جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
اختلفت القرّاء في قراءة قوله : سَنَفْرُغُ لَكُم أيّها الثّقَلانِ فقرأته قرّاء المدينة والبصرة وبعض المكيين سَنَفْرُغُ لَكُمْ بالنون. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة «سَيَفْرُغُ لَكُمْ » بالياء وفتحها ردّا على قوله : يسأله مَنْ فِي السّمَوَاتِ والأرْضِ ولم يقل : يسألنا من في السموات، فأتبعوا الخبر الخبر.
والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وأما تأويله : فإنه وعيد من الله لعباده وتهدّد، كقول القائل الذي يتهدّد غيره ويتوعده، ولا شغل له يشغله عن عقابه، لأتفرغنّ لك، وسأتفرّغ لك، بمعنى : سأجدّ في أمرك وأعاقبك، وقد يقول القائل للذي لا شغل له، قد فرغت لي، وقد فرغت لشتمي : أي أخذت فيه وأقبلت عليه، وكذلك قوله جلّ ثناؤه : سَنَفْرُغُ لَكُمْ سنحاسبكم، ونأخذ في أمركم أيها الإنس والجنّ، فنعاقب أهل المعاصي، ونثيب أهل الطاعة. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أيّها الثّقَلانِ قال : وَعيد من الله للعباد، وليس بالله شغل، وهو فارغ.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة أنه تلا سَنَفْرُغُ لَكُمْ أيّها الثّقَلانِ قال : دنا من الله فراغ لخلقه.
حدثنا ابن حُمَيد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن جُويبر، عن الضحاك سَنَفْرُغُ لَكُمْ أيّها الثّقَلانِ قال : وعيد، وقد يُحتمل أن يوجه معنى ذلك إلى : سنفرُغ لكم من وعدناكم ما وعدناكم من الثواب والعقاب.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مروان، قال: ثنا أبو العوّام، عن قتادة (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) قال: يخلق مخلقا، ويميت ميتا، ويحدث أمرا.
حدثني عبد الله بن محمد بن عمرو الغزي، قال: ثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي، قال: ثنا عمرو بن بكر السكسكي، قال: ثنا الحارث بن عبدة بن رباح الغساني، عن أبيه عبدة بن رباح، عن منيب بن عبد الله الأزدي، عن أبيه قال: تلا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم هذه الآية (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) فقلنا: يا رسول الله، وما ذلك الشأن؟ قال: "يَغْفِرُ ذَنْبَا، ويُفَرّجُ كَرْبا، ويَرْفَعُ أقْوَاما، وَيَضَعُ آخَرِينَ."
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي حمزة الثمالي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: إن الله خلق لوحا محفوظا من درّة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، عرضه ما بين السماء والأرض، ينظر فيه كلّ يوم ثلاث مئة وستين نظرة، يخلق بكل نظرة، ويُحيي ويميت، ويُعزّ ويُذلّ، ويفعل ما يشاء.
وقوله: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، يقول تعالى ذكره: فبأيّ نِعَم ربكما معشر الجنّ والإنس، التي أنعم عليكم من صرفه إياكم في مصالحكم، وما هو أعلم به منكم من تقليبه إياكم، فيما هو أنفع لكم تكذّبان.
القول في تأويل قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لا