : ١٠٩ ] محكم غير منسوخ ؛ لأنه مؤجل بأجل، والمؤجل بأجل لا نسخ فيه اه.
وقال بعضهم وعزاه الألوسي إلى الجمهور : إن الآية تدل بعمومها على جواز قتال الترك والحبشة، كأنه قيل فاقتلوا الكفار مطلقا. يعنون أنها ناسخة أو مخصصة لحديث ( اتركوا الترك ما تركوكم، فإن أول من يسلب أمتي ملكهم وما خولهم الله بنو قنطوراء ) رواه الطبراني من حديث ابن مسعود كما في الجامع الصغير. وفي فتح الباري أنه رواه من حديث معاوية، قال الحافظ وكان هذا الحديث مشهورا بين الصحابة.
وقتال المسلمين للترك ثابت في الصحيحين. وروى أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا ( اتركوا الحبشة ما تركوكم، فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة )٢، وقال العلماء : إن هذا يكون قبيل قيام الساعة إذ يبطل أمن الحرم.
وروى أبو داود والنسائي عن رجل كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم )٣.
قال الخطابي إن الجمع بين قوله تعالى :﴿ وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ﴾ وبين هذا الحديث أن الآية مطلقة والحديث مقيد، فيحمل المطلق على المقيد، ويجعل الحديث مخصصا لعموم الآية كما خص ذلك في حق المجوس فإنهم كفرة، ومع ذلك أخذ منهم الجزية لقوله صلى الله عليه وسلم :( سنوا بهم سنة أهل الكتاب )٤، قال الطيبي : ويحتمل أن تكون الآية ناسخة للحديث لضعف الإسلام.
وأقول : قد غفل هؤلاء الذين حاولوا الجمع بين الحديث والآية عن كون الآية في مشركي العرب الذي لا عهد لهم، والذين نبذت عهودهم، وضرب لهم موعد الأربعة الأشهر، والحبشة نصارى من أهل الكتاب، وفيهم نزل قوله تعالى :﴿ ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ﴾ [ المائدة : ٨٢ ] الآيات، ومن المجمع عليه التفرقة بين المشركين وأهل الكتاب، والترك كانوا وثنيين عند نزول هذه الآيات كمشركي العرب، ولكنهم لا يدخلون في عموم الآية، ثم إن الأمر بترك قتال الترك والحبشة جاء تحذيرا من بدئهم بالقتال لما علم النبي صلى الله عليه وسلم أن خطرا على العرب وبلادهم سيقع منهم، والأمن بقتال مشركي العرب في هذه الآيات مبني على كونهم هم الذين بدؤوا المسلمين ونكثوا عهودهم كما سيأتي قريبا في قوله :﴿ ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة ﴾ [ التوبة : ١٣ ]، وعلى كون قتالهم كافة جزاء بالمثل كما قال :﴿ وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ﴾ [ التوبة : ٣٦ ] فكيف يدخل وثنيو الترك ونصارى الحبشة في عموم هؤلاء المشركين الموصوفين بما ذكر حتى يحتاج إلى الجمع بين الآية والأحاديث المذكورة ؟ ولا تأتي هنا قاعدة كون العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو ظاهر ؛ لأن المراد بها أن اللفظ العام يتناول كل ما وضع له، سواء وجد ما كان سببا لوروده أو لم يوجد، ولفظ المشركين في هذه الآيات لم يوضع لأهل الكتاب المعروفين بالقطع، ولا لأمثالهم كالمجوس مثلا، وقد بينا تحقيق هذه المسألة في مواضع أبسطها تفسير﴿ ولا تنكحوا المشركات ﴾ [ البقرة : ٢٢١ ] الآية ( ج ٢ )، ثم تفسير ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ﴾ [ المائدة : ٥ ] الآية ( ج٦ )، ويليه مباحث في موضوع الآية. ولولا أن هؤلاء المفسرين وشراح الأحاديث ينظرون في كتاب الله وحديث رسوله من وراء حجب المذاهب الفقهية لما وقعوا في أمثال هذه الأغلاط الواضحة، ولكننا في غنى عن الإطالة في التفسير لبيانها.
﴿ فإن تابوا ﴾ أي فإن تابوا عن الشرك وهو الذي يحملهم على عداوتكم وقتالكم، بأن دخلوا في الإسلام وعنوانه العام النطق بالشهادتين، وكان يكتفي منهم بإحداهما ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ المفروضة معكم كما يقيمونها في أوقاتها الخمسة، وهي مظهر الإيمان، وأكبر أركانه المطلوبة في كل يوم من الأيام، ويتساوى في طلبها وجماعتها الغني والفقير، والمأمور والأمير، وهي حق العبودية لله تعالى على عباده، وأفضل مزك لأنفسهم يؤهلهم للقائه، وأفعل مهذب لأخلاقهم يعدها للقيام بحقوق عباده، ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ﴾ [ العنكبوت : ٤٥ ].
﴿ وآتوا الزكاة ﴾ المفروضة في أموال الأغنياء للفقراء وللمصالح العامة، وهي الركن المالي الاجتماعي من أركان الإسلام، التي يقوم بها نظامه العام.
﴿ فخلُّوا سبيلهم ﴾ فاتركوا لهم طريق حريتهم بالكف عن قتالهم إذا كانوا مقاتلين، وعن حصرهم إن كانوا محصورين، وعن رصد مسالكهم إلى البيت الحرام وغيره حيث يكونون مراقبين.
﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ يغفر لهم ما سبق من الشرك وأعماله، ويرحمهم فيمن يرحم من عباده المؤمنين ؛ لأن الإسلام يجب ما قبله.
والآية تفيد دلالة إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على الإسلام، وتوجب لمن يؤديهما حقوق المسلمين من حفظ دمه وماله إلا بما يوجبه عليه شرعه من جناية تقتضي حدا معلوما، أو جريمة توجب تعزيرا أو تغريما.
واستدل بها بعض أئمة الفقه على كفر من يترك الصلاة ويمتنع عن أداء الزكاة، وذلك أنها اشترطت في صحة إسلام المشركين وعصمة دمائهم مجموع الثلاثة الأشياء : ترك الشرك وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فإذا فقد شرط منها لم يتحقق الإسلام الذي يعصم دم المشرك المقاتل، ومفهوم الشرط من ضروريات اللغة، ومراء بعض الجدليين من الأصوليين فيه مردود لا قيمة له، وقال بعضهم : بل يكفر تارك الصلاة دون مانع الزكاة لإمكان أخذها منه بالقهر، ووجوب قتال مانعيها كما فعل أبو بكر.
وقد عززوا هذا الاستدلال بالأحاديث الصحيحة في معناها كحديث عبد الله بن عمر مرفوعا :( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله )٥ رواه الشيخان، وحديث أنس عند البخاري وأصحاب السنن الثلاثة :( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها
١ ـ البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في لسان العرب (سلخ)، وتهذيب اللغة ٧ / ١٧١، وتاج العروس (سلخ)، وأساس البلاغة (سلخ)..
٢ ـ أخرجه أبو داود في الملاحم باب ١١..
٣ ـ أخرجه أبو داود في الملاحم باب ٨..
٤ ـ أخرجه مالك في الزكاة حديث ٤٢..
٥ ـ روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في الإيمان باب ١٧، والاعتصام باب ٢٨، ومسلم في الإيمان حديث ٣٤ ـ ٣٦، والترمذي في الإيمان باب ١، وتفسير سورة ٨٨، والنسائي في الجهاد باب١، والتحريم باب ١، وابن ماجه في الفتن باب ١، وأحمد في المسند ١/ ١١، ١٩، ٣٦، ٤٨، ٢/ ٣١٤، ٣٧٧، ٤٢٣، ٤٣٩، ٤٧٥، ٤٨٢، ٥٠٢، ٥٢٨، ٣/ ٢٩٥، ٣٠٠، ٣٣٢، ٣٩٤، ٥/ ٢٤٦..
٢ ـ أخرجه أبو داود في الملاحم باب ١١..
٣ ـ أخرجه أبو داود في الملاحم باب ٨..
٤ ـ أخرجه مالك في الزكاة حديث ٤٢..
٥ ـ روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في الإيمان باب ١٧، والاعتصام باب ٢٨، ومسلم في الإيمان حديث ٣٤ ـ ٣٦، والترمذي في الإيمان باب ١، وتفسير سورة ٨٨، والنسائي في الجهاد باب١، والتحريم باب ١، وابن ماجه في الفتن باب ١، وأحمد في المسند ١/ ١١، ١٩، ٣٦، ٤٨، ٢/ ٣١٤، ٣٧٧، ٤٢٣، ٤٣٩، ٤٧٥، ٤٨٢، ٥٠٢، ٥٢٨، ٣/ ٢٩٥، ٣٠٠، ٣٣٢، ٣٩٤، ٥/ ٢٤٦..
﴿ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ﴾ الخطاب في هذه الآية للنبي صلى الله عليه وسلم وهي مخصصة لما في قوله تعالى قبلها﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ الخ من معنى العموم، فهي تستثني منهم من طلب منهم الأمان، ليعلم ما أنزله الله وأمر به من دعوة الإسلام، ذلك بأن بعض المشركين لم تبلغهم الدعوة بلاغا تاما مقنعا، ولم يسمعوا شيئا من القرآن وهو الآية المعجزة للبشر، الدالة بذاتها على كونه من عند الله لا من كلام محمد الأمي صلى الله عليه وسلم أو لم يسمعوا منه ما تقوم به الحجة، وإنما أعرضوا وعادوا الداعي وقاتلوه ؛ لأنه جاء بتفنيد ما هم عليه من الشرك وما كان عليه آباؤهم منه، وقد طبعوا على نعرة العصبية لهم والنضال دونهم، حتى إنه لو لم تتضمن الدعوة الحكم بجهلهم وتسفيه أحلامهم، لما احتموا عليها كل ذلك الاحتماء، وقابلوها بكل ذلك العداء، ويليها في ذلك تحقير آلهتهم.
وأما اختلاف العقيدة وحده فلم يكن يقتضي عندهم كل ذلك، وقد قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ [ القلم : ٩ ] وإذا كان تبليغ الدعوة هو الواجب الأول الأهم المقصود من الرسالة وإنما كان وجوب القتال لحمايتها والحرية في تبليغها والعمل بما تتضمنه، ومنع أهلها وصيانهم من الفتنة والاضطهاد لأجلها وجب التبليغ قبله وكف القتال عمن يظهر الرغبة في سماع كلام الله تعالى للعلم بمضمونها، والوقوف على ما نهى وأمر، وبشر وأنذر، وتأمينه في مجيئه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ثم العودة إلى دار قومه حيث يأمن على نفسه ويكون حرا فيما يختار لها، وبهذا يكون المشركون الذين بلغوا نبذ عهودهم أو انتهاء مدتها ثلاثة أقسام : ١ مصر على الشرك وعداوة المسلمين، و٢ مسترشد طالب للعلم وسماع القرآن، و٣ تائب يدخل في الإسلام.
الاستجارة طلب الجوار، وهو الحماية والأمان، فقد كان من أخلاق العرب حماية الجار والدفاع عنه، حتى صاروا يسمون النصير جارا، ومنه ﴿ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ﴾ [ الأنفال : ٤٨ ].
ومعنى الجملة : وإن استأمنك أيها الرسول أحد من المشركين لكي يسمع كلام الله ويعلم منه حقيقة ما تدعو إليه، أو ليلقاك مطلقا وإن لم يذكر سببا، فيجب أن تجيره وتؤمنه لكي يسمع -أو إلى أن يسمع- كلام الله، فإن هذه فرصة للتبليغ والاستماع، فإذا اهتدى به وآمن عن علم واقتناع فذاك، وإلا فالواجب أو تبلغه المكان الذي يأمن به على نفسه، ويكون حرا في عقيدته، حيث لا يكون للمسلمين عليه سلطان قهر، ولا إكراه على أمر ؟ وتعود حالة الحرب إلى ما كانت من غير غدر.
وسماع «كلام الله » يحصل بالقليل والكثير منه، ولكن المراد الذي يقتضيه المقام أن يسمع منه تعالى ما يراه هو ونراه نحن كافيا للعلم بدعوة الإسلام، أو القدر الذي تقوم به الحجة منه وهو ما يتبين به بطلان الشرك وحقيقة التوحيد والبعث وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغه عن الله عزَّ وجلَّ، وكان العربي منهم يفهم القرآن ويشعر من نفسه بأنه معجز للبشر، ويفهم حججه العقلية والعلمية على التوحيد والرسالة، والبعث، فإذا ألقى إليه السمع، وهو شهيد، لا يلبث أن يظهر له الحق في هذه الأصول، فإن لم تصده العصبية والتزام العداوة للداعي لا يلبث أن يؤمن، فإن لم يفعل كان له شأنه وحريته، ولكنه يمنع من مساكنة المسلمين في دار الإسلام والحال والدار ما علمنا. وقيل : إن المراد بالقرآن آيات التوحيد منه، وقيل : سورة التوبة خاصة أو ما بلغوه منها في الموسم ؛ إذ لم يكن كل مشرك سمعه، والظاهر ما قلناه.
وقد قال بعضهم : إن هذا منسوخ بقوله تعالى في الآية الآتية :﴿ وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ﴾ [ التوبة : ٣٦ ]، وقال بعضهم : بل محكم، وهو الحق، قال الحسن : هذه الآية محكمة إلى يوم القيامة، واعتمده ابن جرير وعليه الجمهور، والقول الأول مما لا يصح أن يحكى إلا لرده وإبطاله، لأنه يتضمن عدم وجوب تبليغ الدعوة حتى لطالبها، بل منع طالبها من سماعها والعلم بها.
وقد ذكر الرازي وأبو السعود وغيرهما عن ابن عباس أنه قال : إن رجلا من المشركين قال لعلي : إذا أراد الرجل منا أن يأتي محمدا بعد انقضاء هذا الأجل لسماع كلام الله أو لحاجة قتل ؟ قال : لا، لأن الله تعالى يقول :﴿ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ﴾. فإن صحت هذه الرواية كانت دليلا على أن طلب المشرك للأمان والجوار يقبل وإن لم يكن لأجل سماع كلام الله تعالى، وإن قال بعض المفسرين : إن الحاجة في الرواية لا تعدو غرض الدين ؛ لأن لقاء الرسول صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا لذلك، أي فلا يجاب طلبه إن علم أنه لحاجة دنيوية، وهذا القول غير مسلم، فقد كانوا يطلبون لقاءه صلى الله عليه وسلم لأجل الكلام في الصلح وغيره من مصالح دنياهم، والمتبادر من قوله تعالى :﴿ حتى يسمع كلام الله ﴾ أنه غاية أو تعليل للإجارة لاتصاله بها وحدها، وأن الاستجارة على إطلاقها.
وقول أبي السعود : إن تعلق الإجارة بسماع كلام الله بأحد المعنيين يستلزم تعلق الاستجارة أيضا بذلك أو بما في معناه من أمور الدين غير مسلم، ولكنه محتمل إذا جاز أن تتعلق «حتى » بفعلي الاستجارة والإجارة معا، والذي عليه النحاة في باب تنازع العاملين أن العمل يكون لأحدهما، والمختار عند البصريين الثاني وعند الكوفيين الأول.
ويترتب على جعل «حتى » للتعليل أنه لا يجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤمن مشركا إلا لأجل سماع كلام الله وتبليغه الدعوة به، وغيره من أئمة المسلمين وقواد جيوشهم أولى وأجدر أن لا يجب عليهم ذلك، وحاصل معناها أن المستجير يجار ويؤمن مهما يكن غرضه من الاستجارة، ويمتد جواره إلى أن يسمع كلام الله وتقوم عليه الحجة به فيكون وجوده في دار الإسلام فرصة لتبليغه دعوته على أكمل وجه، ولا يأبى هذا المعنى الأمر بإبلاغه مأمنه بعد ذلك كما ادعى بعضهم، ولا يظهر جعل الأمر بالإجارة والأمان للوجوب إلا بهذا القصد، وفيما عداه يكون جائزا يعمل فيه الإمام بالمصلحة. ويجوز الجمع بين الغاية ومعنى التعليل على القول بجواز الجمع بين معنيي المشترك.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤمن الرسل التي ترد من قبل الأعداء وهذا مجمع عليه. وكان يجير من أجاره أي مسلم أو مسلمة، وذكر من مزايا المؤمنين أنهم «تتكافأ دماؤهم ويجير عليهم أدناهم »١ كما ثبت في الصحيح، ولا يبعد أن يقال : إن حكم المشركين في تقييد إجارة مستجيرهم في ذلك العهد خاص بهم، والأمر في معاملة غيرهم من الكفار بعد ذلك أوسع، وهو كما يذكر في كتاب الأمان من الفقه.
قال العماد ابن كثير في تفسير الآية : والغرض أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة أو تجارة أو طلب صلح أو مهادنة أو حمل جزية أو نحو ذلك من الأسباب وطلب من الإمام أو نائبه أمانا، أعطي أمانا، ما دام مترددا في دار الإسلام وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه. لكن قال العلماء : لا يجوز أن يمكن من الإقامة في دار الإسلام سنة، ويجوز أن يمكن من الإقامة أربعة أشهر، وفيما بين ذلك فيما زاد على أربعة أشهر ونقص عن سنة قولان عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء رحمهم الله تعالى اه.
وأقول : إن ما ذكره هو المعروف عن أصحابه الشافعية. وفي الترغيب من كتب الحنابلة : ويشترط لصحة الأمان عدم الضرر علينا، وأن لا تزيد مدته على عشر سنين، وفي جواز إقامتهم بدارنا هذه المدة بلا جزية وجهان اه من كتاب الفروع. والتحقيق أن مثل هذه الأحكام التي لا نص فيها من الشارع تناط بالمصلحة وتفوض إلى أولي الأمر من الأئمة والسلاطين وقواد الجيوش.
قال تعالى :﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ﴾ أي ذلك الأمر بإجارة المستجير من المشركين ليسمع كلام الله أو إلى أن يسمع كلام الله بسبب أنهم قوم جاهلون لا يدرون ما الكتاب وما الإيمان، فأعرضوا عن دعوة الإسلام بجهل وعصبية وكانوا مغترين بقوتهم، مصرين على جفوتهم، فإذا كان شعورهم بضعفهم لصدق وعد الله بنصر المؤمنين عليهم قد أعدهم للعلم بما كانوا يجهلون وطلبوا الأمان لأجل ذلك، أو لغرض آخر يترتب عليه إمكان تبليغهم الدعوة وإسماعهم كلامه عزَّ وجلَّ وهو الحجة البالغة والشفاء لما في الصدور لمن سمعه باستقلال فكر أجيبوا إليه ؛ لأنه هو الطريقة المثلى لتعليمهم وهدايتهم، وإنما بعثت أيها الرسول مبشرا ونذيرا، ورؤوفا رحيما.
وتدل الآية على أن الاعتقاد بأصل الدين يجب أن يكون علما يقينيا لا شك فيه ولا احتمال وإن لم يكن منطقيا. ولا يكتفى فيه بالظن الراجح كالفروع العلمية ولا بالتقليد لأنه ليس بعلم، والآيات المفرقة بين العلم والظن متعددة كقوله تعالى :﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ﴾ [ النجم : ٢٨ ] ﴿ وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا ﴾ [ يونس : ٣٦ ] ﴿ وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ﴾ [ الجاثية : ٢٤ ].
وقال الفخر الرازي في تفسير الآية : اعلم أن هذه الآية تدل على أن التقليد غير كاف في الدين، وأنه لا بد من النظر والاستدلال، وذلك لأنه لو كان التقليد كافيا لوجب أن لا يمهل هذا الكافر بل يقال له : إما أن تؤمن وإما أن نقتلك، فلما لم يقل له ذلك، بل أمهلناه وأزلنا الخوف عنه ووجب علينا أن نبلغه مأمنه، علمنا أن ذلك إنما كان لأجل أن التقليد في الدين غير كاف ؛ بل لا بد من الحجة والدليل، فأمهلناه وأخرناه ليحصل له مهلة النظر والاستدلال، إذا ثبت هذا فنقول ليس في الآية ما يدل على مقدار هذه المهلة كم يكون، ولعله لا يعرف مقداره إلا بالعرف، فمتى ظهر على المشرك علامات كونه طالبا للحق باحثا عن وجه الاستدلال أمهل وترك، ومتى ظهر عليه كونه معرضا عن الحق دافعا للزمان بالأكاذيب لم يلتفت إليه والله أعلم اه.
وأما اختلاف العقيدة وحده فلم يكن يقتضي عندهم كل ذلك، وقد قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ [ القلم : ٩ ] وإذا كان تبليغ الدعوة هو الواجب الأول الأهم المقصود من الرسالة وإنما كان وجوب القتال لحمايتها والحرية في تبليغها والعمل بما تتضمنه، ومنع أهلها وصيانهم من الفتنة والاضطهاد لأجلها وجب التبليغ قبله وكف القتال عمن يظهر الرغبة في سماع كلام الله تعالى للعلم بمضمونها، والوقوف على ما نهى وأمر، وبشر وأنذر، وتأمينه في مجيئه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ثم العودة إلى دار قومه حيث يأمن على نفسه ويكون حرا فيما يختار لها، وبهذا يكون المشركون الذين بلغوا نبذ عهودهم أو انتهاء مدتها ثلاثة أقسام : ١ مصر على الشرك وعداوة المسلمين، و٢ مسترشد طالب للعلم وسماع القرآن، و٣ تائب يدخل في الإسلام.
الاستجارة طلب الجوار، وهو الحماية والأمان، فقد كان من أخلاق العرب حماية الجار والدفاع عنه، حتى صاروا يسمون النصير جارا، ومنه ﴿ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ﴾ [ الأنفال : ٤٨ ].
ومعنى الجملة : وإن استأمنك أيها الرسول أحد من المشركين لكي يسمع كلام الله ويعلم منه حقيقة ما تدعو إليه، أو ليلقاك مطلقا وإن لم يذكر سببا، فيجب أن تجيره وتؤمنه لكي يسمع -أو إلى أن يسمع- كلام الله، فإن هذه فرصة للتبليغ والاستماع، فإذا اهتدى به وآمن عن علم واقتناع فذاك، وإلا فالواجب أو تبلغه المكان الذي يأمن به على نفسه، ويكون حرا في عقيدته، حيث لا يكون للمسلمين عليه سلطان قهر، ولا إكراه على أمر ؟ وتعود حالة الحرب إلى ما كانت من غير غدر.
وسماع «كلام الله » يحصل بالقليل والكثير منه، ولكن المراد الذي يقتضيه المقام أن يسمع منه تعالى ما يراه هو ونراه نحن كافيا للعلم بدعوة الإسلام، أو القدر الذي تقوم به الحجة منه وهو ما يتبين به بطلان الشرك وحقيقة التوحيد والبعث وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغه عن الله عزَّ وجلَّ، وكان العربي منهم يفهم القرآن ويشعر من نفسه بأنه معجز للبشر، ويفهم حججه العقلية والعلمية على التوحيد والرسالة، والبعث، فإذا ألقى إليه السمع، وهو شهيد، لا يلبث أن يظهر له الحق في هذه الأصول، فإن لم تصده العصبية والتزام العداوة للداعي لا يلبث أن يؤمن، فإن لم يفعل كان له شأنه وحريته، ولكنه يمنع من مساكنة المسلمين في دار الإسلام والحال والدار ما علمنا. وقيل : إن المراد بالقرآن آيات التوحيد منه، وقيل : سورة التوبة خاصة أو ما بلغوه منها في الموسم ؛ إذ لم يكن كل مشرك سمعه، والظاهر ما قلناه.
وقد قال بعضهم : إن هذا منسوخ بقوله تعالى في الآية الآتية :﴿ وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ﴾ [ التوبة : ٣٦ ]، وقال بعضهم : بل محكم، وهو الحق، قال الحسن : هذه الآية محكمة إلى يوم القيامة، واعتمده ابن جرير وعليه الجمهور، والقول الأول مما لا يصح أن يحكى إلا لرده وإبطاله، لأنه يتضمن عدم وجوب تبليغ الدعوة حتى لطالبها، بل منع طالبها من سماعها والعلم بها.
وقد ذكر الرازي وأبو السعود وغيرهما عن ابن عباس أنه قال : إن رجلا من المشركين قال لعلي : إذا أراد الرجل منا أن يأتي محمدا بعد انقضاء هذا الأجل لسماع كلام الله أو لحاجة قتل ؟ قال : لا، لأن الله تعالى يقول :﴿ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ﴾. فإن صحت هذه الرواية كانت دليلا على أن طلب المشرك للأمان والجوار يقبل وإن لم يكن لأجل سماع كلام الله تعالى، وإن قال بعض المفسرين : إن الحاجة في الرواية لا تعدو غرض الدين ؛ لأن لقاء الرسول صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا لذلك، أي فلا يجاب طلبه إن علم أنه لحاجة دنيوية، وهذا القول غير مسلم، فقد كانوا يطلبون لقاءه صلى الله عليه وسلم لأجل الكلام في الصلح وغيره من مصالح دنياهم، والمتبادر من قوله تعالى :﴿ حتى يسمع كلام الله ﴾ أنه غاية أو تعليل للإجارة لاتصاله بها وحدها، وأن الاستجارة على إطلاقها.
وقول أبي السعود : إن تعلق الإجارة بسماع كلام الله بأحد المعنيين يستلزم تعلق الاستجارة أيضا بذلك أو بما في معناه من أمور الدين غير مسلم، ولكنه محتمل إذا جاز أن تتعلق «حتى » بفعلي الاستجارة والإجارة معا، والذي عليه النحاة في باب تنازع العاملين أن العمل يكون لأحدهما، والمختار عند البصريين الثاني وعند الكوفيين الأول.
ويترتب على جعل «حتى » للتعليل أنه لا يجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤمن مشركا إلا لأجل سماع كلام الله وتبليغه الدعوة به، وغيره من أئمة المسلمين وقواد جيوشهم أولى وأجدر أن لا يجب عليهم ذلك، وحاصل معناها أن المستجير يجار ويؤمن مهما يكن غرضه من الاستجارة، ويمتد جواره إلى أن يسمع كلام الله وتقوم عليه الحجة به فيكون وجوده في دار الإسلام فرصة لتبليغه دعوته على أكمل وجه، ولا يأبى هذا المعنى الأمر بإبلاغه مأمنه بعد ذلك كما ادعى بعضهم، ولا يظهر جعل الأمر بالإجارة والأمان للوجوب إلا بهذا القصد، وفيما عداه يكون جائزا يعمل فيه الإمام بالمصلحة. ويجوز الجمع بين الغاية ومعنى التعليل على القول بجواز الجمع بين معنيي المشترك.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤمن الرسل التي ترد من قبل الأعداء وهذا مجمع عليه. وكان يجير من أجاره أي مسلم أو مسلمة، وذكر من مزايا المؤمنين أنهم «تتكافأ دماؤهم ويجير عليهم أدناهم »١ كما ثبت في الصحيح، ولا يبعد أن يقال : إن حكم المشركين في تقييد إجارة مستجيرهم في ذلك العهد خاص بهم، والأمر في معاملة غيرهم من الكفار بعد ذلك أوسع، وهو كما يذكر في كتاب الأمان من الفقه.
قال العماد ابن كثير في تفسير الآية : والغرض أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة أو تجارة أو طلب صلح أو مهادنة أو حمل جزية أو نحو ذلك من الأسباب وطلب من الإمام أو نائبه أمانا، أعطي أمانا، ما دام مترددا في دار الإسلام وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه. لكن قال العلماء : لا يجوز أن يمكن من الإقامة في دار الإسلام سنة، ويجوز أن يمكن من الإقامة أربعة أشهر، وفيما بين ذلك فيما زاد على أربعة أشهر ونقص عن سنة قولان عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء رحمهم الله تعالى اه.
وأقول : إن ما ذكره هو المعروف عن أصحابه الشافعية. وفي الترغيب من كتب الحنابلة : ويشترط لصحة الأمان عدم الضرر علينا، وأن لا تزيد مدته على عشر سنين، وفي جواز إقامتهم بدارنا هذه المدة بلا جزية وجهان اه من كتاب الفروع. والتحقيق أن مثل هذه الأحكام التي لا نص فيها من الشارع تناط بالمصلحة وتفوض إلى أولي الأمر من الأئمة والسلاطين وقواد الجيوش.
قال تعالى :﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ﴾ أي ذلك الأمر بإجارة المستجير من المشركين ليسمع كلام الله أو إلى أن يسمع كلام الله بسبب أنهم قوم جاهلون لا يدرون ما الكتاب وما الإيمان، فأعرضوا عن دعوة الإسلام بجهل وعصبية وكانوا مغترين بقوتهم، مصرين على جفوتهم، فإذا كان شعورهم بضعفهم لصدق وعد الله بنصر المؤمنين عليهم قد أعدهم للعلم بما كانوا يجهلون وطلبوا الأمان لأجل ذلك، أو لغرض آخر يترتب عليه إمكان تبليغهم الدعوة وإسماعهم كلامه عزَّ وجلَّ وهو الحجة البالغة والشفاء لما في الصدور لمن سمعه باستقلال فكر أجيبوا إليه ؛ لأنه هو الطريقة المثلى لتعليمهم وهدايتهم، وإنما بعثت أيها الرسول مبشرا ونذيرا، ورؤوفا رحيما.
وتدل الآية على أن الاعتقاد بأصل الدين يجب أن يكون علما يقينيا لا شك فيه ولا احتمال وإن لم يكن منطقيا. ولا يكتفى فيه بالظن الراجح كالفروع العلمية ولا بالتقليد لأنه ليس بعلم، والآيات المفرقة بين العلم والظن متعددة كقوله تعالى :﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ﴾ [ النجم : ٢٨ ] ﴿ وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا ﴾ [ يونس : ٣٦ ] ﴿ وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ﴾ [ الجاثية : ٢٤ ].
وقال الفخر الرازي في تفسير الآية : اعلم أن هذه الآية تدل على أن التقليد غير كاف في الدين، وأنه لا بد من النظر والاستدلال، وذلك لأنه لو كان التقليد كافيا لوجب أن لا يمهل هذا الكافر بل يقال له : إما أن تؤمن وإما أن نقتلك، فلما لم يقل له ذلك، بل أمهلناه وأزلنا الخوف عنه ووجب علينا أن نبلغه مأمنه، علمنا أن ذلك إنما كان لأجل أن التقليد في الدين غير كاف ؛ بل لا بد من الحجة والدليل، فأمهلناه وأخرناه ليحصل له مهلة النظر والاستدلال، إذا ثبت هذا فنقول ليس في الآية ما يدل على مقدار هذه المهلة كم يكون، ولعله لا يعرف مقداره إلا بالعرف، فمتى ظهر على المشرك علامات كونه طالبا للحق باحثا عن وجه الاستدلال أمهل وترك، ومتى ظهر عليه كونه معرضا عن الحق دافعا للزمان بالأكاذيب لم يلتفت إليه والله أعلم اه.
١ ـ أخرجه أبو داود في الديات باب ١١، وابن ماجه في الديات باب ٣١..
﴿ كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين( ٧ ) كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون( ٨ ) ﴾
برىء الله ورسوله من المشركين الذين عاهدهم المسلمون على ترك القتال وأمهلهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض أحرارا آمنين، وأمر تعالى بالأذان العام إلى الناس في يوم عيد النحر من الموسم العام ببراءة الله ورسوله من المشركين، ودعوتهم إلى التوبة من الشرك وعداوة الإسلام، وإنذارهم سوء عاقبة الإعراض، واستثنى من المعاهدين الذين نبذت إليهم عهودهم من وفوا بعهدهم ولم ينقصوا منه شيئا ولم يظاهروا على المؤمنين أحدا من أعدائهم، فأمر بإتمام عهدهم إلى مدتهم، ثم أمر بما يترتب على النبذ والتوقيت فيه وعود حالة الحرب معهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم التي وقتت بها العهود وهو مناجزة المشركين بكل نوع من أنواع القتال المعروفة في ذلك العصر من قتل وأسر وحصر وقطع طرق المواصلات، واستثنى منهم من يستجير الرسول صلى الله عليه وسلم وأمره بإجارته حتى يسمع كلام الله.
ومن المعلوم من قواعد الإسلام العملية تعظيم شأن العهود على اختلاف أنواعها، وعد الوفاء بها من أصول البر ومقتضى الإيمان، كما قال تعالى في آية البر وأهله من سورة البقرة بعد ذكر الإيمان والصلاة والزكاة ﴿ والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ﴾[ البقرة : ١٧٧ ]، وكما قال في الوصايا الأساسية لهذا الدين من سورة الإسراء﴿ وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا ﴾ [ الإسراء : ٣٤ ] إلى آيات أخرى ذكرنا قارئ تفسيرنا بها في مواضع منه بمناسبة ذكر العهد، والمناسب منها لما هنا ما ورد في سورة الأنفال من وجوب الوفاء بالعهد وتحريم الخيانة كالآية ٥٦ و٥٨، وفي معناها أحاديث كثيرة حسبك منها حديث ( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر )١ متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا.
ولما كان للوفاء بالعهد كل هذا الشأن في الإسلام كان نبذ عهود المشركين مما قد يظن بادي الرأي أنه مخل به، أو مما قد يظن قليل العلم بالقرآن والجمع بين نصوصه بالفهم الصحيح أن هذا النبذ ناسخ لوجوبه كما زعم بعضهم، أو أن ذلك التعظيم للوفاء بالعهد وتأكيده كان مقيدا بحال ضعف المسلمين كما قال آخرون مثل هذا في آيات العفو والصفح عن المشركين ؛ بل لما كان هذا النبذ مما يفتح باب الدس أو الطعن للمنافقين والتأويل للمرجفين في عصر التنزيل -وقد يعظم على بعض المسلمين ويخفى عليهم الجمع بينه وبين تلك الآيات الكثيرة التي هي نصوص في أن الوفاء بالعهد من فضائل الدين الأساسية ـ لما كان كل ما ذكر كما ذكر، بين الله تعالى لنا في هاتين الآيتين وما بعدهما كون هذا النبذ وما يترتب عليه لا ينافي ولا يجافي شيئا من تلك النصوص المحكمة، وإنما هو معاملة للأعداء بمثل ما عاملوا به المؤمنين أو بدونه.
فقال :
﴿ كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ﴾ هذا الاستفهام للإنكار المشرب لمعنى التعجب، والخطاب للمؤمنين الذين رسخ خلق الوفاء في قلوبهم، وكان بعضهم عرضة لقبول كلام المنافقين في إنكار النبذ، والمعنى : بأية صفة وأية كيفية يثبت للمشركين عهد من العهود عند الله يقره لهم في كتابه وعند رسوله صلى الله عليه وسلم يفي لهم له وتفون به اتباعا له وحالهم الذي بينته الآية التالية تأبى ثبوت ذلك لهم ؟
﴿ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ﴾ استثنى تعالى هؤلاء قبل أن يبين وجه انتفاء ثبوت العهد لغيرهم بأية صفة تثبت بها العهود بين الناس، وهم الذين استثناهم في الآية الرابعة، وقد تقدم ذكر الخلاف فيهم في تفسيرها، وزاد هنا﴿ عند المسجد الحرام ﴾ أي بجواره في الحديبية، وهو مما يقتضي تأكيد الوفاء بذلك بشروطه المبينة هناك وهنا.
وقد ذكر أبو جعفر بن جرير الروايات المختلفة في تفسير هذه الآية، ومنها قول ابن إسحاق ﴿ كيف يكون للمشركين ﴾ الذين كانوا وأنتم على العهد العام، بأن لا تمنعوهم ولا يمنعوكم من الحرم ولا في الشهر الحرام.
﴿ عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ﴾ وهي قبائل بني بكر الذين كانوا في عهد قريش وعقدهم يوم الحديبية إلى المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، فلم يكن نقضها إلا هذا الحي من قريش وبنو الديل من بكر، فأمر بإتمام العهد لمن لم يكن نقض عهده من بني بكر إلى مدته.
ثم قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي قول من قال : هم بعض بني بكر من كنانة ممن كان أقام على عهده، ولم يكن دخل في نقض ما كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش يوم الحديبية من العهد مع قريش. وإنما قلت : إن هذا القول أولى الأقوال بالصواب ؛ لأن الله أمر نبيه والمؤمنين بإتمام العهد لمن كانوا عاهدوه عند المسجد الحرام ما استقاموا على عهدهم. وقد بينا أن هذه الآيات إنما نادى بها علي في سنة تسع من الهجرة وذلك بعد فتح مكة بسنة، فلم يكن بمكة من قريش ولا من خزاعة كافر يومئذ بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فيؤمر بالوفاء له بعهده ما استقام على عهده ؛ لأن من كان منهم من ساكني مكة كان قد نقض العهد وحورب قبل نزول هذه الآيات اه وهو رد للرواية التي تقدمت عن ابن عباس.
﴿ فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ﴾ أي فمهما يستقم لكم هؤلاء فاستقيموا لهم، أو فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم، إذ لا يجوز أن يكون الغدر ونقض العهد من قبلكم.
﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ الذين يجتنبون قطع ما أمر الله به أن يوصل وغير ذلك من محارمه ومن أعظمها الغدر ونقض العهود كما تقدم في تفسير الآية الرابعة، فالظاهر الذي جرى عليه المفسرون أن هؤلاء المعاهدين المذكورين هم المذكورون هنالك، وإنما أعيد ذكر استثنائهم لتأكيده بشرطه المتضمن لبيان السبب الموجب للوفاء بالعهد وهو أن تكون الاستقامة عليه مرعية من كل واحد من الطرفين المتعاقدين إلى نهاية مدته، وهذا زائد على ما هنالك من وصفهم بأنهم لم ينقصوا من شروط العهد شيئا، ولم يظاهروا على المسلمين أحدا، وتمهيد لبيان استباحة نبذ عهود الذين لا يستقيمون للمعاهد لهم إلا عند العجز عن الغدر، حتى إذا ما قدروا عليه نقضوا عهدهم أو نقصوا منه كما فعلت قريش في نقض عهد الحديبية بمظاهرتهم لحلفائهم من بني بكر على خزاعة أحلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقوله تعالى :﴿ إلا الذين عاهدتم ﴾ إلى آخر الآية اعتراض بين قوله تعالى :﴿ كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ﴾ وقوله المفسر له :﴿ كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون ( ٨ ) ﴾
برىء الله ورسوله من المشركين الذين عاهدهم المسلمون على ترك القتال وأمهلهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض أحرارا آمنين، وأمر تعالى بالأذان العام إلى الناس في يوم عيد النحر من الموسم العام ببراءة الله ورسوله من المشركين، ودعوتهم إلى التوبة من الشرك وعداوة الإسلام، وإنذارهم سوء عاقبة الإعراض، واستثنى من المعاهدين الذين نبذت إليهم عهودهم من وفوا بعهدهم ولم ينقصوا منه شيئا ولم يظاهروا على المؤمنين أحدا من أعدائهم، فأمر بإتمام عهدهم إلى مدتهم، ثم أمر بما يترتب على النبذ والتوقيت فيه وعود حالة الحرب معهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم التي وقتت بها العهود وهو مناجزة المشركين بكل نوع من أنواع القتال المعروفة في ذلك العصر من قتل وأسر وحصر وقطع طرق المواصلات، واستثنى منهم من يستجير الرسول صلى الله عليه وسلم وأمره بإجارته حتى يسمع كلام الله.
ومن المعلوم من قواعد الإسلام العملية تعظيم شأن العهود على اختلاف أنواعها، وعد الوفاء بها من أصول البر ومقتضى الإيمان، كما قال تعالى في آية البر وأهله من سورة البقرة بعد ذكر الإيمان والصلاة والزكاة ﴿ والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ﴾[ البقرة : ١٧٧ ]، وكما قال في الوصايا الأساسية لهذا الدين من سورة الإسراء﴿ وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا ﴾ [ الإسراء : ٣٤ ] إلى آيات أخرى ذكرنا قارئ تفسيرنا بها في مواضع منه بمناسبة ذكر العهد، والمناسب منها لما هنا ما ورد في سورة الأنفال من وجوب الوفاء بالعهد وتحريم الخيانة كالآية ٥٦ و٥٨، وفي معناها أحاديث كثيرة حسبك منها حديث ( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر )١ متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا.
ولما كان للوفاء بالعهد كل هذا الشأن في الإسلام كان نبذ عهود المشركين مما قد يظن بادي الرأي أنه مخل به، أو مما قد يظن قليل العلم بالقرآن والجمع بين نصوصه بالفهم الصحيح أن هذا النبذ ناسخ لوجوبه كما زعم بعضهم، أو أن ذلك التعظيم للوفاء بالعهد وتأكيده كان مقيدا بحال ضعف المسلمين كما قال آخرون مثل هذا في آيات العفو والصفح عن المشركين ؛ بل لما كان هذا النبذ مما يفتح باب الدس أو الطعن للمنافقين والتأويل للمرجفين في عصر التنزيل -وقد يعظم على بعض المسلمين ويخفى عليهم الجمع بينه وبين تلك الآيات الكثيرة التي هي نصوص في أن الوفاء بالعهد من فضائل الدين الأساسية ـ لما كان كل ما ذكر كما ذكر، بين الله تعالى لنا في هاتين الآيتين وما بعدهما كون هذا النبذ وما يترتب عليه لا ينافي ولا يجافي شيئا من تلك النصوص المحكمة، وإنما هو معاملة للأعداء بمثل ما عاملوا به المؤمنين أو بدونه.
فقال :
﴿ كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ﴾ هذا الاستفهام للإنكار المشرب لمعنى التعجب، والخطاب للمؤمنين الذين رسخ خلق الوفاء في قلوبهم، وكان بعضهم عرضة لقبول كلام المنافقين في إنكار النبذ، والمعنى : بأية صفة وأية كيفية يثبت للمشركين عهد من العهود عند الله يقره لهم في كتابه وعند رسوله صلى الله عليه وسلم يفي لهم له وتفون به اتباعا له وحالهم الذي بينته الآية التالية تأبى ثبوت ذلك لهم ؟
﴿ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ﴾ استثنى تعالى هؤلاء قبل أن يبين وجه انتفاء ثبوت العهد لغيرهم بأية صفة تثبت بها العهود بين الناس، وهم الذين استثناهم في الآية الرابعة، وقد تقدم ذكر الخلاف فيهم في تفسيرها، وزاد هنا﴿ عند المسجد الحرام ﴾ أي بجواره في الحديبية، وهو مما يقتضي تأكيد الوفاء بذلك بشروطه المبينة هناك وهنا.
وقد ذكر أبو جعفر بن جرير الروايات المختلفة في تفسير هذه الآية، ومنها قول ابن إسحاق ﴿ كيف يكون للمشركين ﴾ الذين كانوا وأنتم على العهد العام، بأن لا تمنعوهم ولا يمنعوكم من الحرم ولا في الشهر الحرام.
﴿ عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ﴾ وهي قبائل بني بكر الذين كانوا في عهد قريش وعقدهم يوم الحديبية إلى المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، فلم يكن نقضها إلا هذا الحي من قريش وبنو الديل من بكر، فأمر بإتمام العهد لمن لم يكن نقض عهده من بني بكر إلى مدته.
ثم قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي قول من قال : هم بعض بني بكر من كنانة ممن كان أقام على عهده، ولم يكن دخل في نقض ما كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش يوم الحديبية من العهد مع قريش. وإنما قلت : إن هذا القول أولى الأقوال بالصواب ؛ لأن الله أمر نبيه والمؤمنين بإتمام العهد لمن كانوا عاهدوه عند المسجد الحرام ما استقاموا على عهدهم. وقد بينا أن هذه الآيات إنما نادى بها علي في سنة تسع من الهجرة وذلك بعد فتح مكة بسنة، فلم يكن بمكة من قريش ولا من خزاعة كافر يومئذ بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فيؤمر بالوفاء له بعهده ما استقام على عهده ؛ لأن من كان منهم من ساكني مكة كان قد نقض العهد وحورب قبل نزول هذه الآيات اه وهو رد للرواية التي تقدمت عن ابن عباس.
﴿ فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ﴾ أي فمهما يستقم لكم هؤلاء فاستقيموا لهم، أو فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم، إذ لا يجوز أن يكون الغدر ونقض العهد من قبلكم.
﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ الذين يجتنبون قطع ما أمر الله به أن يوصل وغير ذلك من محارمه ومن أعظمها الغدر ونقض العهود كما تقدم في تفسير الآية الرابعة، فالظاهر الذي جرى عليه المفسرون أن هؤلاء المعاهدين المذكورين هم المذكورون هنالك، وإنما أعيد ذكر استثنائهم لتأكيده بشرطه المتضمن لبيان السبب الموجب للوفاء بالعهد وهو أن تكون الاستقامة عليه مرعية من كل واحد من الطرفين المتعاقدين إلى نهاية مدته، وهذا زائد على ما هنالك من وصفهم بأنهم لم ينقصوا من شروط العهد شيئا، ولم يظاهروا على المسلمين أحدا، وتمهيد لبيان استباحة نبذ عهود الذين لا يستقيمون للمعاهد لهم إلا عند العجز عن الغدر، حتى إذا ما قدروا عليه نقضوا عهدهم أو نقصوا منه كما فعلت قريش في نقض عهد الحديبية بمظاهرتهم لحلفائهم من بني بكر على خزاعة أحلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقوله تعالى :﴿ إلا الذين عاهدتم ﴾ إلى آخر الآية اعتراض بين قوله تعالى :﴿ كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ﴾ وقوله المفسر له :﴿ كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون ( ٨ ) ﴾
﴿ كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين( ٧ ) كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون( ٨ ) ﴾
برىء الله ورسوله من المشركين الذين عاهدهم المسلمون على ترك القتال وأمهلهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض أحرارا آمنين، وأمر تعالى بالأذان العام إلى الناس في يوم عيد النحر من الموسم العام ببراءة الله ورسوله من المشركين، ودعوتهم إلى التوبة من الشرك وعداوة الإسلام، وإنذارهم سوء عاقبة الإعراض، واستثنى من المعاهدين الذين نبذت إليهم عهودهم من وفوا بعهدهم ولم ينقصوا منه شيئا ولم يظاهروا على المؤمنين أحدا من أعدائهم، فأمر بإتمام عهدهم إلى مدتهم، ثم أمر بما يترتب على النبذ والتوقيت فيه وعود حالة الحرب معهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم التي وقتت بها العهود وهو مناجزة المشركين بكل نوع من أنواع القتال المعروفة في ذلك العصر من قتل وأسر وحصر وقطع طرق المواصلات، واستثنى منهم من يستجير الرسول صلى الله عليه وسلم وأمره بإجارته حتى يسمع كلام الله.
ومن المعلوم من قواعد الإسلام العملية تعظيم شأن العهود على اختلاف أنواعها، وعد الوفاء بها من أصول البر ومقتضى الإيمان، كما قال تعالى في آية البر وأهله من سورة البقرة بعد ذكر الإيمان والصلاة والزكاة ﴿ والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ﴾[ البقرة : ١٧٧ ]، وكما قال في الوصايا الأساسية لهذا الدين من سورة الإسراء﴿ وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا ﴾ [ الإسراء : ٣٤ ] إلى آيات أخرى ذكرنا قارئ تفسيرنا بها في مواضع منه بمناسبة ذكر العهد، والمناسب منها لما هنا ما ورد في سورة الأنفال من وجوب الوفاء بالعهد وتحريم الخيانة كالآية ٥٦ و٥٨، وفي معناها أحاديث كثيرة حسبك منها حديث ( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر )١ متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا.
ولما كان للوفاء بالعهد كل هذا الشأن في الإسلام كان نبذ عهود المشركين مما قد يظن بادي الرأي أنه مخل به، أو مما قد يظن قليل العلم بالقرآن والجمع بين نصوصه بالفهم الصحيح أن هذا النبذ ناسخ لوجوبه كما زعم بعضهم، أو أن ذلك التعظيم للوفاء بالعهد وتأكيده كان مقيدا بحال ضعف المسلمين كما قال آخرون مثل هذا في آيات العفو والصفح عن المشركين ؛ بل لما كان هذا النبذ مما يفتح باب الدس أو الطعن للمنافقين والتأويل للمرجفين في عصر التنزيل -وقد يعظم على بعض المسلمين ويخفى عليهم الجمع بينه وبين تلك الآيات الكثيرة التي هي نصوص في أن الوفاء بالعهد من فضائل الدين الأساسية ـ لما كان كل ما ذكر كما ذكر، بين الله تعالى لنا في هاتين الآيتين وما بعدهما كون هذا النبذ وما يترتب عليه لا ينافي ولا يجافي شيئا من تلك النصوص المحكمة، وإنما هو معاملة للأعداء بمثل ما عاملوا به المؤمنين أو بدونه.
﴿ كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ﴾ والمعنى كيف يكون للمشركين غير هؤلاء الذين جربتم وفاءهم عهد مشروع عند الله مرعي بالوفاء عند رسوله والحال المعهود منهم المعروف من أخلاقهم وأعمالهم أنهم إن يظهروا عليكم في القوة والغلب لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ؟ فالاستفهام واحد ووجه إنكار العهد ونفيه فيه مقيد بهذه الحال، وإنما أعيدت أداة الاستفهام للفصل المذكور.
يقال : ظهر عليه غلبه وظفر به، وأصله علاه، وأظهره عليه أعلاه عليه وجعله فوقه، ومنه ﴿ ليظهره على الدين كله ﴾ [ التوبة : ٣٣ ] وكذا أعلمه به. ورقب الشيء رعاه وحاذره وانتظره، قال في الأساس : ورقبه وراقبه حاذره ؛ لأن الخائف يرقب العقاب ويتوقعه، ومنه : فلان لا يراقب الله في أموره لا ينظر إلى عقابه فيركب رأسه في المعصية. وبات يرقب النجوم ويراقبها كقولك يرعاها ويراعيها اه. والإل القرابة. والذمة والذمام العهد الذي يلزم من ضيعه الذم كما في الأساس، وكان خفر الذمام ونقض العهد عندهم من العار، هذا أشهر الأقوال المأثورة في تفسيرهما هنا، وهو مروي عن ابن عباس من عدة طرق عند ابن جرير وغيره. وروي عن مجاهد أن الإل اسم الله عز وجل، والمعنى أنهم لا يرقبون الله في نقض عهدهم، وقد ورد لفظ إل وإيل من أسماء الله تعالى في العربية وشقيقتيها السريانية والعبرانية، وهو اسم إله من آلهة الكلدانيين كما بيناه بالتفصيل في فصل المسائل المتممة للآيات التي وردت في محاجة إبراهيم لقومه في أربابهم وشركهم ( ج٧ تفسير )، وروي عن قتادة تفسير الإل بالحلف والعقد والعهد وهي متقاربة المعنى.
وقد ذكر أبو جعفر بن جرير الروايات في هذه المعاني ثم قال : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء المشركين - الذين أمر نبيه والمؤمنين بقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم، وحصرهم، والقعود لهم على كل مرصد أنهم لو ظهروا على المؤمنين لم يرقبوا فيهم إلا، والإل اسم يشتمل على معان ثلاثة : وهي العهد والعقد والحلف والقرابة وهو أيضا بمعنى الله، فإذا كانت الكلمة تشمل هذه المعاني الثلاثة ولم يكن الله خص من ذلك معنى دون معنى فالصواب أن يعم ذلك كما عم بها جل ثناؤه معانيها الثلاثة فقال : لا يرقبون في مؤمن الله ولا قرابة ولا عهدا ولا ميثاقا. ومن الدلالة على أن يكون بمعنى القرابة قول ابن مقبل :
أفسد الناس خلوف خلفوا قطعوا الإل وأعراق الرحم
بمعنى قطعوا القرابة، وقول حسان بن ثابت :
لعمرك إن إلك من قريش كإل السقب من رأل النعامِ١
وأما معناه إذا كان بمعنى العهد فقول القائل :
وجدناهم كاذبا إلهم وذو الإل والعهد لا يكذب
وقد زعم بعض من ينسب إلى معرفة كلام العرب من البصريين أن الإل والعهد والميثاق واليمين واحد، وأن الذمة في هذا الموضع التذمم ممن لا عهد له والجمع ذمم. وكان ابن إسحاق يقول : عنى بهذه الثلاثة أهل العهد العام اه.
وأقول : إن ألفاظ الإل والعهد والميثاق واليمين يختلف مفهومها اللغوي، وقد تتوارد مع هذا على حقيقة واحدة بضروب من التخصيص، فالعهد ما يتفق رجلان أو فريقان من الناس على التزامه بينهما لمصلحتهما المشتركة، فإن أكداه ووثقاه بما يقتضي زيادة العناية بحفظه والوفاء به سمي ميثاقا وهو مشتق من الوثاق بالفتح وهو الحبل والقيد، وإن أكداه باليمين خاصة سمي يمينا، وقد يسمى بذلك لوضع كل من المتعاقدين يمينه في يمين الآخر عند عقده، واليمين في الأصل اليد المقابلة للشمال والخلف. والظاهر أن من استعمل الإل بمعنى العهد أراد به المطلق منه، ومن هذه الألفاظ الحلف بالكسر وهو المحالفة، أصله من مادة الحلف أي اليمين. وقول ابن إسحاق : إن الكلام هنا في أهل العهد العام أراد بهم غير من استثناهم الله تعالى في الآية السابقة والآية الرابعة، والصواب أنه يشمل أهل العهد الذين غدروا، ويشمل من لا عهد لهم من المشركين بالأولى ؛ لأنهم لشدة عداوتهم للمؤمنين لم يريدوا في وقت من الأوقات أن يقيدوا أنفسهم معهم بعهد سلم مطلق ولا موقت، فإن لم يشملهم بالنص شملهم بالحكم.
﴿ يرضونكم بأفواههم ﴾ أي يخادعونكم في حال الضعف بما ينبذون به من الكلام العذب الذي يرون أنه يرضيكم، سواء كان عهدا أو وعدا أو يمينا مؤكدة لهما.
﴿ وتأبى قلوبهم ﴾ المملوءة بالحقد والضغن أن تصدق أفواههم :﴿ يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ﴾ [ الفتح : ١١ ]، فهم إن ظهروا عليكم نكثوا العهود، وحنثوا بالأيمان، وفتكوا بكم جهد طاقتهم.
﴿ وأكثرهم فاسقون ﴾ أي خارجون من قيود العهود والمواثيق، متجاوزون لحدود الصدق والوفاء، فالفسق على معناه في أصل اللغة وهو الخروج والانفصال، يقولون فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرتها، ويفسر في كل مقام بها يناسبه، وإنما وصف أكثرهم بالفسوق لأنهم الناكثون الناقضون لعهودهم، وأقلهم الموفون، وهم الذين استثناهم الله تعالى، وأمر المؤمنين بالاستقامة لهم ما استقاموا لهم.
برىء الله ورسوله من المشركين الذين عاهدهم المسلمون على ترك القتال وأمهلهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض أحرارا آمنين، وأمر تعالى بالأذان العام إلى الناس في يوم عيد النحر من الموسم العام ببراءة الله ورسوله من المشركين، ودعوتهم إلى التوبة من الشرك وعداوة الإسلام، وإنذارهم سوء عاقبة الإعراض، واستثنى من المعاهدين الذين نبذت إليهم عهودهم من وفوا بعهدهم ولم ينقصوا منه شيئا ولم يظاهروا على المؤمنين أحدا من أعدائهم، فأمر بإتمام عهدهم إلى مدتهم، ثم أمر بما يترتب على النبذ والتوقيت فيه وعود حالة الحرب معهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم التي وقتت بها العهود وهو مناجزة المشركين بكل نوع من أنواع القتال المعروفة في ذلك العصر من قتل وأسر وحصر وقطع طرق المواصلات، واستثنى منهم من يستجير الرسول صلى الله عليه وسلم وأمره بإجارته حتى يسمع كلام الله.
ومن المعلوم من قواعد الإسلام العملية تعظيم شأن العهود على اختلاف أنواعها، وعد الوفاء بها من أصول البر ومقتضى الإيمان، كما قال تعالى في آية البر وأهله من سورة البقرة بعد ذكر الإيمان والصلاة والزكاة ﴿ والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ﴾[ البقرة : ١٧٧ ]، وكما قال في الوصايا الأساسية لهذا الدين من سورة الإسراء﴿ وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا ﴾ [ الإسراء : ٣٤ ] إلى آيات أخرى ذكرنا قارئ تفسيرنا بها في مواضع منه بمناسبة ذكر العهد، والمناسب منها لما هنا ما ورد في سورة الأنفال من وجوب الوفاء بالعهد وتحريم الخيانة كالآية ٥٦ و٥٨، وفي معناها أحاديث كثيرة حسبك منها حديث ( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر )١ متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا.
ولما كان للوفاء بالعهد كل هذا الشأن في الإسلام كان نبذ عهود المشركين مما قد يظن بادي الرأي أنه مخل به، أو مما قد يظن قليل العلم بالقرآن والجمع بين نصوصه بالفهم الصحيح أن هذا النبذ ناسخ لوجوبه كما زعم بعضهم، أو أن ذلك التعظيم للوفاء بالعهد وتأكيده كان مقيدا بحال ضعف المسلمين كما قال آخرون مثل هذا في آيات العفو والصفح عن المشركين ؛ بل لما كان هذا النبذ مما يفتح باب الدس أو الطعن للمنافقين والتأويل للمرجفين في عصر التنزيل -وقد يعظم على بعض المسلمين ويخفى عليهم الجمع بينه وبين تلك الآيات الكثيرة التي هي نصوص في أن الوفاء بالعهد من فضائل الدين الأساسية ـ لما كان كل ما ذكر كما ذكر، بين الله تعالى لنا في هاتين الآيتين وما بعدهما كون هذا النبذ وما يترتب عليه لا ينافي ولا يجافي شيئا من تلك النصوص المحكمة، وإنما هو معاملة للأعداء بمثل ما عاملوا به المؤمنين أو بدونه.
﴿ كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ﴾ والمعنى كيف يكون للمشركين غير هؤلاء الذين جربتم وفاءهم عهد مشروع عند الله مرعي بالوفاء عند رسوله والحال المعهود منهم المعروف من أخلاقهم وأعمالهم أنهم إن يظهروا عليكم في القوة والغلب لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ؟ فالاستفهام واحد ووجه إنكار العهد ونفيه فيه مقيد بهذه الحال، وإنما أعيدت أداة الاستفهام للفصل المذكور.
يقال : ظهر عليه غلبه وظفر به، وأصله علاه، وأظهره عليه أعلاه عليه وجعله فوقه، ومنه ﴿ ليظهره على الدين كله ﴾ [ التوبة : ٣٣ ] وكذا أعلمه به. ورقب الشيء رعاه وحاذره وانتظره، قال في الأساس : ورقبه وراقبه حاذره ؛ لأن الخائف يرقب العقاب ويتوقعه، ومنه : فلان لا يراقب الله في أموره لا ينظر إلى عقابه فيركب رأسه في المعصية. وبات يرقب النجوم ويراقبها كقولك يرعاها ويراعيها اه. والإل القرابة. والذمة والذمام العهد الذي يلزم من ضيعه الذم كما في الأساس، وكان خفر الذمام ونقض العهد عندهم من العار، هذا أشهر الأقوال المأثورة في تفسيرهما هنا، وهو مروي عن ابن عباس من عدة طرق عند ابن جرير وغيره. وروي عن مجاهد أن الإل اسم الله عز وجل، والمعنى أنهم لا يرقبون الله في نقض عهدهم، وقد ورد لفظ إل وإيل من أسماء الله تعالى في العربية وشقيقتيها السريانية والعبرانية، وهو اسم إله من آلهة الكلدانيين كما بيناه بالتفصيل في فصل المسائل المتممة للآيات التي وردت في محاجة إبراهيم لقومه في أربابهم وشركهم ( ج٧ تفسير )، وروي عن قتادة تفسير الإل بالحلف والعقد والعهد وهي متقاربة المعنى.
وقد ذكر أبو جعفر بن جرير الروايات في هذه المعاني ثم قال : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء المشركين - الذين أمر نبيه والمؤمنين بقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم، وحصرهم، والقعود لهم على كل مرصد أنهم لو ظهروا على المؤمنين لم يرقبوا فيهم إلا، والإل اسم يشتمل على معان ثلاثة : وهي العهد والعقد والحلف والقرابة وهو أيضا بمعنى الله، فإذا كانت الكلمة تشمل هذه المعاني الثلاثة ولم يكن الله خص من ذلك معنى دون معنى فالصواب أن يعم ذلك كما عم بها جل ثناؤه معانيها الثلاثة فقال : لا يرقبون في مؤمن الله ولا قرابة ولا عهدا ولا ميثاقا. ومن الدلالة على أن يكون بمعنى القرابة قول ابن مقبل :
أفسد الناس خلوف خلفوا قطعوا الإل وأعراق الرحم
بمعنى قطعوا القرابة، وقول حسان بن ثابت :
لعمرك إن إلك من قريش كإل السقب من رأل النعامِ١
وأما معناه إذا كان بمعنى العهد فقول القائل :
وجدناهم كاذبا إلهم وذو الإل والعهد لا يكذب
وقد زعم بعض من ينسب إلى معرفة كلام العرب من البصريين أن الإل والعهد والميثاق واليمين واحد، وأن الذمة في هذا الموضع التذمم ممن لا عهد له والجمع ذمم. وكان ابن إسحاق يقول : عنى بهذه الثلاثة أهل العهد العام اه.
وأقول : إن ألفاظ الإل والعهد والميثاق واليمين يختلف مفهومها اللغوي، وقد تتوارد مع هذا على حقيقة واحدة بضروب من التخصيص، فالعهد ما يتفق رجلان أو فريقان من الناس على التزامه بينهما لمصلحتهما المشتركة، فإن أكداه ووثقاه بما يقتضي زيادة العناية بحفظه والوفاء به سمي ميثاقا وهو مشتق من الوثاق بالفتح وهو الحبل والقيد، وإن أكداه باليمين خاصة سمي يمينا، وقد يسمى بذلك لوضع كل من المتعاقدين يمينه في يمين الآخر عند عقده، واليمين في الأصل اليد المقابلة للشمال والخلف. والظاهر أن من استعمل الإل بمعنى العهد أراد به المطلق منه، ومن هذه الألفاظ الحلف بالكسر وهو المحالفة، أصله من مادة الحلف أي اليمين. وقول ابن إسحاق : إن الكلام هنا في أهل العهد العام أراد بهم غير من استثناهم الله تعالى في الآية السابقة والآية الرابعة، والصواب أنه يشمل أهل العهد الذين غدروا، ويشمل من لا عهد لهم من المشركين بالأولى ؛ لأنهم لشدة عداوتهم للمؤمنين لم يريدوا في وقت من الأوقات أن يقيدوا أنفسهم معهم بعهد سلم مطلق ولا موقت، فإن لم يشملهم بالنص شملهم بالحكم.
﴿ يرضونكم بأفواههم ﴾ أي يخادعونكم في حال الضعف بما ينبذون به من الكلام العذب الذي يرون أنه يرضيكم، سواء كان عهدا أو وعدا أو يمينا مؤكدة لهما.
﴿ وتأبى قلوبهم ﴾ المملوءة بالحقد والضغن أن تصدق أفواههم :﴿ يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ﴾ [ الفتح : ١١ ]، فهم إن ظهروا عليكم نكثوا العهود، وحنثوا بالأيمان، وفتكوا بكم جهد طاقتهم.
﴿ وأكثرهم فاسقون ﴾ أي خارجون من قيود العهود والمواثيق، متجاوزون لحدود الصدق والوفاء، فالفسق على معناه في أصل اللغة وهو الخروج والانفصال، يقولون فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرتها، ويفسر في كل مقام بها يناسبه، وإنما وصف أكثرهم بالفسوق لأنهم الناكثون الناقضون لعهودهم، وأقلهم الموفون، وهم الذين استثناهم الله تعالى، وأمر المؤمنين بالاستقامة لهم ما استقاموا لهم.
١ ـ البيت من الوافر، وهو لحسان بن ثابت في ديوانه ص ١٠٥، ولسان العرب (ألل)، وديوان الأدب ٤/ ١٥٥، وكتاب الجيم ٣/ ٢٢٦، وتاج العروس (ألل)، وبلا نسبة في مقاييس اللغة ١/ ٢١، وكتاب العين ٨/ ٣٦١، والمخصص ٣/ ١٥١..
﴿ اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون( ٩ ) لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون( ١٠ ) ﴾
هذا بيان مستأنف لمن عساه يستغرب غلبة الفسق والخروج من دائرة الفضائل الفطرية والتقليدية على أكثرهم حتى مراعاة القرابة والوفاء بالعهد الممدوحين عندهم، ويسأل عن سببه، وجوابه :﴿ اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ﴾ أي إنهم استبدلوا بآيات الله الدالة على وجوب توحيده بالعبادة، وعلى بعثه للناس وجزائهم على أعمالهم وعلى الوحي والرسالة وما فيها من الهداية، ثمنا قليلا من متاع الدنيا، وهو ما هم فيه من أسباب المعيشة، وكثيره عند كبرائهم قليل بالنسبة إلى ما عند غيرهم من أمم الحضارة، وما عند أغنى هؤلاء قليل بالإضافة إلى ما وعد الله تعالى المؤمنين في الدنيا، وأن ما وعدهم به في الآخرة لهو خير وأبقى.
وقيل : إن المراد بآيات الله تعالى العهود والأيمان أو ما دل على وجوب الوفاء بها من كتابه، وروي أن أبا سفيان لما أراد حمل قريش وحلفائها على نقض عهد الحديبية صنع لهم طعاما استمالهم به فأجابوه إليه، فهو المراد بالثمن القليل، وعن ابن عباس أن أهل الطائف أمدوهم بالمال لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأول هو الظاهر، وهو المناسب لما بعده المعطوف عليه بفاء السببية من قوله تعالى :﴿ فصدوا عن سبيله ﴾ الخ، وصد يستعمل لازما فيقال صد فلان عن الشيء صدودا بمعنى أعرض عنه وانصرف فلم يلو عليه، ومتعديا فيقال : صده عنه إذا صرفه ولفته عنه وزهده فيه أو منعه منه بالقوة، ويصح إرادة المعنيين هنا أي فصدوا بسبب هذا الشراء الخسيس، وأعرضوا عن سبيل الله وهو الإسلام وما يقتضيه من الوفاء بالعهود، وصدوا غيرهم وصرفوهم عنه أيضا.
﴿ إنهم ساء ما كانوا يعملون ﴾ أي إنهم ساء عملهم الذي كانوا يعملونه من اشتراء الكفر بالإيمان والضلالة بالهدى، والصدود والصد عن دين الله وما جاء به رسوله من البينات والحق.
هذا بيان مستأنف لمن عساه يستغرب غلبة الفسق والخروج من دائرة الفضائل الفطرية والتقليدية على أكثرهم حتى مراعاة القرابة والوفاء بالعهد الممدوحين عندهم، ويسأل عن سببه، وجوابه :﴿ اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ﴾ أي إنهم استبدلوا بآيات الله الدالة على وجوب توحيده بالعبادة، وعلى بعثه للناس وجزائهم على أعمالهم وعلى الوحي والرسالة وما فيها من الهداية، ثمنا قليلا من متاع الدنيا، وهو ما هم فيه من أسباب المعيشة، وكثيره عند كبرائهم قليل بالنسبة إلى ما عند غيرهم من أمم الحضارة، وما عند أغنى هؤلاء قليل بالإضافة إلى ما وعد الله تعالى المؤمنين في الدنيا، وأن ما وعدهم به في الآخرة لهو خير وأبقى.
وقيل : إن المراد بآيات الله تعالى العهود والأيمان أو ما دل على وجوب الوفاء بها من كتابه، وروي أن أبا سفيان لما أراد حمل قريش وحلفائها على نقض عهد الحديبية صنع لهم طعاما استمالهم به فأجابوه إليه، فهو المراد بالثمن القليل، وعن ابن عباس أن أهل الطائف أمدوهم بالمال لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأول هو الظاهر، وهو المناسب لما بعده المعطوف عليه بفاء السببية من قوله تعالى :﴿ فصدوا عن سبيله ﴾ الخ، وصد يستعمل لازما فيقال صد فلان عن الشيء صدودا بمعنى أعرض عنه وانصرف فلم يلو عليه، ومتعديا فيقال : صده عنه إذا صرفه ولفته عنه وزهده فيه أو منعه منه بالقوة، ويصح إرادة المعنيين هنا أي فصدوا بسبب هذا الشراء الخسيس، وأعرضوا عن سبيل الله وهو الإسلام وما يقتضيه من الوفاء بالعهود، وصدوا غيرهم وصرفوهم عنه أيضا.
﴿ إنهم ساء ما كانوا يعملون ﴾ أي إنهم ساء عملهم الذي كانوا يعملونه من اشتراء الكفر بالإيمان والضلالة بالهدى، والصدود والصد عن دين الله وما جاء به رسوله من البينات والحق.
﴿ لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ﴾ أي من أجل هذا الكفر والصدود والصد عن الإيمان لا يرعون في مؤمن يظهرون عليه ويقدرون على الفتك به ربا يحرم الغدر، ولا قرابة تقتضي الود، ولا ذمة توجب الوفاء اتقاء للذم، لأن ذنب المؤمن في هذا عندهم كونه مؤمنا، وقد علموا أنه لا ينقض عهدا، ولا يستحل غدرا، ولا يقطع رحما، وهذا أعم من قوله :﴿ إنهم إن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ﴾ لأنه غير مشروط بالظهور والغلب، ولأنه يشمل كل مؤمن من المخاطبين وغيرهم من حيث إنه مؤمن، وذاك خاص بالمخاطبين الذين كان بينهم وبين المشركين ما كان من الحروب والدماء، وربما كان فيهم بقية من المنافقين.
﴿ وأولئك هم المعتدون ﴾ لحدود العهود من دونكم والبادئون لكم بالقتال كما فعلوا فيما مضى، وكذلك يفعلون فيما يأتي، والعلة في اعتدائهم وتجاوزهم هو رسوخهم في الشرك، وكراهتهم للإيمان وأهله لا لكم وحدكم، فلا علاج لهم إذا إلا الرجوع عن كفرهم والاعتصام معكم بعروة التوحيد والإيمان، وما تقتضيه من الأعمال الصالحة وفضائل الأخلاق.
﴿ وأولئك هم المعتدون ﴾ لحدود العهود من دونكم والبادئون لكم بالقتال كما فعلوا فيما مضى، وكذلك يفعلون فيما يأتي، والعلة في اعتدائهم وتجاوزهم هو رسوخهم في الشرك، وكراهتهم للإيمان وأهله لا لكم وحدكم، فلا علاج لهم إذا إلا الرجوع عن كفرهم والاعتصام معكم بعروة التوحيد والإيمان، وما تقتضيه من الأعمال الصالحة وفضائل الأخلاق.
﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون( ١١ ) وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون( ١٢ ) ﴾
هذا بيان لما سيكون من أمر هؤلاء المشركين بعد تلك العداوة للإسلام وأهله، وهو لا يعدو أمرين فصلهما تعالى وبين حكم كل منهما في هاتين الآيتين.
قال :﴿ فإن تابوا ﴾ عن شركهم وصدهم عن سبيل الله من آمن به بالفعل ومن يريد الإيمان أو يتوقع منه، وما يلزم ذلك من نقض العهود وخفر الذمم.
﴿ وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ بدخولهم في جماعة المسلمين الذي لا يتحقق بعد الشهادتين إلا بإقامة هذين الركنين من أركان الإسلام، كما تقدم تفصيله في تفسير الآية الخامسة.
﴿ فإخوانكم في الدين ﴾ لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم، وبهذه الأخوة يهدم كل ما كان بينكم وبينهم من عداوة. وهو نص في أن أخوة الدين تثبت بهذين الركنين ولا تثبت بغيرهما من دونهما، والثاني مقيد بشرطه وهو ملك النصاب مدة الحول، والكلام في جملة المشركين وفيهم الغني والفقير، وهل يتعارف الأخوان في الدين إلا بإقامة الصلوات في المساجد وسائر المعاهد، وبأداء الصدقات للمساواة بينهم ولإقامة غيرها من المصالح ؟ وهذه الأخوة أول مزية دنيوية للإسلام، فإن المشركين كانوا محرومين من هذه الأخوة العظيمة، بعضهم حرب لبعض في كل وقت إلا ما يكون من عهد أو جوار قلما يفي به القوي للضعيف دائما.
﴿ ونفصل الآيات لقوم يعلمون ﴾ أي ونبين الآيات المفصلة للدلائل، الفاصلة بين الإيمان والكفر وبين الحق والباطل، والمفرقة بين الفضائل والرذائل، لقوم يعلمون وجوه الحجج والبراهين، فهم الذين يعقلونها دون الجاهلين من متبعي الظنون والمقلدين.
روى ابن جرير في تفسير الآية عن ابن عباس قال : حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة. وروي عن ابن زيد قال : افترضت الصلاة والزكاة جميعا لم يفرق بينهما وقرأ ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ﴾ وأبى أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة، وقال : رحم الله أبا بكر ما كان أفقهه. وروى عن عبد الله أي ابن مسعود قال : أمرتم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ومن لم يزك فلا صلاة له. اه وروى غيره عنه أنه قال كما قال ابن زيد بعده : رحم الله أبا بكر ما كان أفقهه. يعني بهذا قوله : والله لا أفرق بين شيئين جمع الله بينهما.
وفي تفسير هذه الآية مباحث :
الأول : أن الشرط فيها كالشرط في الآية الخامسة، وإنما اختلف الجواب لمناسبة السياق : وردت تلك الآية تالية تلو الأمر بقتل المشركين، فناسب أن يكون جواب الشرط فيها الأمر بتركه وهو قوله تعالى :﴿ فخلوا سبيلهم ﴾، ووردت هذه الآية تلو إثبات رسوخ المشركين في كفرهم وضلالهم وصدهم عن سبيل الله وكونه هو الباعث لهم على قتال المؤمنين ابتداء ثم على نقض عهودهم، فناسب أن يذكر في جواب شرطها ﴿ فإخوانكم في الدين ﴾ وهذه أجلب لقلوبهم وأشد استمالة لهم إلى الإسلام كما قال بعض المفسرين.
المبحث الثاني : استدل بعضهم بها على كفر كل من تارك الصلاة ومانع الزكاة، ذلك بأنه تعالى اشترط فيها لتحقق أخوة الإيمان والدخول في جماعته ثلاثة أشياء : التوبة من الكفر وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فانتفاء أحد هذه الثلاثة يقتضي انتفاء ما جعلت شرطا له وهو الإسلام، وتفصي بعضهم من هذا بادعاء أن العبارة إنما تدل على حصول الإسلام بحصول هذه الثلاثة فقط دون انتفائه بانتفائها فهذا يحتاج إلى دليل خارجي، وأرجع ذلك إلى ما زعمه من أن التعليق بكلمة «إن » إنما يدل على استلزام المعلق للمعلق عليه حصولا لا انتفاء، فهو لا يقتضي انعدامه بانعدامه لجواز أن يكون المعلق لازما أعم فيتحقق بدون ما جعل ملزوما له.
وهذا من الجدليات اللفظية الباطلة فليس في المقام إلا مسألة الاحتجاج بمفهوم الشرط، وهو من ضروريات اللغة، كما بيناه في هذه المسألة نفسها من تفسير الآية الخامسة، وما أوردوا على أطراده من بعض النصوص التي لا يظهر فيها القول بالمفهوم فمنه ما سببه ضعف الفهم، ومنه ما له سبب خارج عن مدلول اللغة، فمن ذلك قوله تعالى :﴿ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا ﴾ [ النور : ٣٣ ] بناء على أن مفهومه عدم النهي عن إكراههن إن لم يردن التحصن، وهو غفلة ظاهرة عن كون الإكراه إنما يتحقق عند إرادة التحصن، ولا يعقل عند عدمها، وهو بذل العرض وبيع البضع، ومنه قوله تعالى :﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ﴾ [ النساء : ٣١ ] استشكل الأشاعرة القول بمفهومه على مذهبهم، وما هو بمشكل إلا من حيث يكون حجة لخصومهم المعتزلة على عدم مغفرة الكبائر، وما زال المتعصبون للمذاهب يجنون على اللغة وعلى نصوص التنزيل لإبطال حجج خصومهم، على أن المعلق على اجتناب الكبائر هنا أخص من المغفرة، وهو أمران : تكفير السيئات والمدخل الكريم. وأين هذا وذاك مما نحن فيه من اشتراط شروط للانتقال من أمر إلى ضده المساوي لنقيضه أي من الكفر إلى الإيمان ؟ هل يعقل أن يقال إن الإيمان يحصل بحصول شروطه وإقامة أعظم أركانه ولا ينفى بانتفائها ؟ إلا أنه لا يعقل في حال النظر إلى الحقيقة نفسها وهي ظاهرة لا حجاب عليها، ولكنه وقع بالفعل ممن صرف بصره عنها، وأراد معرفتها بالاصطلاحات الجدلية، والتعصب للمذاهب الكلامية أو الفقهية.
والحق في أصل المسألة ما حققناه في شرط الآية الخامسة، وإنما ذكرنا هذا هنا لأن الذي أورد التفصي المذكور بهذه القاعدة هو إمام الجدليين فخر الدين الرازي، أورده مختصرا، ونقله الآلوسي عازيا إياه إلى «بعض جلة الأفاضل »، وفصله بأوسع مما قاله الرازي، فأردنا أن لا يغتر به من يغترون عادة بكل مباحث هؤلاء الأفاضل، والذي دعا الرازي وغيره إلى التفصي من دلالة الآية على انتفاء أخوة الإسلام بانتفاء أداء الزكاة استشكالهم إياه بالفقير الذي لا يجب عليه ولا تقع منه، وبالغني قبل وجوبها عليه بمرور الحول، وأجابوا عنه في حال تسليم تلك القاعدة بأن من لم يكن أهلا لوجوب الزكاة عليه بالفعل تجب عليه ويكتفى منه بأن يقر بحكمها ويلتزمه عند وجوبه.
وقد بينا من قبل أن الكلام في هذا المقام إنما هو فيما يشترط على جماعة المشركين في خروجهم منها ودخولهم في جماعة المسلمين، وهو الإذعان لشرائع الإسلام بالإجمال ولفريضتي الصلاة والزكاة بالتعيين والتفصيل، وأما أفراد المشركين فإنما يطالبون بكل من فريضتي الصلاة والزكاة بالفعل عند تحقق فرضيتها على كل منهم، ومنهم من لا تفرض عليه الزكاة مطلقا، ومنهم من تفرض عليه بعد حول أو أكثر، ومثله من أسلم بعد طلوع الشمس لا تجب عليه الصلاة إلا بدخول وقت الظهر، ويكفي في أخوة الإسلام من كل من الفريقين قبل افتراض الصلاة والزكاة عليهما التوبة من الكفر والإقرار بالشهادتين مع الإذعان لما يقتضيانه من عمل بدني ونفسي بالإجمال كما فصلناه في تفسير الآية الخامسة أيضا وما هو بعيد.
المبحث الثالث : وهو لغوي محض، إن لفظ أخ أصله أخو ومثناه أَخَوان وفي لغة أخان. ويجمع على إخوة وإخوان بكسر الهمزة فيهما، وكل منهما يستعمل في أخوَّة النسب القريب -أي الأخوَّة من أحد الأبوين أو كليهما- والنسب البعيد -كالجنس والقبيلة- وفي أخوة الرضاع وأخوة الدين وأخوة الصداقة، وقد نطقت هذه الآية باستعمال لفظ الإخوان في أخوة الدين، ومثلها في الموالي ﴿ فإخوانكم في الدين ﴾ [ التوبة : ١١ ] وجاء في أخوة الكفر ﴿ ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ [ الحشر : ١١ ] الخ وأما استعمال جمع إخوة في أخوة الدين ففيه قوله تعالى :﴿ إنما المؤمنون إخوة ﴾ [ الحجرات : ١٠ ] وسائر استعماله في أخوة النسب.
المبحث الرابع : هذه الأخوة الدينية مما يحسدنا عليها جميع أهل الملل، فهي لا تزال أقوى فينا منها فيهم ترادفا وتعاونا، وعاصمة لنا من فوضى الشيوعية وأثرة المادية وغيرها، على ما منيت به شعوبنا من الضعف واختلال النظام، واختلاف الجنسيات والأحكام، ولقد كانت في عصر السلف الصالح اشتراكية اختيارية أوسط أحوالها مساواة المسلم أخاه بنفسه، وأعلاها إيثاره على نفسه وأهله وولده، قال تعالى في أنصار رسوله صلى الله عليه وسلم ومعاملتهم للمهاجرين من أصحابه ﴿ يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ [ الحشر : ٩ ] وأما المواساة بما دون المساواة فقد كانت عامة في خير القرون، ثم صارت تضعف قرنا بعد قرن، ولا يزال لها بقية صالحة بين أصحاب الأخلاق المحمودة ولله الحمد.
هذا بيان لما سيكون من أمر هؤلاء المشركين بعد تلك العداوة للإسلام وأهله، وهو لا يعدو أمرين فصلهما تعالى وبين حكم كل منهما في هاتين الآيتين.
قال :﴿ فإن تابوا ﴾ عن شركهم وصدهم عن سبيل الله من آمن به بالفعل ومن يريد الإيمان أو يتوقع منه، وما يلزم ذلك من نقض العهود وخفر الذمم.
﴿ وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ بدخولهم في جماعة المسلمين الذي لا يتحقق بعد الشهادتين إلا بإقامة هذين الركنين من أركان الإسلام، كما تقدم تفصيله في تفسير الآية الخامسة.
﴿ فإخوانكم في الدين ﴾ لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم، وبهذه الأخوة يهدم كل ما كان بينكم وبينهم من عداوة. وهو نص في أن أخوة الدين تثبت بهذين الركنين ولا تثبت بغيرهما من دونهما، والثاني مقيد بشرطه وهو ملك النصاب مدة الحول، والكلام في جملة المشركين وفيهم الغني والفقير، وهل يتعارف الأخوان في الدين إلا بإقامة الصلوات في المساجد وسائر المعاهد، وبأداء الصدقات للمساواة بينهم ولإقامة غيرها من المصالح ؟ وهذه الأخوة أول مزية دنيوية للإسلام، فإن المشركين كانوا محرومين من هذه الأخوة العظيمة، بعضهم حرب لبعض في كل وقت إلا ما يكون من عهد أو جوار قلما يفي به القوي للضعيف دائما.
﴿ ونفصل الآيات لقوم يعلمون ﴾ أي ونبين الآيات المفصلة للدلائل، الفاصلة بين الإيمان والكفر وبين الحق والباطل، والمفرقة بين الفضائل والرذائل، لقوم يعلمون وجوه الحجج والبراهين، فهم الذين يعقلونها دون الجاهلين من متبعي الظنون والمقلدين.
روى ابن جرير في تفسير الآية عن ابن عباس قال : حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة. وروي عن ابن زيد قال : افترضت الصلاة والزكاة جميعا لم يفرق بينهما وقرأ ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ﴾ وأبى أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة، وقال : رحم الله أبا بكر ما كان أفقهه. وروى عن عبد الله أي ابن مسعود قال : أمرتم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ومن لم يزك فلا صلاة له. اه وروى غيره عنه أنه قال كما قال ابن زيد بعده : رحم الله أبا بكر ما كان أفقهه. يعني بهذا قوله : والله لا أفرق بين شيئين جمع الله بينهما.
وفي تفسير هذه الآية مباحث :
الأول : أن الشرط فيها كالشرط في الآية الخامسة، وإنما اختلف الجواب لمناسبة السياق : وردت تلك الآية تالية تلو الأمر بقتل المشركين، فناسب أن يكون جواب الشرط فيها الأمر بتركه وهو قوله تعالى :﴿ فخلوا سبيلهم ﴾، ووردت هذه الآية تلو إثبات رسوخ المشركين في كفرهم وضلالهم وصدهم عن سبيل الله وكونه هو الباعث لهم على قتال المؤمنين ابتداء ثم على نقض عهودهم، فناسب أن يذكر في جواب شرطها ﴿ فإخوانكم في الدين ﴾ وهذه أجلب لقلوبهم وأشد استمالة لهم إلى الإسلام كما قال بعض المفسرين.
المبحث الثاني : استدل بعضهم بها على كفر كل من تارك الصلاة ومانع الزكاة، ذلك بأنه تعالى اشترط فيها لتحقق أخوة الإيمان والدخول في جماعته ثلاثة أشياء : التوبة من الكفر وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فانتفاء أحد هذه الثلاثة يقتضي انتفاء ما جعلت شرطا له وهو الإسلام، وتفصي بعضهم من هذا بادعاء أن العبارة إنما تدل على حصول الإسلام بحصول هذه الثلاثة فقط دون انتفائه بانتفائها فهذا يحتاج إلى دليل خارجي، وأرجع ذلك إلى ما زعمه من أن التعليق بكلمة «إن » إنما يدل على استلزام المعلق للمعلق عليه حصولا لا انتفاء، فهو لا يقتضي انعدامه بانعدامه لجواز أن يكون المعلق لازما أعم فيتحقق بدون ما جعل ملزوما له.
وهذا من الجدليات اللفظية الباطلة فليس في المقام إلا مسألة الاحتجاج بمفهوم الشرط، وهو من ضروريات اللغة، كما بيناه في هذه المسألة نفسها من تفسير الآية الخامسة، وما أوردوا على أطراده من بعض النصوص التي لا يظهر فيها القول بالمفهوم فمنه ما سببه ضعف الفهم، ومنه ما له سبب خارج عن مدلول اللغة، فمن ذلك قوله تعالى :﴿ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا ﴾ [ النور : ٣٣ ] بناء على أن مفهومه عدم النهي عن إكراههن إن لم يردن التحصن، وهو غفلة ظاهرة عن كون الإكراه إنما يتحقق عند إرادة التحصن، ولا يعقل عند عدمها، وهو بذل العرض وبيع البضع، ومنه قوله تعالى :﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ﴾ [ النساء : ٣١ ] استشكل الأشاعرة القول بمفهومه على مذهبهم، وما هو بمشكل إلا من حيث يكون حجة لخصومهم المعتزلة على عدم مغفرة الكبائر، وما زال المتعصبون للمذاهب يجنون على اللغة وعلى نصوص التنزيل لإبطال حجج خصومهم، على أن المعلق على اجتناب الكبائر هنا أخص من المغفرة، وهو أمران : تكفير السيئات والمدخل الكريم. وأين هذا وذاك مما نحن فيه من اشتراط شروط للانتقال من أمر إلى ضده المساوي لنقيضه أي من الكفر إلى الإيمان ؟ هل يعقل أن يقال إن الإيمان يحصل بحصول شروطه وإقامة أعظم أركانه ولا ينفى بانتفائها ؟ إلا أنه لا يعقل في حال النظر إلى الحقيقة نفسها وهي ظاهرة لا حجاب عليها، ولكنه وقع بالفعل ممن صرف بصره عنها، وأراد معرفتها بالاصطلاحات الجدلية، والتعصب للمذاهب الكلامية أو الفقهية.
والحق في أصل المسألة ما حققناه في شرط الآية الخامسة، وإنما ذكرنا هذا هنا لأن الذي أورد التفصي المذكور بهذه القاعدة هو إمام الجدليين فخر الدين الرازي، أورده مختصرا، ونقله الآلوسي عازيا إياه إلى «بعض جلة الأفاضل »، وفصله بأوسع مما قاله الرازي، فأردنا أن لا يغتر به من يغترون عادة بكل مباحث هؤلاء الأفاضل، والذي دعا الرازي وغيره إلى التفصي من دلالة الآية على انتفاء أخوة الإسلام بانتفاء أداء الزكاة استشكالهم إياه بالفقير الذي لا يجب عليه ولا تقع منه، وبالغني قبل وجوبها عليه بمرور الحول، وأجابوا عنه في حال تسليم تلك القاعدة بأن من لم يكن أهلا لوجوب الزكاة عليه بالفعل تجب عليه ويكتفى منه بأن يقر بحكمها ويلتزمه عند وجوبه.
وقد بينا من قبل أن الكلام في هذا المقام إنما هو فيما يشترط على جماعة المشركين في خروجهم منها ودخولهم في جماعة المسلمين، وهو الإذعان لشرائع الإسلام بالإجمال ولفريضتي الصلاة والزكاة بالتعيين والتفصيل، وأما أفراد المشركين فإنما يطالبون بكل من فريضتي الصلاة والزكاة بالفعل عند تحقق فرضيتها على كل منهم، ومنهم من لا تفرض عليه الزكاة مطلقا، ومنهم من تفرض عليه بعد حول أو أكثر، ومثله من أسلم بعد طلوع الشمس لا تجب عليه الصلاة إلا بدخول وقت الظهر، ويكفي في أخوة الإسلام من كل من الفريقين قبل افتراض الصلاة والزكاة عليهما التوبة من الكفر والإقرار بالشهادتين مع الإذعان لما يقتضيانه من عمل بدني ونفسي بالإجمال كما فصلناه في تفسير الآية الخامسة أيضا وما هو بعيد.
المبحث الثالث : وهو لغوي محض، إن لفظ أخ أصله أخو ومثناه أَخَوان وفي لغة أخان. ويجمع على إخوة وإخوان بكسر الهمزة فيهما، وكل منهما يستعمل في أخوَّة النسب القريب -أي الأخوَّة من أحد الأبوين أو كليهما- والنسب البعيد -كالجنس والقبيلة- وفي أخوة الرضاع وأخوة الدين وأخوة الصداقة، وقد نطقت هذه الآية باستعمال لفظ الإخوان في أخوة الدين، ومثلها في الموالي ﴿ فإخوانكم في الدين ﴾ [ التوبة : ١١ ] وجاء في أخوة الكفر ﴿ ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ [ الحشر : ١١ ] الخ وأما استعمال جمع إخوة في أخوة الدين ففيه قوله تعالى :﴿ إنما المؤمنون إخوة ﴾ [ الحجرات : ١٠ ] وسائر استعماله في أخوة النسب.
المبحث الرابع : هذه الأخوة الدينية مما يحسدنا عليها جميع أهل الملل، فهي لا تزال أقوى فينا منها فيهم ترادفا وتعاونا، وعاصمة لنا من فوضى الشيوعية وأثرة المادية وغيرها، على ما منيت به شعوبنا من الضعف واختلال النظام، واختلاف الجنسيات والأحكام، ولقد كانت في عصر السلف الصالح اشتراكية اختيارية أوسط أحوالها مساواة المسلم أخاه بنفسه، وأعلاها إيثاره على نفسه وأهله وولده، قال تعالى في أنصار رسوله صلى الله عليه وسلم ومعاملتهم للمهاجرين من أصحابه ﴿ يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ [ الحشر : ٩ ] وأما المواساة بما دون المساواة فقد كانت عامة في خير القرون، ثم صارت تضعف قرنا بعد قرن، ولا يزال لها بقية صالحة بين أصحاب الأخلاق المحمودة ولله الحمد.
﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون( ١١ ) وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون( ١٢ ) ﴾
هذا بيان لما سيكون من أمر هؤلاء المشركين بعد تلك العداوة للإسلام وأهله، وهو لا يعدو أمرين فصلهما تعالى وبين حكم كل منهما في هاتين الآيتين.
﴿ وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم ﴾ هذا بيان للأمر الثاني من أحوال المشركين. نكث الغزل أو الحبل ضد إبرامه، وهو نقض فتله وحل الخيوط التي تألف منها وإرجاعها إلى أصلها، ومنه ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ﴾ [ النحل : ٩٢ ] والأيمان العهود، يضع كل من العاقدين للعهد يمينه في يمين الآخر، أو ما يوثق منها بالقسم كما تقدم. ونكث الأيمان هنا يقابل فيما قبله استقامتهم عليها، والطعن في ديننا في الجملة التالية يقابل فيما قبله توبتهم من الكفر به بدخولهم في جماعته، والمعنى : وإن نكث هؤلاء المشركون ما أبرمته أيمانهم أو ما أقسموا عليه أيمانهم من الوفاء بعد عهدهم الذي عقدوه معكم.
﴿ وطعنوا في دينكم ﴾ أي عابوه وثلبوه بالاستهزاء به وصد الناس عنه وهو الذي عابه عليهم في الآيات المقابلة لهذه، ومنه الطعن في القرآن وفي النبي صلى الله عليه وسلم كما كان يفعل شعراؤهم الذين أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دماءهم، فهذا العطف بيان للواقع وإيذان بأن الطعن في الإسلام ضرب من ضروب نكث الأيمان، ونقض السلم والولاء، كالقتال ومظاهرة الأعداء، فهو من عطف الخاص على العام، وليس المراد به تقييد حل قتالهم بالجمع بين الأمرين، بل هو كقوله :﴿ ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا ﴾[ التوبة : ٤ ].
﴿ فقاتلوا أئمة الكفر ﴾ أي قادة أهله وحملة لوائه، فوضع الاسم الظاهر المبين لشر صفاتهم موضع ضميرهم، وقيل : إن المراد بأئمة الكفر رؤساء المشركين وصناديدهم الذين كانوا يغرونهم بعداوة النبي صلى الله عليه وسلم ويقوونهم لقتاله، وذكر بعض من قال هذا منهم أبا سفيان وأبا جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف ممن كان قتل في بدر أو بعدها، وذلك من الغفلة بمكان لأن السورة نزلت بعد غزوة تبوك وبعد فتح مكة وفي أثنائه أسلم أبو سفيان، وهذه الأحكام إنما تثبت بعد أربعة أشهر من تاريخ تبليغها في يوم النحر من سنة تسع كما تقدم. وحملها بعضهم على الخوارج، وبعضهم على فارس والروم، وبعضهم على المرتدين بجعل الضمائر فيها راجعة إلى الذين تابوا وأقاموا الصلاة الخ، واختاره الزمخشري إذ قال في تفسير ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر ﴾ : فقاتلوهم، فوضع أئمة الكفر موضع ضميرهم إشعارا بأنهم إذا نكثوا في حال الشرك تمردا وطغيانا وطرحا لعادات الكرام الأوفياء من العرب ثم آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وصاروا إخوانا للمسلمين في الدين، ثم رجعوا فارتدوا عن الإسلام ونكثوا ما بايعوا عليه من الإيمان والوفاء بالعهود، وقعدوا يطعنون في دين الله ويقولون ليس دين محمد بشيء، فهم أئمة الكفر وذوو الرياسة والتقدم فيه، لا يشق كافر غبارهم، وقالوا : إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعنا ظاهرا جاز قتله ؛ لأن العهد معقود معه على أن لا يطعن، فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة اه.
ولا أدري ما الذي حمل هؤلاء المفسرين على إخراج الآية عن ظاهرها حتى إنهم رووا عن علي وحذيفة رضي الله عنهما أنهما قالا : ما قوتل أهل هذه الآية بعد، يعنون أنها نزلت في قوم يأتون بعد، وزعم بعضهم أنهم الدجال وقومه من اليهود، والحق أنها صريحة في مشركي العرب أصحاب العهود مع المؤمنين من بقي منهم، ويدخل في حكمها كل من كانت حاله مع المؤمنين كحالهم. فكل من يجمع بين عداوتهم بنكث عهودهم والطعن في دينهم فيجب عده من أئمة الكفر ولهم حكمهم، ومن لم يرهم أهلا لعقد العهد معه على قاعدة المساواة فهو أعدى وأظلم ممن ينكثون الأيمان، وذلك ما نشاهده من الجامعين بين الاعتداء على شعوبنا وبلادنا وبث الدعاة فيها للطعن في ديننا لصدنا عنه واستبدال دينهم به، أو جعلنا معطلين لا دين لهم.
وقد علل تعالى الأمر بقتالهم بقوله :﴿ إنهم لا أيمان لهم ﴾ أي إن عهودهم كلا عهود، لأنها مخادعة لسانية لم يقصدوا الوفاء بها ﴿ يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ﴾ [ الفتح : ١١ ] فهم ينقضونها في أول وهلة يستطيعون فيها ذلك بالظهور أو المظاهرة عليكم.
وقرأ ابن عامر إيمان بكسر الهمزة على أنها مصدر آمنه إيمانا بمعنى إعطاء الأمان. وقرأ هو وعاصم وحمزة والكسائي وروح عن يعقوب أئمة بتحقيق الهمزتين على الأصل والباقون بتليين الثانية، وأما قلبها ياء فليس قراءة ولا لغة ؛ بل هو لحن لا يجوز كما قالوا.
﴿ لعلهم ينتهون ﴾ أي قاتلوهم راجين بقتالكم إياهم أن ينتهوا عن كفرهم وشركهم وما يحملهم عليه من نكث أيمانهم ونقض عهودهم والضراوة بقتالكم كلما قدروا عليه، وهو يتضمن النهي عن القتال اتباعا لهوى النفس أو إرادة منافع الدنيا من سلب وكسب وانتقام محض بالأولى، وتقدم نظيره في تفسير﴿ فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون ﴾ [ الأنفال : ٥٧ ] وهذا مما امتاز به الإسلام على جميع شرائع الأمم وقوانينها من جعل الحرب ضرورة مقيدة بإرادة منع الباطل، وتقرير الحق والفضائل.
واستدل الحنفية بالآية على أن يمين الكافر لا تنعقد، ولو كان كذلك لما وجب علينا الوفاء لمن وفى بها منهم واستقام على وفائه، والآيات صريحة في الوجوب، وإنما نفاها عن الناكثين، وأعلمنا أنهم كانوا عازمين على النكث من أول وهلة وهو علام الغيوب، ولو لم يكن لهم أيمان على الإطلاق لما كان لهم نكث، وقد أثبتتهما لهم الآية التالية.
هذا بيان لما سيكون من أمر هؤلاء المشركين بعد تلك العداوة للإسلام وأهله، وهو لا يعدو أمرين فصلهما تعالى وبين حكم كل منهما في هاتين الآيتين.
﴿ وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم ﴾ هذا بيان للأمر الثاني من أحوال المشركين. نكث الغزل أو الحبل ضد إبرامه، وهو نقض فتله وحل الخيوط التي تألف منها وإرجاعها إلى أصلها، ومنه ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ﴾ [ النحل : ٩٢ ] والأيمان العهود، يضع كل من العاقدين للعهد يمينه في يمين الآخر، أو ما يوثق منها بالقسم كما تقدم. ونكث الأيمان هنا يقابل فيما قبله استقامتهم عليها، والطعن في ديننا في الجملة التالية يقابل فيما قبله توبتهم من الكفر به بدخولهم في جماعته، والمعنى : وإن نكث هؤلاء المشركون ما أبرمته أيمانهم أو ما أقسموا عليه أيمانهم من الوفاء بعد عهدهم الذي عقدوه معكم.
﴿ وطعنوا في دينكم ﴾ أي عابوه وثلبوه بالاستهزاء به وصد الناس عنه وهو الذي عابه عليهم في الآيات المقابلة لهذه، ومنه الطعن في القرآن وفي النبي صلى الله عليه وسلم كما كان يفعل شعراؤهم الذين أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دماءهم، فهذا العطف بيان للواقع وإيذان بأن الطعن في الإسلام ضرب من ضروب نكث الأيمان، ونقض السلم والولاء، كالقتال ومظاهرة الأعداء، فهو من عطف الخاص على العام، وليس المراد به تقييد حل قتالهم بالجمع بين الأمرين، بل هو كقوله :﴿ ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا ﴾[ التوبة : ٤ ].
﴿ فقاتلوا أئمة الكفر ﴾ أي قادة أهله وحملة لوائه، فوضع الاسم الظاهر المبين لشر صفاتهم موضع ضميرهم، وقيل : إن المراد بأئمة الكفر رؤساء المشركين وصناديدهم الذين كانوا يغرونهم بعداوة النبي صلى الله عليه وسلم ويقوونهم لقتاله، وذكر بعض من قال هذا منهم أبا سفيان وأبا جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف ممن كان قتل في بدر أو بعدها، وذلك من الغفلة بمكان لأن السورة نزلت بعد غزوة تبوك وبعد فتح مكة وفي أثنائه أسلم أبو سفيان، وهذه الأحكام إنما تثبت بعد أربعة أشهر من تاريخ تبليغها في يوم النحر من سنة تسع كما تقدم. وحملها بعضهم على الخوارج، وبعضهم على فارس والروم، وبعضهم على المرتدين بجعل الضمائر فيها راجعة إلى الذين تابوا وأقاموا الصلاة الخ، واختاره الزمخشري إذ قال في تفسير ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر ﴾ : فقاتلوهم، فوضع أئمة الكفر موضع ضميرهم إشعارا بأنهم إذا نكثوا في حال الشرك تمردا وطغيانا وطرحا لعادات الكرام الأوفياء من العرب ثم آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وصاروا إخوانا للمسلمين في الدين، ثم رجعوا فارتدوا عن الإسلام ونكثوا ما بايعوا عليه من الإيمان والوفاء بالعهود، وقعدوا يطعنون في دين الله ويقولون ليس دين محمد بشيء، فهم أئمة الكفر وذوو الرياسة والتقدم فيه، لا يشق كافر غبارهم، وقالوا : إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعنا ظاهرا جاز قتله ؛ لأن العهد معقود معه على أن لا يطعن، فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة اه.
ولا أدري ما الذي حمل هؤلاء المفسرين على إخراج الآية عن ظاهرها حتى إنهم رووا عن علي وحذيفة رضي الله عنهما أنهما قالا : ما قوتل أهل هذه الآية بعد، يعنون أنها نزلت في قوم يأتون بعد، وزعم بعضهم أنهم الدجال وقومه من اليهود، والحق أنها صريحة في مشركي العرب أصحاب العهود مع المؤمنين من بقي منهم، ويدخل في حكمها كل من كانت حاله مع المؤمنين كحالهم. فكل من يجمع بين عداوتهم بنكث عهودهم والطعن في دينهم فيجب عده من أئمة الكفر ولهم حكمهم، ومن لم يرهم أهلا لعقد العهد معه على قاعدة المساواة فهو أعدى وأظلم ممن ينكثون الأيمان، وذلك ما نشاهده من الجامعين بين الاعتداء على شعوبنا وبلادنا وبث الدعاة فيها للطعن في ديننا لصدنا عنه واستبدال دينهم به، أو جعلنا معطلين لا دين لهم.
وقد علل تعالى الأمر بقتالهم بقوله :﴿ إنهم لا أيمان لهم ﴾ أي إن عهودهم كلا عهود، لأنها مخادعة لسانية لم يقصدوا الوفاء بها ﴿ يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ﴾ [ الفتح : ١١ ] فهم ينقضونها في أول وهلة يستطيعون فيها ذلك بالظهور أو المظاهرة عليكم.
وقرأ ابن عامر إيمان بكسر الهمزة على أنها مصدر آمنه إيمانا بمعنى إعطاء الأمان. وقرأ هو وعاصم وحمزة والكسائي وروح عن يعقوب أئمة بتحقيق الهمزتين على الأصل والباقون بتليين الثانية، وأما قلبها ياء فليس قراءة ولا لغة ؛ بل هو لحن لا يجوز كما قالوا.
﴿ لعلهم ينتهون ﴾ أي قاتلوهم راجين بقتالكم إياهم أن ينتهوا عن كفرهم وشركهم وما يحملهم عليه من نكث أيمانهم ونقض عهودهم والضراوة بقتالكم كلما قدروا عليه، وهو يتضمن النهي عن القتال اتباعا لهوى النفس أو إرادة منافع الدنيا من سلب وكسب وانتقام محض بالأولى، وتقدم نظيره في تفسير﴿ فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون ﴾ [ الأنفال : ٥٧ ] وهذا مما امتاز به الإسلام على جميع شرائع الأمم وقوانينها من جعل الحرب ضرورة مقيدة بإرادة منع الباطل، وتقرير الحق والفضائل.
واستدل الحنفية بالآية على أن يمين الكافر لا تنعقد، ولو كان كذلك لما وجب علينا الوفاء لمن وفى بها منهم واستقام على وفائه، والآيات صريحة في الوجوب، وإنما نفاها عن الناكثين، وأعلمنا أنهم كانوا عازمين على النكث من أول وهلة وهو علام الغيوب، ولو لم يكن لهم أيمان على الإطلاق لما كان لهم نكث، وقد أثبتتهما لهم الآية التالية.
﴿ ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين( ١٣ ) قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين( ١٤ ) ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم( ١٥ ) ﴾
لعل الله علم أن في نفس جماعة من المؤمنين كرها لقتال من بقي من المشركين بعد فتح مكة وظهور الإسلام لأمنهم من ظهورهم عليهم ورجائهم في إيمانهم، وعلم أنهم يعتذرون لأنفسهم في سرائرهم بما ليس بحق ولا مصلحة للإسلام، وعلم الله أنه يوجد فيهم من المنافقين ومرضى القلوب من يزين ذلك لهم، والله يريد بهذه الأحكام تطهير جزيرة العرب من الشرك وخرافاته وتمحيص المؤمنين من النفاق ودناءاته ؛ لهذا أعاد الكرة إلى إقامة الأدلة على وجوب قتال الناكثين المعتدين منهم بهذه الآيات الجامعة.
فقال عز وجل :
﴿ ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة ﴾ هذا تحريض على قتالهم بأوجه وجوه الأدلة وأقواها، وأوضح أساليب البيان وأسماها، وهو أن الاستفهام للإنكار الذي يحيل النفي إثباتا كما يحول الإثبات إلى النفي، وقد دخل هنا على نفي القتال فكان دليلا على إثباته ووجوبه، وأقام على هذا الوجوب ثلاث حجج.
أحدها : نكثهم لأيمانهم التي حلفوها لتأكيد عهدهم الذي عقدوه مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الحديبية أو لعهدهم الذي عقدته أيمانهم على ترك القتال عشر سنين يأمن بها الناس من الفريقين على أنفسهم ويكونون أحرارا في دينهم، فلم يلبثوا أن نكثوا بمظاهرة حلفائهم بني بكر على خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم، وكان ذلك ليلا بالقرب من مكة على ماء يسمى الهجير، فكان نكثهم هذا من أفظع ما عهد من الغدر كما يدل عليه الشعر الذي أنشده عمرو بن سالم الخزاعي وهو واقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ كان جاءه لينبئه بذلك وهو قوله :
لا همّ إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا١
كنت لنا أبا وكنا ولدا ثُمت أسلمنا ولم ننزع يدا
فانصرهداك الله نصرا أيدا وادعُ عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا في فيلق كالبحر يجري مزبدا
أبيض مثل الشمس يسمو صعدا إن سيم خسفاً وجهه تربّدا
إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا
هم بيتونا بالهجير هجَّدا وقتلونا ركعا وسجدا
وزعموا أن لست ترعى أحدا وهم أذل وأقل عددا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم( لا نصرت إن لم أنصركم )، وتجهز إلى مكة سنة ثمان من الهجرة. هكذا رواه ابن إسحاق ونقله عنه البغوي وغيره.
ثانيها : همهم بإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم من وطنه أو حبسه حيث لا يرى أحدا ولا يراه أحد حتى لا يبلغ دعوة ربه، أو قتله بأيدي عصبة مؤلفة من شبان بطون قريش كلها ليتفرق دمه في القبائل فتتعذر المطالبة به. ائتمروا فيما بينهم بذلك في دار ندوتهم، فكان هو الحامل له على الخروج إلى دار الهجرة، ولذلك اقتصر هنا على ذكر همهم بإخراجه دون همهم بحبسه وهمهم بقتله الذي كان هو الراجح عندهم كما مر تفصيله في تفسير قوله تعالى :﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ﴾ [ الأنفال : ٣٠ ] بل أسند إليهم إخراجه وإخراج من هاجر من المؤمنين في أول سورة الممتحنة ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم ﴾ [ الممتحنة : ١ ].
ثالثها : كونهم كانوا هم البادئين بقتال المؤمنين في بدر ؛ إذ قالوا بعد العلم بنجاة العير التي كانوا خرجوا لإنقاذها : لا ننصرف حتى نستأصل محمدا وأصحابه، ونقيم في بدر أياما نشرب الخمر وتعزف على رؤوسنا القيان، وكذا في أحد والخندق وغيرها، ثم بغدرهم بعد صلح الحديبية كما تقدم، ( والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين )٢ كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في جوامع كلمه متفق عليه من حديث أبي هريرة، ومن المقرر في قواعد العدل العامة أن الجزاء واحدة بواحدة، البادئ أظلم.
ثم قال بعد بيان هذه الحجج ﴿ أتخشونهم ﴾ أي أتتركون قتالهم خشية لهم وجبنا منكم ؟ إن كانت الخشية هي المانعة لكم من قتالهم ﴿ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ﴾ فإن المؤمن حق الإيمان لا يخاف ولا يخشى إلا الله تعالى لعلمه بأنه هو الذي بيده ملكوت كل شيء، فإن خشي غيره بمقتضى سننه تعالى في أسباب الضر والنفع فلا يرجح خشيته على خشية الله تعالى بأن تحمله على عصيانه ومخالفة أمره، بل يرجح خشيته تعالى على خشية غيره، بل لا يخشى غيره حق الخشية.
قيل : إن هذا الاستفهام للإنكار والتوبيخ للمؤمنين، وهذا لا يصح إلا إذا كان تعالى قد علم منهم أنهم يريدون الامتناع عن قتال المشركين خوفا منهم على أنفسهم، وهذا غير معقول، ولا سيما في الحال التي أنزلت فيها هذه الآيات بعد فتح مكة وهدم دولة الشرك، وقد كانوا يقاتلونهم بغير جبن ولا إحجام وهم قليل مستضعفون، والمشركون في عنفوان قوتهم دولة وكثرة وثروة. وإنما هذا احتجاج آخر على جماعة المسلمين الذين لا يخلون من المنافقين ومرضى القلوب والسماعين لهم من المؤمنين الذين كانوا يعظمون ما عظم الله ورسوله من أمر الوفاء بالعهد، ويكرهون القتال لذاته إذا لم توجبه الضرورة كما قال تعالى :﴿ كتب عليكم القتال وهو كره لكم ﴾ [ البقرة : ٢١٦ ] الآية، أو لرجاء انتشار الإسلام بدونه بعد فتح مكة والطائف وهدم دولة الشرك، فهذا الذي اقتضى كل هذه الحجج والبينات على كون نبذ عهود جمهور المشركين دون من وفى منهم بعهده حقا وعدلا، لا يتضمن خيانة ولا غدرا، وأن بقاءهم على حريتهم -وهذه حالهم- خطر لا تؤمن عاقبته.
فهو تعالى يقول للمؤمنين بعد سوق تلك الحجج الثلاث التي تكفي كل واحدة منها لإيجاب قتالهم : إنه لم يبق بعد قيام هذه البينات من سبب يمنع من قتالهم إلا أن يكون الخشية لهم والخوف من قوتهم، وخشية الله أحق وأولى من خشيتهم، فإن كنتم موقنين في إيمانكم فاخشوه وحده عز وجل، وقد رأيتم كيف نصركم عليهم في تلك المواطن الكثيرة ؛ إذ كنتم ضعفاء وكانوا أقوياء. وفيه دليل على أن المؤمن حق الإيمان يكون أشجع الناس وأعلاهم همة ؛ لأنه لا يخشى إلا الله عز وجل.
ثم إنه بعد إقامة هذه الحجج البينة على وجوب قتالهم ودحض شبهة المانع منه صرح بالأمر القطعي به مع الوعد القطعي بإظهار المؤمنين عليهم أكمل الظهور وأتمه، وهذا الوعد من أخبار الغيب التفصيلية في حال معينة، فهو ليس كالوعد العام المجمل في نصر الله لرسله وللمؤمنين الذي يراد به أن العاقبة تكون لهم، ولا يمنع أن تكون الحرب قبلها سجالا لتربية المؤمنين، وقد صدق وعده تعالى مجملا ومفصلا.
لعل الله علم أن في نفس جماعة من المؤمنين كرها لقتال من بقي من المشركين بعد فتح مكة وظهور الإسلام لأمنهم من ظهورهم عليهم ورجائهم في إيمانهم، وعلم أنهم يعتذرون لأنفسهم في سرائرهم بما ليس بحق ولا مصلحة للإسلام، وعلم الله أنه يوجد فيهم من المنافقين ومرضى القلوب من يزين ذلك لهم، والله يريد بهذه الأحكام تطهير جزيرة العرب من الشرك وخرافاته وتمحيص المؤمنين من النفاق ودناءاته ؛ لهذا أعاد الكرة إلى إقامة الأدلة على وجوب قتال الناكثين المعتدين منهم بهذه الآيات الجامعة.
فقال عز وجل :
﴿ ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة ﴾ هذا تحريض على قتالهم بأوجه وجوه الأدلة وأقواها، وأوضح أساليب البيان وأسماها، وهو أن الاستفهام للإنكار الذي يحيل النفي إثباتا كما يحول الإثبات إلى النفي، وقد دخل هنا على نفي القتال فكان دليلا على إثباته ووجوبه، وأقام على هذا الوجوب ثلاث حجج.
أحدها : نكثهم لأيمانهم التي حلفوها لتأكيد عهدهم الذي عقدوه مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الحديبية أو لعهدهم الذي عقدته أيمانهم على ترك القتال عشر سنين يأمن بها الناس من الفريقين على أنفسهم ويكونون أحرارا في دينهم، فلم يلبثوا أن نكثوا بمظاهرة حلفائهم بني بكر على خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم، وكان ذلك ليلا بالقرب من مكة على ماء يسمى الهجير، فكان نكثهم هذا من أفظع ما عهد من الغدر كما يدل عليه الشعر الذي أنشده عمرو بن سالم الخزاعي وهو واقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ كان جاءه لينبئه بذلك وهو قوله :
لا همّ إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا١
كنت لنا أبا وكنا ولدا ثُمت أسلمنا ولم ننزع يدا
فانصرهداك الله نصرا أيدا وادعُ عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا في فيلق كالبحر يجري مزبدا
أبيض مثل الشمس يسمو صعدا إن سيم خسفاً وجهه تربّدا
إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا
هم بيتونا بالهجير هجَّدا وقتلونا ركعا وسجدا
وزعموا أن لست ترعى أحدا وهم أذل وأقل عددا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم( لا نصرت إن لم أنصركم )، وتجهز إلى مكة سنة ثمان من الهجرة. هكذا رواه ابن إسحاق ونقله عنه البغوي وغيره.
ثانيها : همهم بإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم من وطنه أو حبسه حيث لا يرى أحدا ولا يراه أحد حتى لا يبلغ دعوة ربه، أو قتله بأيدي عصبة مؤلفة من شبان بطون قريش كلها ليتفرق دمه في القبائل فتتعذر المطالبة به. ائتمروا فيما بينهم بذلك في دار ندوتهم، فكان هو الحامل له على الخروج إلى دار الهجرة، ولذلك اقتصر هنا على ذكر همهم بإخراجه دون همهم بحبسه وهمهم بقتله الذي كان هو الراجح عندهم كما مر تفصيله في تفسير قوله تعالى :﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ﴾ [ الأنفال : ٣٠ ] بل أسند إليهم إخراجه وإخراج من هاجر من المؤمنين في أول سورة الممتحنة ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم ﴾ [ الممتحنة : ١ ].
ثالثها : كونهم كانوا هم البادئين بقتال المؤمنين في بدر ؛ إذ قالوا بعد العلم بنجاة العير التي كانوا خرجوا لإنقاذها : لا ننصرف حتى نستأصل محمدا وأصحابه، ونقيم في بدر أياما نشرب الخمر وتعزف على رؤوسنا القيان، وكذا في أحد والخندق وغيرها، ثم بغدرهم بعد صلح الحديبية كما تقدم، ( والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين )٢ كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في جوامع كلمه متفق عليه من حديث أبي هريرة، ومن المقرر في قواعد العدل العامة أن الجزاء واحدة بواحدة، البادئ أظلم.
ثم قال بعد بيان هذه الحجج ﴿ أتخشونهم ﴾ أي أتتركون قتالهم خشية لهم وجبنا منكم ؟ إن كانت الخشية هي المانعة لكم من قتالهم ﴿ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ﴾ فإن المؤمن حق الإيمان لا يخاف ولا يخشى إلا الله تعالى لعلمه بأنه هو الذي بيده ملكوت كل شيء، فإن خشي غيره بمقتضى سننه تعالى في أسباب الضر والنفع فلا يرجح خشيته على خشية الله تعالى بأن تحمله على عصيانه ومخالفة أمره، بل يرجح خشيته تعالى على خشية غيره، بل لا يخشى غيره حق الخشية.
قيل : إن هذا الاستفهام للإنكار والتوبيخ للمؤمنين، وهذا لا يصح إلا إذا كان تعالى قد علم منهم أنهم يريدون الامتناع عن قتال المشركين خوفا منهم على أنفسهم، وهذا غير معقول، ولا سيما في الحال التي أنزلت فيها هذه الآيات بعد فتح مكة وهدم دولة الشرك، وقد كانوا يقاتلونهم بغير جبن ولا إحجام وهم قليل مستضعفون، والمشركون في عنفوان قوتهم دولة وكثرة وثروة. وإنما هذا احتجاج آخر على جماعة المسلمين الذين لا يخلون من المنافقين ومرضى القلوب والسماعين لهم من المؤمنين الذين كانوا يعظمون ما عظم الله ورسوله من أمر الوفاء بالعهد، ويكرهون القتال لذاته إذا لم توجبه الضرورة كما قال تعالى :﴿ كتب عليكم القتال وهو كره لكم ﴾ [ البقرة : ٢١٦ ] الآية، أو لرجاء انتشار الإسلام بدونه بعد فتح مكة والطائف وهدم دولة الشرك، فهذا الذي اقتضى كل هذه الحجج والبينات على كون نبذ عهود جمهور المشركين دون من وفى منهم بعهده حقا وعدلا، لا يتضمن خيانة ولا غدرا، وأن بقاءهم على حريتهم -وهذه حالهم- خطر لا تؤمن عاقبته.
فهو تعالى يقول للمؤمنين بعد سوق تلك الحجج الثلاث التي تكفي كل واحدة منها لإيجاب قتالهم : إنه لم يبق بعد قيام هذه البينات من سبب يمنع من قتالهم إلا أن يكون الخشية لهم والخوف من قوتهم، وخشية الله أحق وأولى من خشيتهم، فإن كنتم موقنين في إيمانكم فاخشوه وحده عز وجل، وقد رأيتم كيف نصركم عليهم في تلك المواطن الكثيرة ؛ إذ كنتم ضعفاء وكانوا أقوياء. وفيه دليل على أن المؤمن حق الإيمان يكون أشجع الناس وأعلاهم همة ؛ لأنه لا يخشى إلا الله عز وجل.
ثم إنه بعد إقامة هذه الحجج البينة على وجوب قتالهم ودحض شبهة المانع منه صرح بالأمر القطعي به مع الوعد القطعي بإظهار المؤمنين عليهم أكمل الظهور وأتمه، وهذا الوعد من أخبار الغيب التفصيلية في حال معينة، فهو ليس كالوعد العام المجمل في نصر الله لرسله وللمؤمنين الذي يراد به أن العاقبة تكون لهم، ولا يمنع أن تكون الحرب قبلها سجالا لتربية المؤمنين، وقد صدق وعده تعالى مجملا ومفصلا.
١ ـ الرجز لعمرو بن سالم الخزاعي في تاج العروس (وتر)، وروايته فيه:
ونقضوا ميثاقك المؤكدا وزعموا أن لست تدعو أحدا
وهـــم أذل وأقــل عــددا هـــم بيوتنــا بالوتـيــر هجَّـدا.
٢ ـ أخرجه البخاري في الأدب باب ٨٣، ومسلم في الزهد حديث ٦٣، وأبو داود في الأدب باب ٢٩، وابن ماجه في الفتن باب ١٣، والدارمي في الرقاق باب ٦٥، وأحمد في المسند ٢/ ١١٥، ٣٧٩..
ونقضوا ميثاقك المؤكدا وزعموا أن لست تدعو أحدا
وهـــم أذل وأقــل عــددا هـــم بيوتنــا بالوتـيــر هجَّـدا.
٢ ـ أخرجه البخاري في الأدب باب ٨٣، ومسلم في الزهد حديث ٦٣، وأبو داود في الأدب باب ٢٩، وابن ماجه في الفتن باب ١٣، والدارمي في الرقاق باب ٦٥، وأحمد في المسند ٢/ ١١٥، ٣٧٩..
﴿ ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين( ١٣ ) قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين( ١٤ ) ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم( ١٥ ) ﴾
لعل الله علم أن في نفس جماعة من المؤمنين كرها لقتال من بقي من المشركين بعد فتح مكة وظهور الإسلام لأمنهم من ظهورهم عليهم ورجائهم في إيمانهم، وعلم أنهم يعتذرون لأنفسهم في سرائرهم بما ليس بحق ولا مصلحة للإسلام، وعلم الله أنه يوجد فيهم من المنافقين ومرضى القلوب من يزين ذلك لهم، والله يريد بهذه الأحكام تطهير جزيرة العرب من الشرك وخرافاته وتمحيص المؤمنين من النفاق ودناءاته ؛ لهذا أعاد الكرة إلى إقامة الأدلة على وجوب قتال الناكثين المعتدين منهم بهذه الآيات الجامعة.
فقوله :﴿ قاتلوهم ﴾ معناه باشروا قتالهم كما أمرتم، فإنكم إن تقاتلوهم ﴿ يعذبهم الله يأيديكم ﴾ بتمكينها من رقابهم قتلا، ومن صدورهم ونحورهم طعنا، يعقبهم في قلوبهم يأسا، لا يدع في أنفسهم بأسا، فالظاهر أنه تعالى أسند التعذيب إلى اسمه ؛ لأنه أمر زائد على أسبابه من الطعن والضرب، وما يفضيان إليه من القتل والجرح، وكل قوم يقاتلون فإنهم يصابون بالطعن والضرب، ويقتل بعضهم ويجرح بعض، ولا يسمون معذبين بذلك وحده فإن الغالب والمغلوب فيه سواء، وإنما يدل هذا الإسناد على أنه تعالى سيحدث في أنفس المشركين في هذا القتال ألما نفسيا لعل أظهر أسبابه اليأس، ولذلك قال :﴿ ويخزهم ﴾ بذل الأسر والقهر والفقر لمن لم يقتل منهم.
﴿ وينصركم عليهم ﴾ أكمل النصر وأتمه، بحيث لا يعود لهم بعد هذه المرة قوة ولا سلطان يعودون به إلى قتالكم، كما كان شأنهم بعد نصركم عليهم في بدر وغيرها.
﴿ ويشف صدور قوم مؤمنين ﴾ كان هؤلاء المشركون قد نالوا منهم ما نالوا في سلطانهم، فكان في صدورهم من موجدة القهر والذل ما لا شفاء له إلا بهذا النصر عليهم، وهؤلاء المؤمنون هم الذين غدر بهم المشركون كخزاعة، والذين كانوا في دار الشرك عاجزين عن الهجرة.
لعل الله علم أن في نفس جماعة من المؤمنين كرها لقتال من بقي من المشركين بعد فتح مكة وظهور الإسلام لأمنهم من ظهورهم عليهم ورجائهم في إيمانهم، وعلم أنهم يعتذرون لأنفسهم في سرائرهم بما ليس بحق ولا مصلحة للإسلام، وعلم الله أنه يوجد فيهم من المنافقين ومرضى القلوب من يزين ذلك لهم، والله يريد بهذه الأحكام تطهير جزيرة العرب من الشرك وخرافاته وتمحيص المؤمنين من النفاق ودناءاته ؛ لهذا أعاد الكرة إلى إقامة الأدلة على وجوب قتال الناكثين المعتدين منهم بهذه الآيات الجامعة.
فقوله :﴿ قاتلوهم ﴾ معناه باشروا قتالهم كما أمرتم، فإنكم إن تقاتلوهم ﴿ يعذبهم الله يأيديكم ﴾ بتمكينها من رقابهم قتلا، ومن صدورهم ونحورهم طعنا، يعقبهم في قلوبهم يأسا، لا يدع في أنفسهم بأسا، فالظاهر أنه تعالى أسند التعذيب إلى اسمه ؛ لأنه أمر زائد على أسبابه من الطعن والضرب، وما يفضيان إليه من القتل والجرح، وكل قوم يقاتلون فإنهم يصابون بالطعن والضرب، ويقتل بعضهم ويجرح بعض، ولا يسمون معذبين بذلك وحده فإن الغالب والمغلوب فيه سواء، وإنما يدل هذا الإسناد على أنه تعالى سيحدث في أنفس المشركين في هذا القتال ألما نفسيا لعل أظهر أسبابه اليأس، ولذلك قال :﴿ ويخزهم ﴾ بذل الأسر والقهر والفقر لمن لم يقتل منهم.
﴿ وينصركم عليهم ﴾ أكمل النصر وأتمه، بحيث لا يعود لهم بعد هذه المرة قوة ولا سلطان يعودون به إلى قتالكم، كما كان شأنهم بعد نصركم عليهم في بدر وغيرها.
﴿ ويشف صدور قوم مؤمنين ﴾ كان هؤلاء المشركون قد نالوا منهم ما نالوا في سلطانهم، فكان في صدورهم من موجدة القهر والذل ما لا شفاء له إلا بهذا النصر عليهم، وهؤلاء المؤمنون هم الذين غدر بهم المشركون كخزاعة، والذين كانوا في دار الشرك عاجزين عن الهجرة.
﴿ ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين( ١٣ ) قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين( ١٤ ) ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم( ١٥ ) ﴾
لعل الله علم أن في نفس جماعة من المؤمنين كرها لقتال من بقي من المشركين بعد فتح مكة وظهور الإسلام لأمنهم من ظهورهم عليهم ورجائهم في إيمانهم، وعلم أنهم يعتذرون لأنفسهم في سرائرهم بما ليس بحق ولا مصلحة للإسلام، وعلم الله أنه يوجد فيهم من المنافقين ومرضى القلوب من يزين ذلك لهم، والله يريد بهذه الأحكام تطهير جزيرة العرب من الشرك وخرافاته وتمحيص المؤمنين من النفاق ودناءاته ؛ لهذا أعاد الكرة إلى إقامة الأدلة على وجوب قتال الناكثين المعتدين منهم بهذه الآيات الجامعة.
﴿ ويذهب غيظ قلوبهم ﴾ الذي كان وقر فيها إلى هذا العهد من غدر المشركين، ومن ظلمهم لمن لم يكن له مجير من المسلمين، فشفاء الصدور بعز الإسلام بالنصر العام الشامل لهؤلاء ولغيرهم هو غير ذهاب ما في قلوبهم من الغيظ والحقد على من غدرهم وظلمهم.
ولما كان من أسباب كراهة المؤمنين لقتالهم حرصهم بعد ظهور الإسلام بفتح مكة على إيمانهم بالإقناع كما تقدم قريبا أخبرهم الله تعالى بأن هذا التعذيب والخزي الذي سينزله بهم لا يعمهم، وإنما هو خاص بمن استحوذ عليهم الكفر وأحاط بهم حتى لم يبق فيهم استعداد للإيمان، وأن غيرهم سيتوب من شركه ويقبل، فقال :﴿ ويتوب الله على من يشاء ﴾ منهم، فيوفقه للإيمان ويقبله منه.
﴿ والله عليم حكيم ﴾ يعلم ما لا تعلمون من استعدادهم في حالهم ومستقبل أمرهم، ويشرع لكم من الأحكام فيهم ما تقتضيه حكمته في إقامة دينه وإظهاره على الدين كله، فمشيئته في التائبين والمصرين تجري بمقتضى علمه المحيط بشؤون خلقه وحكمته البالغة في السنن التي وضعها لسير الاجتماع البشري وفي الأحكام التي شرعها لهداية الناس.
ومن سنته تفاوت البشر في العقائد والأخلاق والأعمال، وقابلية التحول من حال إلى حال، كدرجات تأثير الشرك في أنفس الأفراد من قوة يترتب عليها الإصرار إلى الممات، وضعف قابل للزوال في بعض الأوقات، بما يطرأ على أصحابها من الأسباب والمؤثرات، وليست مشيئته تعالى في التوبة على من يتوب عليه منهم إكراها على الإيمان كما تزعمه الجبرية، ولا من الخلق الأُنُف الذي تزعمه القدرية. بل هو بحسب المقادير الإلهية الثابتة بآيات التنزيل ونظام الاجتماع، فلو كان بالجبر والإكراه لما كان لهم فيه اختيار، يستحقون به دخول الجنة والنجاة من النار، ولو كان بالخلق المستأنف لكان من قبيل المحاباة في التفضيل الإلهي المحض لبعضهم على بعض، وذلك ينافي العدل والحكمة. وحاش لله من ذلك، ما كان لله أن يحابي أعدى أعداء رسوله وأبغضهم إليه صلى الله عليه وسلم كوحشي قاتل حمزة أخيه في الرضاع وعمه، وأبي سفيان المحرض الأكبر للعرب على قتاله، وعكرمة بن أبي جهل فرعون هذه الأمة، فيخلق لهم الإيمان ويجبرهم عليه، من حيث يحرم منه أبا طالب عمه وناصره بعصبة النسب وهو أحبهم إليه.
وقد استدلت المجبرة -ومنهم جمهور الأشعرية- بهذه الآية على الجبر ونفي الاختيار فيما هو أظهر مما ذكر، وهو إخباره تعالى بأنه هو الذي يعذب المشركين، فيقتل بعضهم ويجرح آخرين بأيدي المؤمنين، فهذا يدل بزعمهم على أن أيديهم كسيوفهم ورماحهم ليست إلا آلات لا تأثير لها ألبتة، وأن الكسب الذي هو مناط التكليف اسم لا مسمى له، ودلالة هذه الجملة عندهم أقوى في المسألة من دلالة قوله تعالى :﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ [ الأنفال : ١٧ ]، فإن في هذا إثباتا لإسناد الرمي إلى النبي صلى الله عليه وسلم من جهة مباشرته لأخذ التراب من الأرض، وإلقائه على المشركين، أو في جهتهم مع نفيه عنه ثم إسناده إلى الله تعالى من جهة أثر، ه وهو وصول التراب إلى وجوههم، وأما ههنا فقد أسند التعذيب إلى الله وحده وأنه يفعله بأيدي المؤمنين. وقد بينا آنفا أن لهذا التعذيب معنى وراء القتل والجرح الذي هو كسب المؤمنين وعملهم هو فعل الله وحده، على أن الحق فوق المذهبين وإن أريد بالتعذيب القتل والجرح، كما تعلم من قول كبيري نظارهم، وما نقفي به عليه تأييده للمأثور عن السلف :
أجاب الجبائي إمام المعتزلة عن الآية محتجا على المجبرة بأنه لو جاز أن يقال : إنه تعالى يعذب الكافرين بأيدي المؤمنين، لجاز أن يقال : إنه يعذب المؤمنين بأيدي الكافرين، ولجاز أن يقال : إنه يكذب أنبياءه على ألسنة الكفار، ويلعن المؤمنين على ألسنتهم، لأنه تعالى خالق لذلك، فلما لم يجز ذلك عند المجبرة علم أنه تعالى لم يخلق أعمال العباد، وإنما نسب ما ذكر إلى نفسه على سبيل التوسع، من حيث إنه حصل بأمره وألطافه، كما يضيف جميع الطاعات إليه بهذا التفسير اه.
حكى عنه هذا الجواب الرازي مدره١ الأشاعرة في تفسير للآية، وقال : إن أصحابه يجيبون عنه بما خلاصته أنهم يلتزمون كل ما ألزمهم إياه اعتقادا، وإن كانوا لا ينطقون به أدبا مع الله تعالى، والرازي جبري قح، ولا يلتزم كل الأشاعرة ما يلتزمه ويسنده إليهم، فهذا البيضاوي من فحولهم يفسر تعذيب المشركين بأيدي المؤمنين بتمكينهم منهم، وقد سبق لنا في مواضع من هذا التفسير تفنيد المذهبين، وبيان أن خلقه تعالى لكل شيء لا ينافي خلقه الإرادة والاختيار للعباد فيما أقدرهم عليه من الأفعال. وإنما أعدناه هنا لأن شبهة المجبرة في جملة ﴿ يعذبهم الله بأيديكم ﴾ أقوى منها في كل ما سبق من الآيات التي يستدلون بها على الجبر، وسيأتي مثلها في قوله تعالى :﴿ أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ﴾ [ الواقعة : ٦٣، ٦٤ ]، وفهم القرآن لا يكون صحيحا إلا بالجمع بين الآيات المتقابلة في الموضوع الواحد الذي يختلف التعبير فيه باختلاف الوجوه والاعتبارات التي ضلت الفرق بنظر كل منها إلى إحداها دون الأخرى مطلقا أو جعلها ما وافق مذهبها أصلا يرد غيره إليه بالتأويل قريبا كان أو بعيدا، ومثل الجبرية مع القدرية هنا كمثل المرجئة مع الوعيدية من الخوارج وغيرهم في آيات الوعد والوعيد، فهؤلاء كلهم من ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ [ الحجر : ٩١ ] وضربوا بعضه ببعض.
والذي حققناه في مسألة أفعال العباد مرارا أنه قد ثبت بالحس والوجدان، وبالمئات من آيات القرآن، أن للناس أفعالا يأتونها بإرادتهم وقدرتهم واختيارهم تسند إليهم ويشتق منها صفات لهم، ويستحقون الجزاء عليها في الدنيا والآخرة، وأن الله تعالى الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى هو الذي أعطاهم القدرة والإرادة والاختيار، كما أعطاهم الأعضاء والحواس، وهو الذي سخر لهم ما تتعلق به أعمالهم في معايشهم ومنافعهم، وهو يسند إليهم هذه الأعمال ويصفهم بها في مواضع كثيرة في المقامات التي تقتضي هذا الإسناد أو الوصف، ويسند بعضها إلى ذاته وإلى مشيئته ويصف نفسه بما يليق به وصفه منها في المقامات التي تقتضي ذلك، فكما قال :﴿ أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ﴾ [ الواقعة : ٦٤ ] قال :﴿ يعجب الزراع ﴾ [ الفتح : ٢٩ ] ولكل مقام مقال. ووصف الزارع لم يرد في أسماء الله الحسنى، ولا في صفاته مستقلا، كما أنه لا يوصف تعالى بأمثاله من صفات أفعال العباد، ولا تسند إليه كالأكل والشرب والقيام والقعود، وأخص أفعال الضعف والنقص كالنوم والتعب والألم، وإنما يسند إليه تعالى بعض أعمالهم التي لا نقص فيها بأسلوب إقامة الحجة وتقرير بعض المسائل، كقوله في الاستدلال بخلقهم على قدرته على بعثهم ﴿ أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ؟ ﴾ [ الواقعة : ٥٨. ٥٩ ] الخ الآيات، فاستدل أولا بخلقه للمني الذي يولدون منه، فأسند إليهم فعل إخراجه بالجماع، وإلى ذاته خلق مادته، ثم استدل بالنبات فأسند إليهم حرثه، وأسند إليه زرعه أي إنباته وجعله حبا وثمرا يؤكل، فيتولد ذلك المني منه بدون فعل لهم فيه، ثم بالماء، فأسند إليهم شربه وأسند إليه إنزاله، ثم بالنار التي يعالجون بها طعامهم المؤلف غالبا من النبات والماء، فأسند إليهم إيراءها وإيقادها بحك الزندين من شجرتها، وأسند إليه إنشاء الشجرة.
فعلم من السياق كله أن المراد بالزرع في قوله :﴿ أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ؟ ﴾ الإنبات لما يزرع حتى يصير حبا وثمرا يؤكل، ولم يفهم أحد من العرب الذين نزلت هذه الآيات لتقرب من عقولهم ما كانوا يستبعدونه من البعث بعد الموت أن الله تعالى ينفي عنهم فعل زرع الحبوب في الأرض التي يحرثونها ويثبتها لذاته وحده، أو يريد أنه هو الذي يحرك أيديهم بفعل الزرع بدون إرادة لهم ولا اختيار فيه كما يحرك الدم في أجسادهم، ويحرك أعضاء الجهاز الهضمي من المعدة والأمعاء في هضم طعامهم، وإنما كانوا يفهمون منه أنه هو الذي جعل الأرض منبتة لما يبذرونه فيها، بل هو الذي خلق الأرض والحب والماء والهواء، وسخر هذه الأسباب لهم، ولولا ذلك كله لما أمكنهم أن يزرعوا، ولولا أنه يزيل موانع الإنبات والآفات التي تفسد الزرع لما أمكن أي يستفيدوا منه بعد زرعه ونباته، ولذلك قال :﴿ لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون إنا لمغرمون بل نحن محرومون ﴾ [ الواقعة : ٦٥، ٦٧ ] ويستحيل أن يكون فعلهم في الحرث والزرع مما يجعل حطاما، فإنه عرض زال، وإنما المراد الحاصل منه الذي يؤكل.
وقد روي عن مجاهد تفسير تزرعونه بقوله : تنبتونه، وبه أخذ البغوي وابن كثير، وهو تفسير له بما لولاه لم يكن له فائدة. وقال ابن جرير في تفسيره : أأنتم تصيرونه زرعا أم نحن نجعله كذلك ؟ اه. فأنت ترى أن أهل التفسير المأثور ورواته لم يقولوا إن في الآية كلمة تدل على الجبر، وكذلك فحول المفسرين بالمعقول، وحاصل كلامهم أن الزرع أطلق على غايته وهو إخراج نبته وسلامته من الهلاك، لا على بدئه الذي هو شق الأرض وإلقاء البزر فيها.
ويقال مثله في قوله تعالى :﴿ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ﴾ وهو أن المراد بالتعذيب غاية القتال وفائدته وهو فعل الله وحده، لا مبدؤه وهو كسب المؤمنين من قتل وجرح، فهو كقوله تعالى في النصر يوم بدر﴿ فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ﴾ [ الأنفال : ١٧ ]، وقد تقدم أنه لا دليل فيه على بدعة الجبر التي لم تكن تخطر في بال أحد من الصحابة رضي الله عنهم ( راجع ج ٩ تفسير )، على أن معنى التعذيب إيجاد العذاب الذي هو الشعور بالألم، وهو من فعل الله لا من كسب البشر، فهذه الآية أبعد من آية الأنفال عن الجبر وأهله، وللعذاب هنا معنى آخر غير الشعور بالألم خطر لنا الآن، وهو أن ما يصيب الجماعات والأمم من الآلام والشدائد يكون لبعضها تربية وتمحيصا تهذب به أفرادها، ويرتقى بها مجموعها، وهو جدير بأن يسمى رحمة لا عذابا، ويكون لبعض آخر نقمة وقصاصا عادلا يمحى به باطل الجماعة ويمحق به طغاتها الفاسدون والمفسدون، وهو الجدير باسم العذاب، الذي وعد الله هنا بجعله عاقبة القتال لمن يقتل فقط، دون من يتوب ويؤمن، والحمد لله أنه كان الأكثر. وهو لا يتعارض مع وصف أكثرهم بالفسق في هذا السياق نفسه، فإنما كان ذلك حال أكثرهم عند نزول الآيات، وهذا ما انتهى إليه أمرهم بعد تربية مجموعهم بالقتال.
واستشكل بعض المفسرين تعذيب الله إياهم مع قوله تعالى من سورة الأنفال ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ [ الأنفال : ٣٣ ]، وأجاب عنه بأن المراد بالعذاب المنفي هنالك عذاب الاستئصال، ونقول : إنه لا محل للاستشكال ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن في هؤلاء الذي وعد تعالى هنا بتعذيبهم كما كان في مكة بين مشركيها حين قالوا ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ [ الأنفال : ٣٢ ]، يعنون عذابا كعذاب أقوام الرسل الذين كذبوهم جحودا وعنادا وخوفهم الله تعالى بمثله في كتابه، وهو العذاب الذي نفى الله وقوعه كما قال المستشكل هنا حيث لا مجال للاستشكال. فإن التعذيب هنالك نقمة محضة، وما كان ليقع على قوم نبي الرحمة، وأما هنا فإنه انتقام من بعضهم بما هو رحمة لمجموعهم، فهو كقطع العضو المجذوم من الجسد لأجل سلامة جملته، كما قال في حكمة ما لقوا من
لعل الله علم أن في نفس جماعة من المؤمنين كرها لقتال من بقي من المشركين بعد فتح مكة وظهور الإسلام لأمنهم من ظهورهم عليهم ورجائهم في إيمانهم، وعلم أنهم يعتذرون لأنفسهم في سرائرهم بما ليس بحق ولا مصلحة للإسلام، وعلم الله أنه يوجد فيهم من المنافقين ومرضى القلوب من يزين ذلك لهم، والله يريد بهذه الأحكام تطهير جزيرة العرب من الشرك وخرافاته وتمحيص المؤمنين من النفاق ودناءاته ؛ لهذا أعاد الكرة إلى إقامة الأدلة على وجوب قتال الناكثين المعتدين منهم بهذه الآيات الجامعة.
﴿ ويذهب غيظ قلوبهم ﴾ الذي كان وقر فيها إلى هذا العهد من غدر المشركين، ومن ظلمهم لمن لم يكن له مجير من المسلمين، فشفاء الصدور بعز الإسلام بالنصر العام الشامل لهؤلاء ولغيرهم هو غير ذهاب ما في قلوبهم من الغيظ والحقد على من غدرهم وظلمهم.
ولما كان من أسباب كراهة المؤمنين لقتالهم حرصهم بعد ظهور الإسلام بفتح مكة على إيمانهم بالإقناع كما تقدم قريبا أخبرهم الله تعالى بأن هذا التعذيب والخزي الذي سينزله بهم لا يعمهم، وإنما هو خاص بمن استحوذ عليهم الكفر وأحاط بهم حتى لم يبق فيهم استعداد للإيمان، وأن غيرهم سيتوب من شركه ويقبل، فقال :﴿ ويتوب الله على من يشاء ﴾ منهم، فيوفقه للإيمان ويقبله منه.
﴿ والله عليم حكيم ﴾ يعلم ما لا تعلمون من استعدادهم في حالهم ومستقبل أمرهم، ويشرع لكم من الأحكام فيهم ما تقتضيه حكمته في إقامة دينه وإظهاره على الدين كله، فمشيئته في التائبين والمصرين تجري بمقتضى علمه المحيط بشؤون خلقه وحكمته البالغة في السنن التي وضعها لسير الاجتماع البشري وفي الأحكام التي شرعها لهداية الناس.
ومن سنته تفاوت البشر في العقائد والأخلاق والأعمال، وقابلية التحول من حال إلى حال، كدرجات تأثير الشرك في أنفس الأفراد من قوة يترتب عليها الإصرار إلى الممات، وضعف قابل للزوال في بعض الأوقات، بما يطرأ على أصحابها من الأسباب والمؤثرات، وليست مشيئته تعالى في التوبة على من يتوب عليه منهم إكراها على الإيمان كما تزعمه الجبرية، ولا من الخلق الأُنُف الذي تزعمه القدرية. بل هو بحسب المقادير الإلهية الثابتة بآيات التنزيل ونظام الاجتماع، فلو كان بالجبر والإكراه لما كان لهم فيه اختيار، يستحقون به دخول الجنة والنجاة من النار، ولو كان بالخلق المستأنف لكان من قبيل المحاباة في التفضيل الإلهي المحض لبعضهم على بعض، وذلك ينافي العدل والحكمة. وحاش لله من ذلك، ما كان لله أن يحابي أعدى أعداء رسوله وأبغضهم إليه صلى الله عليه وسلم كوحشي قاتل حمزة أخيه في الرضاع وعمه، وأبي سفيان المحرض الأكبر للعرب على قتاله، وعكرمة بن أبي جهل فرعون هذه الأمة، فيخلق لهم الإيمان ويجبرهم عليه، من حيث يحرم منه أبا طالب عمه وناصره بعصبة النسب وهو أحبهم إليه.
وقد استدلت المجبرة -ومنهم جمهور الأشعرية- بهذه الآية على الجبر ونفي الاختيار فيما هو أظهر مما ذكر، وهو إخباره تعالى بأنه هو الذي يعذب المشركين، فيقتل بعضهم ويجرح آخرين بأيدي المؤمنين، فهذا يدل بزعمهم على أن أيديهم كسيوفهم ورماحهم ليست إلا آلات لا تأثير لها ألبتة، وأن الكسب الذي هو مناط التكليف اسم لا مسمى له، ودلالة هذه الجملة عندهم أقوى في المسألة من دلالة قوله تعالى :﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ [ الأنفال : ١٧ ]، فإن في هذا إثباتا لإسناد الرمي إلى النبي صلى الله عليه وسلم من جهة مباشرته لأخذ التراب من الأرض، وإلقائه على المشركين، أو في جهتهم مع نفيه عنه ثم إسناده إلى الله تعالى من جهة أثر، ه وهو وصول التراب إلى وجوههم، وأما ههنا فقد أسند التعذيب إلى الله وحده وأنه يفعله بأيدي المؤمنين. وقد بينا آنفا أن لهذا التعذيب معنى وراء القتل والجرح الذي هو كسب المؤمنين وعملهم هو فعل الله وحده، على أن الحق فوق المذهبين وإن أريد بالتعذيب القتل والجرح، كما تعلم من قول كبيري نظارهم، وما نقفي به عليه تأييده للمأثور عن السلف :
أجاب الجبائي إمام المعتزلة عن الآية محتجا على المجبرة بأنه لو جاز أن يقال : إنه تعالى يعذب الكافرين بأيدي المؤمنين، لجاز أن يقال : إنه يعذب المؤمنين بأيدي الكافرين، ولجاز أن يقال : إنه يكذب أنبياءه على ألسنة الكفار، ويلعن المؤمنين على ألسنتهم، لأنه تعالى خالق لذلك، فلما لم يجز ذلك عند المجبرة علم أنه تعالى لم يخلق أعمال العباد، وإنما نسب ما ذكر إلى نفسه على سبيل التوسع، من حيث إنه حصل بأمره وألطافه، كما يضيف جميع الطاعات إليه بهذا التفسير اه.
حكى عنه هذا الجواب الرازي مدره١ الأشاعرة في تفسير للآية، وقال : إن أصحابه يجيبون عنه بما خلاصته أنهم يلتزمون كل ما ألزمهم إياه اعتقادا، وإن كانوا لا ينطقون به أدبا مع الله تعالى، والرازي جبري قح، ولا يلتزم كل الأشاعرة ما يلتزمه ويسنده إليهم، فهذا البيضاوي من فحولهم يفسر تعذيب المشركين بأيدي المؤمنين بتمكينهم منهم، وقد سبق لنا في مواضع من هذا التفسير تفنيد المذهبين، وبيان أن خلقه تعالى لكل شيء لا ينافي خلقه الإرادة والاختيار للعباد فيما أقدرهم عليه من الأفعال. وإنما أعدناه هنا لأن شبهة المجبرة في جملة ﴿ يعذبهم الله بأيديكم ﴾ أقوى منها في كل ما سبق من الآيات التي يستدلون بها على الجبر، وسيأتي مثلها في قوله تعالى :﴿ أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ﴾ [ الواقعة : ٦٣، ٦٤ ]، وفهم القرآن لا يكون صحيحا إلا بالجمع بين الآيات المتقابلة في الموضوع الواحد الذي يختلف التعبير فيه باختلاف الوجوه والاعتبارات التي ضلت الفرق بنظر كل منها إلى إحداها دون الأخرى مطلقا أو جعلها ما وافق مذهبها أصلا يرد غيره إليه بالتأويل قريبا كان أو بعيدا، ومثل الجبرية مع القدرية هنا كمثل المرجئة مع الوعيدية من الخوارج وغيرهم في آيات الوعد والوعيد، فهؤلاء كلهم من ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ [ الحجر : ٩١ ] وضربوا بعضه ببعض.
والذي حققناه في مسألة أفعال العباد مرارا أنه قد ثبت بالحس والوجدان، وبالمئات من آيات القرآن، أن للناس أفعالا يأتونها بإرادتهم وقدرتهم واختيارهم تسند إليهم ويشتق منها صفات لهم، ويستحقون الجزاء عليها في الدنيا والآخرة، وأن الله تعالى الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى هو الذي أعطاهم القدرة والإرادة والاختيار، كما أعطاهم الأعضاء والحواس، وهو الذي سخر لهم ما تتعلق به أعمالهم في معايشهم ومنافعهم، وهو يسند إليهم هذه الأعمال ويصفهم بها في مواضع كثيرة في المقامات التي تقتضي هذا الإسناد أو الوصف، ويسند بعضها إلى ذاته وإلى مشيئته ويصف نفسه بما يليق به وصفه منها في المقامات التي تقتضي ذلك، فكما قال :﴿ أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ﴾ [ الواقعة : ٦٤ ] قال :﴿ يعجب الزراع ﴾ [ الفتح : ٢٩ ] ولكل مقام مقال. ووصف الزارع لم يرد في أسماء الله الحسنى، ولا في صفاته مستقلا، كما أنه لا يوصف تعالى بأمثاله من صفات أفعال العباد، ولا تسند إليه كالأكل والشرب والقيام والقعود، وأخص أفعال الضعف والنقص كالنوم والتعب والألم، وإنما يسند إليه تعالى بعض أعمالهم التي لا نقص فيها بأسلوب إقامة الحجة وتقرير بعض المسائل، كقوله في الاستدلال بخلقهم على قدرته على بعثهم ﴿ أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ؟ ﴾ [ الواقعة : ٥٨. ٥٩ ] الخ الآيات، فاستدل أولا بخلقه للمني الذي يولدون منه، فأسند إليهم فعل إخراجه بالجماع، وإلى ذاته خلق مادته، ثم استدل بالنبات فأسند إليهم حرثه، وأسند إليه زرعه أي إنباته وجعله حبا وثمرا يؤكل، فيتولد ذلك المني منه بدون فعل لهم فيه، ثم بالماء، فأسند إليهم شربه وأسند إليه إنزاله، ثم بالنار التي يعالجون بها طعامهم المؤلف غالبا من النبات والماء، فأسند إليهم إيراءها وإيقادها بحك الزندين من شجرتها، وأسند إليه إنشاء الشجرة.
فعلم من السياق كله أن المراد بالزرع في قوله :﴿ أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ؟ ﴾ الإنبات لما يزرع حتى يصير حبا وثمرا يؤكل، ولم يفهم أحد من العرب الذين نزلت هذه الآيات لتقرب من عقولهم ما كانوا يستبعدونه من البعث بعد الموت أن الله تعالى ينفي عنهم فعل زرع الحبوب في الأرض التي يحرثونها ويثبتها لذاته وحده، أو يريد أنه هو الذي يحرك أيديهم بفعل الزرع بدون إرادة لهم ولا اختيار فيه كما يحرك الدم في أجسادهم، ويحرك أعضاء الجهاز الهضمي من المعدة والأمعاء في هضم طعامهم، وإنما كانوا يفهمون منه أنه هو الذي جعل الأرض منبتة لما يبذرونه فيها، بل هو الذي خلق الأرض والحب والماء والهواء، وسخر هذه الأسباب لهم، ولولا ذلك كله لما أمكنهم أن يزرعوا، ولولا أنه يزيل موانع الإنبات والآفات التي تفسد الزرع لما أمكن أي يستفيدوا منه بعد زرعه ونباته، ولذلك قال :﴿ لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون إنا لمغرمون بل نحن محرومون ﴾ [ الواقعة : ٦٥، ٦٧ ] ويستحيل أن يكون فعلهم في الحرث والزرع مما يجعل حطاما، فإنه عرض زال، وإنما المراد الحاصل منه الذي يؤكل.
وقد روي عن مجاهد تفسير تزرعونه بقوله : تنبتونه، وبه أخذ البغوي وابن كثير، وهو تفسير له بما لولاه لم يكن له فائدة. وقال ابن جرير في تفسيره : أأنتم تصيرونه زرعا أم نحن نجعله كذلك ؟ اه. فأنت ترى أن أهل التفسير المأثور ورواته لم يقولوا إن في الآية كلمة تدل على الجبر، وكذلك فحول المفسرين بالمعقول، وحاصل كلامهم أن الزرع أطلق على غايته وهو إخراج نبته وسلامته من الهلاك، لا على بدئه الذي هو شق الأرض وإلقاء البزر فيها.
ويقال مثله في قوله تعالى :﴿ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ﴾ وهو أن المراد بالتعذيب غاية القتال وفائدته وهو فعل الله وحده، لا مبدؤه وهو كسب المؤمنين من قتل وجرح، فهو كقوله تعالى في النصر يوم بدر﴿ فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ﴾ [ الأنفال : ١٧ ]، وقد تقدم أنه لا دليل فيه على بدعة الجبر التي لم تكن تخطر في بال أحد من الصحابة رضي الله عنهم ( راجع ج ٩ تفسير )، على أن معنى التعذيب إيجاد العذاب الذي هو الشعور بالألم، وهو من فعل الله لا من كسب البشر، فهذه الآية أبعد من آية الأنفال عن الجبر وأهله، وللعذاب هنا معنى آخر غير الشعور بالألم خطر لنا الآن، وهو أن ما يصيب الجماعات والأمم من الآلام والشدائد يكون لبعضها تربية وتمحيصا تهذب به أفرادها، ويرتقى بها مجموعها، وهو جدير بأن يسمى رحمة لا عذابا، ويكون لبعض آخر نقمة وقصاصا عادلا يمحى به باطل الجماعة ويمحق به طغاتها الفاسدون والمفسدون، وهو الجدير باسم العذاب، الذي وعد الله هنا بجعله عاقبة القتال لمن يقتل فقط، دون من يتوب ويؤمن، والحمد لله أنه كان الأكثر. وهو لا يتعارض مع وصف أكثرهم بالفسق في هذا السياق نفسه، فإنما كان ذلك حال أكثرهم عند نزول الآيات، وهذا ما انتهى إليه أمرهم بعد تربية مجموعهم بالقتال.
واستشكل بعض المفسرين تعذيب الله إياهم مع قوله تعالى من سورة الأنفال ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ [ الأنفال : ٣٣ ]، وأجاب عنه بأن المراد بالعذاب المنفي هنالك عذاب الاستئصال، ونقول : إنه لا محل للاستشكال ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن في هؤلاء الذي وعد تعالى هنا بتعذيبهم كما كان في مكة بين مشركيها حين قالوا ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ [ الأنفال : ٣٢ ]، يعنون عذابا كعذاب أقوام الرسل الذين كذبوهم جحودا وعنادا وخوفهم الله تعالى بمثله في كتابه، وهو العذاب الذي نفى الله وقوعه كما قال المستشكل هنا حيث لا مجال للاستشكال. فإن التعذيب هنالك نقمة محضة، وما كان ليقع على قوم نبي الرحمة، وأما هنا فإنه انتقام من بعضهم بما هو رحمة لمجموعهم، فهو كقطع العضو المجذوم من الجسد لأجل سلامة جملته، كما قال في حكمة ما لقوا من
١ ـ مدْرَه، كمنبر: السيد الشريف، والمقدم في اللسان واليد عند الخصومة والقتال، وهو ذو تَُدرَههم، بالضم: أي الدافع عنهم..
﴿ أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون( ١٦ ) ﴾
هذه الآية خاتمة هذا السياق في الحث على جهاد المشركين لتطهير جزيرة العرب من الشرك وطغيانه وخرافاته، وإصرار الراسخين فيه على عداوة الإسلام والمسلمين، وقد كان الكلام في الآيات التي قبلها في بيان حال المشركين في مواصلة ما بدؤوا به من قتال المؤمنين لأجل دينهم، وقتال هؤلاء لهم إلى حد الفصل التام بين الفريقين على الوجه الذي قامت به الحجج الناصعة على كون المؤمنين على الحق في هذا القتال التي لو عرضت على المنصفين من أهل كل ملة لحكموا للمؤمنين عليهم، وقد بسطت في الآيات السابقة بالتفصيل المسهب الذي ليس وراءه غاية، وإنني لا أذكر أنه يوجد في الكتاب العزيز سياق فيه من الإسهاب والتأكيد والتكرار مثل ما في هذا السياق، ولم أر فيما اطلعت عليه من التفاسير من سبق إلى ما وفقني تعالى له من بيان نكتته، والإفصاح بحكمته، والتكرار الذي يقتضيه المقام أعظم أركان البلاغة ؛ لأنه أعظم أسباب إقناع العقل والتأثير في الوجدان. وأما الكلام في هذه الآية فهو في بيان حال جماعة المسلمين وشأنهم في الجهاد الحق الذي يتوقف عليه تمحيصهم من ضعف الإيمان، والهوادة في حقوق الإسلام.
ويقول الجمهور إن«أم » في مثل هذه الجملة هي المنقطعة التي تفيد معنى الإضراب والاستفهام، والمراد بالإضراب هنا تحويل سياق الكلام عن بيان ما يوجب على المؤمنين قتال الكافرين من بدئهم بالقتال لمحض عداوة الإيمان وأهله، ومن نكثهم للأيمان والعهود بعد إبرامها وتوثيقها وغير ذلك مما تقدم، والانتقال منه إلى ما يتعلق بحال المؤمنين أنفسهم، وما لهم من الفائدة العظيمة في الجهاد الحق للمشركين. وتقدم في تفسير آية ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء ﴾ [ البقرة : ١٤ ] من سورة البقرة أن شيخنا رحمه الله تعالى قال : إن «أم » فيها لمحض الاستفهام، مراعى فيها معادلته لاستفهام آخر يؤخذ من سياق الكلام، وليس فيها من معنى الإضراب شيء، ثم فصل القول في المسألة في تفسير آية آل عمران﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ﴾ [ آل عمران : ١٤٢ ] ورأينا أبا جعفر ابن جرير قد جرى في تفسيره على أن الاستفهام في هذه الآيات في مقابلة استفهام آخر.
ونفي العلم الإلهي في هذه الآيات يراد به نفي المعلوم الذي هو متعلقه بالطريقة البرهانية كما تقدم تحقيقه في تفسير آية آل عمران. والوليجة ما يلج في الأمر أو القوم مما ليس منه أو منهم كالدخيلة، وهو يطلق على الواحد والكثير وقد يجمع على ولائج ويشمل السريرة الفاسدة والنية الخبيثة، وبطانة السوء من المنافقين والمشركين، وهو المراد هنا ؛ لأنه هو الذي يتخذ.
والخطاب لمجموع المسلمين الذين كانوا لا يخلون من بقية من المنافقين ومرضى القلوب الذين يثبطون عن القتال. والمعنى على هذا : هل جاهدتم المشركين حق الجهاد وأمنتم عودتهم إلى قتالكم كما بدؤوكم أول مرة، وأمنتم نكث من عاهدتم منهم لأيمانهم كما نكثوا من قبل ؟ وهل علمتم أنهم تركوا الطعن في دينكم وصد الناس عنه كما هو دأبهم منذ ظهر الإسلام ؟ وهل نسيتم ما اعتذر به المنافقون الذين تخلفوا عن الخروج مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تبوك من الأعذار الملفقة الباطلة، وما كان من خبث الذين خرجوا معكم إليها، وتثبيطهم إياكم عن القتال، وغير ذلك مما فضحتهم به هذه السورة ؟
﴿ أم حسبتم أن تتركوا ﴾ وشأنكم بغير امتحان ولا افتتان.
﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ﴾ أي والحال أنه لم يظهر فيكم إلى الآن ما يمتاز به أولئك الذين جاهدوا منكم في الله حق جهاده من المنافقين ومرضى القلوب.
﴿ ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة ﴾ أي ولم يتخذوا لأنفسهم دخيلة وبطانة من المشركين الذين يحادون الله تعالى بالشرك به، ويحادون رسوله بالصد عن دعوته، ويقاتلون المؤمنين أنصار الله ورسوله، يطلعون أولئك الولائج على أسرار الملة، ويقفونهم على سياسة الأمة، كما فعل ويفعل المنافقون ومرضى القلوب فيكم. فهو بمعنى قوله تعالى :﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ﴾ [ آل عمران : ١١٨ ] عبر عن عدم ظهور هؤلاء المجاهدين الصادقين وتميزهم من المنافقين وضعفاء الإيمان بعدم علمه بهم ؛ لأن عدم علمه تعالى بالشيء برهان على عدم ثبوته أو وجوده، ولا يوجد هؤلاء ممتازين ظاهرين إلا بما مضت به السنة في الاجتماع من الابتلاء بالشدائد، كما قال في أول سورة العنكبوت﴿ الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ﴾ [ العنكبوت : ١-٣ ].
وقد ثبت في الصحيح أن حاطب بن أبي بلتعة -وهو من أهل بدر- قد تودد إلى مشركي مكة، وكتب إليهم كتابا يخبرهم به بما عزم عليه النبي صلى الله عليه وسلم من قتالهم بعد نقضهم لعهده الذي كان في الحديبية، ليكافئوه على ذلك بعدم الاعتداء على ما كان له لديهم في مكة من أهل ومال، فما القول في المنافقين، ومن دون مثل حاطب من ضعفاء المؤمنين ؟ إن ما فشا بين المسلمين في ذلك العهد من كراهة قتال المشركين لم يكن كل سببه ما تقدم من كراهة بعض المؤمنين للقتال بنية صحيحة، بل كان من أسبابه دسائس يلقيها المشركون إلى أصدقاء لهم أو أولي قربى من المنافقين وضعفاء الإيمان، حتى قال بعض المفسرين : إن هذه الآية خطاب لهم من دون المؤمنين الصادقين، والصواب أن الخطاب لجماعة المسلمين كما تقدم، ذكر به الغافل، وأنذر به المنافق، فبين لهم أن منهم من يتخذ وليجة من أعدائهم، وأنه لا بد من التمييز بين الخبيث والطيب منهم، بما دل عليه النفي ب( لما ) الدال على توقع المنفي لقرب وقوعه، وأكد هذا الإخبار والإنذار بقوله :
﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ أي عالم بخفايا ما تعملون الآن وبعد الآن، محيط بدقائقه، وقد مضت سنته بأن يكون التكليف الذي يشق على الأنفس هو الذي يمحص ما في القلوب، ويطهر السرائر، ويزكي الأنفس بقدر استعداد معدنها، وأنه هو الذي يبرز السرائر الخبيثة ويظهر سوء معدنها، والواو في الجملة حالية، أي أحسبتم وظننتم أن تتركوا قبل أن يتم هذا التمحيص والتمييز بين الذين صدقوا في جهادهم والكاذبين من فاسدي السريرة، ومتخذي الوليجة، وهو إلى الآن لم يعلم هؤلاء المجاهدين منكم ؛ لأنهم لم يتميزوا من غيرهم بالفعل، وإن ما لا يعلمه الله هو الذي لا وجود له، لأنه لا يخفى عليه شيء من أمركم، وكيف ذلك والله خبير بما تعملون.
فهذه الآية بمعنى آيات أول سورة العنكبوت وآيتي البقرة وآل عمران اللتين أشرنا إليهما وإلى ما تقدم من تفسيرهما، فليرجع إليه من شاء الوقوف على ما فيهما من العلم والعبرة، والموازنة بين مسلمي عصرنا ومسلمي العصر الأول. وقد ثبت بالاختبار أن للحروب على ما يكون فيها من العدوان والشرور فوائد عظيمة في ترقية الأمم ورفع شأنها بقدر استعدادها، وناهيك بالحرب إذا التزم فيها ما قرره الإسلام من إحقاق الحق وإبطال الباطل، ومراعاة قواعد العدل والفضيلة، كاحترام العهود، وتحريم الخيانة، وتقدير الضرورة فيها بقدرها، ووضع كل من الشدة والرحمة في موضعها، كما تقدم بيانه في تفسير آيات هذه السورة وآيات سورة الأنفال قبلها، وكذا آيات القتال من سورتي البقرة وآل عمران، وكذلك كان المسلمون الأولون في جميع حروبهم على تفاوت بين سلفهم وخلفهم، وقد شهد لهم بذلك علماء التاريخ والاجتماع من الإفرنج المنصفين على قلتهم حتى قال حكيم كبير١ منهم : ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب.
هذه الآية خاتمة هذا السياق في الحث على جهاد المشركين لتطهير جزيرة العرب من الشرك وطغيانه وخرافاته، وإصرار الراسخين فيه على عداوة الإسلام والمسلمين، وقد كان الكلام في الآيات التي قبلها في بيان حال المشركين في مواصلة ما بدؤوا به من قتال المؤمنين لأجل دينهم، وقتال هؤلاء لهم إلى حد الفصل التام بين الفريقين على الوجه الذي قامت به الحجج الناصعة على كون المؤمنين على الحق في هذا القتال التي لو عرضت على المنصفين من أهل كل ملة لحكموا للمؤمنين عليهم، وقد بسطت في الآيات السابقة بالتفصيل المسهب الذي ليس وراءه غاية، وإنني لا أذكر أنه يوجد في الكتاب العزيز سياق فيه من الإسهاب والتأكيد والتكرار مثل ما في هذا السياق، ولم أر فيما اطلعت عليه من التفاسير من سبق إلى ما وفقني تعالى له من بيان نكتته، والإفصاح بحكمته، والتكرار الذي يقتضيه المقام أعظم أركان البلاغة ؛ لأنه أعظم أسباب إقناع العقل والتأثير في الوجدان. وأما الكلام في هذه الآية فهو في بيان حال جماعة المسلمين وشأنهم في الجهاد الحق الذي يتوقف عليه تمحيصهم من ضعف الإيمان، والهوادة في حقوق الإسلام.
ويقول الجمهور إن«أم » في مثل هذه الجملة هي المنقطعة التي تفيد معنى الإضراب والاستفهام، والمراد بالإضراب هنا تحويل سياق الكلام عن بيان ما يوجب على المؤمنين قتال الكافرين من بدئهم بالقتال لمحض عداوة الإيمان وأهله، ومن نكثهم للأيمان والعهود بعد إبرامها وتوثيقها وغير ذلك مما تقدم، والانتقال منه إلى ما يتعلق بحال المؤمنين أنفسهم، وما لهم من الفائدة العظيمة في الجهاد الحق للمشركين. وتقدم في تفسير آية ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء ﴾ [ البقرة : ١٤ ] من سورة البقرة أن شيخنا رحمه الله تعالى قال : إن «أم » فيها لمحض الاستفهام، مراعى فيها معادلته لاستفهام آخر يؤخذ من سياق الكلام، وليس فيها من معنى الإضراب شيء، ثم فصل القول في المسألة في تفسير آية آل عمران﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ﴾ [ آل عمران : ١٤٢ ] ورأينا أبا جعفر ابن جرير قد جرى في تفسيره على أن الاستفهام في هذه الآيات في مقابلة استفهام آخر.
ونفي العلم الإلهي في هذه الآيات يراد به نفي المعلوم الذي هو متعلقه بالطريقة البرهانية كما تقدم تحقيقه في تفسير آية آل عمران. والوليجة ما يلج في الأمر أو القوم مما ليس منه أو منهم كالدخيلة، وهو يطلق على الواحد والكثير وقد يجمع على ولائج ويشمل السريرة الفاسدة والنية الخبيثة، وبطانة السوء من المنافقين والمشركين، وهو المراد هنا ؛ لأنه هو الذي يتخذ.
والخطاب لمجموع المسلمين الذين كانوا لا يخلون من بقية من المنافقين ومرضى القلوب الذين يثبطون عن القتال. والمعنى على هذا : هل جاهدتم المشركين حق الجهاد وأمنتم عودتهم إلى قتالكم كما بدؤوكم أول مرة، وأمنتم نكث من عاهدتم منهم لأيمانهم كما نكثوا من قبل ؟ وهل علمتم أنهم تركوا الطعن في دينكم وصد الناس عنه كما هو دأبهم منذ ظهر الإسلام ؟ وهل نسيتم ما اعتذر به المنافقون الذين تخلفوا عن الخروج مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تبوك من الأعذار الملفقة الباطلة، وما كان من خبث الذين خرجوا معكم إليها، وتثبيطهم إياكم عن القتال، وغير ذلك مما فضحتهم به هذه السورة ؟
﴿ أم حسبتم أن تتركوا ﴾ وشأنكم بغير امتحان ولا افتتان.
﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ﴾ أي والحال أنه لم يظهر فيكم إلى الآن ما يمتاز به أولئك الذين جاهدوا منكم في الله حق جهاده من المنافقين ومرضى القلوب.
﴿ ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة ﴾ أي ولم يتخذوا لأنفسهم دخيلة وبطانة من المشركين الذين يحادون الله تعالى بالشرك به، ويحادون رسوله بالصد عن دعوته، ويقاتلون المؤمنين أنصار الله ورسوله، يطلعون أولئك الولائج على أسرار الملة، ويقفونهم على سياسة الأمة، كما فعل ويفعل المنافقون ومرضى القلوب فيكم. فهو بمعنى قوله تعالى :﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ﴾ [ آل عمران : ١١٨ ] عبر عن عدم ظهور هؤلاء المجاهدين الصادقين وتميزهم من المنافقين وضعفاء الإيمان بعدم علمه بهم ؛ لأن عدم علمه تعالى بالشيء برهان على عدم ثبوته أو وجوده، ولا يوجد هؤلاء ممتازين ظاهرين إلا بما مضت به السنة في الاجتماع من الابتلاء بالشدائد، كما قال في أول سورة العنكبوت﴿ الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ﴾ [ العنكبوت : ١-٣ ].
وقد ثبت في الصحيح أن حاطب بن أبي بلتعة -وهو من أهل بدر- قد تودد إلى مشركي مكة، وكتب إليهم كتابا يخبرهم به بما عزم عليه النبي صلى الله عليه وسلم من قتالهم بعد نقضهم لعهده الذي كان في الحديبية، ليكافئوه على ذلك بعدم الاعتداء على ما كان له لديهم في مكة من أهل ومال، فما القول في المنافقين، ومن دون مثل حاطب من ضعفاء المؤمنين ؟ إن ما فشا بين المسلمين في ذلك العهد من كراهة قتال المشركين لم يكن كل سببه ما تقدم من كراهة بعض المؤمنين للقتال بنية صحيحة، بل كان من أسبابه دسائس يلقيها المشركون إلى أصدقاء لهم أو أولي قربى من المنافقين وضعفاء الإيمان، حتى قال بعض المفسرين : إن هذه الآية خطاب لهم من دون المؤمنين الصادقين، والصواب أن الخطاب لجماعة المسلمين كما تقدم، ذكر به الغافل، وأنذر به المنافق، فبين لهم أن منهم من يتخذ وليجة من أعدائهم، وأنه لا بد من التمييز بين الخبيث والطيب منهم، بما دل عليه النفي ب( لما ) الدال على توقع المنفي لقرب وقوعه، وأكد هذا الإخبار والإنذار بقوله :
﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ أي عالم بخفايا ما تعملون الآن وبعد الآن، محيط بدقائقه، وقد مضت سنته بأن يكون التكليف الذي يشق على الأنفس هو الذي يمحص ما في القلوب، ويطهر السرائر، ويزكي الأنفس بقدر استعداد معدنها، وأنه هو الذي يبرز السرائر الخبيثة ويظهر سوء معدنها، والواو في الجملة حالية، أي أحسبتم وظننتم أن تتركوا قبل أن يتم هذا التمحيص والتمييز بين الذين صدقوا في جهادهم والكاذبين من فاسدي السريرة، ومتخذي الوليجة، وهو إلى الآن لم يعلم هؤلاء المجاهدين منكم ؛ لأنهم لم يتميزوا من غيرهم بالفعل، وإن ما لا يعلمه الله هو الذي لا وجود له، لأنه لا يخفى عليه شيء من أمركم، وكيف ذلك والله خبير بما تعملون.
فهذه الآية بمعنى آيات أول سورة العنكبوت وآيتي البقرة وآل عمران اللتين أشرنا إليهما وإلى ما تقدم من تفسيرهما، فليرجع إليه من شاء الوقوف على ما فيهما من العلم والعبرة، والموازنة بين مسلمي عصرنا ومسلمي العصر الأول. وقد ثبت بالاختبار أن للحروب على ما يكون فيها من العدوان والشرور فوائد عظيمة في ترقية الأمم ورفع شأنها بقدر استعدادها، وناهيك بالحرب إذا التزم فيها ما قرره الإسلام من إحقاق الحق وإبطال الباطل، ومراعاة قواعد العدل والفضيلة، كاحترام العهود، وتحريم الخيانة، وتقدير الضرورة فيها بقدرها، ووضع كل من الشدة والرحمة في موضعها، كما تقدم بيانه في تفسير آيات هذه السورة وآيات سورة الأنفال قبلها، وكذا آيات القتال من سورتي البقرة وآل عمران، وكذلك كان المسلمون الأولون في جميع حروبهم على تفاوت بين سلفهم وخلفهم، وقد شهد لهم بذلك علماء التاريخ والاجتماع من الإفرنج المنصفين على قلتهم حتى قال حكيم كبير١ منهم : ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب.
١ ـ هو الدكتور غوستاف لوبون حكيم الأمة الفرنسوية وصاحب كتاب حضارة العرب (المؤلف)..
﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون( ١٧ ) إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين( ١٨ ) ﴾
للتناسب والاتصال بين هاتين الآيتين ( وما بعدهما إلى الآية ٢٢ ) وما قبلهما وجه وجيه واضح، وإن غفل عنه الرازي وأبو السعود وأمثالهما ممن يعنون بالغوص على التناسب بين الآيات، وهاك بيانه :
قال الله تعالى :﴿ إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين ﴾ [ آل عمران : ٩٦ ] وقال :﴿ وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ﴾ [ البقرة : ١٢٥ ]، وقص علينا تعالى في سورة البقرة خبر بناء إبراهيم وإسماعيل لهذا البيت وما كانا يدعوان به عند رفع قواعده من جعلهما مسلمين ومن ذريتهما أمة مسلمة له، وبعث رسول منهم يتلو عليهم آياتهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، وقد استجاب الله تعالى دعاءهما كله فكان من ذريتهما أمة مسلمة موحدة له تعالى تقيم دينه في بيته وفي غيره كما أمر، ثم طال عليهم الأمد فطرأت عليهم الوثنية، وترك جماهيرهم ملة إبراهيم الحنيفية، حتى بعث فيهم منهم محمدا رسول الله وخاتم النبيين، تكملة لدعوة جده إبراهيم، فقاوم المشركون دعوته، وصدوه ومن آمن به عن المسجد الحرام وأخرجوهم من ديارهم بجواره، ثم ما زالوا يقاتلونهم في دار هجرتهم إلى أن صدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، ومكنهم من فتح مكة، وأدال للتوحيد من الشرك، وللحق من الباطل.
فلما زالت ولاية المشركين عن المسجد الحرام، وطهره الرسول صلى الله عليه وسلم مما كان فيه من الأصنام، بقي أن يطهره من العبادة الباطلة التي كان المشركون يأتونها فيه، وأن يبين لهم الوجه في كون المسلمين أحق به منهم، فلما آذنهم بنبذ عهودهم وأمر عليا كرم الله وجهه أن يتلو أوائل سورة براءة على مسامع وفودهم في يوم الحج الأكبر من سنة تسع للهجرة، كان من مقاصد هذا البلاغ العام أن يعلموا أن عبادتهم الشركية ستمنع من المسجد الحرام بعد ذلك العام بالتبع لزوال ولايتهم العارضة عليه، فكان علي وأعوانه ينادون في يوم النحر بمنى : لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وإنما أمهلهم إلى موسم السنة التالية لفتح مكة لسببين فيما يظهر :
أحدهما : أنه كان فيهم أصحاب عهد مع المسلمين من قبل الفتح، كان من شروطه أن لا يمنع من المسجد الحرام أحد من الفريقين، والوفاء بالعهد من أهم أحكام الإسلام فأمهلهم إلى انقضاء عهودهم بنبذ ما جاز نبذه، وإتمام ما وجب إتمامه، ولم يمكن إعلامهم بذلك إلا في موسم السنة التاسعة كما أمر الله تعالى.
وثانيهما : أنه كان يتعذر منع من لا عهد لهم في موسمي العامين الثامن والتاسع بدون قتال في أرض الحرم ؛ لأنهم كانوا بمقتضى التقاليد يأتون للحج من كل فج وهم، كثيرون ولا يمكن التمييز بين المشرك والمسلم، ولا المعاهد وغير المعاهد، إلا بعد وصولهم إلى البيت، وشروعهم في الطواف فيه، فكيف السبيل إلى منع المشرك منهم بعد ذلك بغير قتال فيه فضلا عن سائر الحرم، والقتال محرم فيه ؟
وقد قال صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : إنها أحلت له ساعة من نهار ولم تحل لأحد قبله، ولن تحل لأحد بعده ؟ فعلم من هذا أن منع عبادة الشرك من المسجد الحرام، وإبطال ما كان المشركون يدعونه ويفخرون به من حق عمارته الحسية، وإيئاسهم من الاشتراك فيها، كان يتوقف على ما ذكر من نبذ عهودهم، ومن العدل الواجب في الإسلام إعلامهم بذلك قبل تنفيذه بزمن طويل يكفي لعلم الجماهير منهم به، وهذا المنع هو ما تضمنته هاتان الآيتان على أكمل وجه، وفسره علي كرم الله وجهه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم من الجهة الخاصة، فحسن أن يوضع هو وما يتلوه بعد آيات ذلك النبذ والأذان، وما تلاه من التهديد بالقتال بعد عود حالته إلى ما كانت عليه قبل العهود، وهو المقصود بالذات بقسميه السلبي والإيجابي. وسيأتي النهي عن تمكينهم من القرب من المسجد الحرام أيضا في الآية ( ٢٨ )
قال تعالى :
﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ﴾ النفي في مثل هذا التعبير يسمى نفي الشأن كما سبق بيانه في نظائره، مع بيان أنه أبلغ من نفي الفعل طبعا أو شرعا ؛ لأنه نفي له بالدليل. والمساجد جمع مسجد، وهو في اللغة مكان السجود، وقد صار اسما للبيوت التي يعبد فيها الله تعالى وحده، كما قال تعالى :﴿ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ﴾ [ الجن : ١٨ ].
قرأ أبو عمرو ويعقوب وابن كثير﴿ مسجد الله ﴾ بالإفراد، وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد وابن جبير وهم أكبر مفسري السلف.
وقرأ باقي السبعة وآخرون﴿ مساجد الله ﴾ بالجمع.
والمتبادر من الإفراد إرادة المسجد الحرام ؛ لأنه المفرد العلم الأكمل الأفضل من المساجد، وكلها لله، وإن كان المفرد المضاف يفيد العموم في الأصل، والمراد من المساجد جنسها الذي يصدق بأي فرد من أفرادها، كما يقولون فلان يخدم الملوك وإن لم يخدم إلا واحدا منهم، وفلان يركب البراذين أو الحمير وإن لم يركب إلا واحدا منها، ومنه ﴿ والخيل والبغال والحمير لتركبوها ﴾ [ النحل : ٨ ]، على أن بعضهم زعم أن المراد بالجمع المسجد الحرام أيضا، وعللوه بقول الحسن : إنما قال مساجد لأنه قبلة المساجد كلها، وهو ضعيف وركيك، ويقتضي أن النفي وما يتضمنه من المنع خاص به، وهو باطل إجماعا. وتفسير المفرد بالجمع لإفادته العموم بالإضافة أصح لفظا ومعنى، لولا أنهما تكرار لا تظهر له فائدة، فالحق أن كلا من القراءتين مقصود، وفائدة ذكر المفرد مع الجمع التنويه بمكانته، وكونه محل النزاع، وسبب القتال بين المؤمنين والمشركين.
وعمارة المسجد في اللغة لزومه والإقامة فيه للعبادة أو لخدمته بالترميم والتنظيف ونحوهما، وعبادة الله فيه، وزيارته للعبادة، ومنها الحج والعمرة. قال في اللسان : عمر الرجل ماله وبيته يعمر [ بالضم ] عمارة وعمورا وعمرانا لزمه... ويقال لساكن الدار : عامر، والجمع عمار. ( وهنا ذكر البيت المعمور وما روي في تفسيره، وقال : والمعمور المخدوم )، ثم ذكر : عمر الرجل الله بمعنى عبده، قال : والعمارة [ بالكسر ] ما يعمر به المكان، والعمارة [ بالضم ] أجرة العمارة. [ قال ] : والعمرة [ بالضم ] طاعة الله عز وجل، والعمرة في الحج معروفة مأخوذة من الاعتمار، وهو الزيارة والقصد... وهو في الشرع زيارة البيت الحرام بالشروط المخصوصة المعروفة. قال الزمخشري : ولم يجئ فيما أعلم عمر بمعنى اعتمر، ولكن عمر الله إذا عبده، وعمر فلان ركعتين إذا صلاهما، وهو يعمر ربه يصلي ويصوم اه ملخصا.
وقال الراغب : العمارة نقيض الخراب، يقال : عمر أرضه يعمرها عمارة. وقوله :﴿ إنما يعمر مساجد الله ﴾ إما من العمارة التي هي حفظ البناء، أو من العمرة التي هي الزيارة، أو من قولهم : عمرت بمكان كذا أي أقمت به، لأنه يقال : عمرت المكان وعمرت بالمكان انتهى. وظاهره أنه يقال : عمر بمعنى اعتمر فليحرر.
فعلم من هذه النصوص أن عمارة المسجد تطلق على عبادة الله فيه مطلقا، وعلى النسك المخصوص المسمى بالعمرة وهي خاصة بالمسجد الحرام، وعلى لزومه والإقامة فيه لخدمته الحسية، وعلى بنيانه وترميمه. وكل ذلك مراد هنا ؛ لأن اللفظ يدل عليه والمقام يقتضيه. والمختار عندنا استعمال المشترك في معانيه التي يقتضيها المقام تبعا للشافعي وابن جرير.
روي عن ابن عباس أنه لما أسر العباس يوم بدر عيره المسلمون بالكفر وقطيعة الرحم وأغلظ علي له القول، فقال العباس : ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا ؟ فقال له علي رضي الله عنه : ألكم محاسن ؟ فقال : نعم، إننا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحاج، فأنزل الله عز وجل ردا على العباس ﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ﴾ الخ، والمراد أنها تتضمن الرد على ذلك القول الذي كان يقوله ويفخر به هو وغيره من كبراء المشركين أيضا، لا أنها نزلت عند ما قال ذلك القول لأجل الرد عليه في أيام بدر من السنة الثانية من الهجرة ؛ بل نزلت في ضمن السورة بعد الرجوع من غزوة تبوك كما تقدم.
ومعنى الجملة : ما كان ينبغي ولا يصح للمشركين- ولا من شأنهم الذي يقتضيه شركهم، أو الذي يشرعه، أو يرضاه الله منهم، أو يقرهم عليه- أن يعمروا مسجد الله الأعظم وبيته المحرم بالإقامة فيه للعبادة أو الخدمة والولاية عليه، ولا أن يزوروه حجاجا ومعتمرين، ولا شيئا من سائر مساجده كذلك.
﴿ شاهدين على أنفسهم بالكفر ﴾ أي ما كان لهم ذلك في حال كونهم كافرين شاهدين على أنفسهم بالكفر قولا وعملا ؛ لأن هذا جمع بين الضدين، فإن عمارة مساجد الله الحسية إنما تكون لعمارتها المعنوية بعبادته فيها وحده، ولا تصح ولا تقع إلا من المؤمن الموحد له، وذلك ضد الكفر به، وأي كفر بالله أظهر وأشد من الشرك به ومساواته ببعض خلقه في العبادة ؟ وهو ما كانوا يفعلونه من عبادة الأصنام بالاستشفاع بها، والسجود لما وضعوه في البيت منها عقب كل شوط من طوافهم فيه، وأي اعتراف به أصرح من نص تلبيتهم له تعالى وهي قولهم بأفواههم : لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. وكانوا يكفرون بالبعث والجزاء أيضا، ولما بعث فيهم محمد رسول الله وخاتم النبيين كفروا به وبما جاء به من البينات والهدى، كفر سادتهم وكبراؤهم جحودا وعنادا، وتبعهم دهماؤهم خضوعا لهم وتقليدا. ومن النصوص الدالة على جحودهم آية﴿ فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ﴾ [ الأنعام : ٣٣ ]، ومن الأدلة على عنادهم آية ﴿ وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ [ الأنفال : ٣٢ ].
فقوله تعالى :[ شاهدين ] الخ قيد للنفي قبله مبين لعلته، والعلة الحقيقية هي نفس الكفر لا الشهادة به، ونكتة تقييده بها بيان أنه كفر صريح معترف به لا تمكن المكابرة فيه. وقد قيل : إنه لا يجوز للمسلمين أن يستخدموا الكفار في بناء المساجد ؛ لأنه من العمارة الحسية الممنوعة، وفيه نظر ؛ لأن الممنوع منها إنما هو الولاية عليها، والاستقلال بالقيام بمصالحها، كأن يكون ناظر المسجد وأوقافه كافرا. وأما استخدام المسلمين للكافر في عمل لا ولاية فيه كنحت الحجارة، والبناء والنجارة، فلا يظهر دخوله في المنع، ولا فيما ذكر من نفي الشأن، فإن نفي الشأن المذكور دليل على التشريع في هذه المسألة، وكونه حقا مبنيا على أساس ثابت في فطرة البشر وليس تشريعا لها. والدلالة فيه عقلية علمية كما علم من تفسيرنا له.
[ فإن قيل ] قد وقع من بعض الحكام والأفراد من غير المسلمين أن بنى مسجدا للمسلمين، ومنهم من أوصى بمال لعمارة مسجد لهم لمصلحة له في ذلك. [ قلت ] : إن هذا لا يعارض ما فسرنا به نفي الشأن، ولا ما بني عليه من الحكم، وللمسلمين أن يقبلوا مثل هذا المسجد وهذه الوصية بشرط أن لا يكون فيهما ضرر آخر ديني ولا سياسي، لأنه حينئذ يكون كمسجد الضرار الذي يأتي ذكره في هذه السورة، فلو عرض اليهود على المسلمين في هذا العصر أن يعمروا المسجد الأقصى بترميم ما كان تداعى أو ضعف من بنائه، أو بذلوا لهم مالا لذلك لما جاز لهم أن يقبلوا هذا ولا ذاك وإن لم يتول اليهود العمل، لما علم من طمعهم في الاستيلاء على هذا المسجد والتوسل له بما يجعلونه ذريعة لادعاء حق ما لهم فيه، على كفرهم بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وكتابيهما، وقولهم على مريم بهتانا عظيما.
﴿ أولئك حبطت أعمالهم ﴾ أي أولئك المشركون الكافرون بالله وبما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم قد حبطت أعمالهم التي يفخرون بها من عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج وغيرهما من أعمال البر كقري الضيف وصلة الرحم، أي بطلت وفسدت حتى لم يبق لها أدنى تأثير في صلاح أنفسهم مع الشرك والكفر ومفاسدهما، وأصله من الحبط، وهو بالتحريك أن تأكل البهيمة حتى تنتفخ ويفسد جوفها. قال تعالى :﴿ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ﴾ [ الزمر : ٦٥ ] ﴿ ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ﴾ [ الأنعام : ٨٨ ] ﴿ أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ﴾[ الكهف : ١٠٥ ].
﴿ وفي النار هم خالدون ﴾ أي وهم مقيمون في دار العذاب التي تسمى النار دون غيرها، إقامة خلود وبقاء لكفرهم المحبط لأعمالهم الحسنة حتى لا أثر لها في تزكية أنفسهم وإحاطة خطيئاتهم بها وتدسيتها لها، فلم يبق فيها أدنى استعداد لجوار الله تعالى في دار الكرامة، وما ثمة إلا الجنة أو النار ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير ﴾ [ الشورى : ٧ ].
للتناسب والاتصال بين هاتين الآيتين ( وما بعدهما إلى الآية ٢٢ ) وما قبلهما وجه وجيه واضح، وإن غفل عنه الرازي وأبو السعود وأمثالهما ممن يعنون بالغوص على التناسب بين الآيات، وهاك بيانه :
قال الله تعالى :﴿ إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين ﴾ [ آل عمران : ٩٦ ] وقال :﴿ وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ﴾ [ البقرة : ١٢٥ ]، وقص علينا تعالى في سورة البقرة خبر بناء إبراهيم وإسماعيل لهذا البيت وما كانا يدعوان به عند رفع قواعده من جعلهما مسلمين ومن ذريتهما أمة مسلمة له، وبعث رسول منهم يتلو عليهم آياتهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، وقد استجاب الله تعالى دعاءهما كله فكان من ذريتهما أمة مسلمة موحدة له تعالى تقيم دينه في بيته وفي غيره كما أمر، ثم طال عليهم الأمد فطرأت عليهم الوثنية، وترك جماهيرهم ملة إبراهيم الحنيفية، حتى بعث فيهم منهم محمدا رسول الله وخاتم النبيين، تكملة لدعوة جده إبراهيم، فقاوم المشركون دعوته، وصدوه ومن آمن به عن المسجد الحرام وأخرجوهم من ديارهم بجواره، ثم ما زالوا يقاتلونهم في دار هجرتهم إلى أن صدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، ومكنهم من فتح مكة، وأدال للتوحيد من الشرك، وللحق من الباطل.
فلما زالت ولاية المشركين عن المسجد الحرام، وطهره الرسول صلى الله عليه وسلم مما كان فيه من الأصنام، بقي أن يطهره من العبادة الباطلة التي كان المشركون يأتونها فيه، وأن يبين لهم الوجه في كون المسلمين أحق به منهم، فلما آذنهم بنبذ عهودهم وأمر عليا كرم الله وجهه أن يتلو أوائل سورة براءة على مسامع وفودهم في يوم الحج الأكبر من سنة تسع للهجرة، كان من مقاصد هذا البلاغ العام أن يعلموا أن عبادتهم الشركية ستمنع من المسجد الحرام بعد ذلك العام بالتبع لزوال ولايتهم العارضة عليه، فكان علي وأعوانه ينادون في يوم النحر بمنى : لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وإنما أمهلهم إلى موسم السنة التالية لفتح مكة لسببين فيما يظهر :
أحدهما : أنه كان فيهم أصحاب عهد مع المسلمين من قبل الفتح، كان من شروطه أن لا يمنع من المسجد الحرام أحد من الفريقين، والوفاء بالعهد من أهم أحكام الإسلام فأمهلهم إلى انقضاء عهودهم بنبذ ما جاز نبذه، وإتمام ما وجب إتمامه، ولم يمكن إعلامهم بذلك إلا في موسم السنة التاسعة كما أمر الله تعالى.
وثانيهما : أنه كان يتعذر منع من لا عهد لهم في موسمي العامين الثامن والتاسع بدون قتال في أرض الحرم ؛ لأنهم كانوا بمقتضى التقاليد يأتون للحج من كل فج وهم، كثيرون ولا يمكن التمييز بين المشرك والمسلم، ولا المعاهد وغير المعاهد، إلا بعد وصولهم إلى البيت، وشروعهم في الطواف فيه، فكيف السبيل إلى منع المشرك منهم بعد ذلك بغير قتال فيه فضلا عن سائر الحرم، والقتال محرم فيه ؟
وقد قال صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : إنها أحلت له ساعة من نهار ولم تحل لأحد قبله، ولن تحل لأحد بعده ؟ فعلم من هذا أن منع عبادة الشرك من المسجد الحرام، وإبطال ما كان المشركون يدعونه ويفخرون به من حق عمارته الحسية، وإيئاسهم من الاشتراك فيها، كان يتوقف على ما ذكر من نبذ عهودهم، ومن العدل الواجب في الإسلام إعلامهم بذلك قبل تنفيذه بزمن طويل يكفي لعلم الجماهير منهم به، وهذا المنع هو ما تضمنته هاتان الآيتان على أكمل وجه، وفسره علي كرم الله وجهه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم من الجهة الخاصة، فحسن أن يوضع هو وما يتلوه بعد آيات ذلك النبذ والأذان، وما تلاه من التهديد بالقتال بعد عود حالته إلى ما كانت عليه قبل العهود، وهو المقصود بالذات بقسميه السلبي والإيجابي. وسيأتي النهي عن تمكينهم من القرب من المسجد الحرام أيضا في الآية ( ٢٨ )
قال تعالى :
﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ﴾ النفي في مثل هذا التعبير يسمى نفي الشأن كما سبق بيانه في نظائره، مع بيان أنه أبلغ من نفي الفعل طبعا أو شرعا ؛ لأنه نفي له بالدليل. والمساجد جمع مسجد، وهو في اللغة مكان السجود، وقد صار اسما للبيوت التي يعبد فيها الله تعالى وحده، كما قال تعالى :﴿ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ﴾ [ الجن : ١٨ ].
قرأ أبو عمرو ويعقوب وابن كثير﴿ مسجد الله ﴾ بالإفراد، وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد وابن جبير وهم أكبر مفسري السلف.
وقرأ باقي السبعة وآخرون﴿ مساجد الله ﴾ بالجمع.
والمتبادر من الإفراد إرادة المسجد الحرام ؛ لأنه المفرد العلم الأكمل الأفضل من المساجد، وكلها لله، وإن كان المفرد المضاف يفيد العموم في الأصل، والمراد من المساجد جنسها الذي يصدق بأي فرد من أفرادها، كما يقولون فلان يخدم الملوك وإن لم يخدم إلا واحدا منهم، وفلان يركب البراذين أو الحمير وإن لم يركب إلا واحدا منها، ومنه ﴿ والخيل والبغال والحمير لتركبوها ﴾ [ النحل : ٨ ]، على أن بعضهم زعم أن المراد بالجمع المسجد الحرام أيضا، وعللوه بقول الحسن : إنما قال مساجد لأنه قبلة المساجد كلها، وهو ضعيف وركيك، ويقتضي أن النفي وما يتضمنه من المنع خاص به، وهو باطل إجماعا. وتفسير المفرد بالجمع لإفادته العموم بالإضافة أصح لفظا ومعنى، لولا أنهما تكرار لا تظهر له فائدة، فالحق أن كلا من القراءتين مقصود، وفائدة ذكر المفرد مع الجمع التنويه بمكانته، وكونه محل النزاع، وسبب القتال بين المؤمنين والمشركين.
وعمارة المسجد في اللغة لزومه والإقامة فيه للعبادة أو لخدمته بالترميم والتنظيف ونحوهما، وعبادة الله فيه، وزيارته للعبادة، ومنها الحج والعمرة. قال في اللسان : عمر الرجل ماله وبيته يعمر [ بالضم ] عمارة وعمورا وعمرانا لزمه... ويقال لساكن الدار : عامر، والجمع عمار. ( وهنا ذكر البيت المعمور وما روي في تفسيره، وقال : والمعمور المخدوم )، ثم ذكر : عمر الرجل الله بمعنى عبده، قال : والعمارة [ بالكسر ] ما يعمر به المكان، والعمارة [ بالضم ] أجرة العمارة. [ قال ] : والعمرة [ بالضم ] طاعة الله عز وجل، والعمرة في الحج معروفة مأخوذة من الاعتمار، وهو الزيارة والقصد... وهو في الشرع زيارة البيت الحرام بالشروط المخصوصة المعروفة. قال الزمخشري : ولم يجئ فيما أعلم عمر بمعنى اعتمر، ولكن عمر الله إذا عبده، وعمر فلان ركعتين إذا صلاهما، وهو يعمر ربه يصلي ويصوم اه ملخصا.
وقال الراغب : العمارة نقيض الخراب، يقال : عمر أرضه يعمرها عمارة. وقوله :﴿ إنما يعمر مساجد الله ﴾ إما من العمارة التي هي حفظ البناء، أو من العمرة التي هي الزيارة، أو من قولهم : عمرت بمكان كذا أي أقمت به، لأنه يقال : عمرت المكان وعمرت بالمكان انتهى. وظاهره أنه يقال : عمر بمعنى اعتمر فليحرر.
فعلم من هذه النصوص أن عمارة المسجد تطلق على عبادة الله فيه مطلقا، وعلى النسك المخصوص المسمى بالعمرة وهي خاصة بالمسجد الحرام، وعلى لزومه والإقامة فيه لخدمته الحسية، وعلى بنيانه وترميمه. وكل ذلك مراد هنا ؛ لأن اللفظ يدل عليه والمقام يقتضيه. والمختار عندنا استعمال المشترك في معانيه التي يقتضيها المقام تبعا للشافعي وابن جرير.
روي عن ابن عباس أنه لما أسر العباس يوم بدر عيره المسلمون بالكفر وقطيعة الرحم وأغلظ علي له القول، فقال العباس : ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا ؟ فقال له علي رضي الله عنه : ألكم محاسن ؟ فقال : نعم، إننا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحاج، فأنزل الله عز وجل ردا على العباس ﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ﴾ الخ، والمراد أنها تتضمن الرد على ذلك القول الذي كان يقوله ويفخر به هو وغيره من كبراء المشركين أيضا، لا أنها نزلت عند ما قال ذلك القول لأجل الرد عليه في أيام بدر من السنة الثانية من الهجرة ؛ بل نزلت في ضمن السورة بعد الرجوع من غزوة تبوك كما تقدم.
ومعنى الجملة : ما كان ينبغي ولا يصح للمشركين- ولا من شأنهم الذي يقتضيه شركهم، أو الذي يشرعه، أو يرضاه الله منهم، أو يقرهم عليه- أن يعمروا مسجد الله الأعظم وبيته المحرم بالإقامة فيه للعبادة أو الخدمة والولاية عليه، ولا أن يزوروه حجاجا ومعتمرين، ولا شيئا من سائر مساجده كذلك.
﴿ شاهدين على أنفسهم بالكفر ﴾ أي ما كان لهم ذلك في حال كونهم كافرين شاهدين على أنفسهم بالكفر قولا وعملا ؛ لأن هذا جمع بين الضدين، فإن عمارة مساجد الله الحسية إنما تكون لعمارتها المعنوية بعبادته فيها وحده، ولا تصح ولا تقع إلا من المؤمن الموحد له، وذلك ضد الكفر به، وأي كفر بالله أظهر وأشد من الشرك به ومساواته ببعض خلقه في العبادة ؟ وهو ما كانوا يفعلونه من عبادة الأصنام بالاستشفاع بها، والسجود لما وضعوه في البيت منها عقب كل شوط من طوافهم فيه، وأي اعتراف به أصرح من نص تلبيتهم له تعالى وهي قولهم بأفواههم : لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. وكانوا يكفرون بالبعث والجزاء أيضا، ولما بعث فيهم محمد رسول الله وخاتم النبيين كفروا به وبما جاء به من البينات والهدى، كفر سادتهم وكبراؤهم جحودا وعنادا، وتبعهم دهماؤهم خضوعا لهم وتقليدا. ومن النصوص الدالة على جحودهم آية﴿ فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ﴾ [ الأنعام : ٣٣ ]، ومن الأدلة على عنادهم آية ﴿ وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ [ الأنفال : ٣٢ ].
فقوله تعالى :[ شاهدين ] الخ قيد للنفي قبله مبين لعلته، والعلة الحقيقية هي نفس الكفر لا الشهادة به، ونكتة تقييده بها بيان أنه كفر صريح معترف به لا تمكن المكابرة فيه. وقد قيل : إنه لا يجوز للمسلمين أن يستخدموا الكفار في بناء المساجد ؛ لأنه من العمارة الحسية الممنوعة، وفيه نظر ؛ لأن الممنوع منها إنما هو الولاية عليها، والاستقلال بالقيام بمصالحها، كأن يكون ناظر المسجد وأوقافه كافرا. وأما استخدام المسلمين للكافر في عمل لا ولاية فيه كنحت الحجارة، والبناء والنجارة، فلا يظهر دخوله في المنع، ولا فيما ذكر من نفي الشأن، فإن نفي الشأن المذكور دليل على التشريع في هذه المسألة، وكونه حقا مبنيا على أساس ثابت في فطرة البشر وليس تشريعا لها. والدلالة فيه عقلية علمية كما علم من تفسيرنا له.
[ فإن قيل ] قد وقع من بعض الحكام والأفراد من غير المسلمين أن بنى مسجدا للمسلمين، ومنهم من أوصى بمال لعمارة مسجد لهم لمصلحة له في ذلك. [ قلت ] : إن هذا لا يعارض ما فسرنا به نفي الشأن، ولا ما بني عليه من الحكم، وللمسلمين أن يقبلوا مثل هذا المسجد وهذه الوصية بشرط أن لا يكون فيهما ضرر آخر ديني ولا سياسي، لأنه حينئذ يكون كمسجد الضرار الذي يأتي ذكره في هذه السورة، فلو عرض اليهود على المسلمين في هذا العصر أن يعمروا المسجد الأقصى بترميم ما كان تداعى أو ضعف من بنائه، أو بذلوا لهم مالا لذلك لما جاز لهم أن يقبلوا هذا ولا ذاك وإن لم يتول اليهود العمل، لما علم من طمعهم في الاستيلاء على هذا المسجد والتوسل له بما يجعلونه ذريعة لادعاء حق ما لهم فيه، على كفرهم بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وكتابيهما، وقولهم على مريم بهتانا عظيما.
﴿ أولئك حبطت أعمالهم ﴾ أي أولئك المشركون الكافرون بالله وبما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم قد حبطت أعمالهم التي يفخرون بها من عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج وغيرهما من أعمال البر كقري الضيف وصلة الرحم، أي بطلت وفسدت حتى لم يبق لها أدنى تأثير في صلاح أنفسهم مع الشرك والكفر ومفاسدهما، وأصله من الحبط، وهو بالتحريك أن تأكل البهيمة حتى تنتفخ ويفسد جوفها. قال تعالى :﴿ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ﴾ [ الزمر : ٦٥ ] ﴿ ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ﴾ [ الأنعام : ٨٨ ] ﴿ أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ﴾[ الكهف : ١٠٥ ].
﴿ وفي النار هم خالدون ﴾ أي وهم مقيمون في دار العذاب التي تسمى النار دون غيرها، إقامة خلود وبقاء لكفرهم المحبط لأعمالهم الحسنة حتى لا أثر لها في تزكية أنفسهم وإحاطة خطيئاتهم بها وتدسيتها لها، فلم يبق فيها أدنى استعداد لجوار الله تعالى في دار الكرامة، وما ثمة إلا الجنة أو النار ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير ﴾ [ الشورى : ٧ ].
﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون( ١٧ ) إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين( ١٨ ) ﴾
للتناسب والاتصال بين هاتين الآيتين ( وما بعدهما إلى الآية ٢٢ ) وما قبلهما وجه وجيه واضح، وإن غفل عنه الرازي وأبو السعود وأمثالهما ممن يعنون بالغوص على التناسب بين الآيات، وهاك بيانه :
قال الله تعالى :﴿ إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين ﴾ [ آل عمران : ٩٦ ] وقال :﴿ وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ﴾ [ البقرة : ١٢٥ ]، وقص علينا تعالى في سورة البقرة خبر بناء إبراهيم وإسماعيل لهذا البيت وما كانا يدعوان به عند رفع قواعده من جعلهما مسلمين ومن ذريتهما أمة مسلمة له، وبعث رسول منهم يتلو عليهم آياتهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، وقد استجاب الله تعالى دعاءهما كله فكان من ذريتهما أمة مسلمة موحدة له تعالى تقيم دينه في بيته وفي غيره كما أمر، ثم طال عليهم الأمد فطرأت عليهم الوثنية، وترك جماهيرهم ملة إبراهيم الحنيفية، حتى بعث فيهم منهم محمدا رسول الله وخاتم النبيين، تكملة لدعوة جده إبراهيم، فقاوم المشركون دعوته، وصدوه ومن آمن به عن المسجد الحرام وأخرجوهم من ديارهم بجواره، ثم ما زالوا يقاتلونهم في دار هجرتهم إلى أن صدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، ومكنهم من فتح مكة، وأدال للتوحيد من الشرك، وللحق من الباطل.
فلما زالت ولاية المشركين عن المسجد الحرام، وطهره الرسول صلى الله عليه وسلم مما كان فيه من الأصنام، بقي أن يطهره من العبادة الباطلة التي كان المشركون يأتونها فيه، وأن يبين لهم الوجه في كون المسلمين أحق به منهم، فلما آذنهم بنبذ عهودهم وأمر عليا كرم الله وجهه أن يتلو أوائل سورة براءة على مسامع وفودهم في يوم الحج الأكبر من سنة تسع للهجرة، كان من مقاصد هذا البلاغ العام أن يعلموا أن عبادتهم الشركية ستمنع من المسجد الحرام بعد ذلك العام بالتبع لزوال ولايتهم العارضة عليه، فكان علي وأعوانه ينادون في يوم النحر بمنى : لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وإنما أمهلهم إلى موسم السنة التالية لفتح مكة لسببين فيما يظهر :
أحدهما : أنه كان فيهم أصحاب عهد مع المسلمين من قبل الفتح، كان من شروطه أن لا يمنع من المسجد الحرام أحد من الفريقين، والوفاء بالعهد من أهم أحكام الإسلام فأمهلهم إلى انقضاء عهودهم بنبذ ما جاز نبذه، وإتمام ما وجب إتمامه، ولم يمكن إعلامهم بذلك إلا في موسم السنة التاسعة كما أمر الله تعالى.
وثانيهما : أنه كان يتعذر منع من لا عهد لهم في موسمي العامين الثامن والتاسع بدون قتال في أرض الحرم ؛ لأنهم كانوا بمقتضى التقاليد يأتون للحج من كل فج وهم، كثيرون ولا يمكن التمييز بين المشرك والمسلم، ولا المعاهد وغير المعاهد، إلا بعد وصولهم إلى البيت، وشروعهم في الطواف فيه، فكيف السبيل إلى منع المشرك منهم بعد ذلك بغير قتال فيه فضلا عن سائر الحرم، والقتال محرم فيه ؟
وقد قال صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : إنها أحلت له ساعة من نهار ولم تحل لأحد قبله، ولن تحل لأحد بعده ؟ فعلم من هذا أن منع عبادة الشرك من المسجد الحرام، وإبطال ما كان المشركون يدعونه ويفخرون به من حق عمارته الحسية، وإيئاسهم من الاشتراك فيها، كان يتوقف على ما ذكر من نبذ عهودهم، ومن العدل الواجب في الإسلام إعلامهم بذلك قبل تنفيذه بزمن طويل يكفي لعلم الجماهير منهم به، وهذا المنع هو ما تضمنته هاتان الآيتان على أكمل وجه، وفسره علي كرم الله وجهه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم من الجهة الخاصة، فحسن أن يوضع هو وما يتلوه بعد آيات ذلك النبذ والأذان، وما تلاه من التهديد بالقتال بعد عود حالته إلى ما كانت عليه قبل العهود، وهو المقصود بالذات بقسميه السلبي والإيجابي. وسيأتي النهي عن تمكينهم من القرب من المسجد الحرام أيضا في الآية ( ٢٨ )
﴿ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله ﴾ بعد أن بين عدم استحقاق المشركين لعمارة مساجد الله أثبتها للمسلمين الكاملين، وجعلها مقصورة عليهم بالفعل لا بمجرد الشأن والاستحقاق، وهو الذي يقتضيه مقام الإيجاب، وهم الجامعون بين الإيمان بالله على الوجه الحق الذي بينه في كتابه من توحيده وتنزيهه واختصاصه بالعبادة والاستعانة والتوكل، والإيمان باليوم الآخر الذي يحاسب الله فيه العباد ويجزي كل نفس ما كسبت، وبين إقامة الصلاة المفروضة بأركانها وآدابها وتدبر تلاوتها وأذكارها التي تكسب مقيمها مراقبة الله تعالى وحبه والخشوع له والإنابة إليه، وإعطاء زكاة الأموال -من نقد وزرع وتجارة لمستحقيها من الفقراء والمساكين والغارمين وغيرهم ممن يأتي ذكرهم في هذه السورة- وبين خشية الله دون غيره ممن لا ينفع ولا يضر، كالأصنام وسائر ما عبد من دون الله خوفا من ضرره، أو رجاء في نفعه، فالمراد بالخشية الديني منها دون الغريزي، كخشية أسباب الضرر الحقيقية، فإن هذا لا ينافي خشية الله، ولا يقتضي خشية الطاغوت. والدليل عليها طاعة الله تعالى فيما أمر به ونهى عنه، رضي الناس أم سخطوا.
﴿ فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ﴾ أي فأولئك الجامعون لهذه الخمس من أركان الإيمان والإسلام التي يلزمها سائر أركانها هم الذين يرجون بحق- أو يرجى لهم بحسب سنن الله في أعمال البشر وتأثيرها في إصلاحهم- أن يكونوا من جماعة المهتدين إلى ما يحب الله ويرضى من عمارة مساجده حسا ومعنى، واستحقاق الجزاء عليها بالجنة خالدين فيها، دون غيرهم من المشركين الجامعين لأضدادها - من الإيمان بالطاغوت والشرك بالله والكفر بما جاء به رسوله- الذين دنسوا مسجده الحرام بالأصنام، والاستقسام بالأزلام، وصدوا المسلمين عن الحج والاعتمار والصلاة فيه، ولم تكن صلاة هؤلاء المشركين عنده إلا مكاء وتصدية كعبث الأطفال، وكانوا ينفقون أموالهم للصد عن سبيل الله، ومنع الناس من الإسلام، وتقدم في هذا المعنى من سورة الأنفال، فشرور هؤلاء وضلالهم وطغيانهم التي هي لوازم الشرك تحبط كل عمل حسن عملوه كما تقدم.
كلمة عسى تفيد الرجاء دون القطع، وقال الواحدي وغيره : إنها للتقريب والإطماع، ثم استعملت بمعنى «لعل » أي للرجاء. وقال سيبويه : لعل كلمة ترجية وتطميع، أي للمخاطب بها. فالرجاء هنا ما يكون للمتصفين بما ذكر من الأمور الخمسة من الأمل والطمع بالفعل أو الشأن في الوصول إلى مقام المتقين الكاملين بالثبات عليها، وما يترتب عليه من الثواب كما قررناه، ولا يصح هنا كون الرجاء من الله عز وجل، فإنه هو الذي يُرجى ولا يرجو، وحقيقة الرجاء ظن بحصول أمر وقعت أسبابه واتخذت وسائله من مبتغيه، ولم يبق لحصوله إلا أن تكون وقعت على وجهها المؤدي إلى الغاية، وأن لا تعارضها الموانع التي تكون راجحة على المقتضي، كالزارع يحرث الأرض ويبذر الحب في الوقت المناسب ويتعاهد زرعه بما يحتاج إليه من عذق وسقي وسماد فيكون من المظنون الراجح أن يأتي بثمرة طيبة، ولكن لا يمكن القطع بذلك لما يخشى من وقوع الجوائح المهلكة له مثلا.
وكذلك من يطيع الله تعالى بفعل المستطاع مما أمر به وترك ما نهى عنه، فإنه حقيق بأن يرجو بذلك تزكية نفسه ورفعها إلى مقام المتقين أولياء الله تعالى، وما يترتب على ذلك من مثوبته ورضوانه في دار كرامته، ولكنه لا يمكن أن يجزم بذلك لما يخشى على نفسه من التقصير وشوائب الرياء والسمعة، أو عدم الثبات على الطاعة حتى يموت عليها، وغير ذلك مما يحبط الأعمال أو يمنع من قبولها، والخير للمؤمن أن يكون بين الخوف الذي يصده عن التقصير، والرجاء الذي يبعثه على التشمير، وأن يرجح الخوف في حال الصحة والرجاء في حال المرض، ولا سيما مرض الموت. ومن أراد نعيم الآخرة ولم يسع لها سعيها الذي جعله الله سببا لها فهو من الحمقى أصحاب الأماني، لا من أصحاب الرجاء، فهو كمن أحب أن تنبت له أرضه غلة حسنة كثيرة ولم يزرعها الخ. فسنة الله في الدنيا والآخرة واحدة كما قال أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى.
ومن قال : إن عسى هنا وعد من الله تعالى، قالوا : إنها منه تعالى للإيجاب والقطع، وهو منزه عن التوقع والظن وعن الإطماع في الشيء وإخلافه بعد تقريبه. ورووا هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنه في الآيات الصريحة في وعد الله تعالى وخبره. كقوله تعالى :﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ﴾ [ المائدة : ٥٢ ] وقوله :﴿ عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ﴾ [ الممتحنة : ٧ ]، فكل من هذين وعد قطعي عنده تعالى، فعلى هذا تكون نكتة التعبير عنه بعسى إبهامه، وعدم إعلام المخاطبين بالوقت الذي يقع فيه، ومن أمعن النظر رأى أن هذا قد يرجع إلى ما فسرنا به عسى هنا، وهو أن كلا من الإتيان بالفتح أو أمر آخر يترتب عليه ندم المشركين، ومن وقوع المودة بين المؤمنين ومن عادوهم من المشركين قريب الوقوع، فهو مرجو ومتوقع في نفسه بوقوع أسبابه ومقدماته، فينبغي أن يعدوا له عدته ويحسبوا له حسابا في معاملتهم، وفي معنى هذا ما اختاره شيخنا من أن معنى لعل في كلام الله تعالى الإعداد لمتعلقها، وتقدم تفصيله( راجع ج١ تفسير ).
وقد استشكل بعضهم وصف عمار المساجد بإيتاء الزكاة ؛ لأنه ليس من الأعمال التي تشرع في المساجد، وأجاب عنه الفخر الرازي بقوله : واعلم أن اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في عمارة المسجد كأنه يدل على أن عمارة المسجد الحضور فيه، وذلك لأن الإنسان إذا كان مقيما للصلاة فإنه يحضر في المسجد، فتحصل به عمارة المسجد، وإذا كان مؤتيا للزكاة فإنه يحضر في المسجد طوائف الفقراء والمساكين لطلب أخذ الزكاة فتحصل عمارة المسجد به. وأما إذا حملنا العمارة على مصالح البناء فإيتاء الزكاة معتبر في هذا الباب أيضا ؛ لأن إيتاء الزكاة واجب، وبناء المسجد نافلة، والإنسان ما لم يفرغ عن الواجب لا يشتغل بالنافلة، والظاهر أن الإنسان ما لم يكن مؤديا للزكاة لم يشتغل ببناء المساجد اه بنصه.
والذي نراه أن المراد بهذه الصفات بيان الإسلام الكامل الذي يقوم أهله بعمارة المساجد الحسية والمعنوية بالفعل، كما أنهم هم أصحاب الحق فيها، وهذه أسسه التي دعا إليها جميع رسل الله تعالى وعليها مدار النجاة كما قال تعالى :﴿ إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ [ البقرة : ٦٢ ]، وقد ذكر هنا من العمل الصالح أعظم أركانه التي كان المشركون مجردين منها، واشترط في صحة إسلامهم قبولها كلها أو ما عدا الباطن منها وهو الخشية كما تقدم، وهي الصلاة أعظم العبادات البدنية الروحية الاجتماعية، والزكاة أعظم العبادات المالية الاجتماعية، وخشية الله وحده أعظم ثمرات الإيمان والعبادات النفسية، ولم يذكر الإيمان بالرسل لأن رسالتهم وسيلة إلى هذه المقاصد ولا تحصل على الوجه الصحيح بدونها فهي تستلزمها، وإقامة الصلاة تتوقف عليها لأن الشهادتين من فرائضها، ومن كلمات الأذان لها.
وقول الرازي : إن مانع الزكاة لا يبني المساجد حق، كقول بعض الناس : إن الذي يزكي لا يسرق، وإنما يصح هذا وذاك فيمن يعمل عمله خالصا لوجه الله، ولكن من الناس من يبني مسجدا بالمال الحرام وهو لا يصلي، وإنما يبنيه رياء وسمعة، أو ليجعل فيه أو في قبة بجانبه قبرا له يذكر به اسمه من بعده، ومنهم من يتصدق على الفقراء ويساعد الجمعيات الخيرية والعلمية بالمال الحرام ويأكل الحرام، ولا يؤدي جميع ما يجب عليه من الزكاة، لأنه مراء يبتغي بإنفاقه السمعة والصيت الحسن، لا مثوبة الله ومرضاته.
وقد ورد في عمارة المساجد الحسية والمعنوية أحاديث كثيرة منها في المعنى الأول ما رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه من حديث عثمان رضي الله عنه أنه لما بني مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولامه الناس قال : إنكم أكثرتم، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( من بني لله مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة )١، وهو يدل على أن توسيع المسجد كابتدائه.
وروى أحمد عن ابن عباس مرفوعا ( من بنى لله مسجدا - ولو كمفحص قطاة لبيضها- بنى الله له بيتا في الجنة )٢، وسنده صحيح، وروي مثله بدون وصف للمسجد، وروي بلفظ ( بنى الله له بيتا أوسع منه )، وبألفاظ أخرى.
وروى أحمد والترمذي –وصححه- من حديث سمرة بن جندب قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتخذ المساجد في ديارنا، وأمرنا أن ننظفها٣، وفي معناه من حديث عائشة ( وأن تطيب ).
وفي الصحيحين وسنن أبي داود وابن ماجه أن امرأة كانت تقمُّ المسجد- أي تكنسه- فماتت فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عنها، فقيل له : ماتت. فقال :( أفلا كنتم آذنتموني بها ؟ ) أي أعلمتموني بموتها لأصلي عليها ( دلوني على قبرها )، فأتى قبرها فصلى عليها٤.
وفي الصحيحين وبعض السنن أيضا أن البزاق في المسجد خطيئة٥، وأنه صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في المسجد فحكها ورؤي الغضب في وجهه، ونهى عن ذلك٦. فإزالة القذر من المساجد وتطهيره واجب، وإتباع أثر القذر بالطيب مستحب.
ومنها في المعنى الثاني ما رواه الشيخان وأصحاب السنن -إلا النسائي- من حديث أبي هريرة مرفوعا :« صلاة الجميع وفي رواية الجماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمسا وعشرين درجة، فإن أحدكم إذا توضأ وأحسن الوضوء وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه خطيئة، حتى يدخل المسجد، وإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت تحبسه، وتصلي عليه الملائكة ما دام في مجلسه الذي يصلي فيه : اللهم اغفر له، اللهم ارحمه ما لم يؤذ بحدث »٧، أي بحدث له رائحة كريهة. ومنه رائحة الثوم والبصل ونحوهما كالدخان المعروف في هذا الزمان، فقد روى أحمد والشيخان من حديث جابر مرفوعا ( من أكل الثوم والبصل والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم )٨، واستدل العلماء به على منع من أكل الثوم ونحوه من دخول المسجد، وإن لم يكن فيه أحد، إلا أن يزيل الرائحة قبل ذلك، والظاهرية يحرمون أكل ما ذكر ؛ لأنه يمنع من صلاة الجماعة وهي عندهم فرض عين كالحنابلة، والصواب أن فرضيتها لا تقتضي تحريم ما ذكر مطلقا ؛ لأنه يمكن أكلها في الأوقات التي لا جماعة فيها كأول النهار وبعد العشاء، إذ تزول الرائحة في الغالب قبل الظهر في الحالة الأولى وقبل الفجر في الثانية، ويمكن إزالتها قبل ذلك بتنظيف الفم بالسواك ونحوه، وأكل بعض الأشياء المعطرة كأقراص النعنع المعروفة في هذا الزمن وغيرها من الحبوب العطرية التي تمتص لتطييب الفم.
وجماهير أئمة السلف والخلف على إباحة أكل الثوم والبصل. ومن أدلتهم ما رواه الشيخان وأبو داود والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بقدر فيها خضرات من بقول فوجد لها ريحا، فسأل فأخبر بما فيها من البقول فقال :( قربوها )، [ وأشار ] إلى بعض أصحابه كان معه، فلما رآه كره أكلها قال :( كل، فإني أناجي من لا تناجي )٩، وفي بعض الروايات عند مسلم وغيره أن
للتناسب والاتصال بين هاتين الآيتين ( وما بعدهما إلى الآية ٢٢ ) وما قبلهما وجه وجيه واضح، وإن غفل عنه الرازي وأبو السعود وأمثالهما ممن يعنون بالغوص على التناسب بين الآيات، وهاك بيانه :
قال الله تعالى :﴿ إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين ﴾ [ آل عمران : ٩٦ ] وقال :﴿ وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ﴾ [ البقرة : ١٢٥ ]، وقص علينا تعالى في سورة البقرة خبر بناء إبراهيم وإسماعيل لهذا البيت وما كانا يدعوان به عند رفع قواعده من جعلهما مسلمين ومن ذريتهما أمة مسلمة له، وبعث رسول منهم يتلو عليهم آياتهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، وقد استجاب الله تعالى دعاءهما كله فكان من ذريتهما أمة مسلمة موحدة له تعالى تقيم دينه في بيته وفي غيره كما أمر، ثم طال عليهم الأمد فطرأت عليهم الوثنية، وترك جماهيرهم ملة إبراهيم الحنيفية، حتى بعث فيهم منهم محمدا رسول الله وخاتم النبيين، تكملة لدعوة جده إبراهيم، فقاوم المشركون دعوته، وصدوه ومن آمن به عن المسجد الحرام وأخرجوهم من ديارهم بجواره، ثم ما زالوا يقاتلونهم في دار هجرتهم إلى أن صدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، ومكنهم من فتح مكة، وأدال للتوحيد من الشرك، وللحق من الباطل.
فلما زالت ولاية المشركين عن المسجد الحرام، وطهره الرسول صلى الله عليه وسلم مما كان فيه من الأصنام، بقي أن يطهره من العبادة الباطلة التي كان المشركون يأتونها فيه، وأن يبين لهم الوجه في كون المسلمين أحق به منهم، فلما آذنهم بنبذ عهودهم وأمر عليا كرم الله وجهه أن يتلو أوائل سورة براءة على مسامع وفودهم في يوم الحج الأكبر من سنة تسع للهجرة، كان من مقاصد هذا البلاغ العام أن يعلموا أن عبادتهم الشركية ستمنع من المسجد الحرام بعد ذلك العام بالتبع لزوال ولايتهم العارضة عليه، فكان علي وأعوانه ينادون في يوم النحر بمنى : لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وإنما أمهلهم إلى موسم السنة التالية لفتح مكة لسببين فيما يظهر :
أحدهما : أنه كان فيهم أصحاب عهد مع المسلمين من قبل الفتح، كان من شروطه أن لا يمنع من المسجد الحرام أحد من الفريقين، والوفاء بالعهد من أهم أحكام الإسلام فأمهلهم إلى انقضاء عهودهم بنبذ ما جاز نبذه، وإتمام ما وجب إتمامه، ولم يمكن إعلامهم بذلك إلا في موسم السنة التاسعة كما أمر الله تعالى.
وثانيهما : أنه كان يتعذر منع من لا عهد لهم في موسمي العامين الثامن والتاسع بدون قتال في أرض الحرم ؛ لأنهم كانوا بمقتضى التقاليد يأتون للحج من كل فج وهم، كثيرون ولا يمكن التمييز بين المشرك والمسلم، ولا المعاهد وغير المعاهد، إلا بعد وصولهم إلى البيت، وشروعهم في الطواف فيه، فكيف السبيل إلى منع المشرك منهم بعد ذلك بغير قتال فيه فضلا عن سائر الحرم، والقتال محرم فيه ؟
وقد قال صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : إنها أحلت له ساعة من نهار ولم تحل لأحد قبله، ولن تحل لأحد بعده ؟ فعلم من هذا أن منع عبادة الشرك من المسجد الحرام، وإبطال ما كان المشركون يدعونه ويفخرون به من حق عمارته الحسية، وإيئاسهم من الاشتراك فيها، كان يتوقف على ما ذكر من نبذ عهودهم، ومن العدل الواجب في الإسلام إعلامهم بذلك قبل تنفيذه بزمن طويل يكفي لعلم الجماهير منهم به، وهذا المنع هو ما تضمنته هاتان الآيتان على أكمل وجه، وفسره علي كرم الله وجهه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم من الجهة الخاصة، فحسن أن يوضع هو وما يتلوه بعد آيات ذلك النبذ والأذان، وما تلاه من التهديد بالقتال بعد عود حالته إلى ما كانت عليه قبل العهود، وهو المقصود بالذات بقسميه السلبي والإيجابي. وسيأتي النهي عن تمكينهم من القرب من المسجد الحرام أيضا في الآية ( ٢٨ )
﴿ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله ﴾ بعد أن بين عدم استحقاق المشركين لعمارة مساجد الله أثبتها للمسلمين الكاملين، وجعلها مقصورة عليهم بالفعل لا بمجرد الشأن والاستحقاق، وهو الذي يقتضيه مقام الإيجاب، وهم الجامعون بين الإيمان بالله على الوجه الحق الذي بينه في كتابه من توحيده وتنزيهه واختصاصه بالعبادة والاستعانة والتوكل، والإيمان باليوم الآخر الذي يحاسب الله فيه العباد ويجزي كل نفس ما كسبت، وبين إقامة الصلاة المفروضة بأركانها وآدابها وتدبر تلاوتها وأذكارها التي تكسب مقيمها مراقبة الله تعالى وحبه والخشوع له والإنابة إليه، وإعطاء زكاة الأموال -من نقد وزرع وتجارة لمستحقيها من الفقراء والمساكين والغارمين وغيرهم ممن يأتي ذكرهم في هذه السورة- وبين خشية الله دون غيره ممن لا ينفع ولا يضر، كالأصنام وسائر ما عبد من دون الله خوفا من ضرره، أو رجاء في نفعه، فالمراد بالخشية الديني منها دون الغريزي، كخشية أسباب الضرر الحقيقية، فإن هذا لا ينافي خشية الله، ولا يقتضي خشية الطاغوت. والدليل عليها طاعة الله تعالى فيما أمر به ونهى عنه، رضي الناس أم سخطوا.
﴿ فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ﴾ أي فأولئك الجامعون لهذه الخمس من أركان الإيمان والإسلام التي يلزمها سائر أركانها هم الذين يرجون بحق- أو يرجى لهم بحسب سنن الله في أعمال البشر وتأثيرها في إصلاحهم- أن يكونوا من جماعة المهتدين إلى ما يحب الله ويرضى من عمارة مساجده حسا ومعنى، واستحقاق الجزاء عليها بالجنة خالدين فيها، دون غيرهم من المشركين الجامعين لأضدادها - من الإيمان بالطاغوت والشرك بالله والكفر بما جاء به رسوله- الذين دنسوا مسجده الحرام بالأصنام، والاستقسام بالأزلام، وصدوا المسلمين عن الحج والاعتمار والصلاة فيه، ولم تكن صلاة هؤلاء المشركين عنده إلا مكاء وتصدية كعبث الأطفال، وكانوا ينفقون أموالهم للصد عن سبيل الله، ومنع الناس من الإسلام، وتقدم في هذا المعنى من سورة الأنفال، فشرور هؤلاء وضلالهم وطغيانهم التي هي لوازم الشرك تحبط كل عمل حسن عملوه كما تقدم.
كلمة عسى تفيد الرجاء دون القطع، وقال الواحدي وغيره : إنها للتقريب والإطماع، ثم استعملت بمعنى «لعل » أي للرجاء. وقال سيبويه : لعل كلمة ترجية وتطميع، أي للمخاطب بها. فالرجاء هنا ما يكون للمتصفين بما ذكر من الأمور الخمسة من الأمل والطمع بالفعل أو الشأن في الوصول إلى مقام المتقين الكاملين بالثبات عليها، وما يترتب عليه من الثواب كما قررناه، ولا يصح هنا كون الرجاء من الله عز وجل، فإنه هو الذي يُرجى ولا يرجو، وحقيقة الرجاء ظن بحصول أمر وقعت أسبابه واتخذت وسائله من مبتغيه، ولم يبق لحصوله إلا أن تكون وقعت على وجهها المؤدي إلى الغاية، وأن لا تعارضها الموانع التي تكون راجحة على المقتضي، كالزارع يحرث الأرض ويبذر الحب في الوقت المناسب ويتعاهد زرعه بما يحتاج إليه من عذق وسقي وسماد فيكون من المظنون الراجح أن يأتي بثمرة طيبة، ولكن لا يمكن القطع بذلك لما يخشى من وقوع الجوائح المهلكة له مثلا.
وكذلك من يطيع الله تعالى بفعل المستطاع مما أمر به وترك ما نهى عنه، فإنه حقيق بأن يرجو بذلك تزكية نفسه ورفعها إلى مقام المتقين أولياء الله تعالى، وما يترتب على ذلك من مثوبته ورضوانه في دار كرامته، ولكنه لا يمكن أن يجزم بذلك لما يخشى على نفسه من التقصير وشوائب الرياء والسمعة، أو عدم الثبات على الطاعة حتى يموت عليها، وغير ذلك مما يحبط الأعمال أو يمنع من قبولها، والخير للمؤمن أن يكون بين الخوف الذي يصده عن التقصير، والرجاء الذي يبعثه على التشمير، وأن يرجح الخوف في حال الصحة والرجاء في حال المرض، ولا سيما مرض الموت. ومن أراد نعيم الآخرة ولم يسع لها سعيها الذي جعله الله سببا لها فهو من الحمقى أصحاب الأماني، لا من أصحاب الرجاء، فهو كمن أحب أن تنبت له أرضه غلة حسنة كثيرة ولم يزرعها الخ. فسنة الله في الدنيا والآخرة واحدة كما قال أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى.
ومن قال : إن عسى هنا وعد من الله تعالى، قالوا : إنها منه تعالى للإيجاب والقطع، وهو منزه عن التوقع والظن وعن الإطماع في الشيء وإخلافه بعد تقريبه. ورووا هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنه في الآيات الصريحة في وعد الله تعالى وخبره. كقوله تعالى :﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ﴾ [ المائدة : ٥٢ ] وقوله :﴿ عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ﴾ [ الممتحنة : ٧ ]، فكل من هذين وعد قطعي عنده تعالى، فعلى هذا تكون نكتة التعبير عنه بعسى إبهامه، وعدم إعلام المخاطبين بالوقت الذي يقع فيه، ومن أمعن النظر رأى أن هذا قد يرجع إلى ما فسرنا به عسى هنا، وهو أن كلا من الإتيان بالفتح أو أمر آخر يترتب عليه ندم المشركين، ومن وقوع المودة بين المؤمنين ومن عادوهم من المشركين قريب الوقوع، فهو مرجو ومتوقع في نفسه بوقوع أسبابه ومقدماته، فينبغي أن يعدوا له عدته ويحسبوا له حسابا في معاملتهم، وفي معنى هذا ما اختاره شيخنا من أن معنى لعل في كلام الله تعالى الإعداد لمتعلقها، وتقدم تفصيله( راجع ج١ تفسير ).
وقد استشكل بعضهم وصف عمار المساجد بإيتاء الزكاة ؛ لأنه ليس من الأعمال التي تشرع في المساجد، وأجاب عنه الفخر الرازي بقوله : واعلم أن اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في عمارة المسجد كأنه يدل على أن عمارة المسجد الحضور فيه، وذلك لأن الإنسان إذا كان مقيما للصلاة فإنه يحضر في المسجد، فتحصل به عمارة المسجد، وإذا كان مؤتيا للزكاة فإنه يحضر في المسجد طوائف الفقراء والمساكين لطلب أخذ الزكاة فتحصل عمارة المسجد به. وأما إذا حملنا العمارة على مصالح البناء فإيتاء الزكاة معتبر في هذا الباب أيضا ؛ لأن إيتاء الزكاة واجب، وبناء المسجد نافلة، والإنسان ما لم يفرغ عن الواجب لا يشتغل بالنافلة، والظاهر أن الإنسان ما لم يكن مؤديا للزكاة لم يشتغل ببناء المساجد اه بنصه.
والذي نراه أن المراد بهذه الصفات بيان الإسلام الكامل الذي يقوم أهله بعمارة المساجد الحسية والمعنوية بالفعل، كما أنهم هم أصحاب الحق فيها، وهذه أسسه التي دعا إليها جميع رسل الله تعالى وعليها مدار النجاة كما قال تعالى :﴿ إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ [ البقرة : ٦٢ ]، وقد ذكر هنا من العمل الصالح أعظم أركانه التي كان المشركون مجردين منها، واشترط في صحة إسلامهم قبولها كلها أو ما عدا الباطن منها وهو الخشية كما تقدم، وهي الصلاة أعظم العبادات البدنية الروحية الاجتماعية، والزكاة أعظم العبادات المالية الاجتماعية، وخشية الله وحده أعظم ثمرات الإيمان والعبادات النفسية، ولم يذكر الإيمان بالرسل لأن رسالتهم وسيلة إلى هذه المقاصد ولا تحصل على الوجه الصحيح بدونها فهي تستلزمها، وإقامة الصلاة تتوقف عليها لأن الشهادتين من فرائضها، ومن كلمات الأذان لها.
وقول الرازي : إن مانع الزكاة لا يبني المساجد حق، كقول بعض الناس : إن الذي يزكي لا يسرق، وإنما يصح هذا وذاك فيمن يعمل عمله خالصا لوجه الله، ولكن من الناس من يبني مسجدا بالمال الحرام وهو لا يصلي، وإنما يبنيه رياء وسمعة، أو ليجعل فيه أو في قبة بجانبه قبرا له يذكر به اسمه من بعده، ومنهم من يتصدق على الفقراء ويساعد الجمعيات الخيرية والعلمية بالمال الحرام ويأكل الحرام، ولا يؤدي جميع ما يجب عليه من الزكاة، لأنه مراء يبتغي بإنفاقه السمعة والصيت الحسن، لا مثوبة الله ومرضاته.
وقد ورد في عمارة المساجد الحسية والمعنوية أحاديث كثيرة منها في المعنى الأول ما رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه من حديث عثمان رضي الله عنه أنه لما بني مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولامه الناس قال : إنكم أكثرتم، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( من بني لله مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة )١، وهو يدل على أن توسيع المسجد كابتدائه.
وروى أحمد عن ابن عباس مرفوعا ( من بنى لله مسجدا - ولو كمفحص قطاة لبيضها- بنى الله له بيتا في الجنة )٢، وسنده صحيح، وروي مثله بدون وصف للمسجد، وروي بلفظ ( بنى الله له بيتا أوسع منه )، وبألفاظ أخرى.
وروى أحمد والترمذي –وصححه- من حديث سمرة بن جندب قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتخذ المساجد في ديارنا، وأمرنا أن ننظفها٣، وفي معناه من حديث عائشة ( وأن تطيب ).
وفي الصحيحين وسنن أبي داود وابن ماجه أن امرأة كانت تقمُّ المسجد- أي تكنسه- فماتت فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عنها، فقيل له : ماتت. فقال :( أفلا كنتم آذنتموني بها ؟ ) أي أعلمتموني بموتها لأصلي عليها ( دلوني على قبرها )، فأتى قبرها فصلى عليها٤.
وفي الصحيحين وبعض السنن أيضا أن البزاق في المسجد خطيئة٥، وأنه صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في المسجد فحكها ورؤي الغضب في وجهه، ونهى عن ذلك٦. فإزالة القذر من المساجد وتطهيره واجب، وإتباع أثر القذر بالطيب مستحب.
ومنها في المعنى الثاني ما رواه الشيخان وأصحاب السنن -إلا النسائي- من حديث أبي هريرة مرفوعا :« صلاة الجميع وفي رواية الجماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمسا وعشرين درجة، فإن أحدكم إذا توضأ وأحسن الوضوء وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه خطيئة، حتى يدخل المسجد، وإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت تحبسه، وتصلي عليه الملائكة ما دام في مجلسه الذي يصلي فيه : اللهم اغفر له، اللهم ارحمه ما لم يؤذ بحدث »٧، أي بحدث له رائحة كريهة. ومنه رائحة الثوم والبصل ونحوهما كالدخان المعروف في هذا الزمان، فقد روى أحمد والشيخان من حديث جابر مرفوعا ( من أكل الثوم والبصل والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم )٨، واستدل العلماء به على منع من أكل الثوم ونحوه من دخول المسجد، وإن لم يكن فيه أحد، إلا أن يزيل الرائحة قبل ذلك، والظاهرية يحرمون أكل ما ذكر ؛ لأنه يمنع من صلاة الجماعة وهي عندهم فرض عين كالحنابلة، والصواب أن فرضيتها لا تقتضي تحريم ما ذكر مطلقا ؛ لأنه يمكن أكلها في الأوقات التي لا جماعة فيها كأول النهار وبعد العشاء، إذ تزول الرائحة في الغالب قبل الظهر في الحالة الأولى وقبل الفجر في الثانية، ويمكن إزالتها قبل ذلك بتنظيف الفم بالسواك ونحوه، وأكل بعض الأشياء المعطرة كأقراص النعنع المعروفة في هذا الزمن وغيرها من الحبوب العطرية التي تمتص لتطييب الفم.
وجماهير أئمة السلف والخلف على إباحة أكل الثوم والبصل. ومن أدلتهم ما رواه الشيخان وأبو داود والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بقدر فيها خضرات من بقول فوجد لها ريحا، فسأل فأخبر بما فيها من البقول فقال :( قربوها )، [ وأشار ] إلى بعض أصحابه كان معه، فلما رآه كره أكلها قال :( كل، فإني أناجي من لا تناجي )٩، وفي بعض الروايات عند مسلم وغيره أن
١ ـ روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في الصلاة باب ٦٥، ومسلم في المساجد حديث ٢٤، ٢٥، والمسافرين حديث ١٠٣، والزهد حديث ٤٣، ٤٤، وأبو داود في التطوع باب ١، والترمذي في الصلاة باب١٢٠، ١٨٩، ٢٠٤، والنسائي في المساجد باب ١، وقيام الليل باب ٦٦، ٦٧، وابن ماجه في الإقامة باب ١٠٠، ١٨٥، والمساجد باب ١، ٩، والتجارات باب٤٠، والدارمي في الصلاة باب ١١٣، وأحمد في المسند ١/ ٢٠، ٥٣، ٦١، ٧٠، ٢٤١، ٢/ ٢٢١، ٢٩٦، ٣٨٦، ٤١٣، ٤٩٨، ٦/ ٣٢٦، ٣٢٧، ٤٢٦، ٤٢٨، ٤٦١..
٢ ـ أخرجه ابن ماجه في المساجد باب ١، وأحمد في المسند ١/ ٢٤١..
٣ ـ أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١٧..
٤ ـ أخرجه البخاري في الصلاة باب ٧٤، ومسلم في الجنائز حديث ٧١، وابن ماجه في الجنائز باب ٣٢..
٥ ـ أخرجه البخاري في الصلاة باب ٣٧، ومسلم في المساجد حديث ٥٥، ٥٧، وأبو داود في الصلاة باب ٢٢، والترمذي في الجمعة باب ٤٩، والدارمي في الصلاة باب ١١٦، وأحمد في المسند ٣/ ٢٣٢، ٢٧٤، ٢٧٧..
٦ ـ روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في الصلاة باب ٣٤، ٣٥، ٣٦، ٣٩، والأذان باب ٩٤، والعمل في الصلاة باب١٢، والأدب باب ٧٥، ومسلم في المساجد حديث ٥٠ ـ ٥٣، والزهد حديث ٤، وأبو داود في الصلاة باب ٢٢، والنسائي في المساجد باب ٣٢، ٣٥، وابن ماجه في المساجد باب ١٠، والإقامة باب ٦١، والدارمي في الصلاة باب ١١٦، وأحمد في المسند ٢/ ٦، ١٨، ٢٩، ٣٢، ٣٤، ٥٣، ٧٢، ١٤١، ٢٥٠، ٤١٥، ٣/ ٦، ٩، ٢٣٨، ٢٥٢، ٦/ ١٤٨..
٧ ـ أخرجه البخاري في الصلاة باب ٨٧، والأذان باب ٣٦، والبيوع باب ٤٩، وبدء الخلق باب ٧، ومسلم في المساجد حديث ٢٧٢، ٢٧٣، وأبو داود في الصلاة باب ٢٠، وابن ماجه في المساجد باب ١٤، ١٩، ومالك في السفر حديث ٥٢، وأحمد في المسند ٢/ ٢٥٢، ٣١٩، ٤٨٦، ٥٣٢، ٥٣٣..
٨ ـ أخرجه مسلم في المساجد حديث ٧٤، والترمذي في الأطعمة باب ١٣، والنسائي في المساجد باب ١٦..
٩ ـ أخرجه البخاري في الاعتصام باب ٢٤، ومسلم في المساجد حديث ٧٣، وأبو داود في الأطعمة باب ٤٠..
٢ ـ أخرجه ابن ماجه في المساجد باب ١، وأحمد في المسند ١/ ٢٤١..
٣ ـ أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١٧..
٤ ـ أخرجه البخاري في الصلاة باب ٧٤، ومسلم في الجنائز حديث ٧١، وابن ماجه في الجنائز باب ٣٢..
٥ ـ أخرجه البخاري في الصلاة باب ٣٧، ومسلم في المساجد حديث ٥٥، ٥٧، وأبو داود في الصلاة باب ٢٢، والترمذي في الجمعة باب ٤٩، والدارمي في الصلاة باب ١١٦، وأحمد في المسند ٣/ ٢٣٢، ٢٧٤، ٢٧٧..
٦ ـ روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في الصلاة باب ٣٤، ٣٥، ٣٦، ٣٩، والأذان باب ٩٤، والعمل في الصلاة باب١٢، والأدب باب ٧٥، ومسلم في المساجد حديث ٥٠ ـ ٥٣، والزهد حديث ٤، وأبو داود في الصلاة باب ٢٢، والنسائي في المساجد باب ٣٢، ٣٥، وابن ماجه في المساجد باب ١٠، والإقامة باب ٦١، والدارمي في الصلاة باب ١١٦، وأحمد في المسند ٢/ ٦، ١٨، ٢٩، ٣٢، ٣٤، ٥٣، ٧٢، ١٤١، ٢٥٠، ٤١٥، ٣/ ٦، ٩، ٢٣٨، ٢٥٢، ٦/ ١٤٨..
٧ ـ أخرجه البخاري في الصلاة باب ٨٧، والأذان باب ٣٦، والبيوع باب ٤٩، وبدء الخلق باب ٧، ومسلم في المساجد حديث ٢٧٢، ٢٧٣، وأبو داود في الصلاة باب ٢٠، وابن ماجه في المساجد باب ١٤، ١٩، ومالك في السفر حديث ٥٢، وأحمد في المسند ٢/ ٢٥٢، ٣١٩، ٤٨٦، ٥٣٢، ٥٣٣..
٨ ـ أخرجه مسلم في المساجد حديث ٧٤، والترمذي في الأطعمة باب ١٣، والنسائي في المساجد باب ١٦..
٩ ـ أخرجه البخاري في الاعتصام باب ٢٤، ومسلم في المساجد حديث ٧٣، وأبو داود في الأطعمة باب ٤٠..
﴿ *أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين( ١٩ ) الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون( ٢٠ ) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم( ٢١ ) خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم( ٢٢ ) ﴾
هذه الآيات تكملة لموضوع الآيتين اللتين قبلها في بيان كون الحق في عمارة المسجد الحرام بنوعيها للمسلمين دون المشركين، وكون إيمانهم وإسلامهم أفضل مما كان يفخر به المشركون من عمارته وسقاية الحاج فيه، وإن قام بهما المسلمون أنفسهم خلافا لما توهم بعضهم في الأعمال التي بعد الإسلام، فقد روى مسلم وأبو داود وابن حبان وبعض رواة التفسير المأثور من حديث النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم : ما أبالي أن لا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر : بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر : بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم. فزجرهم عمر وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وذلك يوم الجمعة ـ ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. [ فدخل بعد الصلاة فاستفتاه ]، فأنزل الله ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ ـ إلى قوله ـ لا يهدي القوم الظالمين }١.
وروى الفريابي عن ابن سيرين قال : قدم علي بن أبي طالب مكة فقال للعباس : أي عم ألا تهاجر ؟ ألا تلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أعمر المسجد وأحجب البيت، فأنزل الله﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ الآية.
وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : قال العباس حين أسر يوم بدر : إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفك العاني ( أي الأسير ) فأنزل الله ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾.
وروى أبو جعفر بن جرير عن كعب القرظي قال : افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار وعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، فقال طلحة : أنا صاحب البيت معي مفتاحه، ولو أشاء بت فيه، وقال العباس : أنا صاحب السقاية والقائم عليها، ولو أشاء بت في المسجد، فقال علي رضي الله عنه : ما أدري ما تقولان، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد. فأنزل الله﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ الآية كلها. فهذه الروايات في أسباب النزول وقائع في تفسير الآيات، وإن لم تكن أسبابا.
والمعتمد من هذه الروايات حديث النعمان لصحة سنده وموافقة متنه لما دلت عليه الآيات من كون موضوعها في المفاضلة أو المساواة بين خدمة البيت وحجاجه ـ من أعمال البر البدنية الهينة المستلذة ـ وبين الإيمان والجهاد بالمال والنفس والهجرة، وهي أشق العبادات النفسية البدنية المالية، والآيات تتضمن الرد عليها كلها.
وفي أثر علي أن العباس ذكر حجابة البيت، وهي لم تكن له دون السقاية التي كانت له، وأثر ابن عباس فيه تقدم معناه في تفسير الآيتين السابقتين.
تقدم تفسير عمارة المسجد في اللغة والاصطلاح. والسقاية في اللغة الموضع الذي يسقى فيه الماء وغيره، وكذا الإناء الذي يسقى به ؛ ومنه﴿ جعل السقاية في رحل أخيه ﴾ [ يوسف : ٧٠ ]، سميت سقاية لأنها يسقى بها، وصواعا ؛ لأنها يكال بها كالصاع وهو يؤنث ويذكر. قال في اللسان ( كغيره ) : والسقاية الموضع الذي يتخذ فيه الشراب في المواسم وغيرها، ( ثم قال ) : وفي الحديث ( كل مأثرة من مآثر الجاهلية تحت قدمي إلا سقاية الحاج وسدانة البيت )٢، هي ما كانت قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يليها العباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام اهـ والحديث الذي ذكره ورد في بعض روايات خطبته صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع.
وقال النووي في الأسماء واللغات ما نصه : سقاية العباس رضي الله عنه موضع بالمسجد الحرام زاده الله تعالى شرفا، يستقي فيها الماء ليشربه الناس، وبينها وبين زمزم أربعون ذراعا، حكى الأزرقي في كتابه تاريخ مكة وغيره من العلماء أن السقاية حياض من أدم كانت على عهد قصي بن كلاب توضع بفناء الكعبة، ويستقى فيها الماء العذب من الآبار على الإبل، ويسقاه الحاج، فجعل قصي عند موته أمر السقاية لابنه عبد مناف، ولم تزل مع عبد مناف يقوم بها، فكان يسقي الماء من بئر كرادم وغيره إلى أن مات ومن حصون خيبر اهـ.
أقول وقد بني هذا المكان المسمى بسقاية العباس، ولا يزال ماثلا إلى الآن، وهو حجرة كبيرة في جهة الجنوب من بئر زمزم، وصف مؤرخو مكة مساحتها وبُعدها عن زمزم وعن الكعبة المشرفة.
ويؤخذ من استعمال الكلمة أنها صارت اسم حرفة، وكذا الحجابة وهي سدانة البيت، وهما أفضل مآثر قريش، ولذلك أقرهما الإسلام، ومن المعلوم بالبداهة أن قول العباس : أنا صاحب السقاية، وقول الناس فيه كقوله لا يراد به أنه صاحب الموضع الذي كان يوضع فيه الماء المحلى بالزبيب أو التمر المنبوذ فيه، ولا ذلك الماء، وإنما المراد به أنه هو الذي يتولى إدارة هذا العمل وهو الإتيان بالزبيب أو التمر ونبذه بالماء ووضع أوانيه في المواضع التي يردها الحجاج فيشربون منها، ومن العجب أن يغفل أي لغوي أو مفسر عن هذا المعنى ويقول بعضهم : إنها اسم لمكان السقي، وبعضهم إنها مصدر سقى أو أسقى الخ.
قال عز وجل :﴿ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله ﴾ ؟ مقتضى حديث النعمان بن بشير أن الخطاب هنا للمؤمنين الذين تنازعوا أي هذه الأعمال أفضل ؟ ومقتضى حديثي علي وابن عباس أن الخطاب للمشركين، والاستفهام فيه للإنكار، وتشبيه الفعل بالفاعل والصفة بالذات كإسناد كل منهما إلى الآخر من ضروب الإيجاز المعهودة في بلاغة القرآن، كقوله تعالى :﴿ ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة ﴾ [ البقرة : ١٧٧ ] الخ، وطريقة المفسرين في هذا معروفة وهي تحويل أحدهما إلى الآخر ليتحد المشبه والمشبه به، والمسند والمسند إليه، فيقولون هنا : أجعلتم أهل سقاية الحاج وأهل العمارة للبيت أو فاعل كل منهما ومتوليه كمن آمن بالله واليوم الآخر الخ، وهو الموافق لبقية الآية وما بعدها، أو يقولون : أجعلتم هذه السقاية والعمارة كالإيمان بالله واليوم الآخر الخ ؟ والاستفهام للإنكار المتضمن لمعنى النهي. أي لا تفعلوا ذلك، فإنه خطأ ظاهر كما بينه ما بعده.
ونكتة هذا التعبير بيان أن هذا الفعل ليس كالفعل الآخر، وأن الفاعل لكل منهما ليس كالآخر ؛ بل بينهما من التفاوت والدرجات ما بينه تعالى بيانا مستأنفا بقوله :﴿ لا يستوون عند الله ﴾ إلى قوله :﴿ أجر عظيم ﴾ أي لا يساوي الفريق الأول الفريق الثاني في صفته، ولا في عمله في حكم الله، ولا في مثوبته وجزائه عنده في الدنيا ولا في الآخرة، فضلا عن أن يفضله كما توهم بعض المسلمين، وكما يزعم كبراء مشركي قريش الذين كانوا يتبجحون بخدمة البيت، ويستكبرون على الناس به، كما قال تعالى :﴿ مستكبرين به سامراَ تهجرون ﴾ [ المؤمنون : ٦٧ ]، على القول بأن الضمير في [ به ] للبيت، وإن لم يسبق له ذكر في الآيات التي قبل هذه الآية، قالوا : لأن اشتهار استكبارهم وافتخارهم بأنهم قوامه وسدنته وعماره أغنى عن سبق ذكره، وكانت العرب تدين لهم بذلك لامتيازهم عليهم به وبسقاية حجاجه وكذا ضيافتهم وإن لم تكن عامة كالسقاية، لأن الحاجة إليها لم تكن عامة إذ من المعلوم أن الحجاج كانوا وما زالوا أحوج إلى الماء في الحرم من الزاد ؛ لأن كل حاج كان يمكنه أن يحمل من الزاد ما يكفيه مدة سفره إلى الحرم وعودته بعد أداء المناسك، ولا سيما العربي القنوع القليل الأكل، ولكن لا يمكنه أن يحمل من الماء ما يكفيه كل هذه المدة ولا نصفها، ولذلك كان أول شروطه استطاعة الحج الزاد لإمكانه مع كفالة أولي الأمر في الحرم لتوفير الماء فيه، وحكومة السنة السعودية في هذا العهد تزداد عنايتها في كل سنة بتوفير الماء ونظافته لمئات الألوف من الحاج. وأما سقيهم الماء المحلى فقد بطل منذ قرون كثيرة ؛ لأنه صار متعذرا لكثرتهم، ولو كان ريع أوقاف الحرمين في الأقطار الإسلامية يضبط ويرسل إلى حكومة الحجاز لأمكنها إعادته ووضع نظام لتعميمه في مكة أو منى.
هذا وإن فضيلة البيت الحقيقية التي بني لأجلها هي عبادة الله وحده فيه بما شرعه كما يحب ويرضى، وقد جنى عليه المشركون ودنسوه بعبادة غيره فيه، ثم بصد المؤمنين الموحدين له عنه، كما قال :﴿ هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ﴾ [ الفتح : ٢٥ ]، ثم إخراجهم إياهم من جواره ؛ لإيمانهم بربوبيته وألوهيته تعالى وحده دون ما أشركوه معه، كما قال للمؤمنين :﴿ يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم ﴾ [ الممتحنة : ١ ]، وقال فيهم ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ﴾ [ الحج : ٤٠ ]، فأي مزية تبقى مع هذه الجرائم لخدمة حجارته واحتكار مفتاحه وسقاية المشركين من حجاجه ؟ وأي ظلم أشد من هذا الظلم في موضوعه ؟
﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ إلى الحق في أعمالهم، ولا إلى الحكم العدل في أعمال غيرهم، أي ليس من سنته في أخلاق البشر وأعمالهم أن يكون الظالم مهديا إلى ما هو ضد صفة الظلم ومناف لها وهو الحق والعدل ؛ لأنه جمع بين ضدين بمعنى النقيضين، والقوم الظالمون أشد إسرافا في الظلم من الأفراد، وأبعد عن الهدى بغرورهم بقوتهم وتناصرهم. ومن أقبح هذا الظلم تفضيل خدمة حجارة البيت وحفظ مفتاحه وسقاية الحاج على الإيمان بالله وحده المطهر للأنفس من خرافات الشرك وأوهامه، والإيمان باليوم الآخر الذي يزعها أن تبغي وتظلم ويحبب إليها الحق والعدل، ويرغبها في الخير وعمل البر، ابتغاء رضوان الله لا للفخر والرياء، وعلى الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس لإحقاق الحق وإبطال الباطل وترقية شؤون البشر في مدارج العلم والعمل. ومن المعلوم أن هذا الجهاد يشمل القتال والنفقة فيه وغيرهما من أنواع مجاهدة الكفار، ومجاهدة النفس لإبلاغها مقام الكمال، وهذه الجملة ظاهرة في الرد على المشركين، وإبطال تبجحهم وفخرهم على المؤمنين.
هذه الآيات تكملة لموضوع الآيتين اللتين قبلها في بيان كون الحق في عمارة المسجد الحرام بنوعيها للمسلمين دون المشركين، وكون إيمانهم وإسلامهم أفضل مما كان يفخر به المشركون من عمارته وسقاية الحاج فيه، وإن قام بهما المسلمون أنفسهم خلافا لما توهم بعضهم في الأعمال التي بعد الإسلام، فقد روى مسلم وأبو داود وابن حبان وبعض رواة التفسير المأثور من حديث النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم : ما أبالي أن لا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر : بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر : بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم. فزجرهم عمر وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وذلك يوم الجمعة ـ ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. [ فدخل بعد الصلاة فاستفتاه ]، فأنزل الله ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ ـ إلى قوله ـ لا يهدي القوم الظالمين }١.
وروى الفريابي عن ابن سيرين قال : قدم علي بن أبي طالب مكة فقال للعباس : أي عم ألا تهاجر ؟ ألا تلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أعمر المسجد وأحجب البيت، فأنزل الله﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ الآية.
وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : قال العباس حين أسر يوم بدر : إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفك العاني ( أي الأسير ) فأنزل الله ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾.
وروى أبو جعفر بن جرير عن كعب القرظي قال : افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار وعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، فقال طلحة : أنا صاحب البيت معي مفتاحه، ولو أشاء بت فيه، وقال العباس : أنا صاحب السقاية والقائم عليها، ولو أشاء بت في المسجد، فقال علي رضي الله عنه : ما أدري ما تقولان، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد. فأنزل الله﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ الآية كلها. فهذه الروايات في أسباب النزول وقائع في تفسير الآيات، وإن لم تكن أسبابا.
والمعتمد من هذه الروايات حديث النعمان لصحة سنده وموافقة متنه لما دلت عليه الآيات من كون موضوعها في المفاضلة أو المساواة بين خدمة البيت وحجاجه ـ من أعمال البر البدنية الهينة المستلذة ـ وبين الإيمان والجهاد بالمال والنفس والهجرة، وهي أشق العبادات النفسية البدنية المالية، والآيات تتضمن الرد عليها كلها.
وفي أثر علي أن العباس ذكر حجابة البيت، وهي لم تكن له دون السقاية التي كانت له، وأثر ابن عباس فيه تقدم معناه في تفسير الآيتين السابقتين.
تقدم تفسير عمارة المسجد في اللغة والاصطلاح. والسقاية في اللغة الموضع الذي يسقى فيه الماء وغيره، وكذا الإناء الذي يسقى به ؛ ومنه﴿ جعل السقاية في رحل أخيه ﴾ [ يوسف : ٧٠ ]، سميت سقاية لأنها يسقى بها، وصواعا ؛ لأنها يكال بها كالصاع وهو يؤنث ويذكر. قال في اللسان ( كغيره ) : والسقاية الموضع الذي يتخذ فيه الشراب في المواسم وغيرها، ( ثم قال ) : وفي الحديث ( كل مأثرة من مآثر الجاهلية تحت قدمي إلا سقاية الحاج وسدانة البيت )٢، هي ما كانت قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يليها العباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام اهـ والحديث الذي ذكره ورد في بعض روايات خطبته صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع.
وقال النووي في الأسماء واللغات ما نصه : سقاية العباس رضي الله عنه موضع بالمسجد الحرام زاده الله تعالى شرفا، يستقي فيها الماء ليشربه الناس، وبينها وبين زمزم أربعون ذراعا، حكى الأزرقي في كتابه تاريخ مكة وغيره من العلماء أن السقاية حياض من أدم كانت على عهد قصي بن كلاب توضع بفناء الكعبة، ويستقى فيها الماء العذب من الآبار على الإبل، ويسقاه الحاج، فجعل قصي عند موته أمر السقاية لابنه عبد مناف، ولم تزل مع عبد مناف يقوم بها، فكان يسقي الماء من بئر كرادم وغيره إلى أن مات ومن حصون خيبر اهـ.
أقول وقد بني هذا المكان المسمى بسقاية العباس، ولا يزال ماثلا إلى الآن، وهو حجرة كبيرة في جهة الجنوب من بئر زمزم، وصف مؤرخو مكة مساحتها وبُعدها عن زمزم وعن الكعبة المشرفة.
ويؤخذ من استعمال الكلمة أنها صارت اسم حرفة، وكذا الحجابة وهي سدانة البيت، وهما أفضل مآثر قريش، ولذلك أقرهما الإسلام، ومن المعلوم بالبداهة أن قول العباس : أنا صاحب السقاية، وقول الناس فيه كقوله لا يراد به أنه صاحب الموضع الذي كان يوضع فيه الماء المحلى بالزبيب أو التمر المنبوذ فيه، ولا ذلك الماء، وإنما المراد به أنه هو الذي يتولى إدارة هذا العمل وهو الإتيان بالزبيب أو التمر ونبذه بالماء ووضع أوانيه في المواضع التي يردها الحجاج فيشربون منها، ومن العجب أن يغفل أي لغوي أو مفسر عن هذا المعنى ويقول بعضهم : إنها اسم لمكان السقي، وبعضهم إنها مصدر سقى أو أسقى الخ.
قال عز وجل :﴿ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله ﴾ ؟ مقتضى حديث النعمان بن بشير أن الخطاب هنا للمؤمنين الذين تنازعوا أي هذه الأعمال أفضل ؟ ومقتضى حديثي علي وابن عباس أن الخطاب للمشركين، والاستفهام فيه للإنكار، وتشبيه الفعل بالفاعل والصفة بالذات كإسناد كل منهما إلى الآخر من ضروب الإيجاز المعهودة في بلاغة القرآن، كقوله تعالى :﴿ ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة ﴾ [ البقرة : ١٧٧ ] الخ، وطريقة المفسرين في هذا معروفة وهي تحويل أحدهما إلى الآخر ليتحد المشبه والمشبه به، والمسند والمسند إليه، فيقولون هنا : أجعلتم أهل سقاية الحاج وأهل العمارة للبيت أو فاعل كل منهما ومتوليه كمن آمن بالله واليوم الآخر الخ، وهو الموافق لبقية الآية وما بعدها، أو يقولون : أجعلتم هذه السقاية والعمارة كالإيمان بالله واليوم الآخر الخ ؟ والاستفهام للإنكار المتضمن لمعنى النهي. أي لا تفعلوا ذلك، فإنه خطأ ظاهر كما بينه ما بعده.
ونكتة هذا التعبير بيان أن هذا الفعل ليس كالفعل الآخر، وأن الفاعل لكل منهما ليس كالآخر ؛ بل بينهما من التفاوت والدرجات ما بينه تعالى بيانا مستأنفا بقوله :﴿ لا يستوون عند الله ﴾ إلى قوله :﴿ أجر عظيم ﴾ أي لا يساوي الفريق الأول الفريق الثاني في صفته، ولا في عمله في حكم الله، ولا في مثوبته وجزائه عنده في الدنيا ولا في الآخرة، فضلا عن أن يفضله كما توهم بعض المسلمين، وكما يزعم كبراء مشركي قريش الذين كانوا يتبجحون بخدمة البيت، ويستكبرون على الناس به، كما قال تعالى :﴿ مستكبرين به سامراَ تهجرون ﴾ [ المؤمنون : ٦٧ ]، على القول بأن الضمير في [ به ] للبيت، وإن لم يسبق له ذكر في الآيات التي قبل هذه الآية، قالوا : لأن اشتهار استكبارهم وافتخارهم بأنهم قوامه وسدنته وعماره أغنى عن سبق ذكره، وكانت العرب تدين لهم بذلك لامتيازهم عليهم به وبسقاية حجاجه وكذا ضيافتهم وإن لم تكن عامة كالسقاية، لأن الحاجة إليها لم تكن عامة إذ من المعلوم أن الحجاج كانوا وما زالوا أحوج إلى الماء في الحرم من الزاد ؛ لأن كل حاج كان يمكنه أن يحمل من الزاد ما يكفيه مدة سفره إلى الحرم وعودته بعد أداء المناسك، ولا سيما العربي القنوع القليل الأكل، ولكن لا يمكنه أن يحمل من الماء ما يكفيه كل هذه المدة ولا نصفها، ولذلك كان أول شروطه استطاعة الحج الزاد لإمكانه مع كفالة أولي الأمر في الحرم لتوفير الماء فيه، وحكومة السنة السعودية في هذا العهد تزداد عنايتها في كل سنة بتوفير الماء ونظافته لمئات الألوف من الحاج. وأما سقيهم الماء المحلى فقد بطل منذ قرون كثيرة ؛ لأنه صار متعذرا لكثرتهم، ولو كان ريع أوقاف الحرمين في الأقطار الإسلامية يضبط ويرسل إلى حكومة الحجاز لأمكنها إعادته ووضع نظام لتعميمه في مكة أو منى.
هذا وإن فضيلة البيت الحقيقية التي بني لأجلها هي عبادة الله وحده فيه بما شرعه كما يحب ويرضى، وقد جنى عليه المشركون ودنسوه بعبادة غيره فيه، ثم بصد المؤمنين الموحدين له عنه، كما قال :﴿ هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ﴾ [ الفتح : ٢٥ ]، ثم إخراجهم إياهم من جواره ؛ لإيمانهم بربوبيته وألوهيته تعالى وحده دون ما أشركوه معه، كما قال للمؤمنين :﴿ يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم ﴾ [ الممتحنة : ١ ]، وقال فيهم ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ﴾ [ الحج : ٤٠ ]، فأي مزية تبقى مع هذه الجرائم لخدمة حجارته واحتكار مفتاحه وسقاية المشركين من حجاجه ؟ وأي ظلم أشد من هذا الظلم في موضوعه ؟
﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ إلى الحق في أعمالهم، ولا إلى الحكم العدل في أعمال غيرهم، أي ليس من سنته في أخلاق البشر وأعمالهم أن يكون الظالم مهديا إلى ما هو ضد صفة الظلم ومناف لها وهو الحق والعدل ؛ لأنه جمع بين ضدين بمعنى النقيضين، والقوم الظالمون أشد إسرافا في الظلم من الأفراد، وأبعد عن الهدى بغرورهم بقوتهم وتناصرهم. ومن أقبح هذا الظلم تفضيل خدمة حجارة البيت وحفظ مفتاحه وسقاية الحاج على الإيمان بالله وحده المطهر للأنفس من خرافات الشرك وأوهامه، والإيمان باليوم الآخر الذي يزعها أن تبغي وتظلم ويحبب إليها الحق والعدل، ويرغبها في الخير وعمل البر، ابتغاء رضوان الله لا للفخر والرياء، وعلى الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس لإحقاق الحق وإبطال الباطل وترقية شؤون البشر في مدارج العلم والعمل. ومن المعلوم أن هذا الجهاد يشمل القتال والنفقة فيه وغيرهما من أنواع مجاهدة الكفار، ومجاهدة النفس لإبلاغها مقام الكمال، وهذه الجملة ظاهرة في الرد على المشركين، وإبطال تبجحهم وفخرهم على المؤمنين.
﴿ *أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين( ١٩ ) الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون( ٢٠ ) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم( ٢١ ) خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم( ٢٢ ) ﴾
هذه الآيات تكملة لموضوع الآيتين اللتين قبلها في بيان كون الحق في عمارة المسجد الحرام بنوعيها للمسلمين دون المشركين، وكون إيمانهم وإسلامهم أفضل مما كان يفخر به المشركون من عمارته وسقاية الحاج فيه، وإن قام بهما المسلمون أنفسهم خلافا لما توهم بعضهم في الأعمال التي بعد الإسلام، فقد روى مسلم وأبو داود وابن حبان وبعض رواة التفسير المأثور من حديث النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم : ما أبالي أن لا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر : بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر : بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم. فزجرهم عمر وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وذلك يوم الجمعة ـ ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. [ فدخل بعد الصلاة فاستفتاه ]، فأنزل الله ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ ـ إلى قوله ـ لا يهدي القوم الظالمين }١.
وروى الفريابي عن ابن سيرين قال : قدم علي بن أبي طالب مكة فقال للعباس : أي عم ألا تهاجر ؟ ألا تلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أعمر المسجد وأحجب البيت، فأنزل الله﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ الآية.
وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : قال العباس حين أسر يوم بدر : إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفك العاني ( أي الأسير ) فأنزل الله ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾.
وروى أبو جعفر بن جرير عن كعب القرظي قال : افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار وعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، فقال طلحة : أنا صاحب البيت معي مفتاحه، ولو أشاء بت فيه، وقال العباس : أنا صاحب السقاية والقائم عليها، ولو أشاء بت في المسجد، فقال علي رضي الله عنه : ما أدري ما تقولان، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد. فأنزل الله﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ الآية كلها. فهذه الروايات في أسباب النزول وقائع في تفسير الآيات، وإن لم تكن أسبابا.
والمعتمد من هذه الروايات حديث النعمان لصحة سنده وموافقة متنه لما دلت عليه الآيات من كون موضوعها في المفاضلة أو المساواة بين خدمة البيت وحجاجه ـ من أعمال البر البدنية الهينة المستلذة ـ وبين الإيمان والجهاد بالمال والنفس والهجرة، وهي أشق العبادات النفسية البدنية المالية، والآيات تتضمن الرد عليها كلها.
وفي أثر علي أن العباس ذكر حجابة البيت، وهي لم تكن له دون السقاية التي كانت له، وأثر ابن عباس فيه تقدم معناه في تفسير الآيتين السابقتين.
تقدم تفسير عمارة المسجد في اللغة والاصطلاح. والسقاية في اللغة الموضع الذي يسقى فيه الماء وغيره، وكذا الإناء الذي يسقى به ؛ ومنه﴿ جعل السقاية في رحل أخيه ﴾ [ يوسف : ٧٠ ]، سميت سقاية لأنها يسقى بها، وصواعا ؛ لأنها يكال بها كالصاع وهو يؤنث ويذكر. قال في اللسان ( كغيره ) : والسقاية الموضع الذي يتخذ فيه الشراب في المواسم وغيرها، ( ثم قال ) : وفي الحديث ( كل مأثرة من مآثر الجاهلية تحت قدمي إلا سقاية الحاج وسدانة البيت )٢، هي ما كانت قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يليها العباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام اهـ والحديث الذي ذكره ورد في بعض روايات خطبته صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع.
وقال النووي في الأسماء واللغات ما نصه : سقاية العباس رضي الله عنه موضع بالمسجد الحرام زاده الله تعالى شرفا، يستقي فيها الماء ليشربه الناس، وبينها وبين زمزم أربعون ذراعا، حكى الأزرقي في كتابه تاريخ مكة وغيره من العلماء أن السقاية حياض من أدم كانت على عهد قصي بن كلاب توضع بفناء الكعبة، ويستقى فيها الماء العذب من الآبار على الإبل، ويسقاه الحاج، فجعل قصي عند موته أمر السقاية لابنه عبد مناف، ولم تزل مع عبد مناف يقوم بها، فكان يسقي الماء من بئر كرادم وغيره إلى أن مات ومن حصون خيبر اهـ.
أقول وقد بني هذا المكان المسمى بسقاية العباس، ولا يزال ماثلا إلى الآن، وهو حجرة كبيرة في جهة الجنوب من بئر زمزم، وصف مؤرخو مكة مساحتها وبُعدها عن زمزم وعن الكعبة المشرفة.
ويؤخذ من استعمال الكلمة أنها صارت اسم حرفة، وكذا الحجابة وهي سدانة البيت، وهما أفضل مآثر قريش، ولذلك أقرهما الإسلام، ومن المعلوم بالبداهة أن قول العباس : أنا صاحب السقاية، وقول الناس فيه كقوله لا يراد به أنه صاحب الموضع الذي كان يوضع فيه الماء المحلى بالزبيب أو التمر المنبوذ فيه، ولا ذلك الماء، وإنما المراد به أنه هو الذي يتولى إدارة هذا العمل وهو الإتيان بالزبيب أو التمر ونبذه بالماء ووضع أوانيه في المواضع التي يردها الحجاج فيشربون منها، ومن العجب أن يغفل أي لغوي أو مفسر عن هذا المعنى ويقول بعضهم : إنها اسم لمكان السقي، وبعضهم إنها مصدر سقى أو أسقى الخ.
ولما كان نفي استواء الفريقين ونفي اهتداء الظالمين إلى الحكم الصحيح في موضوع المفاضلة بينهما وإن اقتضيا بمعونة السياق تفضيل فريق المؤمنين المجاهدين على فريق السدنة والسقائين لا يعرف منهما كنه هذا الفضل ولا درجة أهله عند الله تعالى، وكان ذلك مما يستشرف له التالي والسامع، بينه تبارك اسمه بيانا مستأنفا يتضمن الرد على المؤمنين الذين تنازعوا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأعمال بعد الإسلام أفضل ؟ فقال :﴿ الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله ﴾ هذه العندية حكمية شرعية ومكانية جزائية، أي أعظم درجة وأعلى مقاما في الفضل والكمال في حكم الله، وأكبر مثوبة في جوار الله، من أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، الذين رأى بعض المسلمين أن عملهم أفضل القربات بعد هداية الإسلام، ومن غيرهم من أهل البر والصلاح، الذين لم ينالوا فضل الهجرة والجهاد بنوعيه المالي والنفسي، يدل على هذا العموم في التفضيل عدم ذكر المفضل عليه.
( فإن قيل ) : إن هذا التفسير يدل على أن ما يفتخر به المشركون على المؤمنين من السقاية والعمارة له درجة عند الله تعالى، ولكن درجة الإيمان مع الهجرة والجهاد أعظم- وقد سبق في الآيتين اللتين قبل هذه الآية خلاف ذلك-( قلنا ) : لا مراء في كون هذين العملين من أعمال البر التي يكون لصاحبها درجة عند الله تعالى إذا فعلا كما يرضى الله، ولذلك أقرهما الإسلام دون غيرهما من وظائف الجاهلية، ولكن الشرك بالله تعالى يحبطهما ويحبط غيرهما من أعمال البر التي كانوا يفعلونها كما تقدم.
﴿ وأولئك هم الفائزون ﴾ أي وأولئك المؤمنون المهاجرون المجاهدون هم الفائزون بمثوبة الله الفضلى، وكرامته العليا المبينة في الآية التالية، دون من لم يكن مستجمعا لهذه الصفات الثلاث، وإن سقى الحاج وعمر المسجد الحرام، فثواب المؤمن على هذين العملين دون ثوابه على الهجرة والجهاد المذكورين، ولا ثواب للكافر عليهما في الآخرة، فإن الكفر بالله ورسله وباليوم الآخر يحبط أمثال هذه الأعمال البدنية، وإن فرض فيها حسن النية، وقلما يفعلها الكافر إلا لأجل الرياء والسمعة.
هذه الآيات تكملة لموضوع الآيتين اللتين قبلها في بيان كون الحق في عمارة المسجد الحرام بنوعيها للمسلمين دون المشركين، وكون إيمانهم وإسلامهم أفضل مما كان يفخر به المشركون من عمارته وسقاية الحاج فيه، وإن قام بهما المسلمون أنفسهم خلافا لما توهم بعضهم في الأعمال التي بعد الإسلام، فقد روى مسلم وأبو داود وابن حبان وبعض رواة التفسير المأثور من حديث النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم : ما أبالي أن لا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر : بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر : بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم. فزجرهم عمر وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وذلك يوم الجمعة ـ ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. [ فدخل بعد الصلاة فاستفتاه ]، فأنزل الله ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ ـ إلى قوله ـ لا يهدي القوم الظالمين }١.
وروى الفريابي عن ابن سيرين قال : قدم علي بن أبي طالب مكة فقال للعباس : أي عم ألا تهاجر ؟ ألا تلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أعمر المسجد وأحجب البيت، فأنزل الله﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ الآية.
وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : قال العباس حين أسر يوم بدر : إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفك العاني ( أي الأسير ) فأنزل الله ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾.
وروى أبو جعفر بن جرير عن كعب القرظي قال : افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار وعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، فقال طلحة : أنا صاحب البيت معي مفتاحه، ولو أشاء بت فيه، وقال العباس : أنا صاحب السقاية والقائم عليها، ولو أشاء بت في المسجد، فقال علي رضي الله عنه : ما أدري ما تقولان، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد. فأنزل الله﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ الآية كلها. فهذه الروايات في أسباب النزول وقائع في تفسير الآيات، وإن لم تكن أسبابا.
والمعتمد من هذه الروايات حديث النعمان لصحة سنده وموافقة متنه لما دلت عليه الآيات من كون موضوعها في المفاضلة أو المساواة بين خدمة البيت وحجاجه ـ من أعمال البر البدنية الهينة المستلذة ـ وبين الإيمان والجهاد بالمال والنفس والهجرة، وهي أشق العبادات النفسية البدنية المالية، والآيات تتضمن الرد عليها كلها.
وفي أثر علي أن العباس ذكر حجابة البيت، وهي لم تكن له دون السقاية التي كانت له، وأثر ابن عباس فيه تقدم معناه في تفسير الآيتين السابقتين.
تقدم تفسير عمارة المسجد في اللغة والاصطلاح. والسقاية في اللغة الموضع الذي يسقى فيه الماء وغيره، وكذا الإناء الذي يسقى به ؛ ومنه﴿ جعل السقاية في رحل أخيه ﴾ [ يوسف : ٧٠ ]، سميت سقاية لأنها يسقى بها، وصواعا ؛ لأنها يكال بها كالصاع وهو يؤنث ويذكر. قال في اللسان ( كغيره ) : والسقاية الموضع الذي يتخذ فيه الشراب في المواسم وغيرها، ( ثم قال ) : وفي الحديث ( كل مأثرة من مآثر الجاهلية تحت قدمي إلا سقاية الحاج وسدانة البيت )٢، هي ما كانت قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يليها العباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام اهـ والحديث الذي ذكره ورد في بعض روايات خطبته صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع.
وقال النووي في الأسماء واللغات ما نصه : سقاية العباس رضي الله عنه موضع بالمسجد الحرام زاده الله تعالى شرفا، يستقي فيها الماء ليشربه الناس، وبينها وبين زمزم أربعون ذراعا، حكى الأزرقي في كتابه تاريخ مكة وغيره من العلماء أن السقاية حياض من أدم كانت على عهد قصي بن كلاب توضع بفناء الكعبة، ويستقى فيها الماء العذب من الآبار على الإبل، ويسقاه الحاج، فجعل قصي عند موته أمر السقاية لابنه عبد مناف، ولم تزل مع عبد مناف يقوم بها، فكان يسقي الماء من بئر كرادم وغيره إلى أن مات ومن حصون خيبر اهـ.
أقول وقد بني هذا المكان المسمى بسقاية العباس، ولا يزال ماثلا إلى الآن، وهو حجرة كبيرة في جهة الجنوب من بئر زمزم، وصف مؤرخو مكة مساحتها وبُعدها عن زمزم وعن الكعبة المشرفة.
ويؤخذ من استعمال الكلمة أنها صارت اسم حرفة، وكذا الحجابة وهي سدانة البيت، وهما أفضل مآثر قريش، ولذلك أقرهما الإسلام، ومن المعلوم بالبداهة أن قول العباس : أنا صاحب السقاية، وقول الناس فيه كقوله لا يراد به أنه صاحب الموضع الذي كان يوضع فيه الماء المحلى بالزبيب أو التمر المنبوذ فيه، ولا ذلك الماء، وإنما المراد به أنه هو الذي يتولى إدارة هذا العمل وهو الإتيان بالزبيب أو التمر ونبذه بالماء ووضع أوانيه في المواضع التي يردها الحجاج فيشربون منها، ومن العجب أن يغفل أي لغوي أو مفسر عن هذا المعنى ويقول بعضهم : إنها اسم لمكان السقي، وبعضهم إنها مصدر سقى أو أسقى الخ.
ولما كان نفي استواء الفريقين ونفي اهتداء الظالمين إلى الحكم الصحيح في موضوع المفاضلة بينهما وإن اقتضيا بمعونة السياق تفضيل فريق المؤمنين المجاهدين على فريق السدنة والسقائين لا يعرف منهما كنه هذا الفضل ولا درجة أهله عند الله تعالى، وكان ذلك مما يستشرف له التالي والسامع، بينه تبارك اسمه بيانا مستأنفا يتضمن الرد على المؤمنين الذين تنازعوا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأعمال بعد الإسلام أفضل ؟ فقال :﴿ الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله ﴾ هذه العندية حكمية شرعية ومكانية جزائية، أي أعظم درجة وأعلى مقاما في الفضل والكمال في حكم الله، وأكبر مثوبة في جوار الله، من أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، الذين رأى بعض المسلمين أن عملهم أفضل القربات بعد هداية الإسلام، ومن غيرهم من أهل البر والصلاح، الذين لم ينالوا فضل الهجرة والجهاد بنوعيه المالي والنفسي، يدل على هذا العموم في التفضيل عدم ذكر المفضل عليه.
( فإن قيل ) : إن هذا التفسير يدل على أن ما يفتخر به المشركون على المؤمنين من السقاية والعمارة له درجة عند الله تعالى، ولكن درجة الإيمان مع الهجرة والجهاد أعظم- وقد سبق في الآيتين اللتين قبل هذه الآية خلاف ذلك-( قلنا ) : لا مراء في كون هذين العملين من أعمال البر التي يكون لصاحبها درجة عند الله تعالى إذا فعلا كما يرضى الله، ولذلك أقرهما الإسلام دون غيرهما من وظائف الجاهلية، ولكن الشرك بالله تعالى يحبطهما ويحبط غيرهما من أعمال البر التي كانوا يفعلونها كما تقدم.
﴿ وأولئك هم الفائزون ﴾ أي وأولئك المؤمنون المهاجرون المجاهدون هم الفائزون بمثوبة الله الفضلى، وكرامته العليا المبينة في الآية التالية، دون من لم يكن مستجمعا لهذه الصفات الثلاث، وإن سقى الحاج وعمر المسجد الحرام، فثواب المؤمن على هذين العملين دون ثوابه على الهجرة والجهاد المذكورين، ولا ثواب للكافر عليهما في الآخرة، فإن الكفر بالله ورسله وباليوم الآخر يحبط أمثال هذه الأعمال البدنية، وإن فرض فيها حسن النية، وقلما يفعلها الكافر إلا لأجل الرياء والسمعة.
﴿ *أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين( ١٩ ) الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون( ٢٠ ) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم( ٢١ ) خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم( ٢٢ ) ﴾
هذه الآيات تكملة لموضوع الآيتين اللتين قبلها في بيان كون الحق في عمارة المسجد الحرام بنوعيها للمسلمين دون المشركين، وكون إيمانهم وإسلامهم أفضل مما كان يفخر به المشركون من عمارته وسقاية الحاج فيه، وإن قام بهما المسلمون أنفسهم خلافا لما توهم بعضهم في الأعمال التي بعد الإسلام، فقد روى مسلم وأبو داود وابن حبان وبعض رواة التفسير المأثور من حديث النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم : ما أبالي أن لا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر : بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر : بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم. فزجرهم عمر وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وذلك يوم الجمعة ـ ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. [ فدخل بعد الصلاة فاستفتاه ]، فأنزل الله ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ ـ إلى قوله ـ لا يهدي القوم الظالمين }١.
وروى الفريابي عن ابن سيرين قال : قدم علي بن أبي طالب مكة فقال للعباس : أي عم ألا تهاجر ؟ ألا تلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أعمر المسجد وأحجب البيت، فأنزل الله﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ الآية.
وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : قال العباس حين أسر يوم بدر : إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفك العاني ( أي الأسير ) فأنزل الله ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾.
وروى أبو جعفر بن جرير عن كعب القرظي قال : افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار وعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، فقال طلحة : أنا صاحب البيت معي مفتاحه، ولو أشاء بت فيه، وقال العباس : أنا صاحب السقاية والقائم عليها، ولو أشاء بت في المسجد، فقال علي رضي الله عنه : ما أدري ما تقولان، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد. فأنزل الله﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ الآية كلها. فهذه الروايات في أسباب النزول وقائع في تفسير الآيات، وإن لم تكن أسبابا.
والمعتمد من هذه الروايات حديث النعمان لصحة سنده وموافقة متنه لما دلت عليه الآيات من كون موضوعها في المفاضلة أو المساواة بين خدمة البيت وحجاجه ـ من أعمال البر البدنية الهينة المستلذة ـ وبين الإيمان والجهاد بالمال والنفس والهجرة، وهي أشق العبادات النفسية البدنية المالية، والآيات تتضمن الرد عليها كلها.
وفي أثر علي أن العباس ذكر حجابة البيت، وهي لم تكن له دون السقاية التي كانت له، وأثر ابن عباس فيه تقدم معناه في تفسير الآيتين السابقتين.
تقدم تفسير عمارة المسجد في اللغة والاصطلاح. والسقاية في اللغة الموضع الذي يسقى فيه الماء وغيره، وكذا الإناء الذي يسقى به ؛ ومنه﴿ جعل السقاية في رحل أخيه ﴾ [ يوسف : ٧٠ ]، سميت سقاية لأنها يسقى بها، وصواعا ؛ لأنها يكال بها كالصاع وهو يؤنث ويذكر. قال في اللسان ( كغيره ) : والسقاية الموضع الذي يتخذ فيه الشراب في المواسم وغيرها، ( ثم قال ) : وفي الحديث ( كل مأثرة من مآثر الجاهلية تحت قدمي إلا سقاية الحاج وسدانة البيت )٢، هي ما كانت قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يليها العباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام اهـ والحديث الذي ذكره ورد في بعض روايات خطبته صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع.
وقال النووي في الأسماء واللغات ما نصه : سقاية العباس رضي الله عنه موضع بالمسجد الحرام زاده الله تعالى شرفا، يستقي فيها الماء ليشربه الناس، وبينها وبين زمزم أربعون ذراعا، حكى الأزرقي في كتابه تاريخ مكة وغيره من العلماء أن السقاية حياض من أدم كانت على عهد قصي بن كلاب توضع بفناء الكعبة، ويستقى فيها الماء العذب من الآبار على الإبل، ويسقاه الحاج، فجعل قصي عند موته أمر السقاية لابنه عبد مناف، ولم تزل مع عبد مناف يقوم بها، فكان يسقي الماء من بئر كرادم وغيره إلى أن مات ومن حصون خيبر اهـ.
أقول وقد بني هذا المكان المسمى بسقاية العباس، ولا يزال ماثلا إلى الآن، وهو حجرة كبيرة في جهة الجنوب من بئر زمزم، وصف مؤرخو مكة مساحتها وبُعدها عن زمزم وعن الكعبة المشرفة.
ويؤخذ من استعمال الكلمة أنها صارت اسم حرفة، وكذا الحجابة وهي سدانة البيت، وهما أفضل مآثر قريش، ولذلك أقرهما الإسلام، ومن المعلوم بالبداهة أن قول العباس : أنا صاحب السقاية، وقول الناس فيه كقوله لا يراد به أنه صاحب الموضع الذي كان يوضع فيه الماء المحلى بالزبيب أو التمر المنبوذ فيه، ولا ذلك الماء، وإنما المراد به أنه هو الذي يتولى إدارة هذا العمل وهو الإتيان بالزبيب أو التمر ونبذه بالماء ووضع أوانيه في المواضع التي يردها الحجاج فيشربون منها، ومن العجب أن يغفل أي لغوي أو مفسر عن هذا المعنى ويقول بعضهم : إنها اسم لمكان السقي، وبعضهم إنها مصدر سقى أو أسقى الخ.
وههنا تستشرف النفس لمعرفة هذا الفوز المجمل فبينه تعالى بقوله :﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم ﴾ في كتابه المنزل على لسان نبيه المرسل، ثم على لسان ملائكته عند الموت.
﴿ برحمة منه ﴾ أي رحمة عظيمة خاصة من لدنه عز وجل.
﴿ ورضوان ﴾ أي نوع من الرضى التام الكامل الذي لا يشوبه ولا يعقبه سخط، يدل على هذا المعنى زيادة لفظ رضوان في المبنى على لفظ رضى مع تنكيره، ويؤيده الحديث الصحيح الآتي.
﴿ وجنات ﴾ تجري من تحتها الأنهار في دار الكرامة وجوار الرحمن.
﴿ لهم فيها نعيم مقيم ﴾ أي لهم فيهما نعيم عظيم خاص بهم دون من لم يؤمن، ولم يهاجر هجرتهم، ولم يجاهد جهادهم، مقيم دائم لا يزول على عظمه وكماله الذي يدل عليه تنكير لفظه في هذا السياق أيضا.
هذه الآيات تكملة لموضوع الآيتين اللتين قبلها في بيان كون الحق في عمارة المسجد الحرام بنوعيها للمسلمين دون المشركين، وكون إيمانهم وإسلامهم أفضل مما كان يفخر به المشركون من عمارته وسقاية الحاج فيه، وإن قام بهما المسلمون أنفسهم خلافا لما توهم بعضهم في الأعمال التي بعد الإسلام، فقد روى مسلم وأبو داود وابن حبان وبعض رواة التفسير المأثور من حديث النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم : ما أبالي أن لا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر : بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر : بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم. فزجرهم عمر وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وذلك يوم الجمعة ـ ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. [ فدخل بعد الصلاة فاستفتاه ]، فأنزل الله ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ ـ إلى قوله ـ لا يهدي القوم الظالمين }١.
وروى الفريابي عن ابن سيرين قال : قدم علي بن أبي طالب مكة فقال للعباس : أي عم ألا تهاجر ؟ ألا تلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أعمر المسجد وأحجب البيت، فأنزل الله﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ الآية.
وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : قال العباس حين أسر يوم بدر : إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفك العاني ( أي الأسير ) فأنزل الله ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾.
وروى أبو جعفر بن جرير عن كعب القرظي قال : افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار وعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، فقال طلحة : أنا صاحب البيت معي مفتاحه، ولو أشاء بت فيه، وقال العباس : أنا صاحب السقاية والقائم عليها، ولو أشاء بت في المسجد، فقال علي رضي الله عنه : ما أدري ما تقولان، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد. فأنزل الله﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ الآية كلها. فهذه الروايات في أسباب النزول وقائع في تفسير الآيات، وإن لم تكن أسبابا.
والمعتمد من هذه الروايات حديث النعمان لصحة سنده وموافقة متنه لما دلت عليه الآيات من كون موضوعها في المفاضلة أو المساواة بين خدمة البيت وحجاجه ـ من أعمال البر البدنية الهينة المستلذة ـ وبين الإيمان والجهاد بالمال والنفس والهجرة، وهي أشق العبادات النفسية البدنية المالية، والآيات تتضمن الرد عليها كلها.
وفي أثر علي أن العباس ذكر حجابة البيت، وهي لم تكن له دون السقاية التي كانت له، وأثر ابن عباس فيه تقدم معناه في تفسير الآيتين السابقتين.
تقدم تفسير عمارة المسجد في اللغة والاصطلاح. والسقاية في اللغة الموضع الذي يسقى فيه الماء وغيره، وكذا الإناء الذي يسقى به ؛ ومنه﴿ جعل السقاية في رحل أخيه ﴾ [ يوسف : ٧٠ ]، سميت سقاية لأنها يسقى بها، وصواعا ؛ لأنها يكال بها كالصاع وهو يؤنث ويذكر. قال في اللسان ( كغيره ) : والسقاية الموضع الذي يتخذ فيه الشراب في المواسم وغيرها، ( ثم قال ) : وفي الحديث ( كل مأثرة من مآثر الجاهلية تحت قدمي إلا سقاية الحاج وسدانة البيت )٢، هي ما كانت قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يليها العباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام اهـ والحديث الذي ذكره ورد في بعض روايات خطبته صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع.
وقال النووي في الأسماء واللغات ما نصه : سقاية العباس رضي الله عنه موضع بالمسجد الحرام زاده الله تعالى شرفا، يستقي فيها الماء ليشربه الناس، وبينها وبين زمزم أربعون ذراعا، حكى الأزرقي في كتابه تاريخ مكة وغيره من العلماء أن السقاية حياض من أدم كانت على عهد قصي بن كلاب توضع بفناء الكعبة، ويستقى فيها الماء العذب من الآبار على الإبل، ويسقاه الحاج، فجعل قصي عند موته أمر السقاية لابنه عبد مناف، ولم تزل مع عبد مناف يقوم بها، فكان يسقي الماء من بئر كرادم وغيره إلى أن مات ومن حصون خيبر اهـ.
أقول وقد بني هذا المكان المسمى بسقاية العباس، ولا يزال ماثلا إلى الآن، وهو حجرة كبيرة في جهة الجنوب من بئر زمزم، وصف مؤرخو مكة مساحتها وبُعدها عن زمزم وعن الكعبة المشرفة.
ويؤخذ من استعمال الكلمة أنها صارت اسم حرفة، وكذا الحجابة وهي سدانة البيت، وهما أفضل مآثر قريش، ولذلك أقرهما الإسلام، ومن المعلوم بالبداهة أن قول العباس : أنا صاحب السقاية، وقول الناس فيه كقوله لا يراد به أنه صاحب الموضع الذي كان يوضع فيه الماء المحلى بالزبيب أو التمر المنبوذ فيه، ولا ذلك الماء، وإنما المراد به أنه هو الذي يتولى إدارة هذا العمل وهو الإتيان بالزبيب أو التمر ونبذه بالماء ووضع أوانيه في المواضع التي يردها الحجاج فيشربون منها، ومن العجب أن يغفل أي لغوي أو مفسر عن هذا المعنى ويقول بعضهم : إنها اسم لمكان السقي، وبعضهم إنها مصدر سقى أو أسقى الخ.
وههنا تستشرف النفس لمعرفة هذا الفوز المجمل فبينه تعالى بقوله :﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم ﴾ في كتابه المنزل على لسان نبيه المرسل، ثم على لسان ملائكته عند الموت.
﴿ برحمة منه ﴾ أي رحمة عظيمة خاصة من لدنه عز وجل.
﴿ ورضوان ﴾ أي نوع من الرضى التام الكامل الذي لا يشوبه ولا يعقبه سخط، يدل على هذا المعنى زيادة لفظ رضوان في المبنى على لفظ رضى مع تنكيره، ويؤيده الحديث الصحيح الآتي.
﴿ وجنات ﴾ تجري من تحتها الأنهار في دار الكرامة وجوار الرحمن.
﴿ لهم فيها نعيم مقيم ﴾ أي لهم فيهما نعيم عظيم خاص بهم دون من لم يؤمن، ولم يهاجر هجرتهم، ولم يجاهد جهادهم، مقيم دائم لا يزول على عظمه وكماله الذي يدل عليه تنكير لفظه في هذا السياق أيضا.
﴿ *أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين( ١٩ ) الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون( ٢٠ ) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم( ٢١ ) خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم( ٢٢ ) ﴾
هذه الآيات تكملة لموضوع الآيتين اللتين قبلها في بيان كون الحق في عمارة المسجد الحرام بنوعيها للمسلمين دون المشركين، وكون إيمانهم وإسلامهم أفضل مما كان يفخر به المشركون من عمارته وسقاية الحاج فيه، وإن قام بهما المسلمون أنفسهم خلافا لما توهم بعضهم في الأعمال التي بعد الإسلام، فقد روى مسلم وأبو داود وابن حبان وبعض رواة التفسير المأثور من حديث النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم : ما أبالي أن لا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر : بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر : بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم. فزجرهم عمر وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وذلك يوم الجمعة ـ ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. [ فدخل بعد الصلاة فاستفتاه ]، فأنزل الله ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ ـ إلى قوله ـ لا يهدي القوم الظالمين }١.
وروى الفريابي عن ابن سيرين قال : قدم علي بن أبي طالب مكة فقال للعباس : أي عم ألا تهاجر ؟ ألا تلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أعمر المسجد وأحجب البيت، فأنزل الله﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ الآية.
وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : قال العباس حين أسر يوم بدر : إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفك العاني ( أي الأسير ) فأنزل الله ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾.
وروى أبو جعفر بن جرير عن كعب القرظي قال : افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار وعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، فقال طلحة : أنا صاحب البيت معي مفتاحه، ولو أشاء بت فيه، وقال العباس : أنا صاحب السقاية والقائم عليها، ولو أشاء بت في المسجد، فقال علي رضي الله عنه : ما أدري ما تقولان، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد. فأنزل الله﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ الآية كلها. فهذه الروايات في أسباب النزول وقائع في تفسير الآيات، وإن لم تكن أسبابا.
والمعتمد من هذه الروايات حديث النعمان لصحة سنده وموافقة متنه لما دلت عليه الآيات من كون موضوعها في المفاضلة أو المساواة بين خدمة البيت وحجاجه ـ من أعمال البر البدنية الهينة المستلذة ـ وبين الإيمان والجهاد بالمال والنفس والهجرة، وهي أشق العبادات النفسية البدنية المالية، والآيات تتضمن الرد عليها كلها.
وفي أثر علي أن العباس ذكر حجابة البيت، وهي لم تكن له دون السقاية التي كانت له، وأثر ابن عباس فيه تقدم معناه في تفسير الآيتين السابقتين.
تقدم تفسير عمارة المسجد في اللغة والاصطلاح. والسقاية في اللغة الموضع الذي يسقى فيه الماء وغيره، وكذا الإناء الذي يسقى به ؛ ومنه﴿ جعل السقاية في رحل أخيه ﴾ [ يوسف : ٧٠ ]، سميت سقاية لأنها يسقى بها، وصواعا ؛ لأنها يكال بها كالصاع وهو يؤنث ويذكر. قال في اللسان ( كغيره ) : والسقاية الموضع الذي يتخذ فيه الشراب في المواسم وغيرها، ( ثم قال ) : وفي الحديث ( كل مأثرة من مآثر الجاهلية تحت قدمي إلا سقاية الحاج وسدانة البيت )٢، هي ما كانت قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يليها العباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام اهـ والحديث الذي ذكره ورد في بعض روايات خطبته صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع.
وقال النووي في الأسماء واللغات ما نصه : سقاية العباس رضي الله عنه موضع بالمسجد الحرام زاده الله تعالى شرفا، يستقي فيها الماء ليشربه الناس، وبينها وبين زمزم أربعون ذراعا، حكى الأزرقي في كتابه تاريخ مكة وغيره من العلماء أن السقاية حياض من أدم كانت على عهد قصي بن كلاب توضع بفناء الكعبة، ويستقى فيها الماء العذب من الآبار على الإبل، ويسقاه الحاج، فجعل قصي عند موته أمر السقاية لابنه عبد مناف، ولم تزل مع عبد مناف يقوم بها، فكان يسقي الماء من بئر كرادم وغيره إلى أن مات ومن حصون خيبر اهـ.
أقول وقد بني هذا المكان المسمى بسقاية العباس، ولا يزال ماثلا إلى الآن، وهو حجرة كبيرة في جهة الجنوب من بئر زمزم، وصف مؤرخو مكة مساحتها وبُعدها عن زمزم وعن الكعبة المشرفة.
ويؤخذ من استعمال الكلمة أنها صارت اسم حرفة، وكذا الحجابة وهي سدانة البيت، وهما أفضل مآثر قريش، ولذلك أقرهما الإسلام، ومن المعلوم بالبداهة أن قول العباس : أنا صاحب السقاية، وقول الناس فيه كقوله لا يراد به أنه صاحب الموضع الذي كان يوضع فيه الماء المحلى بالزبيب أو التمر المنبوذ فيه، ولا ذلك الماء، وإنما المراد به أنه هو الذي يتولى إدارة هذا العمل وهو الإتيان بالزبيب أو التمر ونبذه بالماء ووضع أوانيه في المواضع التي يردها الحجاج فيشربون منها، ومن العجب أن يغفل أي لغوي أو مفسر عن هذا المعنى ويقول بعضهم : إنها اسم لمكان السقي، وبعضهم إنها مصدر سقى أو أسقى الخ.
﴿ خالدين فيها أبدا ﴾ أي مقيمين في تلك الجنات إقامة دائمة أبدية، أكد الخلود بالأبدية لأن معناه اللغوي طول المكث والإقامة كما قال{ عطاء غير مجذوذ ] [ هود : ١٠٨ ]، وتقدم تفسير الخلود والأبد في مثل هذا اللفظ مرارا.
﴿ إن الله عنده أجر عظيم ﴾ أي لأن ما عند الله تعالى من الأجر على الإيمان والعمل الصالح وأعظمه وأنفعه وأشقه الهجرة والجهاد عظيم جدا، لا يقدر قدره غيره جل جلاله وعم نواله، وناهيك بالإيمان الكامل الباعث على هجر الوطن، ومفارقة الأهل والسكن، وإنفاق المال الذي هو مناط رغائب الدنيا ونعيمها، وبذل النفس التي هي العلة الغائية للبشر من وجودهم، جهادا في سبيل الله وهي الطريق التي شرعها، والسنن التي سنها لإعلاء كلمته ونصر رسوله، وإقامة ما شرعه من الحق والعدل لعباده، فلا غرو أن يبشرهم بجميع أنواع الأجر والجزاء الروحية والجسدية.
فالأجر الروحاني قسمان عبر عنهما بالرحمة والرضوان، وهما رتبتان أو درجتان نكرهما للدلالة على التنويع والتعظيم الذي نطقت به الآية الثانية. فهذه الرحمة الخاصة، تشمل ما يخصهم به من العطف والإحسان في الدنيا والآخرة، مما هو فوق رحمته العامة لكل الخلق التي وسعت كل شيء، وأما الرضوان -وهو الاسم لكمال الرضاء كما تقدم- فهو فوق نعيم الجنة كله، فإن الله يرحم من رضي عنه ومن لم يرض عنه، وإن كانت رحمته لمن رضي عنه أعلى وأعظم، والدليل على أن هذا الرضوان أعلى النعيم، وأكمل الجزاء، وأنه يكون في الجنة أكبر نعيمها قوله تعالى في هذه السورة ﴿ وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم ﴾ [ التوبة : ٧٢ ] فقد عطف الرضوان على ما قبله عطف جملة لا عطف مفرد، للدلالة على أنه فضل مستقل فوق الجزاء الذي تقدمه في الوعد وهو الجنات وما فيها، فهذه الآية أبلغ في تعظيم شأن الرضوان الإلهي في الجنة من آية هذا السياق ومن آية آل عمران التي أنزلت قبلهما :﴿ قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد ﴾ [ آل عمران : ١٥ ] ويؤيد ما قلناه من أن رضوان الله تعالى في الجنة فوق نعيمها كله ما رواه الشيخان والترمذي والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الله يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة ! فيقولون : لبيك ربنا وسعديك، فيقول هل رضيتم ؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك ؟ فيقول : أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا : يا ربنا وأي شيء أفضل من ذلك ؟ فيقول : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا »١.
ومن تنطع بعض الصوفية في فلسفتهم أنهم لا يطلبون من الله النجاة من النار ولا الفوز بالجنة وإنما يطلبون النعيم الروحاني الأعلى فقط، وهو لقاؤه ورضوانه ورؤيته عز وجل، وإنها لفلسفة جهلية من نزغات منكري البعث الجسماني، مخالفة لنصوص كتاب الله تعالى وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم كما تقدم بيانه في غير هذا الموضع.
وأكبر العبر للمسلم في هذا السياق أن البدع الطارئة على الدين يقصد بها في أول أمرها أن تكون مزيد كمال في الدين، تقوي أصوله وما شرع لأجله، ثم ينتهي ذلك بهدم أصوله وما شرع له وإقامة البدعة مقامها، كما يعلم مما رواه البخاري عن ابن عباس في سبب عبادة قوم نوح لود وسواع ويغوث ويعوق ونسر من أنهم كانوا قوما صالحين، فصوروهم بعد موتهم لأجل الذكرى والاتباع، ثم عبدوهم وعبدوا صورهم بالتعظيم والدعاء والتوسل والاستشفاع وغير ذلك، ثم صارت عبادة الله وحده منكرة عندهم، ثم سرى ذلك الشرك في العرب وغيرهم، حتى آل الأمر إلى منع عبادة الله تعالى وحده في بيته الحرام ومنع المسلمين من دخوله لعبادته وحده كما تقدم، وهكذا شأن كل بدعة : يؤول أمر أهلها إلى محاربة السنة وعداوة من يعتصم بها، وينكر البدع المحدثة التي لعن الرسول صلى الله عليه وسلم أهلها، كما فعل ويفعل المبتدعون في تكفير الوهابية وغيرهم من دعاة السنة والمعتصمين بها أو تضليلهم، وقتالهم عند الإمكان.
هذه الآيات تكملة لموضوع الآيتين اللتين قبلها في بيان كون الحق في عمارة المسجد الحرام بنوعيها للمسلمين دون المشركين، وكون إيمانهم وإسلامهم أفضل مما كان يفخر به المشركون من عمارته وسقاية الحاج فيه، وإن قام بهما المسلمون أنفسهم خلافا لما توهم بعضهم في الأعمال التي بعد الإسلام، فقد روى مسلم وأبو داود وابن حبان وبعض رواة التفسير المأثور من حديث النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم : ما أبالي أن لا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر : بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر : بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم. فزجرهم عمر وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وذلك يوم الجمعة ـ ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. [ فدخل بعد الصلاة فاستفتاه ]، فأنزل الله ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ ـ إلى قوله ـ لا يهدي القوم الظالمين }١.
وروى الفريابي عن ابن سيرين قال : قدم علي بن أبي طالب مكة فقال للعباس : أي عم ألا تهاجر ؟ ألا تلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أعمر المسجد وأحجب البيت، فأنزل الله﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ الآية.
وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : قال العباس حين أسر يوم بدر : إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفك العاني ( أي الأسير ) فأنزل الله ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾.
وروى أبو جعفر بن جرير عن كعب القرظي قال : افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار وعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، فقال طلحة : أنا صاحب البيت معي مفتاحه، ولو أشاء بت فيه، وقال العباس : أنا صاحب السقاية والقائم عليها، ولو أشاء بت في المسجد، فقال علي رضي الله عنه : ما أدري ما تقولان، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد. فأنزل الله﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ الآية كلها. فهذه الروايات في أسباب النزول وقائع في تفسير الآيات، وإن لم تكن أسبابا.
والمعتمد من هذه الروايات حديث النعمان لصحة سنده وموافقة متنه لما دلت عليه الآيات من كون موضوعها في المفاضلة أو المساواة بين خدمة البيت وحجاجه ـ من أعمال البر البدنية الهينة المستلذة ـ وبين الإيمان والجهاد بالمال والنفس والهجرة، وهي أشق العبادات النفسية البدنية المالية، والآيات تتضمن الرد عليها كلها.
وفي أثر علي أن العباس ذكر حجابة البيت، وهي لم تكن له دون السقاية التي كانت له، وأثر ابن عباس فيه تقدم معناه في تفسير الآيتين السابقتين.
تقدم تفسير عمارة المسجد في اللغة والاصطلاح. والسقاية في اللغة الموضع الذي يسقى فيه الماء وغيره، وكذا الإناء الذي يسقى به ؛ ومنه﴿ جعل السقاية في رحل أخيه ﴾ [ يوسف : ٧٠ ]، سميت سقاية لأنها يسقى بها، وصواعا ؛ لأنها يكال بها كالصاع وهو يؤنث ويذكر. قال في اللسان ( كغيره ) : والسقاية الموضع الذي يتخذ فيه الشراب في المواسم وغيرها، ( ثم قال ) : وفي الحديث ( كل مأثرة من مآثر الجاهلية تحت قدمي إلا سقاية الحاج وسدانة البيت )٢، هي ما كانت قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يليها العباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام اهـ والحديث الذي ذكره ورد في بعض روايات خطبته صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع.
وقال النووي في الأسماء واللغات ما نصه : سقاية العباس رضي الله عنه موضع بالمسجد الحرام زاده الله تعالى شرفا، يستقي فيها الماء ليشربه الناس، وبينها وبين زمزم أربعون ذراعا، حكى الأزرقي في كتابه تاريخ مكة وغيره من العلماء أن السقاية حياض من أدم كانت على عهد قصي بن كلاب توضع بفناء الكعبة، ويستقى فيها الماء العذب من الآبار على الإبل، ويسقاه الحاج، فجعل قصي عند موته أمر السقاية لابنه عبد مناف، ولم تزل مع عبد مناف يقوم بها، فكان يسقي الماء من بئر كرادم وغيره إلى أن مات ومن حصون خيبر اهـ.
أقول وقد بني هذا المكان المسمى بسقاية العباس، ولا يزال ماثلا إلى الآن، وهو حجرة كبيرة في جهة الجنوب من بئر زمزم، وصف مؤرخو مكة مساحتها وبُعدها عن زمزم وعن الكعبة المشرفة.
ويؤخذ من استعمال الكلمة أنها صارت اسم حرفة، وكذا الحجابة وهي سدانة البيت، وهما أفضل مآثر قريش، ولذلك أقرهما الإسلام، ومن المعلوم بالبداهة أن قول العباس : أنا صاحب السقاية، وقول الناس فيه كقوله لا يراد به أنه صاحب الموضع الذي كان يوضع فيه الماء المحلى بالزبيب أو التمر المنبوذ فيه، ولا ذلك الماء، وإنما المراد به أنه هو الذي يتولى إدارة هذا العمل وهو الإتيان بالزبيب أو التمر ونبذه بالماء ووضع أوانيه في المواضع التي يردها الحجاج فيشربون منها، ومن العجب أن يغفل أي لغوي أو مفسر عن هذا المعنى ويقول بعضهم : إنها اسم لمكان السقي، وبعضهم إنها مصدر سقى أو أسقى الخ.
﴿ خالدين فيها أبدا ﴾ أي مقيمين في تلك الجنات إقامة دائمة أبدية، أكد الخلود بالأبدية لأن معناه اللغوي طول المكث والإقامة كما قال{ عطاء غير مجذوذ ] [ هود : ١٠٨ ]، وتقدم تفسير الخلود والأبد في مثل هذا اللفظ مرارا.
﴿ إن الله عنده أجر عظيم ﴾ أي لأن ما عند الله تعالى من الأجر على الإيمان والعمل الصالح وأعظمه وأنفعه وأشقه الهجرة والجهاد عظيم جدا، لا يقدر قدره غيره جل جلاله وعم نواله، وناهيك بالإيمان الكامل الباعث على هجر الوطن، ومفارقة الأهل والسكن، وإنفاق المال الذي هو مناط رغائب الدنيا ونعيمها، وبذل النفس التي هي العلة الغائية للبشر من وجودهم، جهادا في سبيل الله وهي الطريق التي شرعها، والسنن التي سنها لإعلاء كلمته ونصر رسوله، وإقامة ما شرعه من الحق والعدل لعباده، فلا غرو أن يبشرهم بجميع أنواع الأجر والجزاء الروحية والجسدية.
فالأجر الروحاني قسمان عبر عنهما بالرحمة والرضوان، وهما رتبتان أو درجتان نكرهما للدلالة على التنويع والتعظيم الذي نطقت به الآية الثانية. فهذه الرحمة الخاصة، تشمل ما يخصهم به من العطف والإحسان في الدنيا والآخرة، مما هو فوق رحمته العامة لكل الخلق التي وسعت كل شيء، وأما الرضوان -وهو الاسم لكمال الرضاء كما تقدم- فهو فوق نعيم الجنة كله، فإن الله يرحم من رضي عنه ومن لم يرض عنه، وإن كانت رحمته لمن رضي عنه أعلى وأعظم، والدليل على أن هذا الرضوان أعلى النعيم، وأكمل الجزاء، وأنه يكون في الجنة أكبر نعيمها قوله تعالى في هذه السورة ﴿ وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم ﴾ [ التوبة : ٧٢ ] فقد عطف الرضوان على ما قبله عطف جملة لا عطف مفرد، للدلالة على أنه فضل مستقل فوق الجزاء الذي تقدمه في الوعد وهو الجنات وما فيها، فهذه الآية أبلغ في تعظيم شأن الرضوان الإلهي في الجنة من آية هذا السياق ومن آية آل عمران التي أنزلت قبلهما :﴿ قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد ﴾ [ آل عمران : ١٥ ] ويؤيد ما قلناه من أن رضوان الله تعالى في الجنة فوق نعيمها كله ما رواه الشيخان والترمذي والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الله يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة ! فيقولون : لبيك ربنا وسعديك، فيقول هل رضيتم ؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك ؟ فيقول : أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا : يا ربنا وأي شيء أفضل من ذلك ؟ فيقول : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا »١.
ومن تنطع بعض الصوفية في فلسفتهم أنهم لا يطلبون من الله النجاة من النار ولا الفوز بالجنة وإنما يطلبون النعيم الروحاني الأعلى فقط، وهو لقاؤه ورضوانه ورؤيته عز وجل، وإنها لفلسفة جهلية من نزغات منكري البعث الجسماني، مخالفة لنصوص كتاب الله تعالى وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم كما تقدم بيانه في غير هذا الموضع.
وأكبر العبر للمسلم في هذا السياق أن البدع الطارئة على الدين يقصد بها في أول أمرها أن تكون مزيد كمال في الدين، تقوي أصوله وما شرع لأجله، ثم ينتهي ذلك بهدم أصوله وما شرع له وإقامة البدعة مقامها، كما يعلم مما رواه البخاري عن ابن عباس في سبب عبادة قوم نوح لود وسواع ويغوث ويعوق ونسر من أنهم كانوا قوما صالحين، فصوروهم بعد موتهم لأجل الذكرى والاتباع، ثم عبدوهم وعبدوا صورهم بالتعظيم والدعاء والتوسل والاستشفاع وغير ذلك، ثم صارت عبادة الله وحده منكرة عندهم، ثم سرى ذلك الشرك في العرب وغيرهم، حتى آل الأمر إلى منع عبادة الله تعالى وحده في بيته الحرام ومنع المسلمين من دخوله لعبادته وحده كما تقدم، وهكذا شأن كل بدعة : يؤول أمر أهلها إلى محاربة السنة وعداوة من يعتصم بها، وينكر البدع المحدثة التي لعن الرسول صلى الله عليه وسلم أهلها، كما فعل ويفعل المبتدعون في تكفير الوهابية وغيرهم من دعاة السنة والمعتصمين بها أو تضليلهم، وقتالهم عند الإمكان.
١ ـ أخرجه البخاري في التوحيد باب ٣٧، والرقاق باب ٥١، ومسلم في الإيمان حديث ٣٠٢، والجنة حديث ٩، والترمذي في الجنة باب١٨، وأحمد في المسند ٣/ ٨٨، ٩٥..
﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون( ٢٣ ) قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين( ٢٤ ) ﴾
قد علم مما تقدم أنه لما أعلن الله تعالى براءته وبراءة رسوله من المشركين، وآذنهم بنبذ عهودهم، وبعود حال القتال بينهم وبين المؤمنين كما كانت، بعد أن تبث بالتجربة أنهم لا عهود لهم يوفى بها، ولا أيمان يبرونها، بل يعقدونها عند الخوف، وينقضونها عند الشعور بالقدرة على الفتك ـ كما تقدم شرحه مفصلا ـ عز ذلك على بعض المسلمين، وفتح به باب لدسائس المنافقين وتبرم ضعفاء الإيمان، وكان أكثرهما من الطلقاء الذين أعتقهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، كان هو السبب لما تقدم من تكرار الأمر بقتال المصرين على الشرك، الناقضين للعهد، وتأكيده، وإقامة الدلائل على وجوبه، وكونه مقتضى الحق والعدل والمصلحة، وإنما كان موضع الضعف من بعض المسلمين في ذلك نعرة القرابة، ورحمة الرحم، وبقية عصبية النسب، إذ كان لا يزال لكثير منهم أولو قربى من المشركين يكرهون قتالهم، ويتمنون إيمانهم، ويرجونه إذا تركوا وشأنهم، بل كان لبعض ضعفاء الإيمان منهم بطانة ووليجة منهم.
فبعد أن بين الله تعالى لهم ما تقدم مما أشرنا إليه آنفا، وقفى عليه بفضل الإيمان والجهاد والهجرة، وحبوط أعمال المشركين حتى ما كان منها خيرا في نفسه، كسقاية الحاج والعمارة الصورية للمسجد الحرام، بعد هذا بين لهم أن ما ذكر من فضل الإيمان والهجرة والجهاد، وما بشر الله به أهله من رحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم، لا يتم إلا بترك ولاية الكافرين، وإيثار حب الله ورسوله والجهاد في سبيله على حب الوالد والولد، والأخ والزوج والعشيرة والمال والسكن.
فقال :
﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء ﴾ أي لا يتخذ أحد منكم أحدا من أب أو أخ وليا له ينصره في القتال، أو يظاهر لأجله الكفار، بأن يتخذه بطانة ووليجة يخبره بأسرار المؤمنين، وما يستعدون به لقتال المشركين، كما علم في هذا السياق من آية ٦ ﴿ أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة ﴾.
﴿ إن استحبوا الكفر على الإيمان ﴾ أي إن أصروا على الكفر وآثروه على الإيمان بالحب وما يقتضيه هذا الحب من قتال المؤمنين وعداوتهم، كما علم من شأنهم منذ ظهر الإسلام إلى نزول هذه السورة بعد فتح مكة، ولا سيما جموعهم في حنين الآتي ذكرها. وقد علم من قبل فتحها أن حاطب بن أبي بلتعة -وهو من أهل بدر- قد استخفته نعرة القرابة فكتب إلى مشركي مكة سرا يعلمهم فيه بما عزم عليه النبي صلى الله عليه وسلم من قتالهم، ليتخذ له بذلك يدا عندهم يكافئونه عليها بحماية ما كان له عندهم من قرابة، وفي ذلك نزلت سورة الممتحنة في نهي المؤمنين عن موالاة أعداء الله وأعدائهم وعن موادتهم، فتراجع فكل ما فيها من تعليل وتقييد للنهي عن المودة والموالاة فهو معتبر هنا، وقيل : إن هذه الآية نزلت في قصته، وقيل : فيما تقدم من امتناع العباس من الهجرة لما دعي إليها، وقيل : في كل من ثقلت عليه الهجرة عندما دعوا إليها، ولا يصح من ذلك شيء، وقيل : في الذين شكوا مما أوجبته هذه السورة من البراءة من المشركين وتحدثوا باستنكاره، والصواب ما تقدم من نزولها مع ما قبلها وما بعدها، وأنهم استثقلوا ذلك ولم يصح أنهم شكوا منه.
﴿ ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون ﴾ أي ومن يتولهم منكم -والحال ما ذكر- فأولئك المتولون لهم هم الظالمون لأنفسهم ولجماعتهم، العريقون في الظلم، الراسخون فيه بوضع الولاية في موضع البراءة والمودة في محل العداوة، دون من لم تستخفه نعرة القرابة وحمية الجاهلية النسبية إلى أن تحمله على ولاية أعداء الله ورسوله والمؤمنين بنصرهم ومظاهرتهم في القتال وما يتعلق به. فهو بمعنى قوله تعالى في سورة الممتحنة﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ﴾ [ الممتحنة : ٨، ٩ ] فإنما النهي عن ولاية الحرب والنصرة للكافرين المحاربين لنا لأجل ديننا. ومثله النهي عن تولي أهل الكتاب في سورة المائدة وقوله فيها ﴿ ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ [ المائدة : ٣٥ ] فالظلم في الآيات الثلاث واحد والولاية واحدة، وذكر بعض المفسرين أن ابن عباس فسر الظلم في آية براءة بالشرك ؛ لأن متولي القوم منهم كما قال ابن جرير في آية المائدة، وإنما يتحقق هذا في الولاية التامة دون مثل ما فعل حاطب متأولا.
قد علم مما تقدم أنه لما أعلن الله تعالى براءته وبراءة رسوله من المشركين، وآذنهم بنبذ عهودهم، وبعود حال القتال بينهم وبين المؤمنين كما كانت، بعد أن تبث بالتجربة أنهم لا عهود لهم يوفى بها، ولا أيمان يبرونها، بل يعقدونها عند الخوف، وينقضونها عند الشعور بالقدرة على الفتك ـ كما تقدم شرحه مفصلا ـ عز ذلك على بعض المسلمين، وفتح به باب لدسائس المنافقين وتبرم ضعفاء الإيمان، وكان أكثرهما من الطلقاء الذين أعتقهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، كان هو السبب لما تقدم من تكرار الأمر بقتال المصرين على الشرك، الناقضين للعهد، وتأكيده، وإقامة الدلائل على وجوبه، وكونه مقتضى الحق والعدل والمصلحة، وإنما كان موضع الضعف من بعض المسلمين في ذلك نعرة القرابة، ورحمة الرحم، وبقية عصبية النسب، إذ كان لا يزال لكثير منهم أولو قربى من المشركين يكرهون قتالهم، ويتمنون إيمانهم، ويرجونه إذا تركوا وشأنهم، بل كان لبعض ضعفاء الإيمان منهم بطانة ووليجة منهم.
فبعد أن بين الله تعالى لهم ما تقدم مما أشرنا إليه آنفا، وقفى عليه بفضل الإيمان والجهاد والهجرة، وحبوط أعمال المشركين حتى ما كان منها خيرا في نفسه، كسقاية الحاج والعمارة الصورية للمسجد الحرام، بعد هذا بين لهم أن ما ذكر من فضل الإيمان والهجرة والجهاد، وما بشر الله به أهله من رحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم، لا يتم إلا بترك ولاية الكافرين، وإيثار حب الله ورسوله والجهاد في سبيله على حب الوالد والولد، والأخ والزوج والعشيرة والمال والسكن.
فقال :
﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء ﴾ أي لا يتخذ أحد منكم أحدا من أب أو أخ وليا له ينصره في القتال، أو يظاهر لأجله الكفار، بأن يتخذه بطانة ووليجة يخبره بأسرار المؤمنين، وما يستعدون به لقتال المشركين، كما علم في هذا السياق من آية ٦ ﴿ أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة ﴾.
﴿ إن استحبوا الكفر على الإيمان ﴾ أي إن أصروا على الكفر وآثروه على الإيمان بالحب وما يقتضيه هذا الحب من قتال المؤمنين وعداوتهم، كما علم من شأنهم منذ ظهر الإسلام إلى نزول هذه السورة بعد فتح مكة، ولا سيما جموعهم في حنين الآتي ذكرها. وقد علم من قبل فتحها أن حاطب بن أبي بلتعة -وهو من أهل بدر- قد استخفته نعرة القرابة فكتب إلى مشركي مكة سرا يعلمهم فيه بما عزم عليه النبي صلى الله عليه وسلم من قتالهم، ليتخذ له بذلك يدا عندهم يكافئونه عليها بحماية ما كان له عندهم من قرابة، وفي ذلك نزلت سورة الممتحنة في نهي المؤمنين عن موالاة أعداء الله وأعدائهم وعن موادتهم، فتراجع فكل ما فيها من تعليل وتقييد للنهي عن المودة والموالاة فهو معتبر هنا، وقيل : إن هذه الآية نزلت في قصته، وقيل : فيما تقدم من امتناع العباس من الهجرة لما دعي إليها، وقيل : في كل من ثقلت عليه الهجرة عندما دعوا إليها، ولا يصح من ذلك شيء، وقيل : في الذين شكوا مما أوجبته هذه السورة من البراءة من المشركين وتحدثوا باستنكاره، والصواب ما تقدم من نزولها مع ما قبلها وما بعدها، وأنهم استثقلوا ذلك ولم يصح أنهم شكوا منه.
﴿ ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون ﴾ أي ومن يتولهم منكم -والحال ما ذكر- فأولئك المتولون لهم هم الظالمون لأنفسهم ولجماعتهم، العريقون في الظلم، الراسخون فيه بوضع الولاية في موضع البراءة والمودة في محل العداوة، دون من لم تستخفه نعرة القرابة وحمية الجاهلية النسبية إلى أن تحمله على ولاية أعداء الله ورسوله والمؤمنين بنصرهم ومظاهرتهم في القتال وما يتعلق به. فهو بمعنى قوله تعالى في سورة الممتحنة﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ﴾ [ الممتحنة : ٨، ٩ ] فإنما النهي عن ولاية الحرب والنصرة للكافرين المحاربين لنا لأجل ديننا. ومثله النهي عن تولي أهل الكتاب في سورة المائدة وقوله فيها ﴿ ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ [ المائدة : ٣٥ ] فالظلم في الآيات الثلاث واحد والولاية واحدة، وذكر بعض المفسرين أن ابن عباس فسر الظلم في آية براءة بالشرك ؛ لأن متولي القوم منهم كما قال ابن جرير في آية المائدة، وإنما يتحقق هذا في الولاية التامة دون مثل ما فعل حاطب متأولا.
﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون( ٢٣ ) قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين( ٢٤ ) ﴾
قد علم مما تقدم أنه لما أعلن الله تعالى براءته وبراءة رسوله من المشركين، وآذنهم بنبذ عهودهم، وبعود حال القتال بينهم وبين المؤمنين كما كانت، بعد أن تبث بالتجربة أنهم لا عهود لهم يوفى بها، ولا أيمان يبرونها، بل يعقدونها عند الخوف، وينقضونها عند الشعور بالقدرة على الفتك ـ كما تقدم شرحه مفصلا ـ عز ذلك على بعض المسلمين، وفتح به باب لدسائس المنافقين وتبرم ضعفاء الإيمان، وكان أكثرهما من الطلقاء الذين أعتقهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، كان هو السبب لما تقدم من تكرار الأمر بقتال المصرين على الشرك، الناقضين للعهد، وتأكيده، وإقامة الدلائل على وجوبه، وكونه مقتضى الحق والعدل والمصلحة، وإنما كان موضع الضعف من بعض المسلمين في ذلك نعرة القرابة، ورحمة الرحم، وبقية عصبية النسب، إذ كان لا يزال لكثير منهم أولو قربى من المشركين يكرهون قتالهم، ويتمنون إيمانهم، ويرجونه إذا تركوا وشأنهم، بل كان لبعض ضعفاء الإيمان منهم بطانة ووليجة منهم.
فبعد أن بين الله تعالى لهم ما تقدم مما أشرنا إليه آنفا، وقفى عليه بفضل الإيمان والجهاد والهجرة، وحبوط أعمال المشركين حتى ما كان منها خيرا في نفسه، كسقاية الحاج والعمارة الصورية للمسجد الحرام، بعد هذا بين لهم أن ما ذكر من فضل الإيمان والهجرة والجهاد، وما بشر الله به أهله من رحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم، لا يتم إلا بترك ولاية الكافرين، وإيثار حب الله ورسوله والجهاد في سبيله على حب الوالد والولد، والأخ والزوج والعشيرة والمال والسكن.
ثم انتقل من بيان هذه الدركة من الإخلال بحقوق الإيمان ومقتضياته إلى الدركة التي من شأنها أن تكون سببا لها، فقال ﴿ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره ﴾.
وجّه الله عز وجل الخطاب في النهي عن الجريمة الكبرى وهي ولاية الكافرين المعادين لله ورسوله إلى المؤمنين بعنوانهم مباشرة، ثم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخاطبهم في أمر الجريمة الثانية والوعيد عليها على فرض وقوعها منهم، ولم يشأ أن يعطف هذا على ما قبله فيكون خطابا منه بعنوان صفة الإيمان المنافي لمضمونه، ولذلك عبر عنه بأداة الشرط التي من شأن شرطها أن يكون مشكوكا في وقوعه، أو من شأنه أن لا يقع، وهي«إن »، ولم يرتب هذه المؤاخذة على أصل الحب لما ذكر في الآية من مجامع حظوظ الدنيا ولذاتها ؛ لأنه غريزي، بل رتبه على تفضيل هذه الحظوظ والشهوات الدنيوية في الحب على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله الموعود عليه بما تقدم آنفا من أنواع السعادة الأبدية في الآخرة، وكذا ما دونه كما يدل عليه تنكير كلمة جهاد هنا. وذكر الأبناء والأزواج هنا دون آية النهي عن الولاية ؛ لأن من شأن الإنسان أن يتولى في الحرب من فوقه كالأب ومن هو مثله كالأخ دون من هو دونه، ومن شأنه أن يكون تابعا له كابنه وزوجه، ولكنهما في المرتبة الأولى في الحب، وإننا نبين مراتب هذه الأصناف الثمانية في الحب، ونقفي عليها بمعنى حب الله ورسوله، وكون المؤمن الصادق لا يؤثرعليهما شيئا منها، ولا يعلو حبهما عنده حب شيء سواهما :
١ حب الأبناء للآباء له مناشئ من غرائز النفس وشعورها وعواطفها وعوارفها ومعارفها وطباعها، ومن عُرف الأقوام وآدابهم الاجتماعية وشرائعهم ودينهم، فالولد بضعة من أبيه يرث بعض صفاته وطباعه وشمائله من جسدية ونفسية وعقلية، وأول شيء يشعر به، وينمي في نفسه بنماء تمييزه وعقله إحسان والديه إليه، واقتران صورتهما في خياله بكل محبوب له. ويتلو هذا شعوره بما هما عليه من الحنان والعطف والحدب عليه والحب الخالص له الذي لا يشوبه رياء ولا تهمة، وللوالدة القدح المعلى في هذين، ويفوقها الوالد بما يحدث للولد بعد هذا من شعور الإعجاب بالعظمة والكمال والقدرة وهو من الغرائز، والطفل يشعر بأن أباه أعظم الناس وأحقهم بالإجلال والتعظيم. وهذا الشعور إما أن ينمي ويزداد في الكبر إذا كان الوالد مستحقا له ولو من بعض الوجوه، وإما أن يضعف، ولكنه قلما يزول عينا وأثرا وإن كان في غير محله.
وقد كان العرب يتفاخرون بآبائهم في أسواقهم وفي معاهد الحج، حتى قال الله تعالى :﴿ فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا ﴾ [ البقرة : ٢٠٠ ]، يتلو ذلك شعور عزة الحماية والصيانة له من والده والذود عنه والانتقام له إذا ضيم، وفوق هذا شعور الشرف، فهو يشرف بشرفه، ويحقر بضِعَته وخسته. فإن أهين بقول أو فعل ترجف أعصابه ويتبيغ دمه، ولا تكاد تهدأ ثائرته إلا بالانتقام له.
تؤيد هذه الأنواع من الشعور والغرائز ملكات تطبعها الحقوق العرفية والآداب الاجتماعية والشرائع الدينية، فالله تعالى قد قرن الإحسان بالوالدين بتوحيده وعبادته وحده بمثل قوله :﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ﴾ [ الإسراء : ٢٣ ] الخ، وقرن شكرهما بشكره في قوله :﴿ ووصينا الإنسان بوالديه حمل
قد علم مما تقدم أنه لما أعلن الله تعالى براءته وبراءة رسوله من المشركين، وآذنهم بنبذ عهودهم، وبعود حال القتال بينهم وبين المؤمنين كما كانت، بعد أن تبث بالتجربة أنهم لا عهود لهم يوفى بها، ولا أيمان يبرونها، بل يعقدونها عند الخوف، وينقضونها عند الشعور بالقدرة على الفتك ـ كما تقدم شرحه مفصلا ـ عز ذلك على بعض المسلمين، وفتح به باب لدسائس المنافقين وتبرم ضعفاء الإيمان، وكان أكثرهما من الطلقاء الذين أعتقهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، كان هو السبب لما تقدم من تكرار الأمر بقتال المصرين على الشرك، الناقضين للعهد، وتأكيده، وإقامة الدلائل على وجوبه، وكونه مقتضى الحق والعدل والمصلحة، وإنما كان موضع الضعف من بعض المسلمين في ذلك نعرة القرابة، ورحمة الرحم، وبقية عصبية النسب، إذ كان لا يزال لكثير منهم أولو قربى من المشركين يكرهون قتالهم، ويتمنون إيمانهم، ويرجونه إذا تركوا وشأنهم، بل كان لبعض ضعفاء الإيمان منهم بطانة ووليجة منهم.
فبعد أن بين الله تعالى لهم ما تقدم مما أشرنا إليه آنفا، وقفى عليه بفضل الإيمان والجهاد والهجرة، وحبوط أعمال المشركين حتى ما كان منها خيرا في نفسه، كسقاية الحاج والعمارة الصورية للمسجد الحرام، بعد هذا بين لهم أن ما ذكر من فضل الإيمان والهجرة والجهاد، وما بشر الله به أهله من رحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم، لا يتم إلا بترك ولاية الكافرين، وإيثار حب الله ورسوله والجهاد في سبيله على حب الوالد والولد، والأخ والزوج والعشيرة والمال والسكن.
ثم انتقل من بيان هذه الدركة من الإخلال بحقوق الإيمان ومقتضياته إلى الدركة التي من شأنها أن تكون سببا لها، فقال ﴿ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره ﴾.
وجّه الله عز وجل الخطاب في النهي عن الجريمة الكبرى وهي ولاية الكافرين المعادين لله ورسوله إلى المؤمنين بعنوانهم مباشرة، ثم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخاطبهم في أمر الجريمة الثانية والوعيد عليها على فرض وقوعها منهم، ولم يشأ أن يعطف هذا على ما قبله فيكون خطابا منه بعنوان صفة الإيمان المنافي لمضمونه، ولذلك عبر عنه بأداة الشرط التي من شأن شرطها أن يكون مشكوكا في وقوعه، أو من شأنه أن لا يقع، وهي«إن »، ولم يرتب هذه المؤاخذة على أصل الحب لما ذكر في الآية من مجامع حظوظ الدنيا ولذاتها ؛ لأنه غريزي، بل رتبه على تفضيل هذه الحظوظ والشهوات الدنيوية في الحب على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله الموعود عليه بما تقدم آنفا من أنواع السعادة الأبدية في الآخرة، وكذا ما دونه كما يدل عليه تنكير كلمة جهاد هنا. وذكر الأبناء والأزواج هنا دون آية النهي عن الولاية ؛ لأن من شأن الإنسان أن يتولى في الحرب من فوقه كالأب ومن هو مثله كالأخ دون من هو دونه، ومن شأنه أن يكون تابعا له كابنه وزوجه، ولكنهما في المرتبة الأولى في الحب، وإننا نبين مراتب هذه الأصناف الثمانية في الحب، ونقفي عليها بمعنى حب الله ورسوله، وكون المؤمن الصادق لا يؤثرعليهما شيئا منها، ولا يعلو حبهما عنده حب شيء سواهما :
١ حب الأبناء للآباء له مناشئ من غرائز النفس وشعورها وعواطفها وعوارفها ومعارفها وطباعها، ومن عُرف الأقوام وآدابهم الاجتماعية وشرائعهم ودينهم، فالولد بضعة من أبيه يرث بعض صفاته وطباعه وشمائله من جسدية ونفسية وعقلية، وأول شيء يشعر به، وينمي في نفسه بنماء تمييزه وعقله إحسان والديه إليه، واقتران صورتهما في خياله بكل محبوب له. ويتلو هذا شعوره بما هما عليه من الحنان والعطف والحدب عليه والحب الخالص له الذي لا يشوبه رياء ولا تهمة، وللوالدة القدح المعلى في هذين، ويفوقها الوالد بما يحدث للولد بعد هذا من شعور الإعجاب بالعظمة والكمال والقدرة وهو من الغرائز، والطفل يشعر بأن أباه أعظم الناس وأحقهم بالإجلال والتعظيم. وهذا الشعور إما أن ينمي ويزداد في الكبر إذا كان الوالد مستحقا له ولو من بعض الوجوه، وإما أن يضعف، ولكنه قلما يزول عينا وأثرا وإن كان في غير محله.
وقد كان العرب يتفاخرون بآبائهم في أسواقهم وفي معاهد الحج، حتى قال الله تعالى :﴿ فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا ﴾ [ البقرة : ٢٠٠ ]، يتلو ذلك شعور عزة الحماية والصيانة له من والده والذود عنه والانتقام له إذا ضيم، وفوق هذا شعور الشرف، فهو يشرف بشرفه، ويحقر بضِعَته وخسته. فإن أهين بقول أو فعل ترجف أعصابه ويتبيغ دمه، ولا تكاد تهدأ ثائرته إلا بالانتقام له.
تؤيد هذه الأنواع من الشعور والغرائز ملكات تطبعها الحقوق العرفية والآداب الاجتماعية والشرائع الدينية، فالله تعالى قد قرن الإحسان بالوالدين بتوحيده وعبادته وحده بمثل قوله :﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ﴾ [ الإسراء : ٢٣ ] الخ، وقرن شكرهما بشكره في قوله :﴿ ووصينا الإنسان بوالديه حمل