ﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ

ثم لما بين سبحانه خلق الإنسان وتقلبه في أطوار العمر، ذكر طرفاً من أحواله، لعله يتذكر عند ذلك، فقال : والله فَضَلَ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ فِي الرزق فجعلكم متفاوتين فيه، فوسع على بعض عباده حتى جعل له من الرزق ما يكفي ألوفاً مؤلفة من بني آدم، وضيقه على بعض عباده حتى صار لا يجد القوت إلاّ بسؤال الناس والتكفف لهم، وذلك لحكمة بالغة تقصر عقول العباد عن تعقلها والاطلاع على حقيقة أسبابها، وكما جعل التفاوت بين عباده في المال، جعله بينهم في العقل والعلم والفهم وقوّة البدن وضعفه، والحسن والقبح، والصحة والسقم، وغير ذلك من الأحوال، وقيل : معنى الآية : أن الله سبحانه أعطى الموالي أفضل مما أعطى مماليكهم، بدليل قوله : فَمَا الذين فُضّلُوا بِرَادّى رِزْقِهِمْ على مَا مَلَكَتْ أيمانهم أي : فما الذين فضلهم الله بسعة الرزق على غيرهم برادّي رزقهم الذي رزقهم الله إياه على ما ملكت أيمانهم من المماليك فَهُمُ أي : المالكون والمماليك فِيهِ أي : في الرزق سَوَآء أي : لا يردّونه عليهم بحيث يساوونهم، فالفاء على هذا للدلالة على أن التساوي مترتب على الترادّ، أي : لا يردّونه عليهم رداً مستتبعاً للتساوي، وإنما يردّون عليهم منه شيئاً يسيراً، وهذا مثل ضربه الله سبحانه بعبدة الأصنام، أي : إذا لم يكونوا عبيدكم معكم سواء، ولا ترضون بذلك، فكيف تجعلون عبيدي معي سواء. والحال أن عبيدكم مساوون لكم في البشرية والمخلوقية، فلما لم تجعلوا عبيدكم مشاركين لكم في أموالكم، فكيف تجعلون بعض عباد الله سبحانه شركاء له فتعبدونهم معه ؟ أو كيف تجعلون بعض مخلوقاته كالأصنام شركاء له في العبادة ؟ ذكر معنى هذا ابن جرير، ومثل هذه الآية قوله سبحانه : ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ من مَا مَلَكَتْ أيمانكم مّن شُرَكَاء فِيمَا رزقناكم [ الروم : ٢٨ ] وقيل : إن الفاء في فهم فيه سواء بمعنى حتى أَفَبِنِعْمَةِ الله تجحدون حيث تفعلون ما تفعلون من الشرك، والنعمة هي كونه سبحانه جعل المالكين مفضلين على المماليك. وقد قرئ يجحدون بالتحتية والفوقية. قال أبو عبيدة، وأبو حاتم : وقراءة الغيبة أولى، لقرب المخبر عنه، ولأنه لو كان خطاباً، لكان ظاهره للمسلمين، والاستفهام للإنكار، والفاء للعطف على مقدّر، أي : يشركون به، فيجحدون نعمته، ويكون المعنى على قراءة الخطاب أن المالكين ليسوا برادّي رزقهم على مماليكهم، بل أنا الذي أرزقهم وإياهم، فلا يظنوا أنهم يعطونهم شيئاً، وإنما هو رزقي أجريه على أيديهم، وهم جميعاً في ذلك سواء، لا مزية لهم على مماليكهم، فيكون المعطوف عليه المقدّر فعلاً يناسب هذا المعنى، كأن يقال : لا يفهمون ذلك فيجحدون نعمة الله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير عن عليّ في قوله : وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر قال : خمس وسبعون سنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي قال : هو الخرف. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة قال : من قرأ القرآن، لم يرد إلى أرذل العمر، ثم قرأ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا . وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس، قال : العالم لا يخرف. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح وغيره أنه كان يتعوّذ بالله أن يردّ إلى أرذل العمر.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : والله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ فِي الرزق قال : لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني ؟ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال : هذا مثل لآلهة الباطل مع الله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : والله جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا قال : خلق آدم، ثم خلق زوجته منه. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، والبخاري في تاريخه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن ابن مسعود في قوله : بَنِينَ وَحَفَدَةً قال : الحفدة : الأختان. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال : الحفدة : الأصهار، وأخرجا عنه، قال : الحفدة : الولد وولد الولد. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال : الحفدة بنو البنين. وأخرج ابن جرير، عن أبي جمرة قال : سئل ابن عباس عن قوله : بَنِينَ وَحَفَدَةً قال : من أعابك فقد حفدك، أما سمعت الشاعر يقول :

حفد الولائد حولهنّ وأسلمت بأكفهن أزمة الأجمال
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً، قال : الحفدة : بنو امرأة الرجل، ليسوا منه. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أفبالباطل يُؤْمِنُونَ قال : الشرك. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : هو الشيطان وبنعمة الله قال : محمد. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله الآية، قال : هذه الأوثان التي تعبد من دون الله لا تملك لمن يعبدها رِزْقًا منَ السماوات والأرض ولا خيراً ولا حياة ولا نشوراً فَلاَ تَضْرِبُوا لله الأمثال فإنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله سبحانه : فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمثال يعني : اتخاذهم الأصنام. يقول : لا تجعلوا معي إلهاً غيري، فإنه لا إله غيري.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية