٧١ - قوله تعالى: وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ في الرِّزْقِ: كَثَّر وقَلَّلَ، وبَسَطَ وقَبَضَ، ووَسَّعَ وضَيَّقَ، فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا: في الرزق وأُعطوا الفضْل، بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ، يقول: لا يردّ المولى على ما ملكت يمينه مما رُزق شيئًا حتى يكون المولى والمملوك في المال سواء.
قال أبو إسحاق: أي قد فَضَّلَ اللهُ المُلاَّكَ على ممالِيكِهِم، فجعلَ المملوك لا يقدر على مِلْكٍ من مَوْلَاه، وأعلم أن المالكَ ليس يَرُدُّ على مملوكه من فضل ماله حتى يستوي حالهما في الملك (١)، وهذا مَثَلٌ ضربه اللهُ مثلًا للمشركين في تَصْيِيرِهم عباد الله شركاء له، فقال: إذا لم يكن عبيدكم معكم سواء في الملك، فكيف تجعلون عبيدي معي سواء؟! وقال صاحب النظم: معنى الفاء في قوله: فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ حتى (٢)؛ لأن التأويل: فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا: بجاعلي رزقهم لعبيدهم حتى يكون عبيدهم
(٢) أشار المرادي إلى أن الفاء قد تأتي بمعنى (حتى) عند بعض النحويين؛ كما في قوله فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ [الأنعام: ١٣٩] لكنه ضعف هذا القول، معتبرًا الفاء هنا عاطفة. "الجنى الداني" ص ٧٧، وهذا القول الذي ذكره صاحب النظم قول جيد، وقد إنفرد به، فلم أجده في كتب إعراب القرآن، وقد ذكر المنتجب في "الفريد في إعراب القرآن" ٣/ ٢٣٩، عند قوله تعالى: فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ثلاثة أقوال: أن الجملة من المبتدأ والخبر جملة اسمية واقعة في موضع جملة فعلية، ومحلها النصب على جواب النفي بالفاء، والتقدير: فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا مع عبيدهم، أو على الحال على تقدير زيادة الفاء. أن محلها الرفع، إما على الاستئناف، أي هم سواء في أني رزقت الجميع، أو على العطف على موضع برادي، على تقدير: فما الذين فضلوا يردون رزقهم على ما ملكت أيمانهم فما يستوون. أنه على إضمار ألف الاستفهام، أي: أفهم فيه سواء؟ على سبيل التوبيخ والتقريع، ومعناه النفي: أي ليسوا مستوين فيه.
فيه معهم سواء في الملك، فقدله: فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ صفة لما تَقَدَّمه من الخبر لا جوابٌ له؛ ولو كان جوابًا له لكان قد أوجب أن يكون المولى والعبيد في ذلك سواء، وهو عز وجل إنما أراد أنهم لا يستوون في الملك، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ إلى قوله: فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ [الروم: ٢٨] بمعنى: حتى أنتم فيه سواء إليّ، هل يشاركونكم في أموالكم حتى تكونوا أنتم وهم فيه سواء.
وهذا الذي ذكرنا هو قول جميع المفسرين في هذه الآية؛ قال مجاهد: هذا مَثَلُ آلهة الباطل مع الله (١).
وقال السدي: يقول: فكما لا يرد أحدهم على مملوكه مما رزقه الله حتى يكون مثله، فلذلك لا أكون أنا وهذا الصنم الذي هو من خلقي ومما ملكت سواءً فيما خلقت (٢).
وقال قتادة: يقول: هذا الذي فُضِّل في المال والولد لا يشرك عبدَه في ماله وزوجته، يقول: قد رضيتَ بذلك لله ولم ترض به لنفسك، فجعلت لله شريكًا في خلقه وملكه (٣).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢/ ٣٥٨) بنصه، والطبري ١٤/ ١٤٣ بنصه، ومن طريق آخر بمعناه، وورد في "تفسير السمرقندي" ٢/ ٢٤٢، بنحوه، وورد بمعناه في "تفسير الجصاص" ٣/ ١٨٥، و"معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٨٦، و"تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥٩ ب، والطوسي ٦/ ٤٠٦، وانظر: "تفسير البغوي" ٥/ ٣١، و"تفسير القرطبي" ١٠/ ١٤١، والخازن ٣/ ١٢٦، وأبي حيان ٥/ ٥١٤، وابن كثير ٢/ ٦٣٦، و"الدر المنثور" ٤/ ٢٣٣، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
وروي عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية في نصارى نجران حين قالوا: عيسى ابن مريم ابن الله (١).
قال الفراء: فهذا مثل ضربه الله للذين قالوا: إن عيسى ابنه، فقال: أنتم لا تُشركون عبيدكم فيما ملكتم، فتكونون سواءً فيه، فكيف جعلتم عَبْدَه شريكًا له تعالى (٢)، وتلخيص معنى الآية، أنه يقول: إنكم كلكم (من بني آدم وأنتم بينكم فيما ملكت أيمانكم، وأنتم (٣) كلكم) (٤) بشر، فكيف تشركون بين الله وبين الأصنام وأنتم لا ترضون لأنفسكم فيمن هو مثلكم بالشركة.
وقوله تعالى: أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ قرأه العامة: يجحدون بالياء (٥)؛ لأنه يراد به غير المسلمين، والمسلمون لا يخاطبون بجحدهم نعمة الله، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بالتاء (٦)؛ على تقدير: قل لهم: أفبنعمة الله -بهذه الأشياء التي تقدم اقتصاصها- تجحدون بالإشراك به.
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١١٠، بنصه.
(٣) (أنتم): ساقطة من (ش).
(٤) ما بين القوسين ساقط من (ع)، وهو أشبه بكلام معترض، ويستقيم الكلام بدونه، بل بدونه أوضح.
(٥) انظر: "السبعة" ص ٣٧٤، "إعراب القراءات السبع وعللها" ١/ ٣٥٨، و"علل القراءات" ١/ ٣٠٨، و"الحجة للقراء" ٥/ ٧٦، و"المبسوط في القراءات" ص ٢٢٥، و"شرح الهداية" ٢/ ٣٨١، و"التيسير" ص ١٣٨.
(٦) انظر: المصادر السابقة.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي