ﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪ

ثم ذكر ما يكون بعد فناء الدنيا التي تقدم مثالها من أهوال الحشر والحساب، فقال :
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً * وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفَّاً لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
قلت : ويوم : معمول لمحذوف، أي : واذكر، أو عطف على قوله :" عند ربك "، أي : والباقيات الصالحات خير عند ربك ويوم القيامة، و حشرناهم : عطف على نُسيّر ؛ للدلالة على تحقق الحشر المتفرع على البعث الذي ينكره المشركون، وعليه يدور أمر الجزاء، وكذا الكلام فيما عطف عليه، منفيًا وموجبًا، وقيل : هو للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير والبروز ؛ ليعاينوا تلك الأهوال، كأنه قيل : وحشرناهم قبل ذلك. و نغادر : نترك، يقال : غادره وأغدره : إذا تركه، ومنه : الغدير ؛ لما يتركه السيل في الأرض من الماء.
يقول الحقّ جلّ جلاله : و اذكر يوم نُسيِّرُ الجبالَ أي : حين نقلعها من أماكنها ونسيرها في الجو، على هيئتها، كما ينبئ عنه قوله تعالى : وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ [ النمل : ٨٨ ] أو : نسير أجزاءها بعد أن نجعلها هباء منثورًا، والمراد من ذكره : تحذير الغافلين مما فيه من الأهوال، وقرئ :" تُسَيَّر " ؛ بالبناء للمفعول ؛ جريًا على سَنَن الكبرياء، وإيذانًا بالاستغناء عن الإسناد إلى الفاعل ؛ لظهور تعينه، ثم قال : وترى الأرضَ أي : جميع جوانبها، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يسمع، بارزةً : ظاهرة، ليس عليها جبل ولا غيره. بل تكون فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً( ١٠٦ ) لاَّ تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً( ١٠٧ ) [ طه : ١٠٦، ١٠٧ ]. وحشرناهم : جمعناهم إلى الموقف من كل حدب، مؤمنين وكافرين، فلم نُغادرْ أي : لم نترك منهم أحدًا .
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : ويوم نُسير جبال الحس، أو الوهم، عن بساط المعاني، وترى أرض العظمة بارزة ظاهرة لا تخفى على أحد، إلا على أَكْمَهَ لا يُبصر القمر في حال كماله، وحشرناهم إلى الحضرة القدسية، فلم نغادر منهم، أي : ممن ذهب عنه الحس والوهم، أحدًا، وعُرضوا على ربك ؛ لشهود أنوار جماله وجلاله، صفًا، للقيام بين يديه، فيقول لهم : لقد جئتمونا من باب التجريد، كما خلقناكم أول مرة، مُطَهَّرِينَ من الدنس الحسي، غائبين عن العلائق والعوائق، وكنتم تزعمون أن هذا اللقاء لا يكون في الدنيا، وإنما موعده الجنة، ومن مات عن شهود حسه، وعن حظوظه، حصل له الشهود واللقاء قبل الموت الحسي، ووضع الكتاب في حق أهل الحجاب، فترى المجرمين من أهل الذنوب مشفقين مما فيه، ووجود العبد : ذَنْبٌ لا يقاس به ذنب، فَنَصْبُ الموازين، ومناقشةُ الحسابِ ؛ إنما هو لأهل الحجاب، وأما العارفون الفانون عن أنفسهم، الباقون بربهم، لم يبق لهم ما يُحاسبون عليه ؛ إذ لا يشهدون لهم فعلاً، ولا يرون لأحد قوة ولا حولا. والله تعالى أعلم.
ولمّا كان سبب العذاب ووجود الحجاب هو التكبر على رب الأرباب، ذكر وبالَهُ بإثر الحشر والحساب، أو تقول : لمَّا ذكر قصة الرجلين ذكر قُبح صنيع من افتخر بنفسه، وأنه شبيه بإبليس، وكل من افتخر واستنكف عن الانتظام في سلك فقراء المؤمنين كان داخلاً في حزبه.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير