ﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ

ولما ذكر تعالى المفاوتة في الأعمار، المنادية بإبطال الطبائع الموجبة للمسابقة إلى الاعتبار لأولي الأبصار، للخوف كل لحظة من مصيبة الموت، أتبعها بالمفاوتة في الأرزاق فقال : والله ، أي : الذي له الأمر كله، فضل بعضكم ، أيها الناس، على بعض في الرزق ، فمنكم غني، ومنكم فقير، ومنكم مالك، ومنكم مملوك، كل ذلك بتقدير العزيز الحكيم، فيجعل الضعيف العاجز الجاهل أغنى من القوي المحتال العالم، فنرى أكيس الناس وأكثرهم عقلاً، يفني عمره في طلب القليل من الدنيا ولا يتيسر له ذلك، ونرى أجلف الخلق وأقلهم عقلاً وفهماً، تفتح له أبواب الدنيا فكل شيء خطر بباله، أو دار في خياله، فإنه يحصل له بسهولة. ولو كان السبب في ذلك هو جهل الإنسان وعقله، لوجب أن يكون الأعقل أفضل في هذه الأحوال، فلما رأينا أنّ الأعقل أقل نصيباً، وأنّ الأجهل الأخس أوفر نصيباً، علمنا أنّ ذلك بسبب قسمة القسام كما قال تعالى : أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا [ الزخرف، ٣٢ ]، فاتقوا الله، وأجملوا في طلب الرزق، وأقبلوا في جمع قلوبكم على ما ينفعكم من الاستبصار، وأنشد سفيان بن عيينة يقول :

كم من قويّ قويّ في تقلبه مهذب الرأي عنه الرزق منحرف
ومن ضعيف ضعيف العقل مختلط كأنه من خليج البحر يغترف
وحكي أنّ سليمان المهلبي أرسل إلى الخليل بن أحمد بمئة ألف درهم فردّها الخليل وكتب إليه هذه الأبيات :
أبلغ سليمان أني عنه في سعة وفي غنى غير أني لست ذا مال
شحي بنفسي أني لا أرى أحداً يموت جوعاً ولا يبقى على حال
فالعجز عن قدرها العجز ينقصه ولا يزيدك فيه حول محتال
والفقر في النفس لا في المال تعرفه ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال
وقال الشافعي رحمه الله تعالى :
ومن الدليل على القضاء وكونه بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
تنبيه : هذا التفاوت ليس مختصاً بالمال بل هو حاصل في الذكاء والبلادة، والحسن والقبح، والعقل والحمق، والصحة والسقم، والاسم الحسن والاسم القبيح، وهذا بحر لا ساحل له. قال الرازي : وقد كنت مصاحباً لبعض الملوك في بعض الأسفار، وكان ذلك الملك كثير المال والجاه، فكانت الجنائب الكثيرة تقاد بين يديه، وما كان يمكنه ركوب واحد منها، وربما أحضرت الأطعمة الشهية والفواكه الكثيرة العطرة عنده، وما كان يمكنه أن يتناول شيئاً منها، وكان من الفقراء من هو صحيح المزاج وقوي البنية كامل القوّة، وما كان يجد ملء بطنه طعاماً، فذلك الملك وإن كان يفضل هذا الفقير في المال إلا أنّ هذا الفقير كان يفضل ذلك الملك في الصحة والقوّة، وهذا باب واسع إذا اعتبره الإنسان عظم تعجبه فيه، فنسأل الله تعالى أن يغنينا من فضله، وأن يرضينا بما قسم لنا إنه كريم جواد.
ثم ضرب الله تعالى مثلاً للذين جعلوا لله شركاء بقوله تعالى : فما الذين فضلوا ، أي : في الرزق، وهم الموالي، برادّي رزقهم على ما ملكت أيمانهم ، أي : بجاعلي ما رزقناهم من الأموال وغيرها، بينهم وبين مماليكهم، فهم ، أي : المماليك والموالي، فيه سواء ، أي : شركاء، يقول الله تعالى : هم لا يرضون أن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقناهم سواء، فكيف يجعلون بعض عبيدي شركائي في ملكي وسلطاني، وقيل : معنى الآية : أنّ الموالي والمماليك، الله رازقهم جميعاً، فهم في رزقه سواء، فلا تحسبن الموالي يردّون أرزاقهم على مماليكهم من عند أنفسهم، بل ذلك رزق الله أجراه على أيدي الموالي للمماليك. والمقصود منه : بيان أنّ الرازق هو الله تعالى لجميع خلقه، وأنّ الموالي والمماليك في ذلك الرزق سواء، وأنّ المالك لا يرزق المملوك، وإنما ذلك رزقي أجريته إليهم على أيديهم، فالرازق للمالك والمملوك هو الله تعالى.
ولما قرّر سبحانه وتعالى هذه الدلائل وبينها وأظهرها بحيث يفهمها كل عاقل، كان ذلك إنعاماً عظيماً منه على الخلق، فعند هذا قال : أفبنعمة الله ، في تقرير هذه البيانات، وإيضاح هذه البينات، يجحدون ، أي : يكفرون، وفي ذلك إنكار على المشركين، حيث جحدوا نعمته، وعبدوا غيره، وجعلوا له شركاء يضيفون إليهم بعض ما أنعم به عليهم، فيسوّون بينهم وبينه في ذلك. وقرأ شعبة بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء على الغيبة.

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

الشربيني

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير