ﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ

بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً الْآيَةَ [٣٠ ٥٤]، وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ [٣٥ ١١]، وَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِ: ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَّنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [٤٠ ٦٧].
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ [١٦ ٧٠]، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُوسَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَعْوَرُ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَدْعُو: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْبُخْلِ وَالْكَسَلِ، وَأَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ»، اه. وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أَنَّ أَرْذَلَ الْعُمُرِ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً. وَعَنْ قَتَادَةَ: تِسْعُونَ سَنَةً. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا تَحْدِيدَ لَهُ بِالسِّنِينَ، وَإِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ تَفَاوُتِ حَالِ الْأَشْخَاصِ ; فَقَدْ يَكُونُ ابْنُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ أَضْعَفَ بَدَنًا وَعَقْلًا، وَأَشَدَّ خَرَفًا مِنْ آخَرَ ابْنِ تِسْعِينَ سَنَةً، وَظَاهِرُ قَوْلِ زُهَيْرٍ فِي مُعَلَّقَتِهِ:

سَئِمْتُ تَكَالِيفَ الْحَيَاةِ وَمَنْ يَعِشْ ثَمَانِينَ حَوْلًا لَا أَبًا لَكَ يَسْأَمِ
أَنَّ ابْنَ الثَّمَانِينَ بَالِغُ أَرْذَلِ الْعُمُرِ
، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ الْآخَرِ:
إِنَّ الثَّمَانِينَ وَبُلِّغْتُهَا قَدْ أَحْوَجَتْ سَمْعِي إِلَى تُرْجُمَانْ
وَقَوْلُهُ: «لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا» [١٦ ٧٠] (أَيْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلَ الْعُمُرِ، لِأَجْلِ أَنْ يَزُولَ مَا كَانَ يَعْلَمُ مِنَ الْعِلْمِ أَيَّامَ الشَّبَابَ، وَيَبْقَى لَا يَدْرِي شَيْئًا ; لِذَهَابِ إِدْرَاكِهِ بِسَبَبِ الْخَوْفِ. وَلِلَّهِ فِي ذَلِكَ حِكْمَةٌ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الْعُلَمَاءَ الْعَامِلِينَ لَا يَنَالُهُمْ هَذَا الْخَرَفُ وَضَيَاعُ الْعِلْمِ وَالْعَقْلِ مِنْ شِدَّةِ الْكِبَرِ، وَيُسْتَرْوَحُ لِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ بَعْضِ التَّفْسِيرَاتِ) فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ الْآيَةَ [٩٥ ٥ - ٦].
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ، أَظْهَرُ التَّفْسِيرَاتِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ اللَّهَ ضَرَبَ فِيهَا مَثَلًا لِلْكُفَّارِ، بِأَنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ، وَمِنْ ذَلِكَ تَفْضِيلُهُ الْمَالِكِينَ عَلَى الْمَمْلُوكِينَ فِي الرِّزْقِ، وَأَنَّ الْمَالِكِينَ لَا يَرْضَوْنَ لِأَنْفُسِهِمْ أَنْ يَكُونَ الْمَمْلُوكُونَ شُرَكَاءَهُمْ فِيمَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ

صفحة رقم 410

الْأَمْوَالِ وَالنِّسَاءِ وَجَمِيعِ نِعَمِ اللَّهِ. وَمَعَ هَذَا يَجْعَلُونَ الْأَصْنَامَ شُرَكَاءَ لِلَّهِ فِي حَقِّهِ عَلَى خَلْقِهِ، الَّذِي هُوَ إِخْلَاصُ الْعِبَادَةِ لَهُ وَحْدَهُ، أَيْ: إِذَا كُنْتُمْ لَا تَرْضَوْنَ بِإِشْرَاكِ عَبِيدِكُمْ مَعَكُمْ فِي أَمْوَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ: فَكَيْفَ تُشْرِكُونَ عَبِيدِي مَعِي فِي سُلْطَانِيَا؟ !.
وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ الْآيَةَ [٣٠ ٢٨]، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ " مَا " فِي قَوْلِهِ: فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [١٦ ٧١]، نَافِيَةٌ، أَيْ: لَيْسُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُسَوُّوهُمْ مَعَ أَنْفُسِهِمْ. اه.
فَإِذَا كَانُوا يَكْرَهُونَ هَذَا لِأَنْفُسِهِمْ: فَكَيْفَ يُشْرِكُونَ الْأَوْثَانَ مَعَ اللَّهِ فِي عِبَادَتِهَا مَعَ اعْتِرَافِهِمْ بِأَنَّهَا مِلْكُهُ؟ ! ! كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي تَلْبِيَتِهِمْ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي إِبْطَالِ مَذْهَبِ الِاشْتِرَاكِيَّةِ الْقَائِلِ: بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْ أَحَدٍ فِي الرِّزْقِ، وَلِلَّهِ فِي تَفْضِيلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ حِكْمَةٌ ; قَالَ تَعَالَى: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا الْآيَةَ [٤٣ ٣٢]، وَقَالَ: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [١٣ ٢٦]، وَقَالَ: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ [٢ ٢٣٦]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَفِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ قَوْلَانِ آخَرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّهُ جَعَلَكُمْ مُتَفَاوِتِينَ فِي الرِّزْقِ ; فَرَزَقَكُمْ أَفْضَلَ مِمَّا رَزَقَ كَلِمَةً وَاحِدَةً، وَهُمْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ ; فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَرُدُّوا فَضْلَ مَا رُزِقْتُمُوهُ عَلَيْهِمْ، حَتَّى تَسَاوَوْا فِي الْمَلْبَسِ وَالْمَطْعَمِ ; كَمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَّهُ أَمَرَ مَالِكِي الْعَبِيدِ أَنْ يُطْعِمُوهُمْ مِمَّا يَطْعَمُونَ، وَيَكْسُوهُمْ مِمَّا يَلْبَسُونَ "، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [١٦ ٧١]، لَوْمٌ لَهُمْ، وَتَقْرِيعٌ عَلَى ذَلِكَ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهُ - جَلَّ وَعَلَا - هُوَ رَازِقُ الْمَالِكِينَ وَالْمَمْلُوكِينَ جَمِيعًا ; فَهُمْ فِي رِزْقِهِ سَوَاءٌ، فَلَا يَحْسَبَنَّ الْمَالِكُونَ أَنَّهُمْ يَرُدُّونَ عَلَى مَمَالِيكِهِمْ شَيْئًا مِنَ الرِّزْقِ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ رِزْقُ اللَّهِ يُجْرِيهِ لَهُمْ عَلَى أَيْدِيهِمْ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ: هُوَ الْأَظْهَرُ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ،

صفحة رقم 411

أضواء البيان

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي

سنة النشر 1415
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية