تفسير المفردات : والألباب : العقول واحدها لب، وسمي بذلك لكونه خالص ما في الإنسان من قواه. والعبرة : الحال التي يتوصل بها من قياس ما ليس بمشاهد بما هو بمشاهد.
الإيضاح : لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب قص الخبر : حدث به على أصح الوجوه وأصدقها، من قولهم قص الأثر واقتصه إذا تتبّعه وأحاط به خبرا، أي لقد كان في قصص يوسف عليه السلام مع أبيه وإخوته عبرة لذوي العقول الراجحة والأفكار الثاقبة، لأنهم هم الذين يعتبرون بعواقب الأمور التي يدل عليها غوائلها ومقدماتها، أما الأغرار الغافلون فلا يستعملون عقولهم في النظر والاستدلالات، ومن ثم لا يفيدهم النصح.
وجهة الاعتبار بهذه القصة أن الذي قدر على إنجاء يوسف بعد إلقائه في غيابة الجب، وإعلاء أمره بعد وضعه في السجن، وتمليكه مصر بعد أن بيع بالثمن البخس، والتمكين به في الأرض من بعد الإسار والحبس الطويل، وإعزازه على من قصده بالسوء من إخوته، وجمع شمله بأبويه وبهم بعد المدة الطويلة المدى، والمجيء بهم من الشقة البعيدة النائية إن الذي قدر على ذلك كله لقادر على إعزاز محمد صلى الله عليه وسلم كلمته، وإظهار دينه، فيخرجه من بين أظهركم، ثم يظهره عليكم، ويمكن له في البلاد، ويؤيده بالجند والرجال، والأتباع والأعوان، وإن مرت به الشدائد، وأتت دونه الأيام والحوادث.
ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه أي ما كان هذا القصص حديثا يختلق ويفترى، لأنه نوع أعجز حملة الأحاديث ورواة الأخبار ممن لم يطالع الكتب ولم يخالط العلماء، فهو دليل ظاهر، وبرهان قاهر، على أنه جاء بطريق الوحي والتنزيل. ومن ثم قال ولكن تصديق الذي بين يديه أي من الكتب السماوية التي أنزلها الله قبله على أنبيائه كالتوراة والإنجيل والزبور، أي تصديق ما عندهم من الحق فيها، لا كل الذي عندهم، فهو ليس بمصدق لما عمدهم من خرافات فاسدة، وأوهام باطلة، لأنه جاء لمحوها وإزالتها، لا لإثباتها وتصديقها.
وتفصيل كل شيء من أمر الله ونهيه، ووعده ووعيده، وبيان ما يجب له تعالى من صفات الكمال وتنزهه عن صفات النقص، وفيه قصص الأنبياء مع أقوامهم، لما فيها من عبر وعظات وسائر ما بالعباد إليه حاجة.
وعلى الجملة ففي القرآن تفصيل كل شيء يحتاج إليه في أمر الدين، وقد أسهب في موضع الإسهاب، وأوجز حيث يكفي الإيجاز، ففصّل الحق في العقائد بالحجج والدلائل، وفي الفضائل والآداب وأصول الشريعة وأمهات الأحكام، بما به تصلح أمور البشر، وشؤون الاجتماع.
وهدى أي هو هدى لمن تدبره، وأمعن في النظر فيه، وتلاه حقّ تلاوته، فهو مرشد إلى الحق وهاد إلى سبيل الرشاد وعمل الخير والصلاح، في الدين والدنيا.
ورحمة لقوم يؤمنون أي وهو رحمة عامة للمؤمنين الذين تنفذ فيهم شرائعه في دينهم ودنياهم.
والخاضعون لها من غير المؤمنين يكونون في ظلها آمنين على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم أحرارا في عقائدهم وعباداتهم، مساوين للمؤمنين في حقوقهم ومعاملاتهم، يعيشون في بيئة خالية من الفواحش والمنكرات التي تفسد الأخلاق وتعبث بالفضائل.
نسأل الله العظيم أن يجعلنا منهم في الدنيا والآخرة، وأن يحشرنا في زمرة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. يوم تسود وجوه وتبيض وجوه وأن يجعل خواتيمنا خير الخواتيم في الدنيا والآخرة كما جعل خاتمة يوسف مع أبويه وإخوته كذلك.
تفسير المراغي
المراغي