ﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ

٨٨٥- قال النصراني : إن القرآن الكريم شهد بتقديم بيع النصارى وكنائسهم على مساجد المسلمين، وجعل فيها ذكر الله كثيرا. وذلك يدل على أن النصارى في زعمهم على الحق، فلا ينبغي لهم العدول عما هم عليه، لأن العدول عن الحق إنما يكون للباطل.
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه :
أحدهما : أن المراد بهذه الآية : أن الله تعالى يدفع المكاره عن الأشرار بوجوه الأخبار في كل عصر، فما من زمان إلا وفي أهله من الأخيار، فيكون وجود الأخيار سببا لسلامة الأشرار من الفتن والمحن١. فزمان موسى عليه السلام سلم أهل الأرض من بلاء يعمهم بسبب من فيه من أهل الاستقامة على الشريعة الموسوية. وزمان عيسى عليه السلام سلم فيه أهل الأرض بسبب من فيه من أهل الاستقامة على الشريعة العيسوية. وزمان محمد صلى الله عليه وسلم يسلم فيه أهل الأرض بسبب من فيه من أهل الاستقامة على الشريعة المحمدية. وكذلك سائر الأزمان الكائنة بعد الأنبياء عليهم السلام، كل من كان مستقيما على الشريعة الماضية هو سب لسلامة البقية، فلولا أهل الاستقامة في زمن موسى عليه السلام لم تبق صوامع يعبد الله فيها على الدين الصحيح لعموم الهلاك، فينقطع الخير بالكلية. وكذلك سائر الأزمان، فلولا أهل الخير في زماننا لم يبق مسجد يعبد الله فيه على الدين الصحيح، ولغضب الله تعالى على أهل الأرض.
و " الصوامع " : أمكنة الرهبان في زمن الاستقامة حيث يعبد الله تعالى فيها على دين صحيح. وكذلك البيعة، والصلاة، والمسجد. وليس المراد هذه المواطن إذا كفر بالله تعالى فيها، وبدلت شرائعه، وكانت محل العصيان والطغيان، لا محل التوحيد والإيمان. وهذه المواطن في أزمنة الاستقامة لا نزاع فيها، إنما النزاع لما تغيرت أحوالها ذهب التوحيد، وجاء التثليث وكذبت الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وصار ذلك يتلى في الصباح والمساء. فحينئذ هي أقبح بقعة على وجه الأرض، وألعن ما كان يوجد. فلا تجعل هذه الآية دليلا على تفضيلها.
ثانيها : إن الله تعالى قال : صوامع وبيع وصلوات بالتنكير. والجمع المنكر لا يدل عند العرب على أكثر من ثلاثة من ذلك المجموع بالاتفاق، ونحن نقول : إنه قد وقع في الدنيا ثلاث من البيع، وثلاث من الصوامع، كانت أفضل مواضع العبادات بالنسبة على ثلاثة مساجد. وذلك أن البيع التي كان عيسى عليه السلام وخواصه من الحواريين يعبدون الله تعالى فيها، هي أفضل من مساجد ثلاثة أو أربعة لم يصل فيها إلا السفلة من المسلمين. وهذا لا نزاع فيه، إنما النزاع في البيع والصوامع على العموم، واللفظ لا يقتضيه لأنه جمع منكر، وإنما يقتضيه أن لو كان معرفا، كقولنا : البيع-باللام-.
ثالثا : إن هذه الآية تقتضي أن المساجد أفضل بيت عند الله تعالى عكس ما قاله هذا الجاهل بلغة العرب. وتقريره : أن الصنف القليل المنزلة عند الله تعالى أقرب إلى الهلاك من العظيم المنزلة، والقاعدة : " أن الترقي في الخطاب إلى الأعلى فالأعلى أبدا في المدح والذم والتفخيم والامتنان، فيقال في المدح : الشجاع البطل، ولا يقال : البطل الشجاع، لأنك تعد راجعا عن الأول. وفي الذم : العاصي الفاسق، ولا يقال : الفاسق العاصي. وفي التفخيم : فلان يغلب المائة والألف، ولا يقال : فلان يغلب الألف والمائة. وفي الامتنان : لا أبخل عليك بالدرهم ولا بالدينار، ولا يقال : بالدينار والدرهم ". والسر في الجميع أنك تعد راجعا عن الأول، كقهقرتك عما كنت فيه إلى ما هو أدنى منه.
إذا تقرر ذلك، ظهرت أفضلية المساجد، ومزيد شرفها على غيرها، وأن هدمها أعظم من هدم غيرها، لا يوصل إليه إلا بعد تجاوز ما يقتضي هدم غيرها، كما نقول : " لولا السلطان لهلك الصبيان والرجال والأمراء ". فترتقي أبدا للأعلى فالأعلى لتفخيم أمر عدم السلطان، وأن وجوده سبب عصمة هذه الطوائف. أما لو قلت : " لولا السلطان لهلك الأبطال والصبيان " لعد كلامك متهافتا.
رابعا : إن الآية تدل على أن المساجد أفضل بيت وضع على وجه الأرض للعابدين من وجه آخر، وذلك أن القاعدة العربية : أن الضمائر إنما يحكم بعودها على أقرب مذكور. فإذا قلت : " جاء زيد وخالد وأكرمته " فالإكرام خاص بخالد، لأنه الأقرب. فقوله تعالى : يذكر فيها اسم الله كثيرا يختص بالأخير الذي هو المساجد، لأن قوله : فيها ضمير يختص بالقريب، وهذا قول المفسرين. فتكون المساجد قد اختصت بكثرة ذكر الله تعالى، وهو يقتضي أن غيرها لم يساوها في كثرة الذكر، فتكون أفضل، وهو المطلوب.
فائدة : الصومعة : موضع الرهبان. وسميت بذلك لحدة أعلاها ودقته ؛ ومنه قول العرب : " أصمعت التريدة : إذا رفعت أعلاها ". ومنه قولهم " : رجل أصمع القلب : إذا كان حاد الفطنة ".
والصلاة : اسم لمتعبد اليهود. وأصلها بالعبراني : صلوتا، فعربت.
والبيع : اسم لمتعبد النصارى، اسم مرتجل غير مشتق.
والمسجد : اسم مكان السجود. فإن " مفعلا " في لسان العرب : اسم للمكان، واسم للزمان الذي يقع فيه الفعل، نحو : المضرب، لمكان الضرب وزمانه. ( الأجوبة الفاخرة : ٩٤ وما بعدها ).

١ - لعله يقصد ما ورد في سفر التكوين: (١٨/٢٣-٣٢) بشأن توسلات إبراهيم عليه السلام لأهل سدوم حين أتت الملائكة لإهلاكها: "فتقدم إبراهيم وقال: أفتهلك البار مع الأثيم، عسى أن يكون خمسون بارا في المدينة... فقال الرب: إن وحدت في سدوم خمسين بارا في المدينة فإني أصفح عن المكان كله من أجلهم (فما زال إبراهيم يكلم الرب ويتوسل إليه، إلى أن قال): لا يسخط المولى فأتكلم هذه المرة فقط، عسى أن يوجد هناك عشرة، فقال: لا أهلك من أجل العشرة..."..

جهود القرافي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير