ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤ

وَإِذَا رَأى الذين أَشْرَكُوا شُرَكَاءهُمْ أي : أصنامهم وأوثانهم التي عبدوها، لما تقرّر من أنهم يبعثون مع المشركين ليقال لهم ( من كان يعبد شيئاً فليتبعه )، كما ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم. قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاء شُرَكَاؤُنَا الذين كُنَّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ أي : الذين كنا نعبدهم من دونك. قال أبو مسلم الأصفهاني : مقصود المشركين بهذا القول إحالة الذنب على تلك الأصنام تعللاً بذلك، واسترواحاً، مع كونهم يعلمون أن العذاب واقع بهم لا محالة، ولكن الغريق يتعلق بكل ما تقع يده عليه. فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول أي : ألقى أولئك الأصنام والأوثان والشياطين ونحوهم إلى المشركين القول إِنَّكُمْ لكاذبون أي قالوا لهم : إنكم أيها المشركون لكاذبون فيما تزعمون من إحالة الذنب علينا الذي هو مقصودكم من هذا القول. فإن قيل : إن المشركين أشاروا إلى الأصنام ونحوها أن هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك، وقد كانوا صادقين في ذلك، فكيف كذبتهم الأصنام ونحوها ؟ فالجواب بأن مرادهم من قولهم هؤلاء شركاؤنا هؤلاء شركاء الله في المعبودية، فكذبتهم الأصنام في دعوى هذه الشركة ؛ والأصنام والأوثان وإن كانت لا تقدر على النطق، فإن الله سبحانه ينطقها في تلك الحال، لتخجيل المشركين وتوبيخهم، وهذا كما قالت الملائكة بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الجن [ سبأ : ٤١ ]. يعنون : أن الجنّ هم الذين كانوا راضين بعبادتهم لهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا قال : شهيدها نبيّها على أنه قد بلغ رسالات ربه، قال الله وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا على هَؤُلاء قال : ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية، فاضت عيناه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول قال : حدّثوهم. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج وَأَلْقَوا إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم قال : استسلموا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة نحوه. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وهناد بن السرّي، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث والنشور، عن ابن مسعود في قوله : زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب قال : زيدوا عقارب لها أنياب كالنخل الطوال. وأخرج ابن مردويه والخطيب عن البراء :( أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله تعالى : زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب ، فقال :( عقارب أمثال النخل الطوال ينهشونهم في جهنم ) وأخرج أبو يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب قال : خمسة أنهار من نار صبها الله عليهم يعذبون ببعضها بالليل، وببعضها بالنهار، وقد روى ابن مردويه من حديث جابر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :( الزيادة خمسة أنهار تجري من تحت العرش على رءوس أهل النار، ثلاثة أنهار على مقدار الليل، ونهران على مقدار النهار ) فلذلك قوله : زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب ). وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود، قال : إن الله أنزل في هذا الكتاب تبياناً لكل شيء، ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن، ثم قرأ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَانًا لّكُلّ شَيء . وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن الضريس في فضائل القرآن، ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة، والطبراني، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود، قال : من أراد العلم، فليثور القرآن، فإن فيه علم الأوّلين والآخرين. وأخرج أحمد عن عثمان بن أبي العاص، قال :( كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً، إذ شخص بصره فقال :( أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من السورة : إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان الآية ). وفي إسناده شهر بن حوشب. وقال ابن كثير في تفسيره : إسناده لا بأس به. وقد أخرجه مطوّلاً أحمد، والبخاري في الأدب، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه من حديث ابن عباس. وحسن ابن كثير إسناده. وأخرج الماوردي، وابن السكن، وابن منده، وأبو نعيم في معرفة الصحابة عن عبد الملك بن عمير، أن هذه الآية لما بلغت أكثم بن صيفي، حكيم العرب قال : إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها، ثم قال لقومه : كونوا في هذا الأمر رؤوساً، ولا تكونوا فيه أذناباً، وكونوا فيه أوّلاً ولا تكونوا فيه آخراً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله : إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل قال : شهادة أن لا إله إلاّ الله. والإحسان أداء الفرائض وَإِيتَاء ذِي القربى قال : إعطاء ذوي الأرحام الحق الذي أوجبه الله عليك بسبب القرابة والرحم. وينهى عَنِ الفحشاء قال : الزنا والمنكر قال : الشرك والبغي قال : الكبر والظلم يَعِظُكُمُ قال : يوصيكم لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ، وأخرج سعيد بن منصور، والبخاري في الأدب، ومحمد بن نصر في الصلاة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب قال : أعظم آية في كتاب الله الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم [ البقرة : ٢٥٥ ]. وأجمع آية في كتاب الله للخير والشر الآية التي في النحل إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان وأكثر آية في كتاب الله تفويضاً وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ [ الطلاق : ٢ - ٣ ]. وأشدّ آية في كتاب الله رجاء : يا عبادي الذين أَسْرَفُوا على أَنفُسِهِمْ [ الزمر : ٥٣ ] الآية. وأخرج البيهقي في الشعب عن الحسن أنه قرأ هذه الآية : إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان إلى آخرها، ثم قال : إن الله عزّ وجلّ جمع لكم الخير كله، والشرّ كله، في آية واحدة، فوالله ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله شيئاً إلاّ جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئاً إلاّ جمعه. وأخرج البخاري في تاريخه من طريق الكلبي عن أبيه قال : مرّ عليّ بن أبي طالب بقوم يتحدثون، فقال : فيم أنتم ؟ قالوا : نتذاكر المروءة. فقال : أو ما كفاكم الله عزّ وجلّ ذلك في كتابه، إذ يقول : إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان فالعدل : الإنصاف، والإحسان : التفضل، فما بقي بعد هذا ؟


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية