ﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ

المعنى الجملي : بعد أن ذكر عجائب أحوال الحيوان، وما فيها من نعمة للإنسان، كالأنعام التي يتخذ من ضرعها اللبن، والنحل التي يشتار منها العسل، ويؤخذ منها الشمع للإضاءة – أردف ذلك ببيان أحوال الناس، فذكر مراتب أعمارهم، وأن منهم من يموت وهو صغير، ومنهم من يعمّر حتى يصل إلى أرذل العمر، ويصير نسّاء لا يحفظ شيئا، وفي ذلك دليل على كمال قدرة الله ووحدانيته، ثم ثنّى بذكر أعمال أخرى لهم، وهي تفضيل بعضهم على بعض في الرزق، فقد يرى أكيس الناس وأكثرهم عقلا وفهما، يفني عمره في طلب القليل من الدنيا، وقلّ أن يتيسر له، بينا يرى أقلّ الناس علما وفهما تتفتح له أبواب السماء، ويأتيه الرزق من كل صوب، وذلك دليل على أن الأرزاق قد قسمها الخلاق العليم، كما قال : نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا [ الزخرف : ٣٢ ]. وقال الشافعي رحمه الله :
ومن الدليل على القضاء وكونه بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
ثم ثلث بذكر نعمة ثالثة عليهم ؛ إذ جعل لهم أزواجا من جنسهم، وجعل لهم من هذه الأزواج بنين وحفدة، ورزقهم المطعومات الطيبة من النبات، كالثمار والحبوب والأشربة، أو من الحيوان على اختلاف أنواعها.
ولما ذكر سبحانه تفاوت الناس في الأعمار ذكر تفاوتهم في الأرزاق فقال : والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ، أي : والله تعالى جعلكم متفاوتين في أرزاقكم، فمنكم الغني ومنكم الفقير، ومنكم المالك، وأعطاكم من الرزق أكثر مما أعطى مماليككم، ولم يجعل ذلك بحسن الحيلة وفضل العقل فحسب، فكثيرا ما نرى الحول القلب لا يحصل إلا على الكفاف من الرزق بعد الجهد الجهيد، بينما نرى الأحمق يتقلب في نعيم العيش وزخرف الدنيا، ولله در سفيان بن عيينة إذ يقول :

كم من قوي قوي في تقلبه مهذب الرأي عنه الرزق منحرف
ومن ضعيف ضعيف العقل مختلط كأنه من خليج البحر يغترف
فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء ، أي : فما الذين فضّلوا بالرزق، وهم : الموالي، بجاعلي رزقهم من الأموال وغيرها – شركة بينهم وبين مماليكهم، بحيث يساوونهم في التصرف فيها، ويشاركونهم في تدبيرها.
والخلاصة : إن الله جعلكم متفاوتين في الرزق، فرزقكم أكثر مما رزق مماليككم، وهم بشر مثلكم وإخوانكم، فكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم، وتتساووا وإياهم في الملبس والمطعم والمسكن، لكنكم لم ترضوا بهذه المساواة، مع أنهم أمثالكم في البشرية والمخلوقية لله عز وجل، فما بالكم تشركون بالله فيما يليق إلا به من الألوهية والمعبودية بعض عباده، بل أخس مخلوقاته.
وهذا مثل ضربه الله سبحانه ؛ لبيان قبح ما فعله المشركون من عبادة الأصنام والأوثان تقريعا لهم. ونحو الآية قوله : هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء [ الروم : ٢٨ ].
أفبنعمة الله يجحدون ، إذا أضافوا بعض تلك النعم الفائضة عليهم من مولاهم إلى شركائهم، وجعلوها أندادا، وهي لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير