محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٤٤ من سورة يس في ٩٣ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٣ أقوال من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٤٤ من سورة يس

٩٣ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله :﴿وَمَتاعا إلى حِينٍ﴾يقول : ولنمتعهم إلى أجل هم بالغوه، فكأنه قال : ولاهم يُنْقذُونَ، إلا أن نرحمهم فنمتعهم إلى أجل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وَمَتاعا إلى حِينٍ : أي إلى الموت.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾
يقول تعالى ذكره: ودليل لهم أيضًا، وعلامة على قُدرتنا على كلّ ما نشاء، حملنا ذرّيتهم، يعني من نجا من ولد آدم في سفينة نوح، وإياها عنى جلّ ثناؤه بالفُلك المشحون؛ والفلك: هي السفينة، والمشحون: المملوء الموقر.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله (أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) يقول: الممتلئ.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) يعني المثقل.
حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد (الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) قال: الموقَر.
حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله (الْمَشْحُونِ) قال: المحمول.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) يعني: سفينة نوح عليه السلام.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) الموقر، يعني سفينة نوح.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) قال: الفلك المشحون: المَرْكَب الذي كان فيه نوح، والذرية التي كانت في ذلك المركب؛ قال: والمشحون: الذي قد شُحِن، الذي قد جعل فيه ليركبه أهله، جعلوا فيه ما يريدون، فربما امتلأ وربما لم يمتلىء.
حدثنا الفضل بن الصباح، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن عطاء، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: أتدرون ما الفُلك المشحون؟ قلنا: لا قال: هو المُوقَر.
حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآمُلِي، قال: ثنا هارون، عن جُوَيبر، عن
الضحاك، في قوله (الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) قال: المُوقَر.
وقوله (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) يقول تعالى ذكره: وخلقنا لهؤلاء المشركين المكذّبيك يا محمد، تفضلا منا عليهم، من مثل ذلك الفلك الذي كنا حملنا من ذرية آدم مَنْ حملنا فيه الذي يركبونه من المراكب.
ثم اختلف أهل التأويل في الذي عني بقوله (مَا يَرْكَبُونَ) فقال بعضهم: هي السفن.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا الفضل بن الصباح، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن عطاء، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: تدرون ما (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) ؟ قلنا: لا. قال: هي السفن جُعِلت من بعد سفينة نوح على مِثْلها.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن أبي مالك في قوله (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) قال: السفن الصغار.
قال: ثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن أبي مالك، في قوله (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) قال: السفن الصغار، ألا ترى أنه قال (وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ) ؟
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن في هذه الآية (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) قال: السفن الصغار.
حدثنا حاتم بن بكر الضَّبي، قال: ثنا عثمان بن عمر، عن شعبة، عن إسماعيل، عن أبي صالح: (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) قال: السفن الصغار.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) يعني: السفن التي اتخذت
بعدها، يعني بعد سفينة نوح.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) قال: هي السفن التي ينتفع بها.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) قال: وهي هذه الفلك.
حدثني يونس، قال: ثنا محمد بن عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) قال: نعم من مثل سفينة.
وقال آخرون: بل عني بذلك الإبل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنا أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) يعني: الإبل، خَلَقها الله كما رأيت، فهي سفن البر، يحملون عليها ويركبونها.
حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثنا غندر، عن عثمان بن غياث، عن عكرمة (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) قال: الإبل.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، قال: قال عبد الله بن شداد (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) هي الإبل.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) قال: من الأنعام.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسن: هي الإبل.
وأشبه القولين بتأويل ذلك قول من قال: عُنِي بذلك السفن، وذلك لدلالة

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
والنهار، بل كان مِنْهُمَا يَعْقُبُ الْآخَرَ بِلَا مُهْلَةٍ وَلَا تَرَاخٍ، لِأَنَّهُمَا مُسَخَّرَانِ دَائِبَيْنِ يَتَطَالَبَانِ طَلَبًا حَثِيثًا.
وَقَوْلُهُ تبارك وتعالى: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ يَعْنِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، كُلُّهُمْ يَسْبَحُونَ أَيْ يَدُورُونَ فِي فَلَكِ السَّمَاءِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيِّ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: فِي فَلَكٍ بَيْنَ السماء والأرض، ورواه ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا بَلْ منكر. قال ابن عباس رضي الله عنهما وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: فِي فَلْكَةٍ كَفَلْكَةِ المغزل. وقال مجاهد: الفلك كحديدة الرَّحَى أَوْ كَفَلْكَةِ الْمِغْزَلِ، لَا يَدُورُ الْمِغْزَلُ إلا بها، ولا تدور إلا به.

[سورة يس (٣٦) : الآيات ٤١ الى ٤٤]

وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٤٤)
يقول تبارك وتعالى: ودلالة لهم أيضا على قدرته تبارك وتعالى تَسْخِيرُهُ الْبَحْرَ لِيَحْمِلَ السُّفُنَ، فَمِنْ ذَلِكَ بَلْ أوله سفينة نوح عليه الصلاة والسلام، الَّتِي أَنْجَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الأرض من ذرية آدم عليه الصلاة والسلام غيرهم، ولهذا قال عز وجل: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ أَيْ آبَاءَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ أي في السفينة الْمَمْلُوءَةِ مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَالْحَيَوَانَاتِ، الَّتِي أَمَرَهُ اللَّهُ تبارك وتعالى أَنْ يَحْمِلَ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ. قال ابن عباس رضي الله عنهما: الْمَشْحُونُ الْمُوقَرُ، وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والشعبي وقتادة وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ: وَهِيَ سفينة نوح عليه الصلاة والسلام.
وقوله جل وعلا: وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ قَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَعْنِي بِذَلِكَ الْإِبِلُ، فَإِنَّهَا سُفُنُ الْبَرِّ يَحْمِلُونَ عَلَيْهَا وَيَرْكَبُونَهَا، وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وقتادة في رواية، وعبد اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ وَغَيْرِهِمْ: وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي رِوَايَةٍ: هِيَ الْأَنْعَامُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «١» : حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أتدرون ما قوله تعالى: وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هِيَ السُّفُنُ جُعِلَتْ مِنْ بَعْدِ سفينة نوح عليه الصلاة والسلام على مثلها، وكذا قال أَبُو مَالِكٍ وَالضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ وَأَبُو صَالِحٍ وَالسُّدِّيُّ أيضا المراد بقوله تعالى:
وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ أَيِ السُّفُنَ، وَيُقَوِّي هَذَا الْمَذْهَبَ فِي الْمَعْنَى قَوْلُهُ جل وعلا:
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ [الْحَاقَّةِ: ١١- ١٢].
وقوله عز وجل: وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ يَعْنِي الَّذِينَ فِي السُّفُنِ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ أي لا مغيث
(١) تفسير الطبري ١٠/ ٤٤٥.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ حيث لم نغرقهم، لطفا بهم، وتمتيعا لهم إلى حين، لعلهم يرجعون، أو يستدركون ما فرط منهم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٤١ - ٥٠} ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ * وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ * إِلا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾.
أي: ودليل لهم وبرهان، على أن الله وحده المعبود، لأنه المنعم بالنعم، الصارف للنقم، الذي من جملة نعمه ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قال كثير من المفسرين: المراد بذلك: آباؤهم.
﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ﴾ أي: للموجودين من (١) بعدهم ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ أي: من مثل ذلك الفلك، أي: جنسه ﴿مَا يَرْكَبُونَ﴾ به، فذكر نعمته على الآباء بحملهم في السفن، لأن النعمة عليهم، نعمة على الذرية. وهذا الموضع من أشكل المواضع عليَّ في التفسير، فإن ما ذكره كثير من المفسرين، من أن المراد بالذرية الآباء، مما لا يعهد في القرآن إطلاق الذرية على الآباء، بل فيها من الإيهام، وإخراج الكلام عن موضوعه، ما يأباه كلام رب العالمين، وإرادته البيان والتوضيح لعباده.
وثَمَّ احتمال أحسن من هذا، وهو أن المراد بالذرية الجنس، وأنهم هم بأنفسهم، لأنهم هم من ذرية [بني] آدم، ولكن ينقض هذا المعنى قوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ إن أريد: وخلقنا من مثل ذلك الفلك، أي: لهؤلاء المخاطبين، ما يركبون من أنواع الفلك، فيكون ذلك تكريرا للمعنى، تأباه فصاحة القرآن. فإن أريد بقوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ الإبل، التي هي سفن البر، استقام المعنى واتضح، إلا أنه يبقى أيضا، أن يكون الكلام فيه تشويش، فإنه لو أريد هذا المعنى، لقال: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَاهم فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُون، ِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ، فأما أن يقول في الأول: وحملنا ذريتهم، وفي الثاني: حملناهم، فإنه لا يظهر المعنى، إلا أن يقال: الضمير عائد إلى الذرية، والله أعلم بحقيقة الحال.
فلما وصلت في الكتابة إلى هذا الموضع، ظهر لي معنى ليس ببعيد من مراد الله تعالى، وذلك أن من عرف جلالة كتاب الله وبيانه التام من كل وجه، للأمور الحاضرة والماضية والمستقبلة، وأنه يذكر من كل معنى أعلاه وأكمل ما يكون من أحواله، وكانت الفلك من آياته تعالى ونعمه على عباده، من حين أنعم عليهم بتعلمها إلى يوم القيامة، ولم تزل موجودة في كل زمان، إلى زمان المواجهين بالقرآن.
فلما خاطبهم الله تعالى بالقرآن، وذكر حالة الفلك، وعلم تعالى أنه سيكون أعظم آيات الفلك في غير وقتهم، وفي غير زمانهم، حين يعلمهم [صنعة] الفلك [البحرية] الشراعية منها والنارية، والجوية السابحة في الجو، كالطيور ونحوها، [والمراكب البرية] مما كانت الآية العظمى فيه لم توجد إلا في الذرية، نبَّه في الكتاب على أعلى نوع من أنواع آياتها فقال:
﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ أي: المملوء ركبانا وأمتعة. فحملهم الله تعالى، ونجاهم بالأسباب التي علمهم الله بها، من -[٦٩٧]- الغرق، و [لهذا] نبههم على نعمته عليهم حيث (٢) أنجاهم مع قدرته على ذلك، فقال: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ أي: لا أحد يصرخ لهم فيعاونهم على الشدة، ولا يزيل عنهم المشقة، ﴿وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ مما هم فيه ﴿إِلا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ حيث لم نغرقهم، لطفا بهم، وتمتيعا لهم إلى حين، لعلهم يرجعون، أو يستدركون ما فرط منهم.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ أي: من أحوال البرزخ والقيامة، وما في الدنيا من العقوبات ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أعرضوا عن ذلك، فلم يرفعوا به رأسا، ولو جاءتهم كل آية، ولهذا قال: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ وفي إضافة الآيات إلى ربهم، دليل على كمالها ووضوحها، لأنه ما أبين من آية من آيات الله، ولا أعظم بيانا.
وإن من جملة تربية الله لعباده، أن أوصل إليهم الآيات التي يستدلون بها على ما ينفعهم، في دينهم ودنياهم.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: من الرزق الذي منَّ به الله عليكم، ولو شاء لسلبكم إياه، ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ معارضين للحق، محتجين بالمشيئة: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ حيث تأمروننا بذلك.
وهذا مما يدل على جهلهم العظيم، أو تجاهلهم الوخيم، فإن المشيئة، ليست حجة لعاص أبدا، فإنه وإن كان ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فإنه تعالى مكَّن العباد، وأعطاهم من القوة ما يقدرون على فعل الأمر واجتناب النهي، فإذا تركوا ما أمروا به، كان ذلك اختيارا منهم، لا جبرا لهم ولا قهرا.
﴿وَيَقُولُونَ﴾ على وجه التكذيب والاستعجال: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال الله تعالى: لا يستبعدوا ذلك، فإنه [عن] قريب ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ وهي نفخة الصور ﴿تَأْخُذُهُمْ﴾ أي: تصيبهم ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ أي: وهم لا هون عنها، لم تخطر على قلوبهم في حال خصومتهم، وتشاجرهم بينهم، الذي لا يوجد في الغالب إلا وقت الغفلة.
وإذا أخذتهم وقت غفلتهم، فإنهم لا ينظرون ولا يمهلون ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أي: لا قليلة ولا كثيرة ﴿وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾
(١) كذا في ب، وفي أ: في.
(٢) كذا في ب، وفي أ: حين.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٩٣ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير يحيى بن سلام — يحيى بن سلام معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

تذكرة الأريب في تفسير الغريب
إلا رحمة
إلا أن يرحمهم

إعراب الآية ٤٤ من سورة يس

من كتاب: إعراب القرآن

مكة أنّا حملنا ذريات قوم نوح في الفلك. وفيها قول آخر حسن، وهو أن يكون المعنى أن الله جلّ وعزّ خبّر بلطفه وامتنانه أنه خلق السفن يحمل فيها من يصعب عليه المشي والركوب من الذريات والصغار، ويكون الضميران على هذا متفقين.

[سورة يس (٣٦) : الآيات ٤٢ الى ٤٣]

وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣)
وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ والأصل: يركبونه حذفت الهاء لطول الاسم، وأنه رأس آية. وفي معناه ثلاثة أقوال: مذهب مجاهد وقتادة وجماعة من أهل التفسير أنّ معنى «من مثله» للإبل، والقول الثاني أنه للإبل والدواب وكل ما يركب، والقول الثالث أنه للسفن، وهذا أصحّها لأنه متصل الإسناد عن ابن عباس رواه محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ قال: خلق لهم سفنا أمثالها يركبون فيها. وبغير هذا الإسناد أن ابن عباس احتجّ في أن هذا ليس للإبل بأن بعده وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وهو حسن لأن بعده ما لا يجوز فيه إلا الرفع لأنّه معرفة وهو وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ والنحويون يختارون: لا رجل في الدار ولا زيد.

[سورة يس (٣٦) : آية ٤٤]

إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٤٤)
إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا قال الكسائي: هو نصب على الاستثناء، وقال أبو إسحاق: نصب لأنه مفعول له أي للرحمة وَمَتاعاً معطوف عليه. قال قتادة: إِلى حِينٍ أي إلى الموت.

[سورة يس (٣٦) : آية ٤٩]

ما يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩)
وفي قوله جلّ وعزّ ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ خمس قراءات «١» : قرأ أبو عمرو وابن كثير وهم يخصّمون بفتح الياء والخاء وتشديد الصاد، وكذا روى ورش عن نافع. فأما أصحاب القراءات وأصحاب نافع سوى ورش فإنهم رووا عنه وهم يخصّمون بإسكان الخاء وتشديد الصاد على الجمع بين ساكنين وقرأ عاصم والكسائي وَهُمْ يَخِصِّمُونَ بكسر الخاء وتشديد الصاد، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة وهم يخصمون بإسكان الخاء وتخفيف الصاد، وفي حرف أبيّ وهم يختصمون. قال أبو جعفر: القراءة الأولى وهم يخصّمون أبينها والأصل: يختصمون فأدغمت التاء في الصاد فقلبت حركتها إلى الهاء، وإسكان الخاء
(١) انظر تيسير الداني ١٤٩، ومعاني الفراء ٢/ ٣٧٩، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٤١.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

الموضوعات القرآنية للآية ٤٤ من سورة يس

موضوع واحد تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٣ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٣ أقوال
١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾، قال: إلى الموت١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٤٤٧. وعزاه السيوطي إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إلّا رَحْمَةً مِنّا﴾ إلا نعمة منا حين لا نغرقهم، ﴿ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ وبلاغًا إلى آجالهم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٥٨٠.
٣
قال يحيى بن سلّام: قال: ﴿إلّا رَحْمَةً مِنّا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ فبرحمته يُمتِّعهم إلى يوم القيامة، ولم يهلكهم بعذاب الاستئصال، وسيهلك كفار آخر هذه الأمة بالنفخة الأولى١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلّام ٢‏/‏٨١٠-٨١١.
التفسير بالمأثور لسورة يس كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٤٤ من سورة يس

وقفة واحدة في هذه الآية

  • برنامج لمسات بيانية (إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) أي إلا إذا أراد ربهم أن يرحمهم فينقذهم ويمتعهم في الحياة إلى أجل. فنفى الإنقاذ إلا من طريق رحمة الله بهم. والتعبير يحتمل معنيين: الأول أن ينقذهم رحمة بهم ويمتعهم إلى حين. والمعنى الآخر أن إنقاذهم على نوعين: إنقاذ رحمة وإنقاذ تمتيع. وذلك أن قسماً من هؤلاء الناجين يؤمنون بعد الكفر ويهتدون بعد الضلال فكان إنقاذهم رحمة منه تعالى. والقسم الآخر يبقون على ضلالهم فيكون إنقاذهم متاعاً إلى حين. والقسمان نالتهم رحمه الله والمتاع إلى حين. فالذين آمنوا نالتهم رحمة الله بإنقاذهم من الغرق وبإيمانهم. والذين لم يؤمنوا نالتهم رحمة الله بالنجاة من الغرق. وعلى هذا فكلهم مرحومون ممتعون ولكن منهم من نالته رحمة أوسع بنجاته وإيمانه. وقال (رَحْمَةً مِنَّا) ليدل على أن الرحمة بهم كانت منه سبحانه وإلا فليس ثمة من يرحمهم ويغيثهم، وحتى لو أغاثهم أحد فذلك برحمته سبحانه لهم وتهيئته من ينجيهم. فهم لا ينقذون إلا برحمته سبحانه. جاء في (التفسير الكبير) في قوله (إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) "وهو يفيد أمرين: أحدهما: انقسام الإنقاذ إلى قسمين: الرحمة والمتاع. أي فمن علم الله منه أنه يؤمن فينقذه الله رحمة، وفيمن علم أنه لا يؤمن زماناً ويزداد إثماً. وثانيهما: أنه بيان لكون الإنقاذ غير مفيد للدوام بل الزوال في الدنيا لابد منه فينقذه الله رحمة ويمتعه إلى حين. ثم يميته فالزوال لازم أن يقع" (1). وقد تقول: لقد قدم الرحمة ههنا على الجار والمجرور فقال (إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا) فهل يصح أن يقدم الجار والمجرور على الرحمة فيقول (ولا هم ينقذون منا إلا رحمة ومتاعاً إلى حين) أو (ولا هم ينقذون إلا منا رحمة ومتاعاً إلى حين) كما قدم ذلك في مواطن من القرآن الكريم وذلك نحو قوله (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ ليؤوس كَفُورٌ) هود (9). وقوله (وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ) الشورى (48). وما الغرض من هذا التقديم والتأخير؟ فنقول: ههنا سؤالان. السؤال الأول: هل يصح تقديم الجار والمجرور على الرحمة في آية يس؟ والآخر: ما الغرض من هذا التقديم والتأخير فيما ورد من نحو ذلك في القرآن؟ أما الجواب عن السؤال الأول فقال: أنه لا يصح تقديم الجار والمجرور على الرحمة في آية يس لأن المعنى سيختل ذلك أنه لو قال (ولا هم ينقذون منا إلا رحمة ومتاعاً إلى حين) أو (ولا هم ينقذون إلا منا) كان المعنى أنه سينقذهم من الله تعالى منقذ وينجيهم منه مغيث رحمة ومتاعاً إلى حين، وبذلك يكون الله عاجزاً عن إغراقهم تعالى عن ذلك لأنه سيكون من ينقذهم من الله، ولذا لا يصح التقديم في الآية. أما تقديم الجار والمجرور فيما ذكرناه من آيتي هود والشورى فذلك ما يقتضيه المقام. فإنه سبحانه وتعالى قال في هود: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) هود (9 ،10). وقال في الشورى (وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ) . في حين قدم الرحمة على الجار والمجرور في سورة فصلت فقال: (لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فيؤوس قَنُوطٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظ ٍ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) (49 – 51). ومن النظر في المواطن الثلاثة يتضح أن الكلام في (فصلت) على الرحمة أكثر وأثرها على الإنسان أوسع مما في هود والشورى فإنه في هود والشورى لم يذكر إلا إذاقته إياها ونزعها منه، فذكر حالة نزع الرحمة فقط ولم يذكر أثر الرحمة عليه.وأما في الشورى: فإنه لم يزد على أن قال (فرح بها). وأما في (فصلت) فقد فصل وأطال في وصف أثرها فيه واحتفائه بها فناسب تقديمها في (فصلت). ونحو ذلك قوله تعالى في سورة هود (وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ) - (2) 8) بتقديم الرحمة على الجار والمجرور. وقوله في السورة نفسها (وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً) هود (63) بتقديم الجار والمجرور على الرحمة. ومن النظر في سياق الآيتين يتضح سبب التقديم والتأخير فيهما. قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ…ا) لخ (25 – 28). وقال: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ... ) الخ (61 – 63). فأنت ترى من النصين السابقين أن الكلام على الرحمة في قصة نوح أطول ووصفهما أكثر فقد قال (وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) . وليس الأمر كذلك في قصة صالح فقد قال( وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً) ولم يزد على ذلك. ثم قال بعدها (فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) . فلما كان الكلام على الرحمة أكثر في قصة نوح قدم الرحمة وإنما لم يكن الكلام كذلك في قصة صالح أخرها. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أن الكلام في قصة صالح على الله أكثر (قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ). وقال في قصة نوح (أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ) فقال في قصة صالح: 1- اعْبُدُوا اللَّهَ. 2- مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ. 3- هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ. 4- وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا. 5- فَاسْتَغْفِرُوهُ. 6- ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ. 7- إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ. ولم يزد في قصة نوح على أن قال أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ. فناسب تقديم الضمير العائد على الله في قصة صالح فقال وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً دون قصة نوح. فناسب التقديم والتأخير من جهتين: 1- من جهة التوسع في ذكر الرحمة في قصة نوح فناسب ذلك تقديمها. 2- ومن جهة التفصيل في الكلام على الله في قصة صالح دون قصة نوح فناسب تقديم ضميره وتأخير الرحمة. وقد تقول: لقد قال في آية يس (إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا) وفي مواطن من القرآن الكريم قال (رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا ) فهل من فرق بين التعبيرين؟ فنقول: الظاهر من التعبير القرآني أن قوله (رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا ) أخص من قوله ( رَحْمَةً مِّنَّا) ذلك أن قوله ( رَحْمَةً مِّنَّا) فيه الرحمة عامة تشمل جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم فقد قال تعالى (وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ) وقال (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) فصلت (50). أما قوله (رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا) فهي رحمة خاصة بالمؤمن ولم ترد في القرآن الكريم في غير المؤمنين. قال تعالى على لسان سيدنا نوح (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) هود (28). وقال في الخضر وهو الرجل الصالح الذي اتبعه موسى ليتعلم منه (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ) الكهف65. وقال في سيدنا أيوب عليه السلام (وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) الأنبياء 84. ونظير هذا قوله (نعمة منا) و(نعمة من عندنا) فإن قوله (نعمة منا) فيه النعمة عامة تشمل المؤمن والكافر، قال تعالى (فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) الزمر 49. وقال (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) الزمر 8. فهذه النعمة عامة شملت عموم الناس وقد أصابت الكافر كما هو واضح في الآية الثانية. أما قوله (نعمة من عندنا) فهي خاصة بالمؤمن، قال تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ) – القمر 34،35 وهذا نظير قوله (رحمة منا) و(رحمة من عندنا). وقد تقول ولكنه قد يرد في الموقف الواحد مرة (رحمة منا) ومرة (رحمة من عندنا) وذلك نحو قوله تعالى في سيدنا أيوب في سورة الأنبياء (وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ )84. وقوله فيه في سورة (ص) (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) - 43. فما الفرق؟ فنقول إن السياق الذي وردت فيه كل من الآيتين هو الذي يوضح سبب الاختلاف بين التعبيرين. قال تعالى في سورة (ص) (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ )41-44. وقال في سورة الأنبياء ( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) 83-84. ومن النظر في النصين يتضح الفرق: 1- فقد قال في سورة (ص) (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) فذكر مس الشيطان له، وقد اختلف المفسرون في تفسير هذا المس وفسره بعضهم بانه وسوسة من الشيطان أطاعه فيها، جاء في (الكشاف): "ولما كانت وسوسته إليه وطاعته له فيما وسوس سبباً فيما مسه الله به من النصب والعذاب نسبة إليه" (2). أما في سورة الأنبياء فقال (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ) فذكر في (ص) ما هو خلاف الأولى فناسب ذكر (رحمة منا) في (ص) و(رحمة من عندنا) في الأنبياء. 2- ذكر في سورة الأنبياء الله بصفة الرحمة فقال (وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ولم يذكر مثل ذلك في (ص). 3- ذكر في الأنبياء أن الله استجاب له وكشف ما به من ضر تصريحاً ولم يذكر مثل ذلك في (ص) بل فهم ذلك ضمناً، فكان ما في الأنبياء أتم وأكمل مما ذكر في (ص) فناسب كل تعبير موطنه. ثم إن السياق في كل من السورتين يوضح ذلك أيضاً: فقد ذكرت قصة أيوب عليه السلام بعد قصة داود وسليمان عليهما السلام في السورتين، وكان السياق في سورة (ص) فيما وقع لهما خلافاً للأولى فقد ذكر فيها سيدنا داود وتسور المحراب عليه وفزعه من المتسورين، وذكر الحكم في مسألة النعاج التي ترمز إلى أمر ما الله أعلم به، وعلى أية حال فقد ظن داود أن الله قد فتنه فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب وغفر الله له ذلك. وذكر سليمان وأنه أحب حب الخير عن ذكر ربه، وذكر أن الله قد فتنه وألقى على كرسيه جسداً ثم أناب. وذكر أيوب وأن الشيطان قد مسه بنصب وعذاب. فالمقام والسياق في الابتلاءات والفتن التي تعرض لها الأنبياء المذكورون وليس في سورة الأنبياء مثل ذلك وإنما ذكر التفضل والإنعام عليهم ورحمته بهم فقد ذكر داود وسليمان وحكمهما في الحرث فقال (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ولم يذكر إنه فتنهما وإنما ذكر تفضله وإنعامه عليهما. وذكر أيوب ولم يذكر إنه مسه الشيطان وإنما قال (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ). فناسب المقام والسياق ذكر الخصوصية بقوله (رحمة من عندنا) في سورة الأنبياء دون سورة (ص) والله أعلم. ثم لننظر إلى الآيتين من ناحية آخري فقد قال في (الأنبياء): (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ). وقال في (ص): (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) وإليك الفرق بينهما: في الأنبياء في (ص) فاستجبنا له -- فكشفنا ما به من ضر -- أتيناه أهله وهبنا له أهله رحمة من عندنا رحمة منا وذكرى للعابدين وذكرى لأولي الألباب ونود أن نذكر ما يأتي تعقيباً على النصين: 1- إن قوله (أتيناه) يشمل (وهبنا له) وزيادة، فإن الإيتاء يشمل الهبة وغيرها، فقد يستعمل الإيتاء في المال وغيره نحو قوله (آتيناه حكماً وعلماً) وقوله (آتينا ثمود الناقة مبصرة) وقوله (آتيناهم الكتاب) مما لا تصح الهبة في نحوه. 2- إن قوله (رحمة من عندنا) يشمل (رحمة منا) وزيادة، إذ الرحمة في قوله (منا)عامة يشترك فيها عموم الخلق مؤمنهم وكافرهم، أما قوله (رحمة من عندنا) فهي رحمة خاصة تزيد على الرحمة العامة فهي إذن تشمل قوله (رحمة منا) مع زيادة في الرحمة. 3- وقوله (للعابدين) يشمل أولى الألباب) وزيادة في الوصف، فإن العابدين كلهم من أولي الألباب وليس أولو الألباب كلهم من العابدين، ذلك أنه لا تصح عبادة من غير عقل، وعلى هذا فإن العابدين يزيدون في الوصف على أولي الألباب، فإن العابدين هم: أولو الألباب + عبادة فكان قوله (للعابدين) يشمل أولي الألباب وزيادة. 1- وزاد على ذلك قوله فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ. وبهذا يتضح أن آية الأنبياء تشمل آية (ص) وزيادة، فناسب كل تعبير مكانه. هذا علاوة على إنه في سورة (ص) تكرر ذكر مشتقات الهبة، وفي (الأنبياء) تكرر ذكر الإيتاء. فقد قال في (ص) (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ) - 9، وقال (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ-) 30 وقال (وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) 35- وقال (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ) 43. وقال في (الأنبياء): (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً )(48) وقال (وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ ) 51 وقال (وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ) 73 وقال (وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ) 74 وقال (وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ) 79 وقال 0وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ) 84 فناسب لفظ (وهبنا) ما في (ص) و(آتينا) ما في الأنبياء من حيث السمة التعبيرية لكل من السورتين. ثم من ناحية آخري إن لفظ العبادة والعابدين ورد في سورة الأنبياء أكثر مما ورد في (ص) بل لم يرد لقط (العابدين) في (ص). فقد ورد ذلك في الأنبياء عشر مرات في حين ورد في (ص) خمس مرات. قال تعالى في الأنبياء (لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ 19) وقال (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) ( 25) وقال (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ 26) وقال (قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ ) 53) وقال ( أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ ) (66) وقال (أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) (67) وقال: (وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ )(73) وقال (وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ )(84) وقال (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ 92) وقال (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ )(106). وقال في (ص): (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ 17) وقال (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ ) (30) وقال (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ) 41 وقال (نِعْمَ الْعَبْدُ 44) وقال (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ..)(45). فناسب قوله (وذكرى للعابدين) ما في الأنبياء، وقوله (وذكرا لأولى الألباب) ما في (ص). ومما زاده حسناُ أنه قال في (ص) (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)( 29) فناسب قوله (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) . وأنه قال في (الأنبياء) (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ )(73). وقال (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ )(106). فناسب ذلك قوله (وآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) هذا علاوة على أن سورة الأنبياء تكررت فيها مواقف العبادة وسياقاتها مما لم ير مثله في (ص) وشرح ذلك يطول مما لا يناسب هذا المقام. فناسب كل تعبير مكانه من كل وجه، والله أعلم.

    — فاضل السامرائي

ترجمات معاني الآية ٤٤ من سورة يس

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(44) Except as a mercy from Us and provision for a time.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال