٤٣ - قوله تعالى: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ قال ابن عباس: (لم ينصره النفر الذين افتخر بهم في قوله: وَأَعَزُّ نَفَرًا) (١).
قال الفراء والزجاج: (يَنْصُرُونَهُ محمول على معنى الفئة، ولو حمل على لفظها لقيل: تنصره، كما قال: فِئَةٌ تُقَاتِلُ [آل عمران: ١٣]) (٢). وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا بأن يسترد بدل ما ذهب منه. قال الزجاج: (وما كان هو أيضًا قادر على نصرة نفسه) (٣).
وقال قتادة: (وما كان ممتنعًا) (٤). وقد تمت هاهنا قصة الأخوين، وضربت مثلاً للمؤمن مع الكافر، فالكافر تغره دنياه ويتبجح بها ويظن أنها تبقى له، والمؤمن يصبر على نوائبها احتسابًا من الله تعالى جميل الأجر وجزيل الذخر، ولا يركن إليها لما يعلم من فنائها. وقبل ذكر قصة الأخوين ذكر الله تعالى ما أعد للكافرين في قوله: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا [الكهف: ٢٩] إلى آخر الآية، وما أعد للمؤمنين في قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [الكهف: ٣٠ - ٣١] الآيتان.
٤٤ - ثم عاد الكلام إلى ما قبل القصة فقال: هُنَالِكَ قال الكلبي: (يقول عند ذلك، وهو يوم القيامة) (٥).
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٤٥، "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٢٨٩.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٢٨٩.
(٤) "جامع البيان" ١٥/ ٢٥١، "النكت والعيون" ٣/ ٣٠٨، "الجامع لأحكام القرآن" ١٠/ ٤١٠، "الدر المنثور" ٤/ ٤٠٧.
(٥) "النكت والعيون" ٣/ ٣٠٩، وذكره السمرقندي في "بحر العلوم" ٢/ ٣٠٠ بدون نسبة، وكذلك القرطبي ١٠/ ٤١١.
وذكرنا عند (١) قوله: هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ [آل عمران: ٣٨] أنه يجوز أن يشار بهنالك إلى المكان، وإلى ما مضى من الزمان.
وقوله تعالى: الْوَلَايَةُ أكثر القراء على فتح الواو (٢)، والولاية: نقيض العداوة، ومعناها التولي، وهو مصدر الوَلِيِّ (٣). وروي عن أبي عمرو، والأصمعي أنهما قالا: (الولاية بالكسر هاهنا لحن (٤)، والكسر في فعالة يجيء فيما كان صنعة نحو: الخياطة والصناعة (٥)، أو معنى متقلدًا كالكتابة والإمارة والخلافة، وليس هنا معنى تولي أمر، إنما (٦) الولاية من الدين) (٧). وكذلك التي في الأنفال: مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الأنفال: ٧٢]. وأما ولاية الأمور فهو بالكسر، كولاية السلطان، ومن أهل اللغة من يقول: يجوز الفتح في هذه، والكسر في تلك. كما قالوا: الوِكالة
(٢) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وعاصم، وأبو عمر: (الولاية) بفتح الواو. وقرأ حمزة، والكسائي: (الولاية) بكسر الواو. انظر: "السبعة" ص ٣٩٢) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ١٤٩، "التبصرة" ص ٢٤٨، "العنوان" ص ١٢٣.
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" (ولى) ٤/ ٣٩٥٥، "مقاييس اللغة" (ولى) ٦/ ١٤١، "لسان العرب" (ولى) ٨/ ٤٩٢٠.
(٤) قولهما: (أن الكسر هنا لحن). قول لا يعول عليه، لأنه مخالف لقراءة سبعية ثابتة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، والقراءة الثابتة حجة على اللغة، فلا يجوز ردها أو تضعيفها، كما أن الفتح والكسر هنا جائز عند أكثر أهل اللغة.
(٥) في (ص): (الصياغة).
(٦) في (س): (إنما هو الولاية).
(٧) "المحرر الوجيز" ٩/ ٣١٨، "البحر المحيط" ٦/ ١٣٠، "الدر المصون" ٧/ ٤٩٩، "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ١٤٩.
والوَكالة، والوصاية والوصاية بمعنى واحد (١).
وقوله تعالى: لِلَّهِ الْحَقِّ من كسر القاف جعله من وصف الله سبحانه، ووصفه بالحق وهو مصدر كوصفه بالعدل وبالسلام (٢). والمعنى: أنه ذو الحق وذو السلام. وكذلك الإله معناه ذو العبادة، ويدل على صحة هذه القراءة: وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [النور: ٢٥]، وقوله: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام: ٦٢]، ويصدقه قراءة عبد الله: (هنالك الولاية لله وهو الحق) (٣). وقرأ أبو عمرو والكسائي: للهِ الحقُّ بضم القاف (٤). جعلا الحق من صفة الولاية، وحجتهما قراءة أبي: (هنالك الولاية الحقّ لله) (٥). ومعنى وصف الولاية بالحق: أنه لا يشوبها غيره، ولا يخاف فيها ما يخاف في سائر الولايات من غير الحق.
وأما معنى الآية فقال أبو إسحاق: (في تلك الحال بيانُ الولاية لله أي: عند ذلك يتبين وليُّ الله بتولي الله إياه) (٦). قوله: (في تلك الحال)
(٢) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وعاصم: (لله الحقِّ) بالكسر. انظر: "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ١٤٩، "الغاية في القراءات العشر" ص ٣٠٧، " التبصرة" ص ٢٤٩، "النشر" ٢/ ٣١١.
(٣) انظر كتاب قراءة عبد الله بن مسعود ص ١٢٤.
(٤) قرأ أبو عمرو البصري، والكسائي: (لله الحقُّ) بالضم.
انظر: "السبعة" ص ٣٩٢، "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ١٤٩، "المبسوط في القراءات" ٢٣٥، "حجة القراءات" ٤١٨.
(٥) "معالم التنزيل" ٥/ ١٧٣، "روح المعاني" ١٥/ ٢٨٥، "البحر المحيط" ٦/ ١٣١.
(٦) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٢٨٩.
يعني: في حال مجازاة الله الكافر والمؤمن الولاية لله، على معنى: هنالك يتبين ذلك على ما ذكر. وقال ابن قتيبة: (يريد يومئذ يتولون الله ويؤمنون به، ويتبرؤون مما كانوا يعبدون) (١). وهذا أظهر من قول الزجاج. وذهب غيرهما في معنى الولاية في هذه الآية: إلى تولي الأمر، لا إلى معنى الموالاة، فقال: (معنى الآية: في ذلك الموطن الذي هو موطن الجزاء لا يتمكن أحد من نصرة أحد، بل الله تعالى يتولى ذلك، فينصر المؤمنين ويخذل الكافرين، لا يملك ذلك أحد من العباد، فالولاية يومئذ تخلص له كما قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤] (٢).
وقوله تعالى: هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا يقول: هو أفضل ثوابًا يقول: هو أفضل ثوابًا ممن يرجى ثوابه. قال أهل المعاني: (قوله: هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا مع أنه لا يثبت إلا هو، على تقدير: لو كان يثبت غيره لكان هو خير ثوابًا) (٣).
وقيل: (هذا على ادعاء الجهال والكفار أنه قد يثبت غير الله) (٤). وَخَيْرٌ عُقْبًا وعُقُبَا (٥). وهما لغتان في العاقبة يقال: عُقْب، وعُقُب، وعَاقِبَة وعُقْبى، والعقب لا يكون لله تعالى كما يكون الثواب له. ولا يجوز
(٢) "معالم التنزيل" ٥/ ١٧٣، "النكت والعيون" ٣/ ٣٠٩، "الجامع لأحكام القرآن" ١٠/ ٤١١، "التفسير الكبير" ٢١/ ١٢٩.
(٣) "معالم التنزيل" ٥/ ١٧٣، "الجامع لأحكام القرآن" ١٠/ ٤١١.
(٤) "الجامع لأحكام القرآن" ١٠/ ٤١١.
(٥) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: (عُقُبا) مضمومة القاف. وقرأ عاصم، وحمزة: (عُقْبا) ساكنة القاف. انظر: "السبعة" ص ٣٩٢، "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ١٥٠، "التبصرة" ص ٢٤٩، "العنوان" ص ١٢٣، "حجة القراءات" ص ٤١٩.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي