جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن عُلَية، قال : حدثنا أبو رجاء، قال : سُئل عِكرِمة، عن قوله :﴿فالمُورِياتِ قَدْحا﴾ قال : أوْرَتْ وقَدَحتْ.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿فالمُورِياتِ قَدْحا﴾ قال : هي الخيل، وقال الكلبيّ : تقدح بحوافرها حتى يخرج منها النار.
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا وكيع، عن واصل، عن عطاء ﴿فالمُورِياتِ قَدْحا﴾ قال : أورت النار بحوافرها.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :﴿فالمُورِياتِ قَدْحا﴾ تُوري الحجارةَ بحوافرها.
وقال آخرون : بل معنى ذلك أن الخيل هِجْنَ الحرب بين أصحابهنّ ورُكْبانهنّ. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة ﴿فالمُورِياتِ قَدْحا﴾ قال : هِجْنَ الحرب بينهم وبين عدوّهم.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا مهران، عن سعيد، عن قتادة ﴿فالمُورِياتِ قَدْحا﴾ قال : هجِن الحرب بينهم وبين عدوّهم.
وقال آخرون : بل عُنِي بذلك : الذين يُورون النار بعد انصرافهم من الحرب. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني أبو صخر، عن أبي معاوية البَجَلِيّ، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال : سألني عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، عن الْعادِياتِ ضَبْحا فالمُورِياتِ قَدْحا فقلت له : الخيل تغير في سبيل الله، ثم تأوِي إلى الليل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : مكر الرجال. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس :﴿فالمُورِياتِ قَدْحا﴾ قال : المكر.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله :﴿فالمُورِياتِ قَدْحا﴾ قال : مكر الرجال.
وقال آخرون : هي الألسنة، ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن عرفة، قال : حدثنا يونس بن محمد، قال : حدثنا حماد بن سلمة، عن سمِاك بن حرب، عن عكرِمة قال : يُقال في هذه الآية ﴿فالمُورِياتِ قَدْحا﴾ قال : هي الألسنة.
وقال آخرون : هي الإبل حين تسير تَنْسِفَ بمناسمها الحصى. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مُغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله :﴿فالمُورِياتِ قَدْحا﴾ قال : إذا نَسَفت الحصى بمناسمها، فضربَ الحصَى بعضُه بعضا، فيخرج منه النار.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب : أن يقال : إن الله تعالى ذكره أقسم بالموريات التي توري النيران قدحا، فالخيل تُوري بحوافرها، والناس يورونها بالزّند، واللسان - مثلاً -يوري بالمنطق، والرجال يورون بالمكر -مثلاً-، وكذلك الخيل تهيج الحرب بين أهلها : إذا التقت في الحرب، ولم يضع الله دلالة على أن المراد من ذلك بعضٌ دون بعض، فكلّ ما أوْرت النارَ قدْحا فداخلة فيما أقسم به، لعموم ذلك بالظاهر.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩)﴾.