ﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪ

قوله تعالى: خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا قال ابن عباس: (يريد أفضل ثوابًا وأفضل أملاً من المال والبنين) (١). وهذا على عادة خطاب العرب تقول في الشيئين: هذا خير، وإن لم يكن في الثاني شيء يُخيَّر به. كقوله تعالى: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا [الفرقان: ٢٤]، ومعلوم أنه، لا خير في مستقر أهل النار، وإلى هذا المعنى أشار الفراء فقال في قوله: وَخَيْرٌ أَمَلًا الأمل للعمل الصالح خير من الأمل للعمل السيئ) (٢).
وقال ابن قتيبة: (وَخَيْرٌ أَمَلًا مما يؤملون) (٣). أي: هو خير أن يؤمل.
٤٧ - قوله تعالى: وَيَوْمَ قال الزجاج: (هو منصوب على معنى واذكر، ثم قال: ويجوز أن يكون نصبه على معنى: خير يوم تسير الجبال، أي: خير في القيامة) (٤). وهذا الوجه يحسن لو لم يكن في وَيَوْمَ الواو (٥).
وقوله تعالى: نُسَيِّرُ الْجِبَالَ معنى التسيير: جعل الشيء يسير، وقال الكلبي: (تُسير الجبال عن وجه الأرض، كما تُسير السحاب في

= على عمل دون آخر، ولا على ما كان يفعله فقراء المهاجرين باعتبار السبب؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وهذا اختيار كثير من المفسرين. انظر: "جامع البيان" ١٥/ ٢٥٦، "الجامع لأحكام القرآن" ١٠/ ٤١٤، "أضواء البيان" ٤/ ١٠٩.
(١) ذكره القرطبي ١٠/ ١٤٤ بدون نسبة، وكذلك "روح المعاني" ١٥/ ٢٨٧.
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٤٦.
(٣) "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ١/ ٢٦٨.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٢٩٢.
(٥) "مشكل إعراب القرآن" ١/ ٤٤٣، "إعراب القرآن" للنحاس ٢/ ٢٧٩.

صفحة رقم 37

الدنيا، ثم تكسر فتعود في الأرض) (١). وهذا معنى قوله: وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) [الواقعة: ٥، ٦] وقرئ: نُسَيِّرُ الْجِبَالَ علي بناء الفعل للفاعل (٢). وهذه القراءة أشبه بما بعده من قوله: وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ، وحجة القراءة الأولى قوله: وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ [النبأ: ٢٠]، وقوله: وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ [التكوير: ٣]، فبني الفعل للمفعول به.
وقوله تعالى: وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً قال ابن عباس: (يريد لا جبل ولا بناء ولا شجر ولا ماء) (٣). وقال مجاهد: (لا خَمَر (٤) فيها) (٥). وقال الكلبي: (ظاهرة ليس عليها شيء) (٦).
وقال أهل المعاني: (لا شيء يسترها، يحشر الناس فيكونون كلهم في صعيد واحد، يرى بعضهم بعضًا) (٧). وهذا قول قتادة في البارزة: (أنها

(١) ذكره الماوردي في "تفسيره" ٣/ ٣١١ بدون نسبة، وكذلك القرطبي في "تفسيره" ١٠/ ٤١٦.
(٢) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: (ويوم تُسير الجبالُ) بالتاء، ورفع الجبال. وقرأ نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (ويوم نُسير الجبالَ) بالنون، ونصب الجبال. انظر: "السبعة" ص ٣٩٣، "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ١٥١، "التبصرة" ص ٢٤٩، "العنوان" ١٢٣، "النشر" ٢/ ٣١١.
(٣) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" ٣/ ٣٨٩ ب بدون نسبة.
(٤) قال الأزهري في "تهذيب اللغة" (خَمَر) ١/ ١١٠٠: الوهدة: خَمر، والأكمة: خَمر، والجبل: خَمر، والشجر: خَمر، وكل ما خلفك فهو خمر. وانظر: "القاموس المحيط" (الخمر) ٣٨٧، "الصحاح" (خمر) ٢/ ٦٥٠.
(٥) "جامع البيان" ١٥/ ٢٥٧، "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ٩٨، "تفسير كتاب الله العزيز" ٢/ ٤٦٥، "تفسير مجاهد" ١/ ٣٧٧.
(٦) ذكر نحوه الثعلبي في "الكشف والبيان" ٣/ ٣٨٩ ب بدون نسبة، وكذلك السمرقندي في "بحر العلوم" ٢/ ٣٠٢.
(٧) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٤٥، "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٢٩٢.

صفحة رقم 38

الظاهرة التي لا بناء عليها، ولا شجر) (١). وقال عطاء: (قد برز الذين كانوا في بطنها فصاروا على ظهرها) (٢). وحكى الكلبي هذا القول أيضًا فقال: (ويقال برز كل شيء فيكون على ظهرها) (٣). وذكره الفراء فقال: (وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً يقول: أبرزنا أهلها من بطنها) (٤).
والقول الأول هو الأولى (٥). وهذا لا يصح إلا على بعد.
واستكره بأن يجعل برز بمعنى: أبرز، فقد قال ابن هانئ (٦) في قول لبيد (٧):

(١) "جامع البيان" ١٥/ ٢٥٧، "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ٩٨، "الدر المنثور" ٤/ ٤١١.
(٢) "الكشف والبيان" ٣/ ٣٨٩ ب، "معالم التنزيل" ٥/ ١٧٦، "الجامع لأحكام القرآن" ١٠/ ٤١٧.
(٣) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" ١٥/ ٢٥٧، "الكشف والبيان" ٣/ ٣٩٠ أ، "النكت والعيون" ٣/ ٣١١، "لباب التأويل" ٤/ ٢١٥، "الجامع حكام القرآن" ١٠/ ٤١٧.
(٤) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٤٦.
(٥) وهذا هو الراجح -والله أعلم- وما عليه جمهور المفسرين، فهي ظاهرة وليس عليه ما يسترها من جبل ولا شجر ولا بنيان، أي: قد اجتثت ثمارها وقلعت جبالها وهدم نيانها فهي بارزة ظاهرة. انظر: "جامع البيان" ١٥/ ١٦٧، "الجامع لأحكام القرآن" ١٠/ ٤١٦، "أضواء البيان" ٤/ ١١١.
(٦) محمد بن هانئ بن محمد بن سعدون الأزدي الأندلسي، أبو القاسم، يتصل نسبة بالمهلب بن أبي صفرة، أشهر المغاربة على الإطلاق، وقد عاصر المتنبي، وولد بإشبيلية ورحل إلى المنصورية بقرب قيروان مدة قصيرة، ثم رحل إلى مصر، وقتل غيلة برقة سنة ٣٦٢ هـ وله ديوان مطبوع.
انظر: "وفيات الأعيان" ٢/ ٤، "النجوم الزاهرة" ٤/ ٦٧، "شذرات الذهب" ٣/ ٤١، "الأعلام" ٧/ ١٣٠.
(٧) هذا عجز بيت للبيد. وصدره: =

صفحة رقم 39

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية