تفسير سورة سورة السجدة

أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل، الزجاج

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير الشعراوي
الشعراوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير يحيى بن سلام
يحيى بن سلام
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
لطائف الإشارات
القشيري
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

معاني القرآن وإعرابه للزجاج

أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل، الزجاج (ت 311 هـ)

الناشر

عالم الكتب - بيروت

الطبعة

الأولى

عدد الأجزاء

5

المحقق

عبد الجليل عبده شلبي

نبذة عن الكتاب

ابتدأ أبو إسحاق الزجاج املاء هذا الكتاب في سنة (285هـ)، وأتمه في سنة (301هـ)، والزجاج كان نحويًا لغويًا أصوله بصرية.
ذكر الزجاج في كتابـه أنــه سـيكتب هــذا الكتــاب مختصــرًا في معــاني القــرآن وإعرابــه، ولكن غلب فيه جانب الإعراب على جانب المعاني، ومع ذلك فـإن كتابـه يُعنى بمعـاني القـرآن وتفسيره أكثر ممن سبقه، ويتبين ذلك بمقارنه كتابه بكتاب الفراء (ت: 207هـ) ، أو الأخفش (215هـ).
وسبب ذلك أنه اعتمد على تفسير الإمام أحمد ، وقد نص عليه في استفادته من تفسير الإمام أحمد ، فهو يروي تفسير الإمام أحمد عن ابنه عبد الله.
منهج الكتاب :
  • حرص الزجاج على بيان المعاني اللغوية، وبيان اشتقاقها.
  • كغيره من اللغويين؛ اعتنى المؤلف من جهة الاستشهاد بالشعر، بكثرة الشواهد الشعرية، لكن أغلبها جاء في الجانب النحوي.
  • كغيره من اللغويين - أيضًا – اعتنى المؤلف بالقراءات، وتوجيه هذه القراءات، و كثير منها مرتبط بجانب النحو.

سُورَةُ السَّجدة
(مَكِّيَّة)
إلا ثلاث آيات منها مدنية، (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا) إلى
تَمامِ الثلاثِ آيات.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قوله عزَّ وجلَّ: (الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)
روى أحمد بن حنبل. بإسناد له أن النبى - ﷺ - كان يقرأ في كل لَيْلةٍ سورةَ السجْدَةِ " الم تنزيل "، وسورة " تبارك الملك ".
وروى كَعْبُ الأحبار أنه قال: من قرأ سورة السجدة كَتبت له سَبْعُونَ حسنةً وحُطتْ عَنْهُ سبعونَ سَيئةً وَرَفعَتْ له سَبْعُونَ دَرَجَة.
* * *
وقوله: (الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ) قد شرحنا ما قيل في " الم "، ورفع
(تَنْزِيلُ) على خبر الابتداء على إضمار الذي نتلو. تنزيل الكتاب.
ويجوز أن يكون في المعنى خبراً عن (الم)، أي (الم) مِنْ تنزيل الكتاب.
ويجوز أن يكون رفعه - على الابتداء، ويكون خبر الابتداء (لَا رَيْبَ فيه).
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)
معناه بل أيقولون افتراه.
وقوله: (لَتُنْذِرَ قَوْماً مَا أتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ)
وَمِثْلُهُ (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ).
و" ما " في جمع الموضعين نَفْيٌ، أي لم يشاهدُوا هُمْ ولا آباؤهم نبيًّا.
فأما الإنذار بما قدم من رسل اللَّه صلى اللَّه عليهم فعلى
آبائهم به الحجة، لأن اللَّه عزَّ وجلَّ لا يُعَذَبُ إلا من كفر بالرسُل.
والدليل على ذلك قوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (١).
* * *
قوله: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)
أعلم الله عزَّ وجلَّ أنه يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، ثم
يعرج الأمر إليه في يوم، وذلك اليوم مقداره ألفُ سَنَةٍ مما تعدُونَ.
ومعنى يَعْرُج ينزل ويَصْعَدُ يقال عَرَجْتُ في السِّلْمِ أَعْرُجُ، ويُقَالُ عَرِج
يَعْرَجُ إذَا صَار أَعْرَجَ.
* * *
وقوله تعالى: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ
(٧)
وقد قرئ (خَلَقَهُ) بتحريك اللام وتسكينها جميعاً - ويجوز خَلْقهُ
بالرفع ولا أعلم أحداً قرأ بها.
فأمَّا (خَلَقَهُ) فعلى الفِعْلِ المَاضِي.
وتأويل الِإحْسَانِ في هذا أنه خَلَقَهُ على إرَادَتِه فخلق الإِنْسَانَ في أحسن
تَقْوِيمٍ، وخلق القِرْدَ على ما أحب - عزَّ وجلَّ - وخَلقُه إياهُ على ذلك
مِنْ أَبْلَغِ الحكمةِ
ومن قرأ (خَلْقَهُ) بتسكين اللام فعلى وَجْهَيْنِ:
أحدهما المَصدَرَ الذي دل عليه أَحْسَنَ، والمعنى الذي خلق كل شيء خلقه.
ويجوز أن يكون على البَدَلِ فيكون المعنى الذي أَحْسَنَ خلْقَ كُل شيء.
خَلَقَهُ، والرفعُ على إضمار: " ذَلِكَ خَلْقُه " (٢).
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طَينٍ).
(١) قال السَّمين:
قوله: ﴿قَوْماً مَّآ أَتَاهُم﴾ الظاهرُ أنَّ المفعولَ الثاني للإِنذار محذوفٌ. و «قوماً» هو الأولُ؛ إذ التقديرُ: لتنذِرَ قوماً العقابَ، و «ما أتاهم» جملةٌ منفيَّةٌ في محلِّ نصبٍ صفةً ل «قوماً» يريد: الذين في الفترةِ بين عيسى ومحمدٍ عليهما السلام. وجعله الزمخشري كقوله: ﴿لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] فعلى هذا يكونُ «مِنْ نذير» هو فاعلَ «أتاهم» و «مِنْ» مزيدةٌ فيه. و «مِنْ قبلِك» صفةٌ لنذير. ويجوزُ أَنْ تتعلَّقَ «مِنْ قبلك» ب «أَتاهم».
وجَوَّزَ الشيخُ أَنْ تكونَ «ما» موصولةً في الموضعين، والتقدير: لتنذِرَ قوماً العقابَ الذي أتاهم مِنْ نذيرٍ مِنْ قبلك. و «مِنْ نذير» متعلقٌ ب «أَتاهم» أي: أتاهم على لسانِ نذيرٍ مِنْ قبلِك، وكذلك ﴿لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] أي: العقابَ الذي أُنْذِرَه آباؤهم. ف «ما» مفعولةٌ في الموضعين، و «لِتُنْذرَ» يتعدَّى إلى اثنين. قال تعالى: ﴿فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ [فصلت: ١٣]. وهذا القولُ جارٍ على ظواهر القرآن. قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] ﴿أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]. قلت: وهذا الذي قاله ظاهرٌ.
ويظهر أنَّ في الآية الأخرى وجهاً آخرَ: وهو أَنْ تكونَ «ما» مصدريةً تقديرُه: لتنذِرَ قوماً إنذاراً مثلَ إنذارِ آبائِهم؛ لأنَّ الرسلَ كلَّهم متفقون على كلمة الحق.
اهـ (الدُّرُّ المصُون).
(٢) قال السَّمين:
قوله: «خَلَقَه» قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بسكونِ اللام. والباقون بفتحها. فأمَّا الأُولى ففيها أوجهٌ، أحدُها: أن يكونَ «خَلْقَه» بدلاً مِنْ «كلَّ شيء» بدلَ اشتمالٍ مِنْ «كلَّ شيءٍ»، والضميرُ عائدٌ على كل شيء. وهذا هو المشهورُ المتداوَلُ. الثاني: أنه بدلُ كلٍ مِنْ كل، والضميرُ على هذا عائدٌ على الباري تعالى. ومعنى «أحسن»: /حَسَّن؛ لأنه ما مِنْ شيءٍ خَلَقَه إلاَّ وهو مُرَتَّبٌ على ما تَقْتَضيه الحكمةُ، فالمخلوقاتُ كلُّها حسنةٌ. الثالث: أن يكونَ «كلَّ شيءٍ» مفعولاً أول، و «خَلْقَه» مفعولاً ثانياً على أَنْ يُضَمَّن «أحسَنَ» معنى أَعْطى وأَلْهَمَ. قال مجاهد: «أعطى كلَّ جنسٍ شكله». والمعنى: خَلَقَ كلَّ شيءٍ على شكلِه الذي خصَّه به. الرابع: أن يكون «كلَّ شيء» مفعولاً ثانياً قُدِّم، و «خَلْقَه» مفعولاً أول أُخِّر، على أَنْ يُضَمَّنَ «أَحْسَنَ» معنى أَلْهَمَ وعَرَّف. قال الفراء: «ألهم كلَّ شيءٍ خَلْقَه فيما يحتاجون إليه فيكونُ أَعْلَمهم ذلك». قلت: وأبو البقاء ضَمَّن أحسنَ معنى عَرَّف. وأَعْرَبَ على نحوِ ما تقدَّم، إلاَّ أنه لا بُدَّ أن يُجْعَلَ الضميرُ لله تعالى، ويُجعلَ الخَلْقُ بمعنى المَخْلوق أي: عَرَّف مخلوقاتِه كلَّ شيءٍ يحتاجون إليه، فيَؤول المعنى إلى معنى قولِه: ﴿أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠].
الخامس: أن تعودَ الهاء [على الله تعالى] وأَنْ يكون «خَلْقَه» منصوباً على المصدرِ المؤكِّدِ لمضمون الجملةِ كقولِه: ﴿صُنْعَ الله﴾ [النمل: ٨٨]، وهو مذهبُ سيبويه أي: خَلَقَه خَلْقاً. ورُجِّحَ على بدلِ الاشتمال: بأنَّ فيه إضافةَ المصدرِ إلى فاعِله، وهو أكثرُ مِنْ إضافتِه إلى المفعول، وبأنه أبلغُ في الامتنانِ لأنه إذا قال: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ كان أبلغَ مِنْ «أَحْسَنَ خَلْقَ كلِّ شيء»؛ لأنه قد يَحْسُنُ الخلقُ - وهو المحاولةُ - ولا يكون الشيء في نفسِه حَسَناً. وإذا قال: أحسنَ كلَّ شيْءٍ اقتضى أنَّ كلَّ شيءٍ خَلَقَه حَسَنٌ، بمعنى أنه وَضَعَ كلَّ شيءٍ في موضعِه.
وأمَّا القراءةُ الثانية ف «خَلَقَ» فيها فعلٌ ماضٍ، والجملةُ صفةٌ للمضافِ أو المضافِ إليه، فتكونُ منصوبةَ المحلِّ أو مجرورتَه.
قوله: «وَبَدَأ» العامَّةُ على الهمزِ. وقرأ الزهريُّ «بدا» بألفٍ خالصةٍ، وهو خارجٌ عن قياسِ تخفيفِها، إذ قياسُه بينَ بينَ. على أن الأخفش حكى «قَرَيْتُ» وجوَّز الشيخ أن يكونَ مِنْ لغةِ الأنصار. يقولون في بدأ: «بَدِي» يكسِرون الدالَ وبعدها ياءٌ، كقولِ عبدِ الله بن رواحة الأنصاري:
٣٦٦٩ بسمِ الإِلهِ وبه بَدِيْنا... ولو عَبَدْنا غيرَه شَقِيْنا
قال: «وطيِّئٌ تقول في بَقِي: بَقَا». قال: «فاحتمل أَنْ تكونَ قراءةُ الزهري من هذه اللغةِ، أصلُه بَدِي، ثم صار بدا». قلت: فتكون القراءةُ مركبةً مِنْ لغتَيْن.
اهـ (الدُّرُّ المصُون).
يعني آدم وَذُريتهُ، فآدم خلق من طين.
* * *
(ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨)
ومعنى مَهِين ضَعيف، ومعنى السلالة في اللغة ما ينسَل من
الشيء القليل، وكذلك الفعالةُ نحو الفُضَالَةُ والنُّخامَةُ والقُوارةُ.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠)
ويقرأَ (أَنَّا لَفِي خلق جَدِيدٍ)، ويقرأ (إنَّا لَفِي خَلْق جَديدٍ)
وموضع (إذَا) نصب، فمن قرأ (أَإِنَّا) فعلى معنى أنُبْعَث إذا ضَللنَا في الأرْضِ.
وَيَكُونُ يَدُلًّ عَلَيه " إنَا لَفِي خَلْق جَدِيدٍ "، ومن قرأ إنا لفي خلق - جديد
فإذا منصوبة بـ ضللنا، ويكون بمعنى الشرط والجزاء، ولا يضر ألا يذكر
الفاء، لأن " إذَا " قد وليها الفعل الماضي، ولا يجوز أن ينتصبَ " إذا "
بما بعْدَ " أن "، لا خلاف بين النحويين في ذلك، ومعنى " إذَا ضَلَلنَا "
إذا مُتْنَا فَصِرْنَا تُراباً وعظاماً فَضَلِلْنَا في الأرض فلم يتبينْ شيء من
خَلْقِنَا، ويقرأ صَلَلْنَا بالصادِ، ومعناه على ضربين:
أحدهما أَنْتَنَّا وَتَغَيَّرْنَا، وتَغَيَّرَتْ صُوَرُنا، يقال صَلَّ اللحم وَأَصَلَّ إذا أنْتَنَ وَتَغيَّرَ.
والضرب الثاني صَلَلْنَا صرنا من جِنْسِ الصَّلَّةِ، وهي الأرض اليابسة (١).
* * *
وقوله: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)
من تَوْفِيَةِ العَدَدِ، تأويرله أنه يقْبِضُ أَرْواحكُمٍ أَجْمعين فلا ينقص
واحدٌ منكم، كما تقول: قد استَوْفَيْتُ مِنْ فُلَانٍ وتوفيْتُ من فلان مالي
عنده، فتأويله أَنهُ لَمْ يَبْقَ لي عَلَيه شيء.
(١) قال السَّمين:
قوله: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾: تقدَّم اختلافُ القراء في الاستفهامين في سورة الرعد. والعاملُ في «إذا» محذوفٌ تقديرُه: نُبْعَثُ أو نُخْرَجُ، لدلالةِ «خَلْقٍ جديد» عليه. ولا يَعْمَلُ فيه «خَلْق جديد» لأنَّ ما بعد «إنَّ» والاستفهامَ لا يعملُ فيما قبلهما. وجوابُ «إذا» محذوفٌ إذا جعلتَها شرطيةً.
وقرأ العامَّةُ «ضَلَلْنا» بضادٍ معجمةٍ ولامٍ مفتوحةٍ بمعنى: ذَهَبْنا وضِعْنا، مِنْ قولِهم: ضَلَّ اللبنُ في الماء. وقيل: غُيِّبْنا. قال النابغة:
٣٦٧٠ فآبَ مُضِلُّوه بعينٍ جَلِيَّة... وغُوْدِر بالجَوْلانِ حَزْمٌ ونائِلُ
والمضارعُ مِنْ هذا: يَضِلُّ بكسر العين وهو كثيرٌ. وقرأ يحيى ابن يعمر وابن محيصن وأبو رجاء بكسرِ اللامِ، وهي لغةُ العالية. والمضارعُ من هذا يَضَلُّ بالفتح. وقرأ عليٌّ وأبو حيوة «ضُلِّلْنا» بضم الضاد وكسر اللام المشددة مِنْ ضَلَّلَه بالتشديد.
وقرأ عليٌّ أيضاً وابن عباس والحسن والأعمش وأبان بن سعيد «صَلَلْنا» بصادٍ مهملةٍ ولامٍ مفتوحة. وعن الحسن أيضاً «صَلِلْنا» بكسرِ الصادِ. وهما لغتان. يقال: صَلَّ اللحمُ يَصِلُّ، ويَصَلُّ بفتح الصادِ وكَسرِها لمجيءِ الماضي مفتوحَ العين ومكسورَها. ومعنى صَلَّ اللحمُ: أنتنَ وتَغيَّرتْ رائحتُه. ويُقال أيضاً: أَصَلَّ بالألف قال:
٣٦٧١ تُلَجْلِجُ مُضْغَةً فيها أَنِيْضٌ... أَصَلَّتْ، فَهْيَ تحت الكَشْحِ داءُ
وقال النحاس: «لا نعرفُ في اللغة» صَلِلْنا «ولكن يُقال: صَلَّ اللحمُ، وأصلَّ، وخَمَّ وأَخَمَّ» وقد عَرَفها غيرُ أبي جعفر. اهـ (الدُّرُّ المصُون).
وقوله: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)
هذا متروك الجواب، وخِطابُ النبي - ﷺ - خطابُ الخلق الدليل عليه ذلك: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) فهو بمنزلة وَلَوْ تَرَوْنَ
فالجواب لرأيتم ما يعتبر به غاية الاعتبار.
وقوله: (رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا).
فيه إضمار " يَقُولُون رَبَّنَا أَبْصَرْنَا.
* * *
وقوله: (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)
تأويله مثل قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لِجَمَعَهُم عَلَى الهُدَى).
ومثله (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ).
وقوله: (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ).
قال قتادة بذنوبهم، وهذا حسن، لأن اللَّه عَز وَجَل قال:
(إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).
* * *
وقوله: (فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)
تِاويل النسيان ههنا الترك، المعنى فذوقوا بما تركتم عمل لقاء
يومكم هذا فتركناكم من الرحمة.
* * *
وقوله عزَّ وجل: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)
معنى (تَتَجَافَى) ترتفع وَتُفَارِقُ المضاجعَ، ومعنى (خَوْفًا وَطَمَعًا)
خوفاً من عذاب اللَّه وطمعاً في رحمة اللَّه.
وانتصاب (خَوْفًا وَطَمَعًا) لأنه مفعول له، كما تقول:
فَعَلْتُ ذلك حِذَارَ الشَرِّ أَي لِحذارِ الشَرِّ
وحقيقته أنه في موضع المصدَرِ، لأن (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) في هذا الموضعِ
يدل على أنهم يَخَافُونَ عذابَه وَيرْجُونَ رَحْمَتَهُ، فهو في تأويل يَخَافون
خوفاً ويطمعون طمعاً.
وقوله: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ).
أي ينفقون في طاعة اللَّهِ، وقد اختلف في تفسيرها، وأكثر ما
جاء في التفسير أنهم كانوا يصلون في الليل وقت صلاة العتمة
المكتوبة لا ينامون عنها، وقيل التطوع بين الصلاتين، صلاة المغرب
والعشاء الآخرة.
* * *
وقوله: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)
دليل على أنها الصلَاةُ في جَوْفِ الليْلِ، لأنه عمل يستسِرُّ
الإنْسَانُ به فجعل لفظ ما يجازى به (أُخْفِيَ).
ويقرأ بإسكان الياء، ويكون المعنى ما أخفي أنا لهم. إخبار عن اللَّه.
وإذا قرئت: (أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) - بفتح الياء - فعلى تأويل الفعل الماضي، ويكون اسم ما لم يسم فاعله ما في أُخْفِيَ من ذكر " ما "
وقرأ الناس كلهم (مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) إلا أبا هُرَيْرَةَ فإنه قرأ (من قرَّاتِ أعْيُنٍ).
ورواه عن النبي - ﷺ -.
(جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
" جزاء " أيضاً منصوب مفعول له.
وقُرئت: فلا تعلم نفس ما أَخْفَى لَهمْ، أي ما أخفى اللَّه لهم (١).
* * *
وقوله: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨)
جاء في التفسير أنها نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام.
وعقْبَةَ بنِ أَبي معَيْطِ.
فالمؤمن عَلِيٌّ رضي اللَّه عنه، والفاسق عقبة ابن أبي معيط، فشهد الله لِعليٍّ بالإيمان وإنه في الجنة بقوله: (أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى).
وقال: (لَا يَسْتَوُونَ)، ولو كان قال: لا يتسويان لكان جَائزاً.
ولكن " مَنْ " لفظها لفظ الواحد، وهي تدل على الواحِد وعلى الجماعة فجاء (لَا يَسْتَوُونَ) على معنى لا يستوي المؤمِنُونَ والكَافِرونَ.
ويجوز أن يكونَ " لا يَسْتوُونَ " للاثنين، لأن معنى الاثنين جماعة.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)
الأدنى ما يصيبهم في الدنيا، وقد اختلف في تفسيرها.
فقيل: ما يصيبهم من الجدب والخوف، ويكون دليل هذا القول قوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ).
وقيل " الْعَذَابِ الْأَدْنَى " ههنا السِّبَاءُ والقتل، وجملته أن كل
ما يعذَّبُ به في الدنيا فهو الْعَذَابِ الْأَدْنَى، والعذاب الأكبر عذاب
الآخرة.
* * *
وقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣)
(١) قال السَّمين:
قوله: «أُخْفِيَ» قرأه حمزةُ «أُخْفِيْ» فعلاً مضارعاً مُسْنداً لضمير المتكلم، فلذلك سَكَنَتْ ياؤُه لأنه مرفوعٌ. وتؤيدها قراءةُ ابنِ مسعود «ما نُخْفي» بنون العظمة. والباقون «أُخْفِيَ» ماضياً مبنياً للمفعول، فمِنْ ثَمَّ فُتحت ياؤُه. وقرأ محمد بن كعب «أَخْفى» ماضياً مبنياً للفاعل وهو اللَّهُ تعالى، ويؤيِّده قراءةُ الأعمش «ما أَخْفَيْتُ» مسنداً للمتكلم. وقرأ عبد الله وأبو الدرداء وأبو هريرةَ «مِّن قُرَّاتِ أَعْيُنٍ» جمعاً بالألف والتاء. و «ما» يجوزُ أَنْ تكونَ موصولةً أي: لا نَعْلَمُ الذي أخفاه اللَّهُ. وفي الحديث: «ما لا عينٌ رَأَتْ، ولا أُذُن سَمِعَت، ولا خَطَر على قَلْب بشر» وأَنْ تكونَ استفهاميةً معلِّقَةً ل «تَعْلَمُ». فإن كانَتْ متعديةً لاثنين سَدَّت مَسَدَّهما، أو لواحدٍ سَدَّتْ مَسَدَّه. و «جزاءً» مفعول له، أو مصدرٌ مؤكِّدٌ لمعنى الجملةِ قبلَه. وإذا كانَتْ استفهاميةً فعلى قراءةِ مَنْ قرأ ما بعدها فعلاً ماضياً تكون في محلِّ رفعٍ بالابتداء، والفعلُ بعدها الخبرُ. وعلى قراءةِ مَنْ قرأه مضارعاً تكونُ مفعولاً مقدَّماً، و «مِنْ قُرَّة» حالٌ مِنْ «ما». اهـ (الدُّرُّ المصُون).
جاء في التفسير لا تكن في شك من لقاء موسى عليه السلام.
ودليل هذا القول في التفسير قوله: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا)، فالمعنى لا تكن يا محمد في مِرْيةٍ من لقائه.
والخطابُ للنبي - ﷺ - بمنزلة الخطاب له ولأِمَّتِهِ في هذا الموضع، أي فلا تكونوا في شك من لقاء النبي عليه السلام بموسى.
وَقِيلَ (فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ) أي من لقاء موسى الكتاب، ويكون الهاء للكتاب، ويكون في لقائه ذكرُ مُوسى، ويجوز أن يكون الهاء لموسي، والكتاب محذوف، لأنْ ذكر الكتاب قد جرى كما جرى ذكر موسى.
وهذا واللَّه أعلم أشبه بالتفسير.
* * *
وقوله: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)
أكثر البصرئينَ لا يجيزون (أَئِمَّةً) بهمزتين، وابن أبي اسحاق وحدَه
يجيز اجتماعَ هَمْزَتين، وسيبويه والخليل وجميع البصريين - إلا ابنَ
إسحاق - يقولون أيمة - بهمزة وياء - وإذا كانَ الهمزتان في كلمة وَاحِدَةٍ
لم يجيزوا إلا إبدال الثانية في نحو أَيِمة وآدم، ومن قرأ أَئِمةً لَزِمه أَنْ
يَقُول في " آدم " أَأْدَم " لأنه أفعل من الأدْمَةِ، وأئمة أَفْعِلَة، ولا ينبغي أن
تقرأ ألا أيمَّةَ، لأن من حقَق الهمزة فيما يجوز فيه تخفيف الهمز أجاز
التخفيف فكذلك هو يجيز التخفيف في أيمة، فتصير قراءة أَيِمَّة
إجماعاً.
وقوله: (لَمَّا صَبَرُوا).
وَلِمَا صَبروا، والقراءة بالتشديد والتخفيف في " لَمَّا "، فالتخفيف
معناه جعلناهم أئمة لِصَبْرِهِمْ، ومن قرأ " لَمَّا، صَبَروا فالمعنى مَعنى
حكاية المجازاة. لَمَّا صَبَرُوا جعلناهم أئمة، وأصل الجزاء في هذا
كأنهُ قيل إن صَبرتُمْ جعلناكم أئمةً، فلما صبروا جُعِلوا أَئِمةً.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦)
وقرئت بالنُونِ ((أَوَلَمْ نَهْدِ لَهُمْ).
وزعم بعض النحويين أن (كَمْ) في موضع رفع بـ (يَهْدِ)
والمعنى عنده أولم نُبَيِّنْ لهم القرون التي أهلكنا مِنْ قَبْلِهِمْ.
وهذا عندنا - أعني عند البصريين - لا يجوز، لأنه لايعمل ما قبل (كَمْ) في
(كَمْ)، لا يجوز في قولك كم رَجُل جاءني.
وأنت مخبر أن تقول جاءني كم رجل، لأن (كَمْ) لا تُزَالُ عن الابتداء.
ولذلك جاز أن يفصل بينها وبين ما عملت فيه إِذَا نصبت بما في الخبر
والاستفهام تقول في الخبر:
كَمْ بجودٍ مُقْرِفاً نالَ الغِنَى
آية رقم ٢٨
ففصلت بين (كَمْ) وبين قولك مقرفاً بِقَوْلِكَ (بجودٍ)، فيكون
الفَصْلُ فيها بين (كَمْ) وما عملت فيه عِوَضاً من تصرفها، ألا ترى أنه لا
يجوز عشرون عندي درهماً، ويجوز في الخبر كم عندي دِرهماً جَيِّداً.
وحقيقة هذا أَن (كَمْ) في موضع نصبٍ بـ (أَهْلَكْنَا).
وفاعل " يَهْدِ " ما دل عليه المعنى مما سلف من الكلام.
ويكون (كَمْ) أَيْضاً دليلا على الفاعل في يهدي، ويدل على هذا قراءة من قرأ أو لم نَهْدِ - بالنونِ - أي ألم نبين لهم.
ويجوز أيضا على " يهد " بالياء - أن يكون الفعلُ لله - عزَّ وجلَّ - يدل عليه قراءة من قرأ (أولَم نَهْدِ).
* * *
وقوله - عزَّ وجلَّ - (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)
يُقرأ (الجُرُزَ)، ويجوز، الجَرَزَ والجُرْز والجَرْز.
كل ذلك قد حكي في (الْجُرُزِ).
جاء في التفسير أنها أرض اليَمَنِ، والجرز عند أَهْل اللغَةِ الأرض
التي لا تُنْبِتُ. وكان أصلها أنها تأكل نباتها، يقال امرأة جَزُوز إذا
كانت أكولاً، ويقال: سيف جراز إذَا كان مستأصلا.
فمن قال جُرْزٌ فهو تخفيف جرُز، ومن قال: جَرَز وَجَرْز فهما لغتان.
ويجوز أن يكون جَرْز مَصْدَراً وُصِفَ به كأنَّه أرض ذات جَرْزٍ - أعني بإسكان الراء، أي ذَات أكل للنبَاتِ.
وقوله: (يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ).
ويجوز في (يَمْشون في مساكنهم): تَمْشون.
* * *
وقوله تعالى: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨)
آية رقم ٣٠
جاء في التفسير أن أصحاب النبي عليه السلام قالوا: يُوشِكُ أن
يكون لنا يوم نستريح فيه، فقال المشركون: مَتَى هَذَا الفَتحُ إن كُنتُم
صَادَقِينَ، فأعلم الله عَز وَجَل أَن الراحة في الجنة في الآخرةِ.
وجاء أيضاً في الفتح مَتَى هذا الحَكمُ إنْ كنتم صادقين، ومتى هذا الفَصلُ.
فأَعلم اللَّه - عزَّ وجلَّ - أَن يَوْمَ الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمَانُهُمْ.
وَلَا هم يُنْظَرُونَ.
أَيْ أَنَّهم ما داموا في الدنيا فالتوبة مَعْرُوضَة لَهُمْ ولا توبة في
الآخرةِ.
* * *
(فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)
وقرئت: (وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ)، و (مُنْتَظَرُونَ).
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

10 مقطع من التفسير