العسل والقرآن. إِنَّ فِي ذلِكَ أي في اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة وفي اهتدائها إلى جمع الأجزاء العسلية من أطراف الأشجار والأوراق لَآيَةً أي لعبرة لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) فإن من تفكّر في شؤون النحل جزم قطعا بأن لها خالقا قادرا حكيما يلهمها ذلك وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ فإن خالق الأبدان هو الله تعالى ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ أي يقبض أرواحكم عند انقضاء آجالكم فإن الحياة والموت إنما حصلا بتخليق الله تعالى وبتقديره وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ أي أحقره وهو الهرم.
قال العلماء: عمر الإنسان له أربع مراتب:
أولها: سن النشوء وهو من أول العمر إلى بلوغ ثلاث وثلاثين سنة وهو غاية سن الشباب.
وثانيها: سن الوقوف وهي من ذلك إلى أربعين سنة وهو غاية القوة وكمال العقل.
وثالثها: سن الانحطاط القليل وهو سن الكهولة وهو من ذلك إلى ستين سنة.
ورابعها: سن الانحطاط الكبير وهو سن الشيخوخة وهو من ذلك إلى خمسة وستين سنة وفيه يتبين النقص والهرم.
قال علي بن أبي طالب: أرذل العمر خمسة وسبعون سنة
. وقال قتادة: تسعون سنة. وقال السدي: إنه الخرف أي زوال العقل. وقيل: والمسلم لا يزداد بسبب طول العمر إلا كرامة على الله تعالى. وقال عكرمة: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً أي ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفولية في نقصان العقل وسوء الفهم وفي النسيان إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بمقادير أعمالكم قَدِيرٌ (٧٠) على تحويلكم من حال إلى حال وكان الإنسان ميتا حين كان نطفة، ثم صار حيا، ثم مات فلما كان الموت الأول جائزا كان عود الموت جائزا فكذلك لما كانت الحياة الأولى جائزة وجب أن يكون عود الحياة جائزا في المرة الثانية، ومتى كان الأمر كذلك ثبت أن القول بالبعث والنشر والحشر حق.
وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ أي فاوت بينكم في الرزق كما فاوت بينكم في الذكاء، والبلادة، والحسن، والقبح، والصحة، والسقم فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي
رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ
أي فليس الذين فضلوا في الرزق على غيرهم بجاعلي رزقهم لعبيدهم حتى تكون عبيدهم فيه معهم سواء في الملك وهم أمثالهم في البشرية والمخلوقية والمرزوقية.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في نصارى نجران حين قالوا: إن عيسى ابن مريم ابن الله فالمعنى أنكم لا تشركون عبيدكم فيما ملكتم فتكونون سواء فكيف جعلتم عبدي عيسى ابنا لي وشريكا بي في الإلهية أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) فإن من أثبت لله شريكا فقد أسند إليه بعض الخيرات فكان جاحدا لكونها من عند الله تعالى، وأيضا إن أهل الطبائع وأهل
النجوم يضيفون أكثر هذه النعم إلى الطبائع وإلى النجوم وذلك يوجب كونهم جاحدين لكونها من الله تعالى. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر «تجحدون» بالتاء على الخطاب وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي من جنسكم أَزْواجاً أي زوجات لتأنسوا بها وتقيموا بها مصالحكم.
قال الأطباء: والتفاوت بين الذكر والأنثى إن الذكر أسخن مزاجا، والأنثى أكثر رطوبة، فالمني إذا انصب إلى الخصية اليمنى من الرجل، ثم انصب منها إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكرا تاما في الذكورة. وإن انصب إلى الخصية اليسرى من الرجل ثم انصب منها إلى الجانب الأيسر من الرحم كان الولد أنثى تاما في الأنوثة، وإن انصب إلى الخصية اليمنى ثم انصب منها إلى الجانب الأيسر كان الولد ذكرا في طبيعة الإناث، وإن انصب إلى الخصية اليسرى، ثم انصب منها إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد أنثى في طبيعة الذكور وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ أي من نسائكم بَنِينَ وَحَفَدَةً أي خدما يسرعون في طاعتكم وهم إما أولاد الأولاد وإما البنات فإنهن يخدمن البيوت أتم خدمة وإما الأختان على البنات أي فيحصل لهم الأختان بسبب البنات وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أي بعض اللذائذ من النبات والحيوان فالمرزوق في الدنيا أنموذج لما في الآخرة وكل الطيبات في الجنة أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ أي أيكفرون بالله الذي شأنه ذلك المذكور ويؤمنون بالباطل بأن يحرموا على أنفسهم طيبات أحلها الله لهم مثل البحيرة والسائبة والوصيلة، ويبيحوا لأنفسهم محرمات حرمها الله عليهم وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النصب أي لم يحكمون بتلك الأحكام الباطلة وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) أي وبأنعام الله في تحليل الطيبات وتحريم الخبيثات يجحدون وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً أي أيعبدون الأصنام التي لا تملك لعبدتهم رزقا من المطر والنبات لا قليلا ولا كثير، فشيئا بدل من رزقا وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) أي وليس للأصنام استطاعة تحصيل الملك وهذا معطوف على ما لا يملك وعبر عن الأصنام بلفظ ما اعتبارا للحقيقة، وبلفظ جمع العقلاء اعتبارا لاعتقادهم فيها أنها آلهة فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ أي لا تشبهوا الله تعالى بخلقه في شأن من الشؤون فإن عبدة الأوثان كانوا يقولون: إن إله العالم أعظم من أن يعبده الواحد منا بل نحن نعبد الكواكب أو هذه الأصنام، ثم إن الكواكب والأصنام عبيد الإله الأكبر الأعظم فإن أصاغر الناس يخدمون أكابر خدم الملك وأولئك الأكابر يخدمون الملك فكذا هاهنا فعند هذا قال الله تعالى لهم: اتركوا عبادة هذه الأصنام والكواكب ولا تجعلوا لله الأمثال التي ذكرتموها وكونوا مخلصين في عبادة الإله القدير الحكيم إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أن خطأ قولكم الاشتغال بعبادة عبيد الملك أدخل في التعظيم من الاشتغال بعبادة نفس الملك، لأن هذا الدليل قياس، والقياس يجب تركه عند ورود النص وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤) ذلك فتقعون في مهاوي الضلال ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا بالعبد والحر عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ من التصرفات وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً أي
مستحسنا عند الناس مرضيا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً أي حال السر والجهر هَلْ يَسْتَوُونَ أي هل يستوي العبيد والأحرار الموصوفون بتلك الصفات مع أن الفريقين سيان في البشرية والمخلوقية لله تعالى، وأن ما ينفقه الأحرار ليس مما لهم دخل في إيجاده بل هو مما أعطاه الله تعالى إياهم فحيث لم يستو الفريقان فما ظنكم برب العالمين حيث تشركون به ما لا ذليل أذل منه وهو الأصنام. والمعنى لو فرضنا عبدا مملوكا لا يقدر على التصرف، وحرا غنيا كريما كثير الإنفاق في كل وقت، فصريح العقل يشهد بأنه لا تجوز التسوية بينهما في التعظيم والإجلال فلما لم تجز التسوية بينهما مع استوائهما في الصورة البشرية، فكيف يجوز للعاقل أن يسوي بين الله القادر على الرزق وبين الأصنام التي لا تقدر ألبتة. الْحَمْدُ لِلَّهِ أي كل الحمد له تعالى لأنه معطي جميع النعم لا يستحقه أحد غيره فضلا عن استحقاق العبادة بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥) إن كل الحمد لله وحده فيسندون نعمه تعالى إلى غيره ويعبدونه لأجلها، وبعض الكفار يعلمون ذلك وإنما لا يعلمون سبب الحمد عنادا كقوله تعالى: يعرفون نعمة الله، ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون. وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ أي الذي لا يحسن الكلام ولا يعقل لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ للعجز التام وللنقصان الكامل وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أي هذا الأبكم ثقيل على من يعوله أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ أي أينما يرسله من يلي أمره في وجه معين لا يأت بمطلوب لأنه عاجز لا يحسن شيئا ولا يفهم هَلْ يَسْتَوِي هُوَ أي
هذا الموصوف بهذه الصفات الأربع وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ أي من هو منطيق فهم ينفع الناس بحثهم على العدل وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦) أي وهو عادل مبرأ عن العبث وإذا ثبت في بديهة العقل أن الأبكم العاجز لا يساوي الناطق القادر الكامل في الفضل والشرف مع استوائهما في البشرية، فلأن نحكم بأن الجماد لا يكون مساويا لرب العالمين في المعبودية أولى. وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي ولله تعالى خاصة الأمور الغائبة عن علوم المخلوقين قاطبة، فإن علمه تعالى حضوري وتحقق الغيب في أنفسها علم بالنسبة إليه تعالى. وهذا بيان كمال العلم. وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أي وما أمر إقامة الساعة وهي إماتة الأحياء وإحياء الأموات من الأولين والآخرين، وتبديل صور الأكوان أجمعين إلا كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها في سهولته! أَوْ هُوَ أَقْرَبُ أي بل أمر إقامة الساعة أقرب من طرف العين في السرعة بأن يكون في زمان نصف تلك الحركة فالله تعالى يحيي الخلق دفعة، وهي في جزء غير منقسم، وهذا بيان كمال القدرة إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) فإن الله تعالى متى أراد شيئا إيجاده أو إعدامه حصل في أسرع ما كان وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً أي غير عارفين شيئا أصلا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ أي جعل لكم هذه الأشياء آلات تحصلون بها المعرفة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) أي لكي تستعملوها في شكر ما أنعم الله به عليكم طورا غبّ
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا
محمد أمين الضناوي